Return to Article Details Agricultural Modernization in Independent Morocco: Operation Plow (1957-1962)

التحديث الفلاحي في المغرب المستقل: عملية الحرث (1962-1957) نموذجًا

Agricultural Modernization in Independent Morocco: Operation Plow (1957-1962)

إبراهيم أيت إزي

الملخّص

تُعالج هذه الدارسة جانبًا من محاولات التحديث التي اعتمدها المغرب بعد حصوله على الاستقلال، لتحسين أوضاع المغاربة بعد مرحلة القهر والحرمان التي عانوها خلال الزمن الاستعماري، حيث ركّز في البداية على تحديث القطاع الفلاحي، كونه مصدر عيش الجزء الأكبر من المغاربة. وشرع في عام 1957 في إطلاق ما عُرف بعملية الحرث، بهدف رفع الإنتاجية وعصرنة القطاع باعتماد التقنيات الحديثة في الزراعة، مستفيدًا من التجربة الاستعمارية في هذا الإطار. كما استغلت الدولة الفتية الحماسة التي رافقت مرحلة الاستقلال لضمان احتواء المقاومة الاجتماعية للتغيير، وإقناع الفلاح المغربي بجدوى التحديث. وتخلص الدراسة إلى أن الاضطرابات السياسية التي حبلت بها اللحظة، ورهان الدولة على العالم القروي ونخبه لضمان التوازن السياسي، إلى جانب صعوبة التكيّف التقني والاقتصادي مع مخطط حُكم عليه سريعًا بالفشل، على الرغم من آثاره الإيجابية في ما يتعلق بالمردودية وبداية التغلّب على اقتصاد الكفاف.

Abstract

This study deals with an aspect of the modernization attempts adopted by Morocco after gaining independence to improve the conditions of Moroccans after a period that was fraught with oppression and deprivation in the era of the colonizers. At first, Morocco focused on modernizing the agricultural sector, as it is the source of livelihood for the largest part of Moroccans. In 1957, it began launching what was known as the plowing process, with the aim of increasing productivity and modernizing the sector by adopting modern methods in agriculture, benefiting from the colonial experience in this context. The young country also took advantage of the enthusiasm that accompanied the independence period to ensure that social resistance to change was contained, and to convince the Moroccan peasant of the feasibility of modernization. However, the study concludes that the political turmoil that befell the moment, and the state's bet on the rural world and its elites to ensure political balance. Besides the difficulty of technical and economic adaptation to the scheme, it will be quickly doomed to failure despite its positive effects in terms of profitability and the beginning of overcoming the subsistence economy.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • التحديث الفلاحي
  • عملية الحرث
  • الجرار
  • اقتصاد الكفاف
Keywords:
  • Agricultural Modernization
  • Tillage
  • Tractor
  • Subsistence Economy
إبراهيم أيت إزي | Aitizzy *Brahim
التحديث الفلاحي في المغرب المستقل: عملية الحرث
(1962-1957) نموذجًا
Agricultural Modernization in Independent Morocco:
Operation Plow (1957 - 1962)

مقدمة

امتد إرث فرنسا في المغرب زمن الحماية (1912 - 1956) إلى مستويات عدة، ولامس عددًا من البنى. لذلك اقتنع كثيرون من

الناس بأن الاستقلال السياسي الذي كان ثمنه غاليًا، يبقى شكليًا، إن لم يقترن ببناء اقتصادي وتطور اجتماعي وفكري. وبناء عليه،

كانت الأماني والانتظارات كبيرة لشعب حالم بالقطيعة مع القهر والحرمان اللذين اتّسمت بهما مرحلة الاستعمار. في السياق نفسه، عملت الدولة الفتية على إيلاء القطاع الفلاحي عناية خاصة، لمكانته الاجتماعية والاقتصادية المركزية في

حياة المغاربة. فقد كانت الفلاحة، مع نهاية عهد الحماية، مصدرَ عيشٍ مباشرًا لنحو 65 في المئة من السكان، إضافة إلى أن الإنتاج

الفلاحي كان أساسًا للعديد من الصناعات التقليدية والتحويلية. شكّلت "عملية الحرث" أهم المحاولات التحديثية في قطاع الفلاحة في مغرب ما بعد الاستقلال. فقد سعى البرنامج، الذي

أُطلق في آب/ أغسطس 1957، لرفع الإنتاجية في القطاع الزراعي التقلي يد إلى مستويات أكثر تحديثًا. وصُمّمت العملية للتخفيف ما

أمكن من آثار العائقَين الرئيسَين اللذين كانا يشغلان بال غالبية المزارعين المغاربة. كان العائق الأول هو تقلّب المناخ وعدم انتظام

التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى غلبة القحولة على جزء كبير من الأراضي. والعائق الثاني هو نظام الحيازة السائد؛

إذ لم تتجاوز مساحة الأرض التي في مِلكيّة المزارع العادي خمسة هكتارات، لكن بسبب تركّز ملكية الأراضي، فإن 90 في المئة

من المزارعين كانوا يزرعون أقل من هكتارين فقط. واقترنت بهذا النمط أساليب وتقنيات بسيطة لم تكن تسمح بحرث أكثر من ثلث هكتار واحد في اليوم؛ فإلى نهاية عهد الحماية، لم يكن استعمال الوسائل العصرية في الفلاحة المغربية يتعدّى 1 في المئة من

مجموع الوحدات في الزراعة المغربية، و 10 في المئة من مجموع مساحة الفلاحة التي في مِلكية المغاربة. وبذلك، فقد كانت المزايا المحتملة لاعتماد المكننة جد مهمة. فما أسس هذه التجربة الأولى في تحديث القطاع الفلاحي في المغرب المستقل؟ وكيف اشتغلت؟ وكيف تفاعل معها الفلاح المغربي؟ وما حصيلتها؟

أولًا: التحديث القروي في المغرب في زمن الحماية

تُجمِع غالبية الأدبيات، التي اهتمت بالعالم القروي قبل الاستعمار، سواء في ما يتعلق بنمط العيش أم بنمط الإنتاج، على

عتاقته. فقد وُسم الإنتاج الفلاحي بضعف بنيوي، جعله على هامش الاقتصاد الموجّه للسوق، وارتبط في الدرجة الأولى بتلبية

الحاجيات الذاتية، لعوامل تداخَل فيها الإيكولوجي بالتقني من جهة؛ إذ بقي معتمدًا على تقنيات بسيطة ومِلكيات زراعية صغيرة،

ومتأثرًا بالأزمات المناخية الدورية، ما عرقل تطور قوى الإنتاج، وحكم على المغرب بما سمّته بعض الكتابات "اقتصاد القلّة"، أو

"اقتصاد عدم التراكم". ومن جهة أخرى، لعوامل اجتماعية يمكن إجمالها في شيوع الامتلاك الجماعي للأرض وهيمنة نظام

أحمد تافسكا، الفلاحة الكولونيالية في المغرب 1912 - 1956 (الرباط: المعهد الوطني للبحث الزراعي، 1998)، ص 99.

