ورشة في تعميم المعرفة التاريخية: قراءة في عمل
A Workshop on Disseminating Historical Knowledge: A Reading of Fragments d'histoire marocaine: Société et figures du pouvoir by Abdelahad Sebti
الملخّص
المؤلف: عبد الأحد السبتي.
الناشر: الدار البيضاء: دار الفنك للنشر والتوزيع. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 196.
Abstract
Author: Abdelahad Sebti Title: Fragments of Moroccan History: Society and Figures of Power. Original Title: Fragments d'histoire marocaine: Société et figures du pouvoir. Publisher: Casablanca: La Croisée des Chemins / Dar Al Fanek for Publishing and Distribution. Year of Publication: 2023. Number of Pages: 196 pages.
- معرفة تاريخية
- طلب اجتماعي
- تعميم
- صرامة منهجية
- قابلية التداول العمومي
- Historical Knowledge
- Social Demand
- Dissemination
- Methodological Rigor
- Public Dissemination
| DOI: https://doi.org/10.31430/TLWH3465 الرقم التعريفي: | |
|---|---|
| حميد تيتاو | Titaou *Hamid | |
| ورشة في تعميم المعرفة التاريخية: قراءة في عمل "شذرات من التاريخ المغربي: المجتمع وتجليات السلطة" لعبد الأحد السبتي A Workshop on Disseminating Historical Knowledge: A Reading of Fragments d'histoire marocaine: Société et figures du pouvoir by Abdelahad Sebti |
. Fragments d ' histoire marocaine: Société et figures du pouvoir العنوان الأصلي:
أستاذ التاريخ الاجتمعي، الكلية المتعددة التخصصات بتازة، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس. Professor of Social History, Multidisciplinary Faculty in Taza, Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez. hamid.titaou@usmba.ac.ma
تُعدّ المجّلات التاريخية غير المتخصصة من القنوات المعتمدة لنشر المعرفة التاريخية بين جمهور القراء، إلى جانب أنها وسيلة يتفاعل من خلالها المتخصص في التاريخ مع الطلب الاجتماعي على منتوجه. وتقتضي عملية التعميم هذه أن يتحقق تواصل معيّن
بين مرسِلٍ لمعطيات علمية يراها مهمة، أو يعتبر أنها تجيب عن أسئلة عالقة على نحو صريح أو ضمني، ومستقبِلٍ غير متخصص أو
"غير علمي" يتلقى تلك المعطيات، على أن يتمكن المرسِل من إحداث فرقٍ ما عند المستقبِل، أو يُعدّل جوانب من إدراكه بصيغةٍ أو
بأخرى. ولا يجري هذا الإرسال عادة من دون تعقيدات، وفي مقدمتها طبيعة التداخل بين المرسل والمستقبِل من خلال الموضوع المدروس، من قبيل ارتباط المسألة التاريخية، موضوع الإرسال، بحاضر المرسَل إليه، وصعوبة تحويل المعطيات التاريخية من
صيغتها العلمية إلى صيغة تبسيطية من دون الإخلال بعناصرها الأساسية، وغيرها مما يستحق أن يكون موضوع نقاشٍ مسهبٍ بين الباحثين في العلوم الاجتماعية عمومًا، والباحثين في التاريخ خصوصًا. في هذا الاتجاه، تعرض هذه الورقة لتجربة من تجارب النشر في هذا المجال في المغرب، تستحق مزيدًا من الدراسة والتحليل. ويتعلق الأمر بتجربة عبد الأحد السبتي في النشر التعميمي؛ إذ سبق له أن نشر مقالات تاريخية في مجلة التاريخ زمان Zamane (النسخة الفرنسية) في الفترة 2013 - 2016، ثم اختار عن قصد، ومن أجل إتاحة قراءة أكثر دقة وثراءً لهذه المقالات، إصدارها في مؤَّلَف
بعنوان: شذرات من التاريخ المغربي: المجتمع وتجليات السلطة، عن دار الفنك للنشر والتوزيع في الدار البيضاء عام 2023. يتكون فحص هذه التجربة من محاور ثلاثة، يعرض أولها بعض المداخل التي يمكن أن تقرّب الكِتاب من عموم القراء
والباحثين، وتُيسّر وضعه في سياقيه الخاص والعام، في حين يقدّم الثاني أبرز ملامح هندسته ومكوناته، ثم يختم الثالث بالكشف عن
قضايا منهجية ومعرفية بسطها الكتاب وشرّع لها، ومن شأن إدراكها أن يسهل فهم تصور الإضافة فيه ومكمنها.
أولًا: عتبات القراءة
1. تعميم المعرفة التاريخية
عرض السبتي، في تقرير عام له عن حال العلوم الإنسانية والاجتماعية في المغرب، وسمه ب "البنيات والاتجاهات"، بعضًا من جوانب عملية تعميم المعرفة التاريخية الموجّهة أكثر إلى غير المتخصصين، محددًا أدوارها في الرفع من جودة الأبحاث الجديدة بطريقة غير مباشرة، إلى جانب توسيع دائرة القرّاء ونشر المعرفة التاريخية عمومًا. وعدّد فيه الصيغ التي يمكن أن تجري بها هذه
العملية، منها الكتب المدرسية والجامعية المهيمنة على مستوى التكوين، ثم التأليف التركيبي الذي يخاطب أصنافًا عدة من القراء، ومنهم الطالب المتخصص والجمهور المتنور إلى جانب الباحث الذي يجد في التركيب اختصارًا يضعه أمام النتائج التي توصلت إليها
الأبحاث المتخصصة. وقدّم كتاب تاريخ المغرب: تحيين وتركيب، العمل الضخم الذي أنتجه المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، مث لًا مهمًا في هذا السياق. وضمن هذه الأساليب في التعميم، تحدّث السبتي عن المجلة التعميمية، وعقّب على حديثه
عنها بالقول إنه "الشكل الذي لا زال غائبًا في المغرب في شكله الجيد".
Abdelahad Sebti, Fragments d'histoire marocaine: Société et figures du pouvoir (Casablanca: Editions Le fennec, 2023).
عبد الأحد السبتي، التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 21 - 67. 3 المرجع نفسه، ص 35.
