Return to Article Details Moreno Cirillo's Journey to Southern Morocco: A Study of Mentalities, Representations, and Motivations

رحلة مورينو سيريلو إلى جنوب المغرب دراسة في الذهنيات والتمثلات والدوافع

Moreno Cirillo's Journey to Southern Morocco: A Study of Mentalities, Representations, and Motivations

بوزيد الغلى

لحسن إدبراهيم

الملخّص

ظلّ المحكي الرحلي الذي خلّفه مورينو سيريلو حول البعثة المغربية الإسبانية إلى الصحراء الأطلنتية نصًّا مغمورًا لم يتناوله الدارسون بالترجمة والدراسة. لذلك، تعدّ هذه الدراسة لبنة مهمّة من لبنات الاهتمام بهذا المحكي الذي يتضمن إشارات مهمة ومعلومات غنية متعلقة بالمغرب على عهد السلطان الحسن الأول. وقد تركز اهتمامنا في التأطير التاريخي للرحلة من حيث وضعها في سياقها المتمثّل في محاولة إسبانيا بتعاون مع المغرب لتحديد موقع سانتا كروز دي مار بيكينيا Santa Cruz de Mar pequeña تنزيلًا لاتفاقيات مبرمة بين الطرفين بعد حرب تطوان، كما وجهنا اهتمامنا إلى استنطاق المحكي الرحلي من أجل استخراج الصور النمطية والميثات التي تخللت تصوير الرحّالة للمور أو سكان سوس والصحراء خلال فترة رحلته التي دامت عدة أشهر.

Abstract

Moreno Cirillo's account of his travel on the Moroccan Spanish mission to the Atlantic Sahara has remained an obscure text, largely neglected by scholars in terms of translation and study. This article therefore constitutes an important contribution to the growing scholarly interest in this account, which contains significant references and rich information relating to Morocco during the reign of Sultan Hassan I. This analysis focuses on the historical framing of the journey by situating it within its broader context; namely Spain's attempt, in cooperation with Morocco, to identify the location of Santa Cruz de Mar Pequeña, pursuant to agreements concluded between the two parties following the Tetouan War. It also interrogates the account itself in order to identify the stereotypes and myths that permeate the writer's depiction of the Moors, as well as the inhabitants of the Sous and Sahara regions, on a journey that lasted several months.

الكلمات المفتاحية:
  • الرحلة
  • الصور النمطية
  • أساطير
  • الذهنيات
Keywords:
  • الرحلة
  • الصور النمطية
  • أساطير
  • الذهنيات
لحسن إدابراهيم | Idbrahim *Lacen
بوزيد الغلى | Laghla **Bouzid
رحلة مورينو سيريلو إلى جنوب المغرب
دراسة في الذهنيات والتمثلات والدوافع
Moreno Cirillo's Journey to Southern Morocco
A Study of Mentalities, Representations, and Motivations

مقدمة

يعدّ استقصاء التمثلات والدوافع والذهنيات التي تنطوي عليها رحلة مورينو سيريلو Cirilo Moreno1841 - 1916 أمرًا ذا

أهمية في استكناه التفكير الكولونيالي الذي اكتنف النصوص الرحلية الإسبانية المبكرة إلى الصحراء مثل رحلة خواكين كَاتيل Gattel Joaquiin ورحلة خوليو ثيربيرا Cervera Julio. وليس سرّا أنْ تكون الصحافة الإسبانية، خلال سبعينيات القرن

التاسع عشر وثمانينياته، قد كرست مسألة البحث عن موقع سانتا كروز دي مار بيكينيا ضمن دوافع التغلغل الإسباني بأفريقيا

. La acción española en África

شُيّد هذا الحصن سنة 1476 على يد المستكشف الإسباني دييغو غارسيا دي إريرا Herrera de García Diego، واستعاده

السعديون سنة 1524، لكنه ظل يتصدر المطالب الإسبانية في كل الاتفاقيات التي أبرمت مع المغرب، كما تثبت المادة الثامنة من معاهدة "واد راس" المنعقدة في أعقاب حرب تطوان 1859 - 1860 المعروفة في الهيستوريوغرافيا الإسبانية بحرب أفريقيا

. La guerra de África

سعى الطرفان، بعد هذه الاتفاقية، لتحديد موقع هذا الحصن الذي ظل مجهولًا بعد أن اندرست بقاياه بفعل نوائب الدهر، واتفقا على تشكيل لجان مشتركة بين البلدين وإيفاد بعثات علمية وتنظيم رحلات استكشافية، من أجل القيام بمسح شامل للمعالم الجغرافية الواقعة على طول الساحل الأطلنتي الجنوبي للمغرب. وكان من نتائج هذه الرحلات الاستكشافية ظهور العديد من الكتابات الإسبانية حول المنطقة، تتصدرها المحكيات الرحلية viaje de Relatos. لقد عملت إسبانيا على تفعيل ما اُّتُفق عليه مع الجانب المغربي من خلال إرسال بعثتها الأولى عام 1878 على متن باخرة بلاسكو دي كراي Garay de Blasco، تحت إشراف سيزاريو فيرنانديز دورو Duro Fernández Cesáreo. وقد خمّن أعضاء هذه البعثة أن

يكون موقع هذا الحصن في سي يد إفني، علمًا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى اليابسة لصعوبة الرسو في خليج المنطقة. وتنمّ دوافع

تلك الرحلة عن الأهمية التاريخية والجيوستراتيجية التي يحظى بها هذا "الحصن المفقود" لدى الإسبان، وخاصة الكناريين منهم الذين مارسوا ضغطًا على الحكومة كما تثبت بعض التقارير المحلية. لقد كانت النخبة الكنارية تتابع عن كثب كل التحركات الأجنبية في المنطقة، وتعتبرها مساسًا مباشرًا بمصالحها الاقتصادية؛ إذ

كانت تطمح إلى أن تكون لإسبانيا محطة تجارية comercial Factoría أو مرفأ puerto على الساحل الأفريقي المقابل لجزر الكناري؛ ما سينعكس إيجابيًا على وضعية الأرخبيل الاقتصادية.

Julian Moreno Cirilo, "De los puertos de la luz y de las palmas y otras historias," Memoria Digital de Canarias (1947), accessed on 8/1/2026, at: https://acr.ps/1L9F2F3 Joaquín Gatell y Folch, Viajes por Marruecos: El Sus, Uad-Nun y Tekna (1880).