Charles Stewart, The Economy of Morocco , 1912-1962 (London: Harvard University Press, 1964), p. 177.

3 تافسكا، ص 101.

Michel Nicolas, Une économie de subsistances: Le Maroc précolonial (Le Caire: Institut français d'archéologie orientale, 1997), pp.61 -68.

أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 - 1912)، سلسلة رسائل وأطروحات 63، ط 3 (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب

والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011)، ص 620 - 623؛

William Zartman, "Farming and Land Ownership in Morocco," Land Economics , vol. 39, no. 2 (May 1963), p. 188.

"الشّرْكَة" على الإنتاج الزراعي، وهو ما فرض الطبيعة العينية للأداء؛ بمعنى أن إنتاج الحبوب مثلًا لم يكن مخصصًا في الأساس

للرواج التجاري، إنما لتبادل الخدمات، ما حال دون بروز الاقتصاد النق يد وانتشاره، لأن الحصول على جزء من الإنتاج، في مقابل العمل الزراعي، جعل الاقتصاد عاجزًا عن خلق فائض تجاري وجبائي. وحتى في حال رواج المنتج، فإنه لم يكن يجلب إّلا كمّيات

قليلة من النقود لزهد ثمنه، خصوصًا في الأيام العادية، لكونه لا يُرَوَّج إّلا ضمن دائرة محدودة. بعد عام 1912، قرّرت إدارة الحماية إعادة النظر في وضعية العالم القروي، خاصة الفلاحة التقليدية، وذلك من أجل عقلنة الإنتاج

والزيادة فيه، قصد التسويق، ومعه الاستجابة لحاجيات "المتروبول". ويمكن التمييز في هذا الإطار بين ثلاث محطات رئيسة، طُبعت كل واحدة منها ببرنامج خاص. كانت البداية بتأسيس الشركات الاحتياطية الأهلية prévoyance de indigènes Sociétés التي أحدثت، بمقتضى ظهير 26 ماي [أيار/ مايو] 1917، بهدف إعانة الفلاحين بقروض أو مساعدات تُمكّنهم من مواصلة الأنشطة الفلاحية وتوسيع نطاقها والحصول

على الأدوات والمعدّات الفلاحية، إضافة إلى مساعدة المتضررين من الحوادث الطارئة والكوارث الطبيعية، وحمايتهم من المضاربات

العقارية (الربا والاحتكار). وحتى بداية عام 1922، تم تأسيس 45 شركة، وبعد صدور ظهير 28 نونبر [تشرين الثاني/ نوفمبر] 1921 امتد مجال عمل هذه الشركات ليشمل المناطق الأمازيغية. كان في إمكان هذه الشركات إنشاء تعاونيات فلاحية Agricoles Indigènes Coopératives، تقوم بشراء المحاصيل الفلاحية وبيعها وحفظها. ولتلبية احتياجات الاستغلاليات الكبرى، تأسست صناديق على مستوى الأقاليم، عُرفت باسم "صناديق التوفير

والاقتصاد الأهلي والسلف الممنوح للأهليّين"، وصندوق مركزي "للسلف والاحتياط الأهلي". وخُصّصت الصناديق الإقليمية لضمان

القروض التي يمنحها الصندوق المركزي، والترافع لدى المحاكم، وعقد ضمانات على الأخطار والحوادث. وهدَف الصندوق المركزي

إلى تيسير عمل الشركات الاحتياطية الأهلية والصناديق الإقليمية للتوفير والقرض ومراقبتها، حيث اعتبر المصدر التمويلي لها. اعتمدت فرنسا، خلال ثلاثينيات القرن العشرين، على سياسة زراعية تقوم على تصدير الحمضيات والخضروات، استنادًا إلى

تجربة مستلهمة من الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدًا من ولاية كاليفورنيا، حيث بُذلت جهود واسعة لتحويل المغرب من خزّان

للقمح، إلى بستان واسع للفواكه، باتّباع الأساليب والتقنيات التي اعتمدت في ولاية كاليفورنيا، خاصة مع تشابه الظروف الطبيعية

والمناخية بينهما. بل تميّز المغرب بمقوّمات إضافية، منها القرب من الأسواق الأوروبية، وانخفاض تكلفة اليد العاملة فيه. كانت نتائج هذه المحاولات التحديثية محدودة الأثر، بحكم أسباب عدة، منها: تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبرى في عام 1929، ومحدودية الموارد المالية وعدم توفير الوسائل الضرورية للفلاحين كافة، فالمستفيد الأكبر من القروض الممنوحة كان

6 Nicolas, pp.61 -68.

تم تغييره بظهير 19 يوليوز [تموز/ يوليو] 1917، وظهير 12 [نيسان/] أبريل 1920، وظهير 28 نونبر [تشرين الثاني/ نوفمبر] 1921، ثم ظهير 28 [كانون الثاني/] يناير

1922، ينظر: الجريدة الرسمية، العدد 461، 28 / 2 / 1922، ص 242 - 248. "ظهير شريف بشأن إحداث شركات احتياطية مختصة بالأهليين"، الجريدة الرسمية، السنة الخامسة، العدد 215، 11 / 6 / 1917، ص 460 - 466. 9 تافسكا، ص 88. 10 ينظر: "ظهير شريف بشأن إحداث شركات احتياطية مختصة بالأهليين"، الجريدة الرسمية، العدد 461، 28 / 2 / 1922، ص 246؛ عبد الجليل حليم، "الإصلاح

القروي في عهد الحماية: البيزانا والتحديث"، المناهل، السنة السادسة، العدد 69 - 70 (كانون الثاني/ يناير 2004)، ص 53. 11 "ظهير شريف بشأن تأسيس صناديق بالنواحي تتخصص بالتوفير والاقتصاد الأهلي وبالسلف المنعقد للأهليين وفي إحداث الصندوق المركزي المخصص بالسلف

والاحتياط الأهلي"، الجريدة الرسمية، السنة السادسة والعشرون، العدد 1291، 23 / 7 / 1937، ص 1245 - 1252.

12 Wiil Davis Swearingen, Moroccan Mirages: Agrarian Dreams and Deceptions, 1912-1986 (New Jersey: Princeton University Press, 1987), pp. 59-62.