كان هذا قبل أن تظهر مجلة التاريخ زمانفي نسختها الفرنسية عام 2010، ويصبح السبتي، بعد ذلك، ضمن هيئتها الاستشارية العلمية، وهيئة تحريرها في الفترة 2013 - 2016، التي نشر خلالها، كما أشرت سلفًا، مقالاته في هذه المجلة وفق منظوره بلا شك،
والتصور الذي حكم المجلة، جمعها في كتابه شذرات من التاريخ المغربي، منتظمة في عقد أُوِضِّح بعض ملامحه في هذه الورقة. وقبل ذلك، وبخصوص صيغ تعميم المعرفة التاريخية، أودّ أن أستحضر في هذا السياق، من باب المقارنة، حديث فرانسوا
دوس Dosse François عن التجربة المتميزة لرواد التاريخ الجديد في فرنسا، الذين تمكّنوا من ترويج هذه المعرفة ونشرها من خلال اختراق مختلف وسائل الإعلام والاتصال؛ ما أفضى إلى تداول التاريخ بين العموم على نطاق واسع، وتدافع الجمهور الواسع للاستماع للمؤرخين والقراءة لهم؛ أي إن المؤرخين تجاوبوا مع الطلب على التاريخ فروّجوا بضاعتهم جيدًا، وهو ما أصبح من باب المعلوم على
كل حال. في المغرب، وحيث كان السبتي وغيره من "حنطة" المؤرخين يتحدثون عن ضرورة تعميم بضاعتهم العلمية، كان تعطّش
الجمهور إلى هذه البضاعة شديدًا، بسبب سياقاتٍ باتت معروفة أيضًا، من ضمنها تجربة الإنصاف والمصالحة. وقد قوبل هذا التلهّف
على المادة التاريخية بأعمال صحافية أنتجها صحافيون غير متخصصين تنافسوا على الكتابة في التاريخ وقضاياه، وكانت الجرائد اليومية والأسبوعية تبيع بضاعتها الأخرى بالتاريخ في أحيان كثيرة. وحين ظهرت زمان، وبهيئة علمية استشارية من الباحثين في التاريخ وبأقلامهم، كنا بصدد ميلاد تجربة جديدة في حقل النشر التعميمي للمعرفة التاريخية. يعترف السبتي في تقديمه هذا الكتاب أن الكتابة في إطار مجلة تعميمية شكّلت تحديًا حقيقيًا بالنسبة إليه، وتمرينًا صعبًا ولجه
بكثير من المغامرة؛ وقد تساءل: كيف يمكن تقديم كتابة تاريخية موجّهة إلى جمهور واسع من القراء، وبحد أدنى من الدقة العلمية؟
وكيف يمكن الحفاظ على نهج تحليلي يحتاج أحيانًا إلى استعمال مصطلحات دقيقة ومناسبة، مع الاستجابة في الوقت ذاته لحاجة المتلقي إلى إحياء فصول مختلفة من الماضي؟ وبالنسبة إليه، كان التمرين محفزًا ومثمرًا، وقد انتهت التجربة عام 2016 على ما
يبدو. وسأعود في المبحث الأخير من هذه القراءة لأثمّن الارتباط بين المادة التاريخية للسبتي وبساط زمانوُأخضعه لنوع من التقييم،
حيث يبدو أن الأمر يتعلق بورشة في مجال تعميم المعرفة التاريخية ينبغي أن ننتبه إليه.
2. السؤال التاريخي وزمن المؤرخ
اختار السبتي أن يوَِّشِي صفحة الكتاب الأولى بمقولة للمؤرخ الفرنسي أنطوان بروست، يعتبر فيها أن الذهاب والإياب
المستمرين بين الماضي والحاضر، وبين مختلف لحظات الماضي وفتراته، مع إدراك الروابط والمسافات ومكامن التباعد بينها، هما بالضبط ما يمكن أن يكون جوهر عملية التاريخ ذاتها. ويُعلن هذا الوشي منذ البداية عن التصور الذي طالما جهر به السبتي في أبحاثه
ونقاشاته، وهو قضية التاريخ الجديد إجم لًا منذ استشكاله، حين تحدّث مارك بلوك عن الرحلة المكوكية بين الحاضر والماضي التي
ينبغي أن تتجاذب المؤرخ من أجل الفهم، واعتبر لوسيان فيفر أن الحاضر هو منطلق الأسئلة ومصدرها، لا الماضي أو الأرشيف. ومن هذه الزاوية، اعتبر السبتي أن المؤرخ ينبغي ألا ينفصل عن قضايا راهنه، ويُسائل الماضي بناء على أسئلة الحاضر.
فرانسوا دوس، التاريخ المفَّتَت: من الحولَّيَات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 25 - 30.
5 Sebti, p. 9. Antoine Prost, "Ce va-et-vient permanent entre le passé et le présent, et entre les différents moments du passé, dans la conscience progressivement clarifiée de leurs liens et de leurs distances, est l'opération même de l'histoire," in: Douze leçons sur l'histoire (Paris: Éditions du Seuil, 2010 [1996]); Sebti, p. 7. Marc Bloch, Apologie pour l'Histoire ou métier d'Historien (Paris: Armand Colin, 1993), p. 89. Lucien Febvre, Combat pour l'histoire (Paris: Armand Colin, 1953), p. 428; Prost, p. 82.
والحقيقة أن ثمة تداخلًا أساسيًا وواضحًا بين تعميم المعرفة التاريخية والطلب على التاريخ، وهذه العتبة عن السؤال التاريخي
وزمن المؤرخ؛ فإذا كان الاشتغال على الزمن الراهن يمثّل هذه العلاقة بوضوح، ما دام أن المؤرخ يسهم في تفكيك قضايا تفتعل في مجتمعه وواقعه الراهن، فإن ما كتبه السبتي ووجد طريقه إلى القراء عبر زمان، وضمته صفحات كتابه، يندرج ضمن هذا السياق؛ وإن كان وفق علاقة مضمرة وغير صريحة في هذه الحالة، تجعل العودة إلى الماضي وسيلة أساسية لجلب ما يمكن أن يسهم في فهم قضايا الحاضر. أقتبس من الكتاب، موضوع القراءة، بعضًا مما يقوله السبتي في هذا الصدد: "غالبًا ما اعتُبر التاريخ وسيلة لمعرفة الماضي من
أجل فهم الحاضر فهمًا أفضل. ومع ذلك، فالمسألة تبدو أكثر تعقيدًا؛ إذ كما يساعد الماضي على فهم الحاضر، فإن حاضر المؤرخ
يوجّه استقصاءه نحو الماضي. الوثيقة التاريخية تجيب عن الأسئلة التي تُطرح عليها، وهذه الأسئلة غالبًا ما تكون على صلة بوعي
المؤرخ وقضايا عصره، وإذا لم يصغ المؤرخ هذه الأسئلة، فإنه إما سيخضع بسذاجة للفرضيات السائدة، أو يكتفي بدور جمّاع الأرشيف
أو السارد التقلي يد". ويبدو واضحًا في اعتقادي أن تشكيلة هذا الكتاب من المقالات تخفي علاقة مضمرة وغير صريحة بين زمن المؤرخ وماضيه، يعرض السبتي في القسم الأول بعضًا مما يخص رهانات التسمية وصناعة الألقاب؛ أي ألقاب الأسر الحاكمة والعائلات والأشخاص، ويتحدث عن الرهانات المتعلقة بتشكّل اللقب العائلي، وخاصة منها رهانات الجاه والسلطة والمال، وعن استدعاء صيغ المقدس في بناء اللقب العائلي من أجل تحيين تلك الرهانات أو دعمها. ويقترح في القسم الثاني قضايا عن "صناعة" العائلات الكبرى، وعن المقدس بوصفه وسيلة للارتقاء الاجتماعي، وعن نماذج من العائلات المخزنية التي كانت على صلة وثيقة بالمخزن أو الحماية، وأدوارها المعقدة في سياقات ما قبل الاستعمار وأثناء الحماية وبعدها، ثم عن مغمورين تحوّلوا إلى أثرياء كبار، وعن دينامية معقدة
تمكنت من إسقاط بعضهم. وفي القسم الأخير، يعرض لأوجه العلاقة بين المخزن ومكونات المجتمع، وخاصة من زاوية التوتر، من خلال نماذج من البادية والحاضرة، ويناقش وسائل المخزن لبسط السلطة في المجال وضبط التراب وإدارته. ما يهمّ من هذا
الاستدعاء أن من يستحضر أسئلة المغرب الحاضر خلال العقدين الأخيرين يكتشف حاجة المجتمع إلى مقاربة السبتي هذه ولغيره من الباحثين في التاريخ من أجل فهم أعمق لتلك الأسئلة.