3 خوليو ثيربيرا، من وادي الذهب إلى أدرار، ترجمة بوزيد الغلى (فاس: دار بصمة للنشر والتوزيع، 2025.) 4 حاكم لانزروتي وفويرتي بنتورا، ينظر:

A. S. H. Gutiérrez, "La expedición del ingeniero Juan de León y Castillo a marruecos," Revista de Historia Canaria , no. 176 (1992), pp. 141-158.‏

للاطلاع على حيثيات هذه البعثة وعلى كتابات ثيزاريو فيرنانديز دورو ينظر:

Helena de Felipe, "La Comisión de 1883 en busca de Santa Cruz de Mar Pequeña," in: Youssef Akmir (ed.), Entre Mogador y Sidi Ifni. Una historia de espejismos: Españoles en el sur de Marruecos entre los siglos XVIII y XX , Youssef Akmir (ed.) (Córdoba: Editorial Almuzara, 2019). Muhammad Ibn Azzuz Hakim, "Un documento marroquí inédito referente a las Islas Canarias y la costa fronteriza (1882-1883)," in: Aula Canarias y el Noroeste de África (Las Palmas de Gran Canaria, 1992), pp. 171-194.

ضمن هذا الإطار، أرسلت البعثة الجغرافية الثانية التي انطلقت من جزر الكناري في أيلول/ سبتمبر 1882 تحت الرعاية الخاصة للجمعية الديمقراطية Democratica Sociedad La، والجمعية الاقتصادية لسانتا كروز دي تنيريفي

. La Sociedad Economica de Santa Cruz de Tenirfe

وقد قاد هذه البعثة أنطونيو ماريا مانريكي Manrique María Antonio الموثق العدل بمدينة لانزروتي Lanzarote، وكان الإبحار على متن باخرة بيريز كاييغو Gallego Pérez التابعة لشركة بيسكيرياس كناريو أفريكانا africana - canario Pesquerías. وأسفرت نتائج البعثة عن اختلاف وجهة نظر الكناريين عن نظرائهم المشاركين في البعثة الأولى بخصوص تحديد موقع سانتا كروز دي مار بيكينيا؛ إذ رجّحوا أن يكون موقعه في النعيلة أو اكويدير اخنفيس cansado puerto o Guider Ercila. ووضعوا رسمًا وصفيّا

لبقايا مبنى أثري وجدت في عين المكان تشبه تلك التي كانت موجودة على عهد غارسيا دي إيريرا على الساحل الأفريقي. وبناءً على

ذلك، سعى ماريا مانريكي من خلال العديد من الدراسات الأكاديمية والمقالات الصحافية إلى إثبات تهافت الأطروحات المناقضة لما انتهت إليه البعثة التي ترأسها. من جهة أخرى، أدى تضارب نتائج بعثتَي 1878 و 1882، ومحاولات المغرب مقايضة سانتا كروز دي مار بيكينيا بمكان آخر

(يُرجّح أن يكون في شمال المملكة)، إلى دعوة مدريد إلى إرسال بعثة مشتركة أخرى، تنحصر مهمتها في تحديد موقع سانتا كروز

دي مار بيكينيا بصفة قطعية. وذلك من خلال مسحٍيشمل سواحل سوس ووادي نون، ودراسة جدوى إحداث ميناء ينشّط الحركة الاقتصادية ويسهّل المبادلات التجارية بالمنطقة. وضمن هذا السياق، جرى تكوين اللجنة المشتركة الإسبانية - المغربية التي باشرت

أشغالها انطلاقًا من ميناء الصويرة سنة 1883.

أولًا: أهمية الدراسة ومنطلقاتها النظرية والمنهجية

تتجسّد أهمية دراستنا هذه في محاولتها كشف صورة الإنسان المغربي في مرآة الرحّالة الأجنبي أو الغربي، خلال الفترة التي

أنجزت فيها رحلة سيريلو؛ تلك الصورة التي تتقاطع في بنائها عدة عوامل تاريخية واجتماعية ونفسية. لقد حاولنا أعلاه تأطير النصّ من الناحية التاريخية؛ ما سوف يسعف في معرفة الدوافع وفهم التمثلات التي تشكّل أساس

الصوريات بوصفها – بحسب إيف شفرول - "دراسة تمثلات الأجنبي في الأدب، من خلال الوثائق التي تقدمها محكيات الرحلات والمقالات بكل أنواعها". إن كشف التمثلات التي احتواها محكي سيريلو الرحلي يستدعي أن نضع في الحسبان النظرة الاستعلائية للإنسان الغربي، الذي اصطنع الشرق كي يراه كما يشتهي أن يراه (الشرق الغامض، الشرق المتخلف الضعيف)؛ وذلك من منطلق أنّ الشرقيين "لا يستطيعون تمثيل أنفسهم"، لذلك يقوم الغربي بذلك نيابةً عنهم. ووفقًا لهذا المنظور، يمكن أن نفهم دواعي البعثة التي أشرنا إليها

رفاييل مونيوث ماريا مانريكي: رحالة في ربوع أفريقيا وباحث في الغوانش، ولاس بالماس، وكناريا الكبرى. عمد المغرب في البداية إلى المناورة و"ربح الوقت". وبعد اشتداد الضغوط عليه، حاول إقناع فرنسا للتدخل والوساطة مع إسبانيا لاسترجاع إفني مقابل منح إسبانيا

امتيازات على مستوى سواحل مليلية، لكن كل هذه المساعي الدبلوماسية باءت بالفشل، وانصاع المخزن في الأخير للضغوط الإسبانية، وسمح لإسبانيا بالصيد في مركز

إفني، غير أن الاحتلال الفعلي للمنطقة لم يتم إلا سنة 1934؛ أي بعد مرور 49 سنة على وقائع هذه البعثة. ينظر في هذا الصدد:

Pablo-Ignacio de Dalmases, Viajes a Ifni (Madrid: Sial Pigmalión; Casa África, 2019). Ives Chevrel, La littérature comparée (Paris: PUF, 1986), p. 25.

10 إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006 [1995])، ص 82.