المستوطن الأوروبي، إضافة إلى نقص التقنيين الأكْفاء، وعدم وجود تدابير لإصلاح البنية الاجتماعية؛ إذ لم يُشرَك الفلاحون، وهم

المعنيون الأساسيون بكل ما تُقرّره "الشركات الاحتياطية الأهلية"، ما أفرغ الجانب التعاوني الذي كانت تدعو إليه هذه المؤسسات

من كل مضمون حقيقي. كما كانت الشروط التي خضعت لها التعاونيات تسعى للحيلولة دون ظهور صناعة رأسمالية أهلية قد تنافس المقاولات الأجنبية، فضلًا عن تزايد معاناة القبائل نتيجة الفوائد العالية على الديون. وعلاوة على ذلك، خلّفت استراتيجية تحويل مياه المجاري والأنهار نحو أراضي المعمرين تداعيات خطرة، خاصة في سنوات الجفاف، لم يسلم من آثارها سكان البوادي والحواضر، الأمر الذي أفضى إلى وقوع احتجاجات، من قبيل ما وقع في مدينة مكناس في عام 1937، بعد تحويل مياه وادي بوفكران الذي كانت تستفيد منه ساكنة المدينة. وبذلك، قامت هذه الشركات بدور سلبي في حياة الفلاحة المغربية؛ إذ كانت تدّخلّاتها تزيد من تأزّم وضعية الفلاح المغربي الذي كان

يصارع، من دون سند أو حماية، ثلاثة تحديات تواجه إنتاجه: الضرائب والتقلبات المناخية والجهل بالوسائل الناجعة لتطوير إنتاجه. ارتأت الإقامة العامة، عقب محدودية النتائج المحصّلة وضغط ظروف الحرب العالمية الثانية، القيام بتغيير سريع وشامل في

البادية المغربية، والتخفيف من سياسة إهمال العالم القروي، لما يمثّله ذلك من مخاطر على الوجود الفرنسي في المغرب؛ إذ شكّل

وضعه المزري أرضيةً خصبةً، سمحت للحركة الوطنية بتوسيع مجال نشاطها إلى خارج الوسط الحضري. شُرع في نهاية عام 1944 في تطبيق برنامج جديد لتطوير الزراعة التقليدية، حيث اقتُرح تأسيس "مجلس فرنسي مغربي لأهل

البادية" paysanat du marocain - franco Conseil للبحث عن الوسائل التي يمكن أن توفّق بين الحالة الاقتصادية والاجتماعية في البادية، والضروريات العصرية، واستبدال الآلات الفلاحية القديمة بآلات عصرية، وكذا تطوير الوضع الاجتماعي للفلاح وتحسين وضعه القانوني. على أن يشمل هذا المجلس أعضاء فرنسيين ومغاربة، ويرأسه المقيم العام. ثم بعد ذلك، أنشأت الإقامة العامة، بموجب ظهير 26 [كانون الثاني/] يناير 1945 "مؤسسة مركزية للتجهيز الفلاحي خاصة بالفلاحين" paysanat du agricole équipement ' d Central، وهي مؤسسة عمومية تمتّعت بالشخصية المدنية والاستقلال المالي. وهدفت إلى تنمية

الفلاحة وتربية الماشية، بتقديم قروض للفلاحين وتأطيرهم تقنيًا، وبيع المعدّات الفلاحية أو كرائها لهم. وقد نقلت إليها، بقرار من الإقامة

العامة، في 2 كانون الثاني/ يناير 1947، صلاحيات الكتابة العامة التي كانت تسهر على تطبيق قرارات المجلس الأعلى المُسيّر ل "البيزانا".

13 تافسكا، ص 90.

14 Herman J. Van Wersch, "Rural Development in Morocco: Opération Labour," Economic Development and Cultural Change , vol. 17, no. 1, (October 1968), p. 36; René Rosier, Les sociétés indigènes agricoles de prévoyance au Maroc (Paris: E. Larose, 1925), p. 126.

15 محمد معروف الدفالي، "الماء في بعض محطات عمل الحركة الوطنية"، في: الماء في تاريخ المغرب، أعمال الندوة المنعقدة بالدار البيضاء أيام 10 - 11 - 12 دجنبر

1996، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، جامعة الحسن الثاني (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، 1999)، ص 207 - 210. 16 تافسكا، ص 101. 17 كانت الإقامة العامة في قمة هرم الإدارة الاستعمارية التي أنشأها نظام الحماية الفرنسية في المغرب، وكان يرأسها المقيم العام الذي كان بموجب معاهدة الحماية

30 آذار/ مارس 1912 ممثل فرنسا في المغرب. 18 تافسكا، ص 106. 19 كما ضم المجلس الصدر الأعظم والوزير المفوض لدى الإقامة العامة والكاتب العام للحماية، إضافة إلى ممثلين عن مختلف الإدارات (اقتصاد، أشغال عمومية،

تعليم، صحة... إلخ) واثني عشر عضوًا؛ ستة فرنسيين، وستة مغاربة، تُعيّنهم الإقامة العامة. وكانت تسهر على تنفيذ قرارات المجلس كتابة عامة تتصل مباشرة بالوزير

المفوض المعتمد بالإقامة العامة، وتتكوّن من مندوبين في المجلس، ينتمي أحدهما إلى إدارة الشؤون السياسية (هو Berque Jacques)، والآخر إلى إدارة الشؤون

الاقتصادية (هو Trintignac Roger)، إلى جانبهم تقرر أن يكون شاب مغربي متخرج في معاهد الفلاحة الفرنسية وحائز شهادتها (هو عبد الله الصبيحي). ينظر: "بيان عن

مشروعات الإصلاحات المعروضة على جلالة مولانا السلطان بتاريخ 14 أكتوبر سنة 1944 "، الجريدة الرسمية، السنة 33، العدد 1679، 29 / 12 / 1944، ص 1265 - 1267. 20 "ظهير شريف بشأن إحداث مؤسسة مركزية للتجهيز الفلاحي الخاصة بالفلاحين"، الجريدة الرسمية، السنة الرابعة والثلاثون، العدد 1688، 2 / 3 / 1945، ص 170 - 171.

ولإنجاز مهماتها، اعتمدت "مركزية التجهيز الفلاحي" على مكاتب محلية تقوم بجمع معلومات حول التكوين الكيماوي للتربة، ونوعية الأسمدة التي ينبغي استخدامها وطريقة محاربة التعرية والأمراض النباتية، لتضعها رهن إشارة مؤسسات أخرى عرفت

ب "قطاعات التحديث الفلاحي" P. M. S , Paysanat du Modernisation de Secteurs، أ نشئت بظهيرُ5 [حزيران/] يونيو 1945، وهي مؤسسات عمومية، كانت تتمتع بالشخصية المدنية وبالاستقلال المالي، وتخضع لمراقبة السلطة المحلية. وهدفت إلى تحديث وضعية الفلاحين وإنشاء أجهزة اقتصادية واجتماعية عصرية. تضمّن هذا المخطط عددًا من الأفكار المهمة، منها التركيز على بعض المناطق، حيث توافرت ظروف بيئية ملائمة، والجمع بين

التنمية الاقتصادية والاجتماعية، عبر تحسين الإنتاج وتوجيه الفلاحة نحو مزروعات جديدة، والعمل على تطبيق مخطط للتنمية وتحسين أوضاع الفلاحين الاجتماعية. واعتبر أنصار هذا المخطط أنه لا يمكن إحداث تحسّن عميق ودائم في الاقتصاد الفلاحي "الأهلي"، إّلا من