3. موقع التاريخ ضمن العلوم الإنسانية والاجتماعية
لا يتعلق الأمر في هذا المدخل أو العتبة بمستجدّ بالنسبة إلى أبحاث السبتي؛ لأنه يُعتبر من الباحثين الحريصين على تحقيق
التداخل المطلوب بين العلوم الاجتماعية، وهو تداخل يفرض نفسه بإلحاح في التاريخ الاجتماعي. فنحن نعرف أنه بقدر ما حقّق التاريخ تحوّله نحو المجتمع عوض التركيز على الجوانب السياسية والعسكرية، عادت أعمال علم الاجتماع إلى الماضي لتحقيق الفهم المنشود،
والنماذج كثيرة في هذا الجانب، من قبيل أبحاث ماكس فيبر Weber Max ونوربرت إلياس Elias Norbert. وبالمثل، جرى التداخل الحاصل بين التاريخ والأنثروبولوجيا من خلال عودة الأخيرة إلى الماضي من أجل الفهم، وهو ما أفرز ما يعرف بالأنثروبولوجيا الثقافية.
9 Sebti, p. 14. 10 Ibid., pp. 29-72. 11 Ibid., pp. 73-139. 12 Ibid., pp. 141-186.
يبدو أن استيعاب السبتي، طوال مساره، لهذا التداخل، أفرز اشتغ لًا متميزًا في التاريخ بمفاهيم عمل بها علماء الاجتماع
والأنثروبولوجيا، من قبيل السلطة والقرابة والمِلكية والمقدّس وغيرها. وتعكس أبحاث هذا الكتاب هذا التداخل، وتكشف عن استدعاء جيد لهذه المفاهيم في بسط أوجه العلاقة بين المجتمع والسلطة؛ ويمكن هنا على سبيل المثال استحضار الاشتغال بمفهوم الأسطورة في مقالة عن "السلطان الأكحل"، أو في رصد بقايا "عام الرفسة" وثورة أولاد زايد ضد عيسى بن عمر وحكاية "خربوشة" في الذاكرة الجماعية، واستحضار المقدّس في رصد أوجه العلاقة بين الجاه والسلطة والبركة، وبين التاجر والولي والشريف مثلًا، واستدعاء القرابة في رصد العائلات المخزنية داخل المجالات الحضرية، والعلاقات بينها وبين والمخزن، ثم استدعاء المقاربة الأنثروبولوجية في فهم أسلوب "الحركة"، وإدارة المخزن للتراب، ومسألة انتشار السطلة في المجال. وإلى جانب العمل بمقاربات مختلفة، يحضر جهد السبتي في استنطاق النصوص والأجناس المصدرية، لا من جانب ما تريد قوله فحسب، بل من زاوية المضمر فيه، حيث يواصل أوراشه في تفكيك خطابها كما فعل مع أدب الأنساب، أثناء رصده للميكانيزمات المتحكمة في صناعة العائلات. أما الأهم، فتمثّل في قدرته على استنطاق النصوص وتنويع المقاربات، وإدماج كل ذلك تركيبيًا،
مع حصيلة المُنجز في المواضيع المطروقة من جوانب عدة، سواء تعلّق الأمر بالتاريخي أو الأنثروبولوجي أو السوسيولوجي والجغرافي
أيضًا. هذه جوانب منهجية ينبغي أن نثمّنها عندما نربطها بقضية تعميم المعرفة التاريخية من خلال السؤال: أيّ معرفة يمكن
تعميمها؟ لذلك، أؤجل الحديث عنها إلى ما بعد عرض هندسة الكتاب وقضاياه الكبرى، بكل الاختصار الممكن.
ثانيًا: هندسة الكتاب وقضاياه
اختار السبتي أن يَسِمَ كتابه ب "الشذرات" أو "المقاطع " Fragments، بما قد يفيد عدم تجانسها، خاصة أنها عُرضت للنشر
متفرقةً في مجلة زمان، لكنه لا يتردد، ولا نتردد معه، في القول إن وحدة واضحة في المنظور والمنهج وأسلوب الكتابة تجمعها، وتمثل امتدادًا لمشروع علمي بعضه منجز والآخر في طور الإنجاز، يعرضه في قضايا متفرقة، ويدعمه بحصيلة أبحاث أخرى لباحثين مغاربة أو أجانب يتقاطع معهم، فتكتمل الصورة، أو تكاد تكتمل، عن العلاقة بين المجتمع والسلطة، وعن تاريخ اجتماعي للسلطة، يعيد النظر في قضايا المجتمع والدولة المغربَّيَين ضمن أبعادهما التاريخية. والحقيقة أن حفريات السبتي في هذا الكتاب لا ترصد مفهوم السلطة في تمظهراتها العامة والمباشرة، وفي مؤسساتها الرسمية، مثل السلطان وحاشيته ووزرائه وممثليه المحليين في المدن والبوادي، بل تتعقبها وهي مخفية أو ظاهرة، منتشرة عبر النسيج الاجتماعي، ممثلةً مثلًا في نفوذ الأعيان المحليين وشيوخ القبائل وسلطة هؤلاء، حيث تخضع لظواهر مثل التوتر أو الوساطة. ومن زاوية أخرى، ترصد تلك السلطة في علاقتها بالبنى الاجتماعية من خلال العناصر الثقافية، حيث تُضفى الشرعية على المراتب الاجتماعية من خلال شبكة من التمثيلات والرموز. ومن ذلك الدور الوظيفي للمقدّس (الشرف والصلاح وركب الحجيج مثلًا) ليس في إضفاء الشرعية
13 Ibid., pp. 63-72. 14 Ibid., pp. 165-168. 15 Ibid., pp. 99-108. 16 Ibid., pp. 75-87. 17 Ibid., pp. 169-186. 18 Ibid., pp. 36-39.