سلفًا، وهي لا تخرج عما عبّر عنه ألفونص دي لامارتين بأنه "حق الأوروبيين" في "احتلال جزء معيّن من الأرض، أو السواحل، حتى ننشئ فيه إما مدنًا حرة أو مستعمرات أوروبية، أو موانئ أو مرافئ تجارية". وذاك ما حصل فعلًا باحتلال كاب جوبي (طرفاية حاليًا) ثم سي يد إفني اللتين كانتا وجهةً للرحلة المدروسة. لا ندّعي في هذه الدراسة ابتداع ما لم يصل إليه الأوائل ممن تصدوا لدراسة صورة المغرب (الإنسان، المجال) في السرد الغربي، مثل دراسة عبد الجليل الحجمري "صورة المغرب في الأدب الفرنسي" الصادرة بالفرنسية، وهي دراسة تصبو على حد وصف محمد أنقار إلى "إضافة مساهمة في إحصاء الأساطير والأحكام المسبقة [...]، وقد أفضت هذه الخطوة إلى نتيجة موضوعية تثبت أن المؤلفات الاستعمارية، المكتوبة بالفرنسية عن المغرب، لم تفعل شيئًا آخر غير إبرازها للعيان صورة سرية وأسطورة مركبة من مختلف العناصر ذات الصلة بأدب الشرق وبالحضارة الموريسكية وإفريقيا؛ أي صورة احتقار العرب التي تقوّت بفعل المد الاستعماري". لقد خلص أنقار إلى النتيجة ذاتها في الباب الثاني من أطروحته المعنون ب "الصورة المختلة"، بينما رام في الباب الثالث أن يفتّش بين ثنايا نصوص مختلفة (رواية، سيرة ذاتية) عن ملامح صورة متوازنة، مع توسعه في استخدام مفهوم الصورة السردية التي عرّفها بأنها "نقل لغوي لمعطيات الواقع، وهي تقليد وتركيب وتنظيم في وحدة [...] وهي ذات مظهر عقلي ووظيفة تمثيلية [...] موغلة في امتداداتها إيغال الرموز والصور النفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية والإثنية، جمالية في وظائفها مثلما هي صور البلاغة ومحسناتها، ثم هي حسية، وقبل كل ذلك، هي إفراز خيالي". خلاصة هذا الكلام أن كثيرًا من الصور والتمثلات ليست في نهاية المطاف سوى إفراز خيالي، و"لا يتحدد التمثيل بالنص السردي فقط، فهو يعيد تشكيل العوالم والمرجعيات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية والدينية والسياسية والاقتصادية، وتتناظر بذلك العوالم النصية المتخيلة بالعوالم المرجعية فتتحدد وظيفة التمثيل". بناءً على ما تقدم، فإن منهجيتنا في دراسة المتن الرحلي الذي خلّفه سيريلو تقوم على مهادٍ نظري، قوامه كشف الصور والتمثلات الكامنة في الخطاب؛ ما سوف يسعف في فهم الذهنيات والدوافع الكامنة في كتابة هذا المتن الرحلي الذي يتضمن معلومات تاريخية، وانطباعات، ومقارنات، وأحكامَ قيمة لا تخلو من النظرة الاستشراقية التي تراوح بين ما يسميه إدوارد سعيد الاستشراق الكامن والاستشراق السافر. ولنا أن نطرح في هذا الصدد السؤال الإشكالي الآتي: إلى أي حدّ عكس تصوير الرحّالة سيريلو للشخصيات المغربية الفاعلة في الرحلة نظرةً استشراقية كامنة؟ أتثبت التمثلات والصور النمطية الواردة في الرحلة نظرته الاستشراقية المتحيزة، أم أن النص حمل

أبعاد صورةٍ متوازنة وإيجابية عن المغرب والمغاربة؟

11 المرجع نفسه، ص 196. 12 محمد أنقار، بناء الصورة في الرواية الاستعمارية: صورة المغرب في الرواية الإسبانية (تطوان: مكتبة الإدريسي للنشر والتوزيع، 1994)، ص 59 - 60. 13 المرجع نفسه، ص 15. 14 ضياء الكعبي، "تمثيلات الخليجي في الخطاب النسوي الروائي الخليجي: جدل التذكير والتأنيث الثقافي وإشكاليات الآخر"، في: المستقبل وصورة العربي في رواية

الآخر: ندوة مهرجان القرين الثقافي الحادي والعشرين، محمد الرميحي (محرر) (الكويت: منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2016)، ص 411. 15 سعيد، ص 323.

ثانيًا: التعريف بالرحّالة وظروف كتابة النص الرحلي

ولد الدون سيريلو في سانتا كروز دي تنيريفي Tenerife de Cruz Santa سنة 1841، وقضى طفولته في كَييا Guía، وعند بلوغه سن السادسة عشرة انتقل للعيش في لاس بالماس. Palmas Las في الفترة الأولى من حياته، عُني برسم اللوحات الفنية قبل أن يُعيّن موظفًا في الأشغال العامة Públicas Obras، حيث

ظل يحقق ترقيات في تلك الإدارة. فقد التحق في مقتبل شبابه برصيف ميناء لاس بالماس، للعمل في مصلحة الأشغال العامة Públicas Obras las de servicio El، وتدرج في العديد من المناصب، حتى عُيّن مساعدًا لرئيس المصلحة خوان ليون إي كاستيلو

Castillo y León Juan، وقد تميز بأداءٍ جيّد ومردودية عالية؛ الأمر الذي عزّز ثقة المسؤولين بكفاءته. بخصوص اهتماماته الأدبية، اشتهر بالكتابة عن تاريخ جزر الكناري، وخلّف عددًا من المؤلفات التي انكبّ على جمعها ونشرها

هيرنانديز غوتييريز Gutiérrez Hernández سنة 1947، أي بعد وفاته بفترة طويلة. وهي عبارة عن نصوص قصيرة تتعلق بالمدينة وأهلها، بما في ذلك نصّ رحلته؛ موضوع هذه الدراسة. تتميز رحلة سيريلو من بقية الكتابات الرحلية، التي صنفها بعض من شارك في هذه المهمة الاستكشافية، بأسلوبها الطريف والساخر، وتقدم سردًا للأحداث ممتعًا، ووصفًا دقيقًا لعدد من الظواهر التي لم تستأثر إلا لمامًا باهتمام الأجانب الذين زاروا الصحراء

الأطلنتية. وتتضمن الرحلة انطباعات الكاتب ومشاهداته خلال سفره إلى السواحل الجنوبية للمغرب، وقد ظهر النص الكامل أوّل مرة

سنة 1947 بعنوا ن historias otras y palmas las y luz la de puertos los De. وما يعنينا، في هذا المقام، من محتواه الذي يقع في نحو 242 صفحة، هو الجزء المعنون ب "في أفريقيا"، ويشمل الفصول التسعة المتعلقة بالرحلة إلى الصحراء الأطلنتية، والممتدة من الفصل الثاني والعشرين إلى الفصل الثلاثين (ص 129 - 203). يتحدث الكاتب، في هذه الفصول، عن مسار الرحلة، ويقدّم تفاصيل كثيرة عن الحياة اليومية للفريق المشارك في البعثة، وعن

المقام في الخيام التي تُنصب كلما شعر الأعضاء بالتعب، وآثروا أخذ قسط من الراحة قبل مواصلة المسير. وهكذا نجده يصف الأفراد المقيمين في كل خيمة، وما ينشأ بينهم من علاقات، وما يدور في مجالسهم من أحاديث لا تخلو أحيانًا من طرائف ونوادر. ويقدم كذلك وصفًا مفصّلًا للمناطق التي مرّت منها البعثة، محاولًا المقارنة بينها وبين مناطق أخرى في جزر الكناري، وكأنه يستثير الصورة

الذهنية للمجال الجغرافي لدى المتلقي الإسباني من خلال استدعاء المعالم الجغرافية بموطنه الأصلي؛ جزر الكناري.