خلال تغيير مفاجئ وشامل للعالم القروي. وبذلك، كان من الضروري عدم الاكتفاء بالبحث عن تطوير العالم القروي "الأهلي" بتغيير أساليب العمل وتقديم القروض والعتاد الآلي، بل يجب تغيير العقليات والعادات اليومية للفلاح المغربي. فقد أكد جاك بيرك وجوليان كولو أن من الضروري، في أيّ عملية تحديث فلاحي، الانطلاق من رؤية شمولية، تنظر إلى الحياة الريفية باعتبارها "كًّلا متماسكًا"، مستندَين إلى المنجز

في وادي تينيسي Tennessee في الولايات المتحدة بعد أزمة عام 1929، ومشروع التجميع الزراعي الذي اعتمده الاتحاد السوفياتي. كان البرنامج طموحًا ومتدرّجًا، حيث وضع تصوّرًا ينطلق في البداية بإنشاء خمس مزارع صغيرة ومتوسطة، بمساحة 500 هكتار

في كل واحدة، للوصول بعد ثماني سنوات (أي في عام 1952) إلى 110 ضِيَع، لتكون المساحة المزروعة هي 440000 هكتار؛ أي ما

يعادل 10 في المئة من مساحة المغرب المزروعة. إّلا أن هذه الرؤية لم تتحقق، فمع نهاية الحماية، لم يكن هناك سوى 57 ضيعة صغيرة ومتوسطة الحجم، لا تمتد أنشطتها إّلا على مساحة 75000 هكتار. فإضافة إلى ضعف الإمكانات التي خُصّصت لهذا المشروع الطموح، فقد خلّف ردات فعل معارضة من

داخل إدارة الحماية وخارجها؛ إذ عارضه المستوطنون المزارعون الأوروبيون، ووصفوه بأنه لا يعدو غير "كلخوز" تخريبي، لأن نجاح تطوير العالم القروي كان سيؤدي إلى تقلّص في اليد العاملة المغربية. إضافة إلى ذلك، كانوا قلقين من أن الاستثمار في التحديث

21 "ظهير شريف بشأن إحداث فروع مكلفة بإصلاح حالة الفلاحين وتجديدها على طرق عصرية"، الجريدة الرسمية، السنة 34، العدد 1720، 12 / 10 / 1945، ص 942. 22 إضافة إلى سلطة المراقب والقايد والتقنيين، ضم قطاع التحديث الفلاحي المعلم والطبيب والممرض والمولدة والمسؤول عن الحالة المدنية والمهندس المعماري؛

إذ تم تجهيز كل مركز بمرافق اجتماعية، منها أساسًا مدرسة ومركز صحي، ومرافق اجتماعية عامة أخرى لتوفير إطار عمل للمجتمعات الريفية الحديثة، علاوة على إشراك

السكان في إدارة شؤون القطاع. وتوزعت أنشطة قطاعات التحديث الفلاحي على:

زراعة مباشرة، إما فوق أراضٍ جماعية، في مقابل ريع، وإما فوق أراضٍ مُكتراة، أو باشتراك مع أحد الخواص.

2. تقديم خدمات لمن يطالب بذلك، في مقابل أجرة. تأطير الفلاحين قصد العمل من أجل تحسين الإنتاج، وتقديم خدمات لهم بعد بيع المعدّات التقنية.

وقد أُسّس بين عامي 1945 و 1956 نحو 62 قطاعًا، كانت تشرف على نحو مباشر على تسيير 22 ألف هكتار، وتغطي على نحو غير مباشر 136 ألف هكتار، وتقوم بتتبّع أعمال

35 ألف هكتار. ينظر: حليم، ص 56؛ 36. p , Wersch Van.

23 Jacques Berque & Julien Couleau, "Vers la modernisation du fellah marocain," Bulletin Économique et Social du Maroc , no. 26 (1945), pp. 18-21. 24 Ibid., p. 24. 25 Louis Papy, "Une réalisation française au Maroc, les secteurs de modernisation rurale," Les Cahiers d'Outre-mer: Revue de géographie de Bordeaux , vol. 9, no. 36 (1956), p. 348.

26 تافسكا، ص 106 - 107؛

Pierre Marthelot, "Histoire et réalité de la modernisation du monde rural au Maroc," Revue Tiers Monde , vol. 2, no. 6 (Avril-Juin 1961), p. 146.

القروي سيُقلّل من الأموال التي تُنفَق على الزراعة الاستعمارية. وبذلك، كانت معارضة هذه الفئة للبرنامج مؤثرةً بما يكفي لضمان أن

تبقى ميزانيته صغيرةً. لقي البرنامج معارضة كذلك من أعيان البوادي، خوفًا من فقدان سلطتهم التقليدية، علمًا أنهم كانوا الأكثر استفادة من

البرنامج. وقاومه صغار الفلاحين بحكم النهج الأبوي القاسي الذي كان مُتّبعًا. فقد كانت المشاركة إجبارية، ونادرًا ما كانت تتم استشارة

الجماعات التي كان من المفترض أن تدير المزارع النموذجية إلى جانب الفرنسيين. كما اقترن الرفض بهاجس الخوف من مصادرة الأراضي. وعارضته كذلك الحركة الوطنية التي كانت تخشى تأثير "البيزانا" في الفلاحين، الشيء الذي كان في إمكانه أن يؤدي بهؤلاء إلى التخلّي عن أهدافها السياسية. دفعت هذه المعارضة إلى تعديل المشروع، خاصة بعد تعيين الجنرال ألفونس جوان Juin Alphonse بديلًا من الجنرال إريك لابون Labonne Eirik في أيار/ مايو 1947، تعديلًا أفقده ذلك البعد الشمولي الذي كان مُحرّكه الأساسي. وبذلك استمرت الفلاحة

المغربية على هامش اهتمام إدارة الحماية في مشاريعها لتطوير الاقتصاد الكولونيالي. وبادلًا من تعميم التقنيات الفلاحية، سار المخطط في اتجاه خلق مقاولات عصرية؛ عبر إقامة شبكات الريّ والعمل على إدخال مزروعات صناعية جديدة، والقيام بتحويلها

وتسويقها طبقًا للمنطق الذي يسود أيّ مقاولة. بناء عليه، لم يكن الرهان هو تحديث الجماعة وتحويلها إلى مجلس يدير شؤونه بوسائل عقلانية، ولا تحويل "الخَمّاس" إلى

مستغل عصري، إنما هو أساسًا ترسيخ الوجود الفرنسي في المغرب. فوراء هذه الفلسفة المعلن عنها، كانت "البيزانا" تسعى لهدم التوازن

الاجتماعي التقلي يد، من أجل تعويضه بتوازن جديد يتيح الاستيلاء على الأراضي الجماعية وتمثيل الفلاحين، ومن ثم إدماج المجتمع المغربي في النظام الرأسمالي. وبذلك حظيت الفلاحة الكولونيالية بمختلف أشكال الدعم المالي والمادي والتقني والعلمي، فكانت مختلف البنى التحتية تخدم على نحو مباشر، أو غير مباشر، أغراض المستوطنين المزارعين، وفي مقدمها مراكز البحث الزراعي ومؤسسات القرض

الفلاحي. أما الفلاحة المغربية، فقد بقيت في وضع جامد، بل أكثر من ذلك، تم القضاء على الروح الجماعية التي كانت قاعدة المِلكية الفلاحية في المغرب، وذلك على الرغم من الأهمية الاجتماعية والاقتصادية التي كانت لهذا القطاع، باعتباره المزوّد الرئيس للسوق

الداخلية، في مقابل الزراعة الأوروبية الموجّهة إلى التصدير، ومورد العيش الرئيس للغالبية الساحقة من السكان المغاربة.