على الموقع الاجتماعي فحسب، بل في عمليات التراكم المادي أيضًا (مثال التاجر الذي يحتاج إلى جاه السلطان ونفوذه، وإلى نسب الشريف وبركته، أو بركة الولي). وفي أحيان أخرى، يتعقب رهانات السلطة في مظاهر خفية تبدو بسيطة، مثل اسم السلالة. في نظم هذا العقد، تتغير عدسة الرؤية وتتعدد زوايا النظر المعتمدة في مقاربة حدث، أو شخصية، أو عائلة، أو مجموعة اجتماعية، أو مؤسسة، أو أسطورة، أو حتى اتجاه بحثي. ولا تُعرض تلك القضايا في سرد خطي، بل يجري التنقل بين المراحل والحقب، من "العصر الوسيط" إلى القرن العشرين، ليس لأن تناول العلاقة بين المجتمع والسلطة في موضوعات متفرقة تسمح خلاصاتها، بعد تجميعها، بفهم أدق للموضوع المدروس فحسب، ولكن أيضًا لأن الخيط الناظم للكتاب يأخذ في الاعتبار، وفي الآن نفسه، تبيّن
الأحداث البارزة والمسارات، مع رصد الثوابت والاتجاهات العميقة، وتبيّن منحنيات التبدل على مستوى البنى. يحضر القرن التاسع عشر بقوة في هذه الدراسات؛ ويقدّمه السبتي بصفته فترة انتقالية بين المغرب التقلي يد والمغرب الواقع تحت الحماية الأجنبية. وهو القرن الذي حظي بأعمق التحليلات حول البنى الاجتماعية والسياسية في ظل حكم المخزن. ويستحضر ما سمّاه في دراسات سابقة، جاذبية هذا القرن، معتبرًا إياه منصة انطلاق لتجديد دراسة ظواهر السلطة، ويركّز على الغنى الوثائقي،
المغربي والأجنبي، الذي يميزه، والذي أسهم فيه التغلغل الأوروبي بأشكاله المختلفة، واضطرار المخزن إلى تجديد مؤسساته، على النحو الذي يسمح له بالاحتفاظ بأرشيفها. هذا إلى جانب الغنى المنهجي الذي أفرزه منعطف السبعينيات من القرن العشرين بالنسبة إلى البحث التاريخي المغربي، وأفرز انطلاق تاريخ اجتماعي بأدوات العلوم الإنسانية ومفاهيمها. وسواء تعلّق الأمر بالمؤرخين والسوسيولوجيين المغاربة أو الأجانب، فقد تناول هؤلاء تاريخ المغرب إجم لًا، أو وفق مونوغرافيات بناءً على أسئلة دقيقة تهدف إلى
تحديد أدق للقبيلة، والحاضرة أو المدينة، والمخزن. يحضر القرن التاسع عشر أيضًا لفهم المتغيرات الكبرى التي هزت بنى المغرب التقليدية؛ ويتحدث السبتي عن حالة سماها ب "شبه استعمار" coloniale - Hypo أو coloniale - Semi، وهي التي شهدت اختراقًا أوروبيًا متعدد الأشكال، وهزائم عسكرية،
ومعاهدات غير متكافئة، وفتح السوق المغربي، والحمايات القنصلية، وكل ذلك استنزف موارد المخزن وسيادته. وتسمح دراسات ضمن هذا العمل بالتعرف، عن كثب، إلى بعض أوجه هذا الاختراق، من قبيل تلك المتعلقة بتجّار السلطان، وحالة آل مقنين اليهود مثلًا، وحالة مغامرين استفادوا من هذا الوضع مثل بوبكر الغنجاوي. وعلى الرغم من التركيز على القرن التاسع عشر، فإنه توجد ظواهر كانت تفرض على السبتي تتبّعها على نحو تراجعي عبر الحقب
السابقة، ومنها نشأة السلطة المركزية، ومفهوم المخزن حيث يعود إلى الفترة "الوسيطية"، مع رصد المتغيرات التي شهدها القرن السادس عشر في بنية السلطة وعلى مستوى المعتقدات وتنظيم المجتمع، سواء تعلّق الأمر بالشرفاء أو الزوايا. وبهذا الأسلوب وعلى المدى الطويل، تتبّع السبتي ظواهر من قبيل الحركة وتنقل السلطة، وبعض العائلات الكبرى، ومنها آل فنيش في سلا على سبيل المثال.
19 السبتي، ص 110 - 115.
20 Sebti, pp. 14-15. 21 Ibid., p. 21. 22 Ibid., pp. 109-119. 23 Ibid., pp. 121-130. 24 Ibid., pp. 169-176. 25 Ibid., pp. 89-97.