ثالثًا: مسار الرحلة وشخصياتها

1. مسار الرحلة

يصف الرحّالة مسار البعثة المغربية - الإسبانية ومراحلها، محددًا وسائل النقل في كل مرحلة، بحيث استعان أفراد البعثة في البر

بالدواب، وخاصة البغال، بينما أبحروا على متن البواخر. ويمكن اختصار مسارات الرحلة في ثلاث مراحل هي: ӵ من الصويرة إلى أكادير: السفر بحرًا.

16 Gutiérrez, p. 153.

ӵ من أكادير إلى أساكا Asaka: السفر برًّا. من أساكا إلى محيط كاب جوبي أي منطقة النعيلة وأخنيفيس: السفر بحرًا.

استغرقت الرحلة زهاء أربعة أشهر (26 نيسان/ أبريل- 18 آب/ أغسطس 1883)، وتوقفت البعثة عند مشارف مبنى ماكينزي McKinsey في طرفاية التي وصفها ليون إي كاستيلو قائلًا: "تتراءى لنا بنايتان أقامهما دونالد ماكينزي؛ الأولى تقع وسط البحر على شكل ثكنة؛ والثانية توجد على الشاطئ، وتحيط بها مساكن يقطنها بعض البيضان بزعامة محمد بن بيروك". ولم يخلُ مسار البعثة من عوائق وتعثرات وتأخيرات؛ فقد تخلف سيريلو وزملاؤه عن بقية أعضاء البعثة؛ إذ اضطر مع المهندس دييغو زابالا Zabala Diego ورئيس العمال كابطاث غاليندو Galindo Capatáz إلى البقاء في أساكا مدة عشرين يومًا، بعد أن تعذّر

عليهم الإبحار على متن سفينة ليخيرا Ligera مع بقية البعثة. واضطلعوا خلال تلك الفترة بمهمة إنهاء بعض الأعمال، على أن تلتحق بهم سفينة سيلفادور Silvador بعد ذلك بوقت قصير. لقد أدى الجهل بمكان الإبحار الصحيح من أساكا، وشراسة القواطع البحرية الساحلية، إلى بقائهم في أساكا تحت حراسة رجال القائد دحمان بن بيروك. وكانت تلك أصعب مرحلة من مراحل الرحلة عبر السواحل الجنوبية؛ إذ عانى الرحّالة ورفاقه قلّةَ الطعام والماء، وتربص قطاع الطرق الذين لا يدخرون جهدًا في السطو وزعزعة أمن المنطقة. ولذلك، ظلت لا تفارقه مشاعر الخوف، لا سيما حين يتذكر مصير رحالة أوروبيين جنحت بهم السفن في المنطقة، فوقعوا أسرى في يد بعض الوجهاء وزعماء القبائل، فمنهم من افتُيد

بالمال، ومنهم من قضى نحبه في الأسر، وممن أ سروا في وادي نون التاجران جيمس كورتيسُJames Curtis وفرانسيسكو بويانا

.Puyana Francisco

2. شخصيات الرحلة

يقدّم النص معطيات مهمّة عن شخصيات رئيسة وأخرى ثانوية في السرد الرحلي، ويمكن عرضها على النحو الآتي:

أ. الشخصيات الرئيسة

تنحصر الشخصيات الإسبانية الرئيسة في الآتي ذكرهم: ӵ لوثانو مونيوث رئيس وفد البعثة الإسبانية كان لوثانو مونيوث Muñoz Lozano يشتغل قنصلًا بالصويرة، واتسمت علاقته بالكاتب ورئيسه المباشر ليون إي كاستيلو بقدر من التوتر، وذلك بسبب تجاهله لهما وعدم استشارتهما قبل اتخاذ بعض القرارات؛ ذلك أن مونيوث لا يكترث بأحد، ولا يطلع أحدًا على مضمون ما يجري بينه والجانب المغربي؛ إذ عقد اتفاقات مع المغاربة moros من دون الرجوع إلى مواطنيه من أعضاء الوفد.

17 محطة ماكينزي Mar Casa هي مركز تجاري ومستودع أنشأه التاجر الإسكتلن يد دونالد ماكينزي McKenzie Donald في مدينة طرفاية (المعروفة بكاب جوبي)

خلال القرن التاسع عشر. كانت المحطة جزءًا من شبكة تجارية تهدف إلى تعزيز التجارة بين أوروبا وأفريقيا؛ إذ استعاض ماكينزي عن فكرة الغمر البحري للصحراء من

أجل الوصول بحرًا إلى أفريقيا عبر رأس جوبي بإنشاء محطة تجارية، ويذكر خالد بن الصغير في هذا السياق أن "ما كان يخشاه ماكينزي حقّا هو احتمال تعرّض مشروعه

إلى مضايقات الإسبانيين المنهمكين في التحضير لإنشاء محطة صيد لصالحهم على بعد ثلاثين ميلًا من طرفاية"، ينظر: خالد بن الصغير، طرفاية: المخزن ومحطة

مكنزي التجارية برأس جوبي 1876 - 1895 (الرباط: مركز الدراسات الصحراوية، 2015)، ص 12 - 13.

18 de Felipe, p. 160. 19 Cirilo, p. 173.

الدون خوان ليون إي كاستيلو المهندس الرئيس للطرق

القنصل يعطيه إياه. ӵ مورينوسيريلو

الرحلة، فضلًا عن رسوم تجسد صور شخصيات مغربية رافقت الوفد الإسباني. ӵ رامون خاودينيس Jaudenes Ramón

أما الشخصيات الرئيسة للبعثة المغربية، فهي التالية: سيدي محمد بركَاش Burguitis Mohamed Sidi مبعوث السلطان الحسن الأول

الرحلات والكتابات الغربية تحتاج دائمًا إلى ضبط ومراجعة؛ نظرًا إلى ما يكتنف رسم تلك الأسماء أو كتابتها من أخطاء. ӵ الغلام

فاعل في خلق بعض الأحداث، خاصة أثناء فترات الاستراحة وتناول الطعام.

ب. الشخصيات الثانوية

ӵ سينيور كاميخو Camejo señor El

وكان يعتبرني والدون مانويل Manuel Don وزابالا مثل أبنائه.

الأصلية وتوثيقها بدقة، خاصة في سياق الرحلات الإسبانية إلى الصحراء.