ثانيًا: التحديث الفلاحي زمن الاستقلال: عملية الحرث (1962-1957)

عملت الدولة المغربية بعد الاستقلال على محاولة تجاوز الاختلالات التي عاشها القطاع الفلاحي في زمن الحماية، وعجّلت

بمحاولة تحديثه، خاصة بعد شتاء جاف في موسم 1956 - 1957؛ إذ بدت المخاوف كبيرة في خصوص تبعات محصول زراعي هزيل،

27 Stewart, p. 110. 28 Swearingen, pp. 129-130.

29 عبد الجليل حليم، معلمة المغرب (سلا: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1992)، مادة "البيزانا"، ج 6، ص 1944 - 1945.

30 Omar Bessaoud, "Les réformes agraires postcoloniales au Maghreb: un processus inachevé," Revue d'histoire moderne en contemporaine , vol. 4, no. 63, (2016), p. 113.

31 الخَمّاس مصطلح يطلق على الفلاح الذي يشارك صاحب الأرض في مقابل الحصول على خمُس المحاصيل الزراعية.

32 حليم، "الإصلاح القروي في عهد الحماية: البيزانا والتحديث"، ص 57. 33 الطيب بياض، "الزراعة المغربية خلال مرحلة الحماية الفرنسية"، في: الفلاحة في تاريخ المغرب: أعمال ندوة وطنية تكريمًا للأستاذ الدكتور أحمد مزيان،

تنسيق محمد اليزي يد (الرباط: الجمعية المغربية للبحث التاريخي، 2019)، ص 194.

في بلد يعيش فيه أربعة أخماس السكان على الأرض من جهة، ولكون مرجل الوضع السياسي الجديد لا يزال يغلي من جهة أخرى. ومن المهم الإشارة كذلك إلى تأثير المهندسين الزراعيين في الإدارة العليا، وكذا في حزب الاستقلال. وقد اعتُمدت لهذه الغاية خطّة تدعمها حماسة ما بعد الاستقلال، لضمان احتواء المقاومة الاجتماعية للتغيير وإقناع الفلاحين بتفوّق

الممارسات الزراعية الحديثة؛ خاصة استعمال الجرار والأسمدة والبذور المختارة وتناوب المحاصيل. كما تم توفير إمكانات مادية كافية، اعتُمد فيها على مساعدات أميركية وفرنسية، وكذا الموارد المحلية، لدفع تكاليف المكننة والأسمدة التي قُدّرت في السنوات الثلاث

الأولى بنحو أربعة مليارات و 500 مليون فرنك مغربي. كما راهنت الدولة على مساعدة المستوطنين الأوروبيين الذين كان لديهم فائض في المعدّات، وذلك بهدف خلق تعاون بين المغاربة والفرنسيين، كما عبّر عن ذلك وزير الفلاحة، بعد ستة شهور من حوادث مكناس. انطلقت العملية بإعادة تنظيم "مركزية التجهيز الفلاحي" Paysanat، الموروثة من مرحلة الحماية، وتم تغيير ما كان يُعرَف

بقطاعات التحديث الفلاحي، بهياكل أخرى، أ طلق عليها مراكز الأعمالُtravaux de Centres، وذلك بعد أن جرى تفكيك المصالح الاجتماعية (المدارس، المستوصفات... إلخ) التي كانت تابعة لقطاعات التحديث الفلاحي، وربطها بوزاراتها المختصة (وزارة التعليم، وزارة الصحة... إلخ). وبذلك، اقتصر دور هذه المراكز على التمويل والتأطير التقني فحسب. وعلى مستوى الهيكلة، فقد تشكّلت من مجلس إدارة، تُشرف عليه السلطة المحلّية، إلى جانب 5 - 10 أعضاء عن كل مجموعة قبَليّة معنيّة؛ في البداية كانت

السلطة المحلّية هي التي تحدد هذه اللجان، قبل أن تصبح في السنوات اللاحقة منتخبة. وبلغ عددها عند انطلاق المخطط 37 مركزًا، موزّعة على سهول الشاوية والغرب، إضافة إلى هضاب فاس ومكناس. حاولت الدولة من خلال تلك الإجراءات أن تكسب دعم المستفيدين وثقتهم، وجعل العملية ورشًا تعليمية من خلال إشراك المزارعين في إدارتها، وتحمّلهم مسؤولية أعمالهم. وكان من المقرر أن تقوم عملية الحرث بتوسيع مساحة الأراضي المزروعة بالآلات تدريجيًا، وتمتد

لتغطية الاستغلاليات الفلاحية الصغرى والتقليدية، والعمل على تقليص التكلفة من خلال تركيز الجهود الرامية إلى نشر التقنيات الزراعية

34 François Clerc, "L'opération labour au Maroc. Bilan de trois campagnes," Économie rurale , no. 48 (1961), p. 27. 35 Ibid., p. 34.

36 اضطرابات ارتبطت باستقبال الملك محمد الخامس، في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1956 في الرباط، وفدًا ضم قادة الثورة الجزائرية، منهم أحمد بن بلة ومحمد خيضر،

ليطّلع على مشاغلهم السياسية. وفي اليوم الموالي، توجه برفقتهم صوب تونس لملاقاة الحبيب بورقيبة لتوحيد الجهود في خصوص القضية الجزائرية، وخُصّصت للوفد

الجزائري طائرة خاصة تعود ملكيتها لشركة "جو أطلس"، يُسيّرها فرنسيون. بيد أن هذه الطائرة أُجبرت على النزول في مطار الجزائر العاصمة، واعتُقل قادة الثورة. ومردّ الأمر

إلى كون المطارات المغربية ضمّت جواسيس ومخبرين عدة بصفة تقنيين، كانوا تابعين للاستخبارات الفرنسية، وتلقّوا أمرًا من وزارة الدفاع الفرنسية بالهبوط في وهران. وقد

استفز الحدث السلطان محمد الخامس، واعتبره مًّسًا بشرفه بوصفه مغربيًا مضيفًا لقادة جبهة التحرير الجزائرية. لهذا طالب بأن يسلّم نفسه مع ولده الأمير مولاي الحسن لرئيس

الجمهورية الفرنسية روني كوتي، في مقابل إطلاق سراح القادة الجزائريين. فأرسل من تونس إلى فرنسا كلًا من البكاي وبلافريج وولي العهد للمطالبة بالإفراج عن ضيوفه، بيد

أن فرنسا رفضت الأمر رفضًا قاطعًا. فكان ذلك مبعثًا لسلسلة من الإضرابات والمظاهرات، ففي مدينة مكناس وحدها عُثر في مدة أربعة أيام على ما يقرب من ستين جثة فرنسية،

اعترف مغتالوهم في ما بعد أمام المحكمة العسكرية بأنهم فقدوا أعصابهم عندما استمعوا إلى الإذاعة الوطنية التي كانت في يد الاستقلاليين، وعلى رأسها قاسم الزهيري.