في هذا السياق، حظيت الأسس الاجتماعية للدولة المغربية التقليدية بنقاش مهم في دراسات هذا الكتاب، ومثّلت ما يشبه عملًا تركيبيًا لما أنتجه السبتي وغيره من الباحثين عن التاريخ الاجتماعي للسلطة. وقد تعقّب السبتي بعض هذه الأسس في نوعين
من النخب المشَّكَلة من شبكات عائلية كانت تعضد المخزن وتمثل "مشتلًا " لتزويده ب "خدامه"؛ يتمثل النوع الأول في العائلات المخزنية التي تشكّلت ضمن مماليك القصر من الوصفان، ومن قيادات "الگيش"، وهي التي تستمد نفوذها من الأعلى، ومنهم على سبيل المثال سلالة "مول أتاي" من عائلة بن موسى التي ينتمي إليها باحماد الرجل القوي في عهد السلطان عبد العزيز، ومنهم منافسوهم من عائلة الجامعي. وتسمح بعض الدراسات التي يشتمل عليها هذا الكتاب بتتبّع أدوار هذا الجناح القبلي - العسكري
للدولة، سواء في أزمنة السلم أو في لحظات التوتر داخل المدن وفي البوادي، وكذا علاقاتهم المتشعبة مع الأجنبي في ظل التغلغل الاستعماري المميز لهذا القرن. أما النوع الثاني من النخب، التي شكلت بعضًا من أسس المخزن الاجتماعية، فيخص نخب الحواضر التي أسهمت في أجهزة الدولة في مجالات التجارة والدبلوماسية والكتابة في الدواوين الرسمية، وتركّزت في مدن فاس ومراكش ومكناس والرباط وسلا وغيرها. ويمكن تتبّع حفريات عن نماذج منها في دراسات هذا الكتاب مثل عائلات بنجلون، وبنيس، وبرگاش، وعواد، وبوعشرين،
وفنيش، وغيرها. وإلى جانبها النخب القبلية - العسكرية في البوادي. وتحفر أعمال السبتي في أصول هذه البيوتات والعائلات التي تعلّمت وعلّمت أبناءها مهارات السلطة وتوارثت المناصب. ويمكن أن يتتبع القارئ المتعطش إلى الفهم الميكانيزمات المتحكمة في تشكّل هذه الشبكات العائلية وبروز الزعامات، التي اكتسبت عناصر التميز إما عبر التفوق العسكري والزعامة داخل القبيلة، أو عبر التحكم في التجارة أو تملّك عناصر التميز مثل العلم والنسب والبركة إلى جانب الجاه والقرب من المخزن في الوسط الحضري. وداخل هذا الوسط، يمكن اقتفاء آليات تشكّل الإرث المادي أو الرمزي لصعود هذه العائلات وبروز الزعامات داخلها، وكذا الروابط التي تنسج لدعم مكانتها ونفوذها داخل السلطة، مثل الزواج، والشراكة، وعلاقات الحماية، إلى جانب البحث عن الهيبة الدينية أو النسبية لدعم الثروة المادية أو العكس. وهو ما سماه السبتي في مكان آخر بعلاقات الزبونية التي تنتج من السلطة وتُهيكل توزيع الموارد الاقتصادية، ومنه تبدو السلطنة، على المستوى الوطني، جهازًا يعتلي هرمًا من شبكات الزبائن. ويمكن أن يتتبع القارئ أيضًا متغيرات القرن التاسع عشر الذي عرف فيه المغرب مرحلةً شبه استعمارية، فيتبيّن ملامح ما عُرف
بظاهرة "كبار القواد"، والعائلات التي اضطلعت بدور الوسيط لصالح الحماية، والعائلات التي زودت الدولة بكتّاب وتجار يمتلكون
الكفايات الضرورية لمحاولة إصلاح مالية الدولة، وإدارة الجمارك في الموانئ، والتفاوض مع القوى الأجنبية بشأن القضايا المختلفة. وإلى جانب هذه العائلات، توجد عائلات أخرى شغلت مكانة بارزة في المجال الدبلوماسي، وشغلت مناصب حكام المدن، واحتكرت الوظائف الإدارية المحلية مثل الحسبة. وفي خضم ذلك، برزت شخصيات وزعامات، تولت أدوارًا مهمة في تيسير التعاملات التجارية
الأوروبية، واستفادت من حماية القناصل؛ ما جعلها بمنأى عن ضغوط المخزن، وضمن لها تراكمًا ماليًا أكبر. وخلال تلك المرحلة،
كان المخزن يفقد احتكاره الفعلي الذي مارسه على التجارة الخارجية، بواسطة تجار السلطان، سواء من المسلمين أو من اليهود. يطرح السبتي، وهو بصدد البحث عن تطور هذا المسار، سؤ لًا محوريًا هو: كيف نجح هذا النظام المخزني القائم على شبكة
العائلات هذه في اجتياز فترة الحماية؟ ويحسم جوابه بأن جزءًا من الشبكة قد جرى الحفاظ عليه ضمن الحدود التي رسمتها سلطات
26 Ibid., pp. 143-168. 27 Ibid., pp. 75-87.
28 السبتي، ص 150 - 151.
الحماية. ولاحقًا، مع تغير موازين القوى بعد الاستقلال، تمكّنت الدولة من إعادة بناء شبكة العائلات الكبرى، ولكن بأشكال ونخب جديدة، بما في ذلك تلك التي شاركت على نحو فعال في الحركة الوطنية. إجم لًا، وعلى امتداد صفحات هذا الكتاب، يمكن تتبّع مسارات عائلات وزعامات، وفي مختلف فترات تاريخ المغرب، ما قبل
الاستعمار وخلال ما سُمي شبه استعمار، وفي أثناء فترة الحماية؛ سواء تعلّق الأمر بعائلات وزعامات استمدت رأس مالها المادي أو
الرمزي من القبيلة أو من التجارة، مدعومة بجاه المخزن ومن الأجنبي أيضًا، مسلمين أو يهودًا، أو عن طريق ما وفّره المقدس من
وجاهة ومقام من قبيل الشرف والصلاح ورئاسة ركب الحجيج الرسمي. يقارب السبتي، من زاوية مغايرة، في بعض دراسات هذا الكتاب مسألة التوتر في العلاقات بين المخزن والمجتمع، ويقدم نماذج عن حالات التوتر بين المخزن والمجتمع الحضري، حيث يبدو أن الصورة المتداولة عن الخضوع المطلق للمجتمعات الحضرية تحتاج إلى مراجعة. ويستحضر ظاهرتَي "السيبة" و"الحرْكة" من أجل إخضاعهما لقراءة دقيقة وفهم ما يمكن وصفه بإدارة
العنف، ولتجاوز صورتيهما النمطيتين في الأدبيات الإثنوغرافية الكولونيالية. يدقق السبتي ضمن هذه المقالات في مسألة الخضوع التام لأهل المدن، ويقدّم نماذج لتمرّدهم ضد المخزن، وقدرة المدن
على إنتاج زعامات مناهضة له، والتفاوض معه، وأحيانًا فرض زعاماتها عليه، ليصبحوا ممثلين له، من قبيل انتفاضة الدباغين في فاس. وينتهي، بعد رصد أبرز الأسباب المفسرة لهذه الانتفاضات والتمردات، إلى القول إن الأمر كانت له علاقة وطيدة بالضغط الضريبي الناتج من تأثيرات النفوذ الأوروبي، حيث تبدو الحالة أشبه بدائرة مفرغة تبدأ بمنح المخزن امتيازات للقوى الأجنبية، فتتمرد المجتمعات المحلية المتأثرة بالضغط الجبائي المفروض لتعويض تلك الامتيازات، ويضعف المخزن أكثر ويقدّم مزيدًا من التنازلات
للقوى الأوروبية، وهكذا دواليك. ويبدو الأمر أكثر وضوحًا لفهم ظاهرة السيبة وخروج بعض القبائل عن طاعة المخزن ورفض أداء
الضرائب، وهذا ما يمكن تبيّنه في مقالات ضمن كتابه خصصها لثورة الرحامنة، وتمرد أولاد زايد؛ إذ يظهر التعسف الضريبي أو
التضييق على القبائل في استعمال المراعي أو الأراضي الزراعية وغيرها، إلى جانب ما ارتبط بالظاهرة القايدية من سلوكات من قبيل تقرير القايد زيادة العبء الضريبي على القبائل لاسترداد النفقات التي دفعها من أجل تنصيبه. أما ظاهرة الحرْكة، فيؤكد السبتي، بناء على خلاصة أبحاثه، وأبحاث آخرين، مثل دانييل نوردمان وجوسلين دخلية، تخص
فترات متعددة من تاريخ المغرب والمغرب الكبير، أنها تكشف عن تعقيدات تفرض تدقيقًا أكبر في الأسئلة المتعلقة بالثقافة السياسية، وكيفية عمل منطق سياسي معيّن بالنسبة إلى نظام الحكم في المغرب؛ إذ لم تكن الحركة مجرد حملات عسكرية، بل كانت مرتبطة
بتحرّك مباشر للسلطان وموظفيه، بين القواعد السلطانية وغيرها من المجالات المغربية، ما كان يستلزم تنظيم شكل التنقل ومساراته
ومحطاته، وتحويل الحركة إلى مدينة متنقلة أو ما يعرف بالمحلة، حيث يتنقل كل الحكم عبر التراب. أما الأسباب فمتعددة، منها عدم امتلاك المخزن لشبكة إدارية حقيقية، وبطء السفر الذي يصعّب السيطرة على الإدارة المحلية على نحو فعال، ومنها ما ارتبط
29 Sebti, p. 87. 30 Ibid., pp. 143-156. 31 Ibid., p. 175. 32 Ibid., pp. 144-147. 33 Ibid., p. 155. 34 Ibid., pp. 147-156. 35 Ibid., pp. 157-164.