هو الرجل الثاني في البعثة الإسبانية، وكان يب يد غضبه وتذمره الشديد من تصرف القنصل الذي يتعمد إظهار سلطته عليه. فقد اعتاد أن يكون حاكمًا مطلقًا لا يتلقى الأوامر، كما اعتاد الدعم اللامشروط من أنصاره؛ ما جعله يضيق ذرعًا بالدور الثانوي الذي كان

هو مساعد رئيس لجنة الموانئ، وقد مكّنته موهبة الرسم من نسج علاقات قوية مع أفراد البعثة المغربية الذين انبهروا كثيرًا

بلوحاته التشكيلية. يتحدث لنا في هذا الصدد عن العطايا التي قدّمها إليه ممثلو السلطان (السكر، والشاي)، والتي كانت ذات قيمة عالية في ذلك الوقت. وقد حصل على بعض تلك الهدايا مقابل لوحات فنية تجسد طبيعة الأمكنة والفضاءات التي مرّ بها خلال

رسم خاودينيس قائد الهندسة في هيئة الأركان Mayor Estado عددًا من اللوحات الفنية بمعية مونيوث وسينيور لوسيو Señor Lusio، كما رسم بدقة المسارات التي سلكتها البعثة، لكن دراساته ورسومه لقيت مصير الضياع المؤلم على حد تعبير الكاتب.

جرى ضبط اسم بركَاش Burguitis بطريقة غير صحيحة، ومن المعلوم أن كتابة أسماء الأماكن والشخصيات المحلية في

يزعم الناصّ أنّ ثمة غلامًا يرافق باستمرار الباشا، وينسب إلى الغلام أفع لًا دنيئة، وقد اعتبرنا الغلام شخصية رئيسة نظرًا إلى أنه

هو رجل في سن الكهولة تراوح عمره بين 55 و 60 عامًا، ممتلئ الجسم، مصاب بالجرَب، آثر البقاء معنا في أساكا وعدم الإبحار.

20 Ibid., pp. 134-135.

21 تعرضت العديد من الأسماء والأماكن لتحريف كبير في رحلة سيريلو؛ ما أدى إلى طمس جزئي لهوية المواقع والشخصيات. فعلى سبيل المثال، نجد أسماء مثل

Abdalah بادلًا من عبد الله، و Azaca أو Assaka بادلًا من أساكا، و Muley بادلًا من "مولاي"، و Zara بادلًا من زهراء، و Alah بادلًا من الله، و Café el Guad بادلًا من

واد القهوة، و Dajamán Sidi بادلًا من "سي يد دحمان"، و Egleimim بادلًا من اكليميم (كلميم). ولا يُعد هذا النوع من التحريف خطأ لغويًا، بل يعكس أحيانًا تصورات

المستشرقين الإسبان ومحاولاتهم محاكاة الأصوات المحلية بوسائلهم اللغوية الخاصة. ومن المهم تصحيح هذه الأسماء في النصوص الأكاديمية لضمان احترام الهوية

22 Cirilo, p. 131.

ӵ الطاقم المساعد "تشكّل هذا الطاقم/ الفريق بإيعاز من الجنرال وايلر Weyler، وكان يتكون من أربعة أفراد ينحدرون من لانزروتي، يقضون معظم أوقاتهم في النوم على متن السفينة"، ويذكر منهم - جدرة Yedra الذي استقدمه ليون إي كاستيلو؛ نظرًا إلى خبرته في المساعدة

التقنية أثناء القيام بالأشغال داخل الموانئ. تؤدي الشخصيات الثانوية أدوارًا مهمة في تحقيق التوتر السردي؛ إذ تضطلع أحيانًا بدورٍ مساعدٍ للشخصيات الرئيسة، كما

تؤدي دور المناوئ أو المنافس، مما يحفز السرد، ويشعل شوق المتلقي إلى مآلات الحدث. ففي تسريد العمل الفني الذي قامت به شخصيات ثانوية من قبيل لوثيو Lucio. نكتشف أنه أنجز ألبومات من الصور واللوحات التي لحقها الضياع، مما أتلف رصيدًا

يتضمن رسومًا وملامح وجوه، كان في الإمكان، أن تعزّز صورتها الأيقونوغرافية/ اللوحة صورتها في نسيج السرد، مثل القائد بن

بيروك الذي خصّه الكاتب على غرار كتابين ومؤرخين آخرين بجانب توثيقي يبرز بعض سمات شخصيته، فالأكَراري مثلًا في روضة

الأفنان في وفيات الأعيان أورد ترجمة مسهبة للرجل، جعلت في الإمكان إعادة تركيب صورته السردية بصفته نموذجًا للقائد

المخزني الذي جمع بين قوة الشخصية والكرم والسخاء. ومن اللافت للانتباه، أن نصّ سيريلو سلّط الضوء على جانب غميس منسي

يهم علاقة الشيخ بيروك ببعض الشخصيات في مجتمع جزر الكناري؛ إذ قال ما معناه: "إنه الابن الأصغر للشيخ بيروك الشهير الذي عاش فترات متقطعة في لانزروتي، وقدّم إلى أهلها بعض الوعود الخلّب بشأن إقامة معاملات تجارية معهم، كان صديقًا لأويخينيو

بول Boll Eugenio ودييغو روساليس Rosales Diego، ثم أضحى في فترة لاحقة صديقًا لكل من كوياس Cuyás وإنريكي كباييرو

."  Enrique Caballero

ثالثًا: ميثات وتمثلات وصور نمطية في الرحلة

1. تماهي الأنا والآخر في خطاب سيريلو الرحلي

تحضر في رحلة سيريلو ثيمة كثيرًا ما يتردد صداها في الرحلات الإسبانية إلى المغرب بصفة عامة، وإلى الصحراء الأطلسية

بصفة خاصة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وهي ثيمة ترتبط بما عبّر عنه عبد الله إبراهيم بالانتقال من التعرف إلى

التملك، وذلك بإقامة علاقات مع الأهالي تقوم على "التماهي مع تقاليدهم وطقوسهم". وهي الملاحظة ذاتها التي انتهى إليها أحمد البشير ضماني خلال دراسته لنماذج من الرحلات الفرنسية؛ إذ أشار إلى أن من أبرز استراتيجيات التمثيل لهذه الصورة الإيجابية للإنسان الصحراوي ومجاله اعتماد المقارنة التناظرية بين بلاد الرحّالة والبلاد التي حلّ بها.

23 محمد الإكراري، روضة الأفنان في وفيات الأعيان وأخبار العين وتخطيط ما فيها من عجيب البنيان، تحقيق حم يد أنوش (أغادير: منشورات كلية الآداب

والعلوم الإنسانية ابن زهر، 1998)، ص 109 وما بعدها.