استمرت الأحداث مدة أسبوع، حتى قدوم الكولونيل إدريس بنعمر الذي عُيّن عاملًا على ناحية مكناس. واتضح بعد ذلك أن عناصر جزائرية وأفرادًا ينتمون إلى جيش التحرير،

هم من حرّض على عمليات الاغتيال تلك. ينظر: عبد الرحيم الورديغي، الخفايا السرّية في المغرب المستقل، 1956 - 1961 (الرباط: [د. ن].، 1980)، ص 68 - 70؛

William Zartman, Problems of New Power: Morocco (New York: Atherton Press, 1964), p. 79; Ministre des affaires étrangères, "Note no. 306," Documents diplomatiques français , 1956, Tome 2: 1 er Juillet-23 Octobre (Paris: Imprimerie Nationale, 1985), pp. 663-665. 37 P. Buttin, "L'évolution du fellah et la modernisation de l'agriculture marocaine," Confluent (Février 1960), p. 42. 38 Clerc, p. 35.

39 هما سهلان ينتشران في الواجهة الأطلنطية شمال غرب المغرب، تُعدّ الدار البيضاء أبرز المدن في السهل الأول، ويقع الثاني شمال مدينة الرباط، وتُعدّ القنيطرة أكبر

المدن الموجودة فيه.

40 Cne. Friggeri, "L'opération ¨Labours¨ au Maroc et les S.M.P," Document Centre des hautes études administratives sur l'Afrique et l'Asie modernes, université de Paris, no. 2.594, p. 19. 41 Clerc, p. 28.

الحديثة، والاشتغال على الأرض بوصفها قطعة واحدة، من خلال تجميع مؤقت للأراضي لتشكيل قطع زراعية كبيرة، تصل إلى عشرات أو مئات الهكتارات؛ على أن يجري إرجاع حدود كل قطعة أرضية بمجرد مرور الجرار، وتحفيز الفلاحين على العمل الجماعي. وتجدر الإشارة

هنا إلى أن هذا التوجه تأثر إلى حدٍ بعيد بما حقّقه المعمّرون على مستوى المردودية باستخدامهم الجرارات العصرية والسماد. وقد حُددت المساحة الإجمالية المراد معالجتها خلال الموسم الفلاحي الأول (1957 - 1958) ب 160000 هكتار. وتفاوتت

أهميتها بحسب المناطق، وكانت في غالبيتها تُعطي محاصيل زراعية بمعدل 5 - 6 قنطارات في الهكتار الواحد. وهو ما كانت العملية

تسعى لمضاعفته، من أجل أن يصل إلى 10 - 12 قنطارًا في الهكتار؛ أي زيادة تصل إلى 800 ألف قنطار. وانطلاقًا من تقسيم الأرض

قسمين، كان متوسط مساحة كل قسم 150 هكتارًا، الأول كان يعرف ب "البَكِْري"، ويُزرع مُبكرًا، ويستفيد من الأسمدة على نطاق

أوسع ويُخصّص للحبوب الخريفية، خاصة القمح الصلب والقمح الطري؛ والثاني "المَازُوِزي"، يُزرع متأخرًا، ويُخصّص للبقوليات

والأعلاف. وعلى أساس أن يعتمد التناوب الزراعي في السنة الموالية، حيث يُصبح القسم "البَكِْري" مخصًّصًا للمزروعات التي كانت

في القسم "المازوزي" والعكس. هذا، ويُعتمد في المناطق الخصبة تناوب القمح الشتوي والذرة، أو الفاصوليا، أو البازيلاء، وفي

المناطق الفقيرة، يجري التركيز على تناوب زراعة القمح والشعير. على الرغم من أن تنازل الفلاحين كان جزئيًا ولحظيًا عن أراضيهم لتمكين الجرارات العصرية من حرث قطعة الأرض بأكملها

في عملية واحدة، فإنه كان من الصعب أن يتم الأمر بسهولة؛ فمعلوم أن ثقافة الريبة كانت مترسخةً لدى الفلاح المغربي تجاه المخزن، في ما يخص الأرض؛ ما تطلّب إعدادًا نفسيًا دقيقًا لتهيئهم لتقبّل العمل التعاوني، واعتُمدت شعارات محفزة في ذلك،

منها: إصلاح عميق للإنتاج الزراعي، واستغلال معقلن للأراضي، وتجديد الفلاحة المغربية، وأخيرًا تحسين مكانة الفلاح بتحديث

تقنياته الزراعية. وتم استغلال المناخ السياسي الذي رافق حماسة السنوات الأولى للحصول على الاستقلال لإعداد الرأي العام من أجل التفاعل بسرعة مع العملية؛ حتى إن الملك محمد الخامس ظهر في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1957 وسط احتفالات شعبية في منطقة سي يد حجاج (الشاوية)، يقود بنفسه، إلى جانب ولي العهد الأمير مولاي الحسن، جرّارًا، إعلانًا عن انطلاق العملية. سخّرت الدولة وسائل تقنية ومادية كبيرة، فقد جرى اقتناء عدد كبير من الجرارات (نحو 1000 جرار)، ووُزّعت الأسمدة الكيماوية

مجانًا على جميع المزارعين المعنيّين خلال السنة الأولى للعملية. غير أنه، وعلى الرغم من التوجيهات والإرشادات والتحفيزات كلها

التي تهمّ طرائق استعمال هذه الأسمدة، فإن الفلاحين لم يتغلبوا على ذهولهم واندهاشهم من "المسحوق الأبيض". ولم يعتمدها

عدد منهم، ولو أنها نُقلت إليهم حتى الحقول. لكن بدا أن الفلاحين عمومًا كانوا أقل تعنّتًا مما كانوا عليه في زمن الحماية تجاه

المشروع، وقبلوا بدفع المبالغ المالية البسيطة التي رافقت العملية.