بتمثيل السلطة، حيث تطلق الحركة جملة من الرموز الغنية بالمعاني، وتبرز الوظيفة العسكرية والدينية المزدوجة للسلطان. وهي أيضًا فرصة لإدارة القضايا المحلية العالقة، وتدبير الصدامات المحلية عبر التفاوض والتحكيم. وفي بعض الحالات، فرصة لاستقطاب زعماء كانوا من قبل متمردين، ما يجعلها أحيانًا عنصرًا مسهمًا في تجديد نخب المخزن. ويعرض السبتي لهذا في مقالته عن الوجوه
المتعددة للحركة، وأخرى عن إدارة المخزن للتراب. وفي صفحة خلاصات يقول، بناءً على استنتاج لمحمد الطوزي وباتريس
هيبو Hibou Béatrice، إن من أبرز ما يجعل المخزن قادرًا على التكيّف مع نقائصه، تركيزه على إدارة الأفراد بادلًا من إدارة التراب،
والإبقاء على التناقضات المحلية من دون اللجوء إلى الاستيعاب. ولا يزال هذا النظام، الذي ورثه مخزن ما بعد الحماية، مستمرًا في
الحاضر، لكنه يتشابك على نحو معقد مع سمات الدولة الوطنية.
ثالثًا: ورشة السبتي وتعميم المعرفة التاريخية
يثير هذا المبحث الحديث عن بعض القضايا المنهجية التي أعتبر أن الكتاب ناقشها. وأزعم أننا أمام ورشة ينبغي أن تُفتح،
وسأشرح هذه الكلمة، وإن كان السبتي قد استعملها في عنوان كتاب سابق: التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب. وأستعير من المؤرخ الفرنسي أنطوان برو أفكارًا عن التاريخ باعتباره محاولة للفهم؛ إذ يقول: "يحتاج المؤرخ إلى المعطيات المستمدة من
مخلفات الماضي المتنوعة، لكنها تظل صامتة من دون أسئلة، ولا يمكن أن تُعتبر 'مصادر' بالمعنى الدقيق للكلمة. يجب أن يكون
المؤرخ فعلًا قادرًا على إنتاج الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح على المصادر، وعلى أساليب قادرة على استنطاقها وإرغامها على الحديث.
المنهج النق يد الذي يضمن إثبات الحقائق يفترض في حد ذاته معرفة تاريخية مؤكدة. باختصار، يجب أن يكون المرء مؤرخًا ليصنع التاريخ". لا أستعير هذه الأفكار عن التاريخ لإثارة قضايا التعريف، بل لاستدعاء مصطلح "الصنعة" تحديدًا. يكرر المؤرخون مفردتَي الحرفة والصنعة، ويعتبرون التاريخ مهنة كما اختارها فيفر لكتاب بلوك. ويتحدث فيفر، في مواضع أخرى، عن الورشة والتعامل مع التاريخ على طاولة الاشتغال. ويناقش فرانسوا فوريه الورشة وقواعدها التي تتطلب تدريبًا أكثر من
العمل عن طريق قاعة الدرس لتعلّم تقنياته، ويتحدّث غيره عن الأساتذة والطلبة والمتعلمين ضمن حرفة معينة. وفي المغرب،
يُتداول تعبير حنطة المؤرخين، إحالة إلى الجماعة العلمية التي تتقاسم صفة الممارسين للبحث الأكاديمي في التاريخ. ويتفق معظم
هؤلاء على أن مهارات صنعة المؤرخ تتطلب تدريبًا حرفيًا، أو ما يمكن وسمه بالتعلم بالصحبة؛ فالباحث بصيغةٍ ما لا يمكن أن يصبح
مؤرخًا إلا من خلال الممارسة، والتعلم من سابقيه. ويستدرك المؤرخون، بطبيعة الحال، هذا التوصيف، ليؤكدوا أن التاريخ علم، ولا يكفي أن يقَّدَم من خلال اكتساب حيل الصنعة بعناية. ذلك تفصيل مهم، لكنه ليس موضوع الاستدعاء، فالمهم أن نؤكد أن الهدف
من استخدام مفردات الصنعة هو التأكيد على غياب قواعد تُطبق تلقائيًا على نحو دائم، وهو ما يجعل التاريخ بصفته ممارسة محاطًا
بكثير من التعقيدات.
36 Ibid., pp. 169-176. 37 Ibid., pp. 177-186. 38 Ibid., p. 20. 39 Prost, pp. 145-147. 40 Vincent Heimendinger, "Comment appréhender la communauté historienne? Variations méthodologiques: Métier, profession, champ," Hypothèses , vol. 25, no. 1 (2025), p. 146. 41 François Furet, L'atelier de l'histoire (Paris: Flammarion, 1982), pp. 5, 28-29. 42 Prost, p. 146.