24 Cirilo, p. 184.

25 نستخدم كلمة "ميث" Mythe في سياق تحليل خطاب رحلة سيريلو بمعنيين: أحدهما لغوي يمتح من معنى الأسطورة الوارد في معجم اللغة العربية المعاصرة، ومؤداه

أنها "خرافة، حديث ملفق لا أصل له"، ينظر: أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، مج 1 (القاهرة: عالم الكتب، 2006)، ص 93؛ والثاني: معنى اصطلاحي

يرجع أساسًا إلى مصطلحات النقد المعاصر، إذ لاحظ لطيف زيتوني أنه قد حصل تطور في مفهوم الميثة (يوردها بصيغة مؤنثة) في عصرنا، فأصبح مرادفًا للحكاية ولإبداع

الخيال المنطلق من نواة حقيقية". ينظر: لطيف زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرواية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2002)، ص 164. 26 عبد الله إبراهيم، "من التملك إلى التعرف: تمثيل أحوال عرب الصحراء في رحلات الغربيين"، في: المستقبل وصورة العربي في رواية الآخر، ص 105. 27 أحمد البشير ضماني، "دور قصص الأسفار وكتب الرحلات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في بناء صورة الصحراء وساكنتها في المتخيل الغربي"، في: ثقافة

البيضان في مرآة الرحالة والمستكشفين (العيون: مركز الدراسات والأبحاث الحسانية، 2018)، ص 141.

من هذه الزاوية يبدو سيريلو مرتهنًا للمرجعية الثقافية والمجالية التي ينتمي إليها، ويصدر عنها في مقارناته وتلقيه لما يشاهده

أثناء الرحلة، إنْ على مستوى طبائع الإنسان المغربي، أو على مستوى الطبيعة الجغرافية للمجال الذي يجتازه الرحّالة. لذلك يتسم

خطابه الرحلي بغلبة الرؤية الذاتية على التقييمات الموضوعية؛ إذ يتوجه في هذا المقبوس إلى القراء من بني جلدته قائلًا: "قارئ اليوم، إذا كنت تريد أن تشكل فكرة قريبة عن المنطقة التي نجتازها، فانتقل إلى ساردينا Sardina. وإذا كنت تريد معرفة المسار الذي سنقطعه، والذي يربط بين إفني Ifni وأساكا، فاقطع ما بين خوان كَران يد Grande Juan ومورو بينيدو Benido Moro ". ولا يقتصر هذا الملمح على خطاب سيريلو، بل يكاد يكون سمة نسقية للخطاب الرحلي الإسباني في معظمه؛ إذ نجد الأمر ذاته يجري على لسان ليون إي كاستيلو الذي شبه واديًا عاينه في منطقة ميرلفت بوادي لا هويا بوسو Pozo Hoya la المعروف لدى سكان تيلضي Telde؛ إحدى

مدن كناريا الكبرى Canaria Gran، حيث كانت تقطن عائلته، وحيث يوجد حاليًا منزلها الذي تحوّل إلى متحف يحيي ذكرى كاستيلو إي ليون. لا تقتصر هذه المقارنات على البحث عن الأشباه والنظائر في المجال الطبيعي الذي ينتمي إليه الرحّالة، بل تمتد إلى الخصائص

البشرية التي يسبغها الخطاب الرحلي على الناس. فقد لمّح سيريلو إلى وجود قسمات مشتركة بين ساكنة سوس والصحراء مع نظرائهم

في كناريا الكبرى؛ إذ قال: "أصلاء سوس ينحدرون من أعراق عربية وأمازيغية. وعلى الرغم من أن أهل سوس ينظرون بازدراء إلى العرب، فإن صفاتهم وخصائصهم الفيزيولوجية، بما في ذلك لون البشرة وبنية الجسم، تثبت وجود تشابه، بل إنه يوجد تماثل ملحوظ مع سكان الجنوب"، ثم أضاف: "نمضي الوقت بحثًا عن القواسم المشتركة بيننا وبين من يحيط بنا، فنجد في كل واحد منهم نظيرًا

له؛ إما في الصيادين، أو في فلاحي جزرنا". والأمر نفسه نلحظه في الخطاب المتعلق بفّلاحي منطقة إكستري مادورا Extremadura الذين يتقاسمون العديد من الصفات

الخِلقية والخُلقية في بعض الكتابات الرحلية الإسبانية حول شمال المغرب.

2. تمثلات سيريلو للمرأة

يصف الكاتب بعض النساء اليهوديات، خاصة فريخة Freja زوجة اليهودي ساديا، وكذا صهرتيها مريم وزهرة، قائلًا: "إنهن جميلات حقّا، لكنهن بدينات"، أمّا المرأة المسلمة فيرى أن جمالها يخفيه اللباس الذي يغطي الجسد؛ إذ قال: "كانت وجوههن

مغطاة، لكن تنانيرهن كانت ملفوفة فوق السرة، كان فهمهن للعورة والاحتشام على ما يبدو يختلف عن فهم نسائنا له، فيجعلونه في مكان مختلف من الجسد". لكن يبدو أن الخجل والاحتشام لم يمنعَا بعض النساء اللاتي وردت أخبارهن عرضًا في الرحلة من استراق السمع والتلصص على

الأجانب؛ إذ دفع الفضول بعضهن إلى الاقتراب عند الباب واستراق النظر عبر شباك النافذة، لكن السياط عاجلتهن من الحراس الذين حاولوا إبعادهن نحو الداخل؛ أي فناء البيت. في سياق آخر، يصف الرحّالة امرأة رثة الحال، ألجأتها الحاجة إلى التسول وتقسّط العطايا من هؤلاء الأغراب الذين أعطوها

ملابس تسربلت بها، قبل أن تتعرض للضرب والسلب من بعض الأعراب المور على حدّ وصفه.

28 Cirilo, p. 154. 29 Ibid., pp. 132-133. 30 Ibid., p. 148. 31 Ibid., p. 168. 32 Ibid., p. 184.

ويصف النص في سياقات متعددة جمال المرأة المحلية الأخّاذ، إلى حدّ أن صديقه لوسيو، على الرغم من تقدّمه في السنّ، ظل

يفكر في اعتناق الإسلام من أجل أن يتزوج من إحدى هؤلاء النساء، لكنه امتنع عن ذلك خوفًا من إخضاعه للختان في سن الشيخوخة.