42 Van Wersch, p. 39. 43 Clerc, p. 29. 44 Friggeri, p. 18. 45 Clerc, p. 31. 46 Van Wersch, p. 38.

47 تاريخيًا، تُطلَق كلمة المخزن على الحكومة أو السلطة المركزية في المغرب.

48 Friggeri, pp. 16-17. 49 Zartman, "Farming and Land Ownership in Morocco," p. 195. 50 Van Wersch, p. 39. 51 Friggeri, p. 21.

تحققت نتائج إيجابية منذ الموسم الأول للعملية؛ إذ بلغ الفارق بين المناطق التي شملتها العملية وباقي المناطق الأخرى نحو 60 في المئة. وهو فارق تواصل خلال المواسم الموالية، على الرغم من المشكلات التي واجهها المشروع، كما يُبيّن الجدول.

جدول يوضح تطور مردودية محصول القمح في المناطق المستفيدة وغير المستفيدة من عملية الحرث خلال الفترة

الفارق بالنسبة المئويةالفارق في المردودية
(قنطار/ هكتار)
المردودية في المناطق
غير المستفيدة (قنطار/
هكتار)
المردودية في المناطق
المستفيدة من عملية
الحرث (قنطار/ هكتار)
المحصول
(القمح) الأعوام
6069. 515. 51958
453. 27. 310. 51959
452. 65. 88. 41960

المصدر: من إعداد الباحث.

بناء عليه، ساد اعتقاد مفاده أن الجرار هو الحل الأنجع لمشكلات البلاد. غير أن الاهتمام الذي أولاه المزارعون للعملية خلال السنتين الأولى والثانية، تراجع خلال السنة الثالثة (1959 - 1960)، بعد أن جرت محاولة فرض مستحقات مالية أكثر واقعية، استنادًا

إلى التكلفة الفعلية للخدمات المقدّمة. وهو ما كان يعني بداية رفض المخطط؛ وعنى في النهاية أنه أخفق في هدفه الرئيس، وهو إقناع

المزارع المغربي التقلي يد بمزايا التقنيات الحديثة في الزراعة، وإيجابيات العمل التعاوني، باعتباره وسيلةً لاحتواء الآثار السلبية للتقلّبات المُناخية والجفاف. وهكذا، بعد أن زادت المساحة المزروعة ما بين السنتين الأولى والثانية، حيث انتقلت من 160 ألف هكتار إلى

282 ألف هكتار، تراجعت خلال السنة الثالثة إلى 200 ألف هكتار؛ أي إلى أقل من نصف المساحة التي كانت تراهن السلطات على استغلالها، قبل أن تصبح في السنة الرابعة 150 ألف هكتار، وفي السنة الخامسة (1961 - 1962)، لم تتجاوز 94 ألف هكتار فقط. من جهة أخرى، ظهر أن نجاح المشروع انحصر في سهول النصف الشمالي من البلاد، تحديدًا في المجال الممتد بين

القنيطرة - وزان – تازة - مكناس، وهي الأراضي الأكثر رطوبة وخصوبة في المغرب. أما باقي المجالات، خاصة الجبلية والجافة، فقد تراجعت فيها العملية بعد عامين فقط؛ بمعنى أن المناطق التي كانت منتجة للقمح استفادت أكثر من عملية الحرث، مقارنة بالمناطق الجنوبية التي كانت مخصصة للشعير، علمًا أن سكانها كانوا أكثر حاجة إلى تدّخلّات الدولة.

بناء عليه، فُقِد بداية الستينيات الكثير من الاهتمام بعملية الحرث، وفَتر الإجماع الوطني الذي رافق السنوات الأولى، بحكم الاضطرابات السياسية التي حبلت بها المرحلة. وأصبحت العملية مستهدفةً من المعارضة السياسية التي أطلقت دعاية مضادّة، قادها

عدد من كبار المّلا  ك الذين توجّسوا من فقدان مصالحهم.

52 Clerc, p. 39. 53 Jean Le Coz, "L'opération-labour au Maroc: tracteur et sous-développement," Méditerranée , 2 e année, no. 3 (1961), p. 33. 54 Van Wersch, p. 40. 55 Le Coz, p. 28. 56 Clerc, p. 34. 57 Le Coz, pp. 30-31

خلصت بعض القراءات التي اهتمت بتحديد جوانب القصور في العملية، إلى أن الأمر اقترن بسوء التكيّف التقني والاقتصادي،

ومشكل المناخ، خاصة في السنة الثانية؛ إذ سُجّلت أضرار بالشاوية بسبب الصقيع وفي الغرب بسبب الفيضانات، إلى جانب الأخطاء

التقنية، ومنها مثلًا الاختيار الخاطئ لعمق الحرث في بعض المناطق وإدراج زراعة القمح في المناطق الهامشية، واضطراب التوازن الفلاحي التقلي يد بين النشاط الزراعي وتربية الماشية، حيث إن الحرث المبكّر بوساطة الجرار، وتوسيع نطاق التجربة أحيانًا على

حساب الأراضي المستريحة، أفقد الفلاح مج لًا مهمًا للرعي؛ ما أدّى به إلى الاعتراض على أعمال الحرث التي تُباشرها المراكز،

والاكتفاء بتحويل تدّخلّاتها إلى "عملية حصاد"، لا إلى عملية حرث، عبر طلب الفلاحين استعمال الآلات للحصاد فحسب، فضلًا عن حدوث عدد من النزاعات في خصوص إعادة رسم الحدود الأصلية للأراضي التي جرى تجميعها. تجدر الإشارة هنا إلى أن الخلل ارتبط بالبعد التقني الصرف للعملية، واستنادها منذ البداية إلى أسس هشّة، حيث أشرف على

انطلاقتها تقنيون أجانب، جرى تعويضهم لاحقًا بأطر مغاربة كانوا متحمّسين، لكن كانت تعوزهم المؤهلات التقنية الكافية، وهو ما

جعلهم يصطدمون بتحديات عديدة خلال إنجاز المخطط. وبذلك، كانت العملية عرضة لانتقادات واسعة. ولا مراء كذلك في أن عدم تغيير الوضعية العقارية من خلال إنشاء تعاونيات أو غيرها من الأشكال، ما من شأنه أن يؤثر في البنية الاجتماعية، حال دون تبنّي المزارعين هذه التجربة التحديثية. ويبدو أنه لو اعتُمدت مقاربة تنحو إلى الرهان على العملية

في البداية بوصفه برنامجًا تعليميًا يُؤتي ثماره على المدى الطويل، لكان من شأنه أن يجعل صغار المزارعين يدركون القيمة المضافة

للتقنيات الحديثة، ويقتنعون بالمشاركة في تكاليفها، إضافة إلى تحصيل الخبرة اللازمة لانتقاء أفضل المعدّات وأكثرها ملاءمة