أعتبر هذا العمل، كما أشرت سلفًا، ورشة لتقعيد جانب أساسي من هذه الصنعة، لم تُتداول تقنياته وأساليبه في قاعات الدرس التاريخي بوضوح بحسب علمي، ويتعلق الأمر هنا بأساليب تعميم المعرفة التاريخية وطرق نقلها إلى عموم القراء، حيث يمكن أن تُطرح الأسئلة التالية: أيّ تعميم نقصد؟ وأيّ معرفة يمكن تعميمها؟ وبأيّ صيغة؟ وقد سجلت في بداية هذه الورقة أهمية التعميم الموجه أكثر إلى عموم القراء، باعتباره صيغة أساسية ومهمة ستسهم، إلى جانب التجاوب مع الطلب على التاريخ، في الرفع من جودة الأبحاث على نحو غير مباشر، وتوسيع دائرة القراء وتسويق المعرفة التاريخية ونشرها عمومًا. وأعتقد أن ما قدّمه السبتي في هذه المقالات المتفرقة في مجلة زمان، والمجمّعة في هذا الكتاب، يمكن أن يكون
مث لًا جيدًا في هذا الجانب. وقد عبّر في تقديمه للكتاب عن استعصاء تمرين التعميم والتفاعل مع الطلب على التاريخ ومع أسئلة
الراهن، واعتبره تمرينًا محفزًا ومثريًا. لكنه اختار أن يترك للآخرين تقدير مدى نجاح الجهد المبذول. ذاك ما نحاول التعقيب عليه
في هذا الموضع من هذه القراءة. الحال أنني أعتبر هذا الكتاب مهمًا جدًا، ليس من باب المقارنة بمنجزات السبتي العلمية أو غيره من الباحثين، بل لأن وجه
المفاضلة هنا يكمن في القدرة على التجاوب مع طلب العموم على المعرفة التاريخية، والتفاعل مع جمهور واسع من القراء بصيغة لا تُفقد الباحث هدوءه الأكاديمي، ولا تنزع عنه معطف الباحث؛ وأّلا ينزل الباحث إلى مستوى التبسيط ليصل كي يُفهم القارئ
العادي، من دون أن يتخلى من أجل ذلك عن زخم المفاهيم وهاجس الحرص على تدقيقها، مخافة الوقوع في الأناكرونية؛ وألا يفرّط في التصريح بالأسئلة العلمية المرتبطة بالتوجهات البحثية المتحكمة في ما يقدّمه إلى القارئ، وينبّه إلى مصادره وهو يستنطقها،
ويستدعي أهم خلاصات الباحثين في ما يقدّمه مع ذكر هؤلاء من زاوية البناء والتراكم والأمانة أيضًا. والواضح أن المهتم بالتاريخ والمتفاعل مع أهل حنطته من المؤرخين لم يكن ينشغل بهذه الاعتبارات التي تحاول أن تحافظ على الملامح العلمية للمادة التاريخية حين يجري تبسيطها لتوضع رهن إشارة الجمهور؛ إذ يهمّه، أولًا وأخيرًا، على ما يبدو، أن
يتوصل بمادة تاريخية تتجاوب مع الطلب الاجتماعي والسياسي على التاريخ. ولا تهمّ الكيفية التي توصل بها المؤرخ إلى مادته، أو
من أنجزها، وتعقيدات الإنجاز، ومسارات التراكم وسياقاته البحثية، وإشكالات التداخل بين الذاكرة والتاريخ، وغير ذلك مما يحضر عادة عند الباحث العنيد والمسكون بهواجس التدقيق العلمي المطلوبة. وهذا ما يبدو أن بعض من ينشر في الوسائل التعميمية للمعرفة التاريخية قد فهمه، فانساق وراءه وقبِل أن ينزل إلى القارئ لا أن يجعله يصعد قليلًا إليه، مثلما قبِل أن يُخفي مصادر المادة المقدّمة
و"البهارات" التي أضافها هو أو غيره من جماعته العلمية، ويكتفي بعرضها للاستهلاك، رطبة، من دون كأس ماء أو منبه. وإذ أجزم أن السبتي في تجربته هذه مع مجلة زمانكان يكتب، على ما يبدو، بأريحية الباحث، من دون الخضوع لإكراهات النشر والتجاوب مع طلبات الناشر والجمهور. فقد كان يحرص على أن يُقدّم إلى المتلقي، بكل اختصار ممكن، حصيلة المنجز في
الموضوع المطروح، مع تحديد سياقات الإنجاز، سواء تعلّق الأمر بمن سبق أن بحث في الموضوع، أو بحصيلته، أو بالتراكم المحقق. وللتدقيق هنا، فالأمر لا يتعلق بالتصريح بالمصادر والتهميش وتذييل البحث بلائحة المَّطَلع عليه ومصدر المعطيات؛ إذ إن هذا لا يسمح به سياق مجلة تعميمية. لكن المقصود هو أن يتمكن الباحث من أن يعرض للقارئ العادي مادة تاريخية صاغها بأسئلة المؤرخ ومفاهيم العلوم الإنسانية وأدواتها، والتاريخ ضمنها، فيجعله يفهم قضايا بتلك المفاهيم والأدوات.