3. صورة المغربي الأكول أو الشره

يؤسس الخطاب الرحلي لما يمكن أن نسميه: ميث الشراهة والإسراف في الأكل والشرب؛ إذ يشير الكاتب إلى أن آداب الضيافة لدى البيضان تبدأ من طقوس الشاي وعادات إعداده وشربه التي تنبئ عن الإكثار منه؛ إذ يقول: "واعلم أيها القارئ أنك عندما تحل ضيفًا على البيضاني، ويدعوك إلى الشاي وجب عليك أن تشرب أربعة كيسان (أكواب) على الأقل. وعند امتناعك سيعتبرونك وقحًا

ومتعاليًا، بل عدوّا في نظر مستضيفك، فبقدر عدد أكواب الشاي التي تسكبها في جوفك تكون لطيفًا ومحبوبًا في عين مضيفك. يروى

بأن شاي البيضان غني جدًا، وترافقه حلويات لذيذة يجهل صناع الحلوة عندنا مقاديرها. في الغالب، وبحسب المعتاد، يكون الكأس

الرابع أو الخامس مخلوطًا بشيء من العنبر". من المعلوم، أن العادة استقرت على شرب الشاي على ثلاث، لكن العادة التي كانت سائدة في زمن قدوم الرحّالة وبعده بزمن

قصير كانت قائمة على شرب الشاي في أكواب. أمّا عن المأكولات، فيستعرض النصّ صنوفًا منها احتوتها مائدة القائد، كالكسكس واللحوم المشوية، بما في ذلك شواء

الدجاج على أسياخ على الطريقة التي عاينها الكاتب لاحقًا عند الإنكليز. ولا ينحصر ميث الإسراف في الأكل في وصف صنوف المأكولات بما في ذلك الحلويات التي قُّدّمت إلى الضيوف، بل يتجسد أيضًا في وصف لعق الأصابع بعد الفراغ من الأكل؛ إذ قال

الكاتب "إن البيضاني يلتزم بشعيرة صارمة قوامها ألا يغسل يديه إلا بعد لعق أصابعه مع إصدار صوت ينم عن درجة التلذذ بالطعام الذي أكرمه به الله". على الرغم من أن الكاتب لم يستسغ مسألة لعق الأصابع بعد الأكل، لمخالفتها آداب الأكل المعهودة في بلده، فإنه أقر بمركزية النظافة في طقوس الضيافة عند البيضان في وادي نون؛ إذ وصف تقديم الخادم المغسل للضيوف مع منشفة بعد الفراغ من الأكل.

4. التوجس من دَسّ السم والاستعانة بمتذوق الطعام

يتوجس الإنسان أحيانًا بالطعام الذي يُقدّم إليه، خاصة إذا كان ذا منصب وجاه يخشى مكائد الآخرين، أو كان أسيرًا لدى عدو

لا يأمن شره، أو كان غريبًا ألقت به الظروف بين قوم لم يتبين سلامة نياتهم ونقاء طواياهم، لذلك، يسوغ القول إنه "ليس هناك من

طبق بريء، تمامًا كما أنه ليس هناك من نص بريء بتعبير رولان بارث".

33 Ibid., p. 173.

34 "يشربون منه في كل دورة أربع كؤوس ثم أصبحت ثلاثًا، ولكن ذلك لم ينل رضا البعض في البداية حتى مع إتراع الكؤوس (..) قال الحسن بن آبا الجكني: والقصر دون مبيحه لم يشرع    فالشرع إتيان المقيم بأربع إلا إذا ما اعتل آخر الأربع    وحذار لا تجزم بحذفك آخرًا

ينظر: عبد الله ولد بابكر، كناش الأتاي والدخان في موريتانيا: مدخل تاريخي أدبي (نواكشوط: دار الإسراء، 2020)، ص 160 - 161. 35 لاحظنا أن أغلب الأطعمة التي ورد ذكرها في الرحلة كانت متداولة منذ العصر الوسيط بالمغرب، بدليل ذكرها ضمن ثبت الأطعمة في العصر الموح يد. ينظر:

عبد الرحيم العطري، قرابة الملح: الهندسة الاجتماعية للطعام (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2016)، ص 340 وما بعدها.

36 Cirilo, p. 185.

37 العطري، ص 34؛ رولان بارث، الدرجة الصفر في الكتابة، ترجمة محمد برادة (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982)، ص 12.

قد ينشأ توجّس بعض الرحّالة الأجانب من طعام الغير عن الإحساس بغرابته التي قد تلهب الرغبة في تذوقه كما نقرأ في رحلة

ميشال دي فيوشانج إلى مدينة السمارة، إذ قال: "أتناول كمية من الجراد. تبدو حمراء وهي مشوية. نزيل الأرجل والأجنحة، ونأكل الرأس والجسم. لها طعم جيد جدًا، يبدو لي أنني أعرفه من قبل، لكن لا أعرف مع أٍّيٍ أقارنه". لم تسعف المغامر الفرنسي دي فيوشانج ذاكرة طعامه في تذكّر ما يشبه أكل الجراد، لكنه عبّر عن إعجابه بالوجبة، ولعل الارتياح

الذي عبّر عنه ناجم عن إحساسه بالأمان في ضيافة مرافقيه، وإنما يحترس المرء من طعام الغير عندما لا يشعر بالأمان، ويخاف من

الوقوع في دسيسة أو مكيدة تسبب المرض أو الموت. في هذا الصدد، نبه محمد المرجان إلى أن "حرب التسمم"، التي حذر منها "كَاتيل" بعضُ خدامه، تعود إلى الحسد والحقد والتآمر عليه من أجل إبعاده عن دائرة القرب من السلطان. إن الخشية المعبّر عنها في رحلة سيريلو من دس السم تفسر الاستعانة بمتذوق الطعام الذي يشير إليه الكاتب في معرض كلامه

عن أحد قواد المخزن في سوس؛ إذ يقول: "كان عند كل قايد من قبيلة سوس الذي يبلغ من الحضارة ما كانت عليه أوروبا في القرون الوسطى، فضلًا عن عازفي الناي الذين يرافقونه في حله وترحاله ويطربونه في موائده، ذواق ومنجم (عرّاف")، ومن المعلوم أن

كل وليمة يتم اختبارها بوساطة "لمعلم" أو المتذوق قبل تقديمها؛ إذ إن هاجس دس السم في الطعام كان يحتم الاحتراز، واتخاذ المتذوقين الذين لا يعبأ بمصائرهم.

5. صورة نمطية حول المغربي الشبقي والغرائزي

يتضمن النص مقاطع سردية تؤسس صورة "المغربي الشبقي، محب الغلمان"، فقد أشار المؤلف إلى تعرض كاميخو للتحرش من نظيره المغربي الذي كان يقيم معه في الخيمة ذاتها، مضيفًا أن المغربي عبد الله قد افتتن بوجهه المستدير والممتلئ، الأمر الذي دفع كاميخو إلى الاستنجاد بصديقه سيريلو، كي يؤمّن له مكانًا يبيت فيه في منأى عن خطر التحرش. وبصرف النظر عن حادثة التحرش التي يفضحها هذا المتن الرحلي، نجد مقاطع أخرى تعيد إنتاج صورة "الغلام في أدب المجون"؛ إذ يثير النصّ ظاهرة "العيش رفقة الغلمان والمؤنسين الشباب"، فقد كانت خيام المسؤولين المغاربة تضم كثيرًا من الخدم

من هذه الفئة؛ بدءًا برئيس الوفد الذي يرافقه كالظل غلام لا يتجاوز عمره عشر سنوات، تبدو عليه مخايل هيئة شخص مخنث يرت يد

جلبابًا حريريًا، ويتزين بقلائد من فضة في الأي يد والأرجل، وكان يختلي به في خليج صغير بعيدًا عن أعين الفضوليين. يعيد هذا المقطع إنتاج سردية المتنفذ والغلام كما تحدث عنها مالك شبل في كتابه: روح السراري؛ إذ ذكر أن الأدب الشبقي العربي يعجّ بالشخوص المتنفذين الساعين دومًا لاستغلال السلطة والجاه والنفوذ من أجل اتخاذ غلمان من الطبقة المعدمة.