لظروف البلاد. تجدر الإشارة في مستوى آخر إلى أن تنزيل هذا المخطط اصطدم برهانات استعمال الدولة للعالم القروي، عن طريق نخبه المحلّية، لإحداث التوازن، في مقابل القوى السياسية الأخرى. وكان هذا النوع من التحالف يقتضي بأن تكون السلطة حريصة على الاستجابة لرغبات القرويين، خصوصًا في ما يرتبط بالقطاع التقلي يد. ويبدو من جهة أخرى أن الوعي بالمشكلات ذات الارتباط بالإقلاع الاقتصادي جعل الدولة تتراجع عن التعديلات الهيكلية في القطاع الفلاحي التي استهدفتها، مثلًا، الحكومة التي ترأسها عبد الله إبراهيم، عبر المخطط الخماسي، من خلال الاهتمام بالقطاعات الفلاحية، فحسب، التي تجلب استثمارات مكثفة، ولا سيما المعتمدة على الري، وذلك تلافيًا، عبر مغبّة الرفع من

مستوى المعيشة، لتزايد الهجرة القروية والضغط على المدن الكبرى. وبناء عليه، انسحبت التجربة كسحابة صيف من سماء الآمال العريضة التي عقدها فلاحو بداية الاستقلال على الدولة الفتية.

58 Van Wersch, p. 43.

59 عمار حمداش، حول تجارب التحديث القروي بالمغرب، مع بيان من أجل البوادي المغربية (القنيطرة: [د. ن].، 2015)، ص 166 - 167.

60 Clerc, p. 38. 61 Van Wersch, p. 42. 62 Pierre Marthelot, "La modernisation du monde rural au Maroc," Bulletin de l'Association de géographes français , 38 e année, no. 296-297 (Janvier-Février 1961), pp. 28. 63 Van Wersch, p. 45.

64 ريمي لوفو، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، ترجمة محمد بن الشيخ، مراجعة عبد اللطيف حسني، سلسلة أطروحات وبحوث جامعية 2 (الرباط: وجهة نظر،

2011)، ص 68.

65 Marthelot, "La modernisation," p. 30.

إجم لًا، على الرغم من فشل هذه التجربة، فإنها قد حملت في طيّاتها آثارًا إيجابية عدة، فمن جهة جعلت عددًا من الفلاحين

يدركون إمكانية حدوث زيادات كبرى في مردودية المحاصيل، ومن جهة أخرى سرّعت انتقال عدد من المزارعين من اقتصاد الكفاف

المؤَّسَس على استثمارات محدودة، وتلافي المخاطر بفضل تخزين جزء مهم من المحصول باعتماد المطامير، إلى اقتصاد مبنيّ على

التبادل والتعامل النق يد بحكم زيادة تكاليف الإنتاج والأجور التي كانت تفرضها الاستفادة من خدمات العملية، وكذا تسويق جزء كبير من الإنتاج. ومكّنت التجربة كذلك من الانتباه إلى أهمية التركيز على أعمال الإرشاد والتوجيه، أكثر من التركيز على التدخّل المباشر في الإنتاج.

المراجع

العربية

تافسكا، أحمد. الفلاحة الكولونيالية في المغرب 1912 - 1956. الرباط: المعهد الوطني للبحث الزراعي، 1998. التوفيق، أحمد. المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 - 1912). سلسلة رسائل وأطروحات 63. ط 3. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2011. حليم، عبد الجليل. معلمة المغرب. سلا: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1992. _______. "الإصلاح القروي في عهد الحماية: البيزانا والتحديث". المناهل. السنة السادسة، العدد 69 - 70 (كانون الثاني/ يناير 2004). حمداش، عمار. حول تجارب التحديث القروي بالمغرب، مع بيان من أجل البوادي المغربية. القنيطرة: [د. ن].، 2015. الفلاحة في تاريخ المغرب: أعمال ندوة وطنية تكريمًا للأستاذ الدكتور أحمد مزيان. تنسيق محمد اليزي يد. الرباط: الجمعية المغربية للبحث التاريخي، 2019. لوفو، ريمي. الفلاح المغربي المدافع عن العرش. ترجمة محمد بن الشيخ. مراجعة عبد اللطيف حسني. سلسلة أطروحات وبحوث جامعية 2. الرباط: وجهة نظر، 2011. الماء في تاريخ المغرب، أعمال الندوة المنعقدة بالدار البيضاء أيام 10 - 11 - 12 دجنبر 1996، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، جامعة الحسن الثاني. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، 1999. الورديغي، عبد الرحيم. الخفايا السرّية في المغرب المستقل، 1956 - 1961. الرباط: [د. ن].، 1980.

الأجنبية

Berque, Jacques & Julien Couleau. "Vers la modernisation du fellah marocain." Bulletin Économique et Social du Maroc. no. 26 (1945). Bessaoud, Omar. "Les réformes agraires postcoloniales au Maghreb: Un processus inachevé." Revue d'histoire moderne en contemporaine. vol. 4, no. 63 (2016). Buttin, P. "L'évolution du fellah et la modernisation de l'agriculture marocaine." Confluent (Février 1960). Clerc, François. "L'opération labour au Maroc. Bilan de trois campagnes." Économie rurale. no. 48 (1961). Friggeri, Cne. "L'opération ¨Labours¨ au Maroc et les S.M.P." Document Centre des hautes études administratives sur l'Afrique et l'Asie modernes, université de Paris. no. 2.594. Le Coz, Jean. "L'opération-labour au Maroc: Tracteur et sous-développement." Méditerranée. 2 e année, no. 3

Marthelot, Pierre. "La modernisation du monde rural au Maroc." Bulletin de l'Association de géographes français. 38 e année, no. 296-297 (Janvier-Février 1961).

".________Histoire et réalité de la modernisation du monde rural au Maroc." Revue Tiers Monde. vol. 2, no. 6 (Avril-Juin 1961). Ministre des affaires étrangères. "Note no. 306." Documents diplomatiques français , 1956. Tome 2: 1 er juillet-23 Octobre. Paris: Imprimerie Nationale, 1985. Nicolas, Michel. Une économie de subsistances: Le Maroc précolonial. Le Caire: Institut français d'archéologie orientale, 1997. Papy, Louis. "Une réalisation française au Maroc, les secteurs de modernisation rurale." Les Cahiers d'Outre-mer: Revue de géographie de Bordeaux. vol. 9, no. 36 (1956). Rosier, René. Les sociétés indigènes agricoles de prévoyance au Maroc. Paris: E. Larose, 1925. Stewart, Charles. The economy of Morocco , 1912-1962. London: Harvard University Press, 1964. Swearingen, Wiil Davis. Moroccan Mirages: Agrarian Dreams and Deceptions, 1912-1986. New Jersey: Princeton University Press, 1987. Van Wersch, Herman J. "Rural Development in Morocco: Opération Labour." Economic Development and Cultural Change. vol. 17, no. 1 (October 1968). Zartman, William. "Farming and Land Ownership in Morocco." Land Economics. vol. 39, no. 2 (May 1963). ________. Problems of New Power: Morocco. New York: Atherton Press, 1964.