43 Sebti, p. 9.
هذه أمثلة، فقط للتوضيح، وبإيجاز شديد: المثال الأول من القسم الأول للكتاب: يخصص السبتي مقالة من هذه المقالات لصناعة الأسماء والألقاب، فينطلق بالقارئ غير المتخصص، والمتخصص أيضًا، من بعض الرهانات المعاصرة للألقاب، من نقاش طُرح في الصحافة عن استعمال يثير الشكوك لبطاقات تميّز حاملها من غيره من المواطنين، وتمنح لهم تفضيلًا مرتبطًا بالنسب الشريف، ومشروع قانون طُرح في البرلمان لحذف
أسماء التبجيل "لالة" و"سي يد" في الحالة المدنية، وما يثيره اختيار بعض العائلات أسماء أمازيغية لأبنائها من اعتراضات من بعض المؤسسات، ونقاشات أخرى، ثم يطرح أسئلة عن الأسماء والألقاب وكيفية كشفها عن رهانات السلطة. ويستحضر خلاصات أبحاث أنثروبولوجية قاربت بعض تلك الجوانب، من قبيل خلاصات كليفورد غيرتز Geertz Clifford في فهم كيفية استثمار اللقب العائلي مفتاحًا لفهم طريقة عمل المجتمع المغربي التقلي يد مثلًا. ثم يُدخل القارئ إلى طاولة الورشة، فيُفكك معه، وإن بعجالة يفرضها
سياق المجلة، خطاب أدب الأنساب وأدب التراجم، فيكتشف القارئ معه مباشرة هذه الرهانات. المثال الثاني من القسم الثاني للكتاب: يخص اتجاهًا بحثيًا لا يزال يخطو خطواته المتعثرة في المغرب، وهو تاريخ المجتمع
من خلال السير الذاتية، أو ما يعرف بالسيرة الاجتماعية؛ فيضع السبتي القارئ أمام الأسلوب التقلي يد في السير المتمثل في حياة
الملوك والأمراء ورجال الدولة، ويُذكره بسيرة البيوغرافيا المتقلبة مع الحوليات والتاريخ الجديد، ليصل به إلى المرحلة التي أُعيد فيها
تأهيلها عبر منطق وصف المجتمع من خلال المسارات الفردية. ويعود بالقارئ إلى بدايات تطور السيرة الاجتماعية مع مدرسة شيكاغو. ويُذكر بعمل أوسكار لويس Lewis Oscar عن "أطفال سانشيز (1961)" ثم يعرض لإسهامات الباحثين الأميركيين في المغرب في
هذا الجانب، من أمثال جون واتربوري Waterbury John، ثم ديل إيكلمان Eickelman Dale، وأليسون بيكر Baker Alison التي قدّمت نماذج نسائية. ثم يصدم القارئ ببطء تقدّم البحث المغربي في هذا الجانب، مع ذكر نماذج لفاطمة المرنيسي، ومحمد الطوزي، ثم حسن رشيق. وهؤلاء جميعهم أنثروبولوجيون. أما المؤرخون الذين باشروا هذا النوع من الأعمال، فقد انطلقوا من شهادات متنوعة لإعادة بناء حياة شخصية عاشت في الماضي، ويُقدم السبتي نموذجًا لذلك من خلال عمل دانييل شروتر Schroeter Daniel
واكتشافاته الوثائقية التي سمحت بكتابة تاريخ اجتماعي عن تجار السلطان، ومن خلال شخصية مايير بن مقنين. إنه مسار بحثي يعرضه السبتي للقارئ العادي بكثير من التدقيق، ثم يقدّم إليه خلاصات لأبحاث عن سير اجتماعية في مقالات أخرى بالكتاب نفسه؛ واحدة عن اليهودي بن مقنين، حيث نجح السبتي في عرض المنجز العلمي حول هذه الشخصية، مع تعيين أصحابه، وأخرى عن واحد ممن شغل الرأي العام في حينه، في المغرب ولندن، هو بوبكر الغنجاوي الجمّال الذي تحوّل في سياقات الضغط الأجنبي
وتعقيدات القايدية إلى واحد من أغنى أغنياء المغرب عبر مساراتٍ مشكوك فيها، من قبيل العبودية والبغاء. ويعرض السبتي لهذه السيرة من خلال استحضار أبرز الأبحاث المنجزة عنه، ويحسم بأهمية مقالة خالد بن الصغير عنه. وهذه أمثلة فقط، حيث يمكن أن يتبين القارئ المهتم هذا الأسلوب في مختلف المقالات التي تضمّنها الكتاب. وهكذا، يتلقى القارئ العادي عملًا هدفه تعميم المعرفة التاريخية، لكنه بصيغة التركيب؛ أي تركيب خلاصات المنجز في موضوع ما وتقديمها إلى القارئ في مجلة تعميمية. وتسمح صيغة المجلة بألا يضع الباحث رهن إشارة قرّائها خلاصة اشتغاله سنوات
44 Ibid., pp. 29-39. 45 Ibid., pp. 131-139. 46 Ibid., pp. 109-119. 47 Ibid., pp. 121-130.
التي أتقن السبتي وقليل من الباحثين تقعيدها.
قراصنة سلا، وما سمّي بجمهورية سلا، والمسار الاجتماعي والسياسي والدبلوماسي للطاهر فنيش. تجربة اليهودي بن مقنين، أحد يهود السلطان الذي تنقّل بين الصويرة ولندن.
أعمال تلفزيونية وسينمائية عنها. انتفاضة الدباغين في فاس وثورة الرحامنة في مراكش. مادة تاريخية إلى مادة درامية أو سينمائية نقاش لم يبدأ بعدُ بوضوح في المغرب.
على هذه الأوراش، في هذا الكتاب وغيره من أعماله.
فحسب، بل أيضًا مادة أسهم في إنجازها مع جيل من الباحثين أو اتجاه بحثي ما في ثيمة معيّنة. تلك، على ما يبدو، هي وصفة الصنعة
أختم بجانب آخر مما يخص التعميم، ويهدف إلى توسيع دائرة القراء وتسويق المعرفة التاريخية ونشرها عمومًا، وهذه المرة
عبر أعمال تخييلية، رواية أو دراما أو سينما، حيث يقدّم السبتي في عمله هذا مشاريع جيدة في هذا المجال. ويمكن أن يجد عموم
المهتمين، من كتّاب سيناريو أو مخرجين، مادة ممتازة عن مشاريع تخييلية تاريخية أو تسجيلية مغرية، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:
حالة الغنجاوي المثير للجدل؛ من جمّال إلى ثري، وأسئلة المسار عبر أشواك تهمّ الاتجار في العبودية والبغاء، وصراعاته من أجل
مصالحه ضد الصحافة الإنكليزية، وحضور قضيته في أروقة البرلمان الإنكليزي، وفي العلاقات بين السلطان وممثل بريطانيا. انتفاضة أولاد زايد والقايد عيسى بن عمر، أو ما عُرف بعام الرفسة، وقصة خربوشة التي حظيت ببعض اهتمام الفنانين، وأ نتجتُ
وهذه كلها مشاريع جاهزة لمسار آخر يهدف إلى مزيد من التعميم للمعرفة التاريخية. يقول السبتي في هذا الصدد إن تحويل
هذه زاوية من الزوايا التي اخترتُ أن أطل من خلالها على عمل السبتي، أما الزوايا الأخرى التي تخص تجديد الأسئلة التي
يطرحها على الماضي في ضوء الحاضر، وإسهامه في مواجهة الهيمنة على الذاكرة، فيمكن أن يكتشفها القارئ عبر الاّطلّاع المباشر
المراجع
العربية
السبتي، عبد الأحد. التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012. دوس، فرانسوا. التاريخ المفَّتَت: من الحوليّات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية
للترجمة، 2009.
الأجنبية
Heimendinger, Vincent. "Comment appréhender la communauté historienne? Variations méthodologiques: Métier,
Sebti, Abdelahad. Fragments d'histoire marocaine: Société et figures du pouvoir. Casablanca: Editions Le fennec, 2023.
Bloch, Marc. Apologie pour l'Histoire ou métier d'Historien. Paris: Armand Colin, 1993. Febvre, Lucien. Combat pour l'histoire. Paris: Armand Colin, 1953. Furet, François. L'atelier de l'histoire. Paris: Flammarion, 1982.
profession, champ." Hypothèses. vol. 25, no. 1 (2025). Prost, Antoine. Douze leçons sur l'histoire. Paris: Éditions du Seuil, 2010 [1996].