38 ميشال دي فيوشانج، الطريق إلى السمارة: مذكرات فيوشانج، ترجمة وتقديم محمد فنيدو (الرباط: المناهل، 2025)، ص 121. 39 محمد المرجان، الرحلة والمعرفة الكولونيالية: المغرب بعيون الرحالة الإسبان خلال القرن التاسع عشر الميلادي (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر،

2016)، ص 73.

40 Cirilo, p. 165. 41 Ibid., p. 123. 42 Ibid., p. 148. 43 Ibid., p. 149 44 Ibid., p. 175.

45 مالك شبل، الجنس والحريم: روح السراري، السلوكات الجنسية المهمشة في المغرب الكبير، ترجمة عبد الله زارو (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010)،

ص 138 - 139.

لا نستبعد أن تكون سردية الشبق مندرجة ضمن النظرة الاستشراقية التقليدية التي سادت طوال القرن التاسع عشر؛ إذ "ذهب البعض إلى تصوير المغاربة كائنات بهيمية، كل همها إشباع رغبات هي في عمومها حارّة وعنيفة، بينما يعجزون عن بذل المشاعر

الرقيقة". بيد أنه لا مجال لإنكار وجود ظاهرة الغلمان والجواري عبر التاريخ، وقد نبهت وفاء الدريسي إلى خضوع "العبيد والإماء إلى تنشئات اجتماعية متنوعة بتنوع الطبقات الاجتماعية التي انتموا إليها والأدوار التي اضطلعوا بها، فنتجت من ذلك ذكورات عدة مثل ذكورة عبيد الخدمة عن العامة، وذكورة عبيد الخدمة عند الخاصة، وذكورة عبيد الجيوش، وذكورة عبيد المتعة".

6. صورة نمطية حول المغربي العنيف

يعرض النصّ جانبًا من عنف السلطة، يعزّز تمثّل "المغربي العنيف" في المخيال الأوروبي؛ إذ قال: "لاحظت وجود نوع من

الحبال عليها بقع سوداء تشتد سوادًا عند الاقتراب من الجدران. وعند الاقتراب منها عرفت أنها بقايا رؤوس بشرية مشوهة ومعلقة على

أسياخ، فأصابني ذعر شديد. انتبه إلي القايد فاقترب مِنّي ضاحكًا، وقال: 'لقد قطعت تلك الرؤوس التي اسودت بفعل الطقس ومرور الزمن. إنها رؤوس رفضت إعطاء الجزية'". في سياق الكلام عن حالات العنف ضد الممتنعين عن أداء الضرائب، استدعى الكاتب حوادث مماثلة من تاريخ بلده، مسجلًا أن الادعاء العام كان يسخر من ضحاياه، ومعللًا وجود الاختلاف بقوله: "لكل بلد عاداته وطرائق عيشه".

7. ميث بلاد السيبة والمخزن

يلمّح الكاتب إلى أن سلطة المخزن تتراخى وتضعف في الأطراف والمناطق النائية عن مركز السلطة؛ بما في ذلك سوس

والصحراء؛ إذ يزعم أن حسين بن هاشم يبسط نفوذه على بعض المناطق التي لا بد من اجتيازها للوصول إلى إفني، كما أن تكنة تحكمها شخصيات قبلية نافذة، لذلك تأخرت الرحلة من الصويرة فترةً تقارب شهرًا في انتظار حل بعض الأمور الدبلوماسية والتشاور مع ساكنة

تلك المناطق، غير أنه يقرّ في سياقات أخرى بأن الدعاء للسلطان عقب صلاة الجمعة يسري في كل المناطق التي تعترف بالسيادة

الروحية لسلطان المغرب، وتخوض معارك بين الفينة والأخرى مع السلطة المركزية، حيث تخرج منتصرة تارة، ومنهزمة تارة أخرى. يبدو الخطاب المرتبط بوجود السيبة في أطراف البلاد خلال القرن التاسع عشر خطابًا مهلهلًا، إذا ما قرأناه في ضوء النيات غير

المعلنة التي تثوي خلف الرحلات والبعثات الغربية؛ إذ إن الكاتب لم يسجل أحداثًا بعينها تثبت وجود اضطراب، أو انفلاتٍ أمني، أو عصيان، أو تمرد على السلطة المركزية، ونعتقد أن تأخير الرحلة مرتبط بتأمين المخزن للحماية والطرق والمسالك الآمنة خوفًا من تعرض الأجانب لأي اعتداء.

46 فريد الزاهي، الصورة والآخر: رهانات الجسد واللغة والاختلاف (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية؛ دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2014)، ص 162. 47 وفاء الدريسي، الجواري والغلمان في الثقافة الإسلامية: مقاربة جندرية (الرباط: مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، 2016)، ص 425.

48 Cirilo, p. 146. 49 Ibid., p. 122. 50 Ibid., p. 132. 51 Ibid., p. 176.

52 المرجان، ص 25.

ولعل من أهم ما يشهد باستتباب الأمن في سوس ووادي نون هو الوصف المسهب الذي اختص به الرحّالة نفسه الجيَش

السلطاني والقضاء؛ إذ أشار إلى أن كل مظاهر السيبة تتبدد مع "أولى طلقات مدافع جيش السلطان كما وقع قبل سنة من قدوم البعثة." يتكون العسكر أو الجيش السلطاني من فيالق نظامية تضم كتائب متنوعة، يتوزع عناصرها بين شبان وشيوخ أعمار بعضهم تتجاوز ستين سنة، تلقوا تدريبًا أوروبيّا على يد الملازم الإنكليزي الذي فرّ من جبل طارق إلى سبتة، وتم تكليفه بتدريب فرقة الجوقة

الموسيقية بالجيش السلطاني. يتكون الزي الرسمي للجيش من طربوش وجلابة زرقاء ونعال ذات كعب عال، "عند وصولنا، صدر الأمر بإلقاء التحية الرسمية، وأخذ الجنود الأمر على محمل الجد من خلال الجلوس على الأرض مع وضع البندقية بين أرجلهم [...]، وقد فهمت بأنها وضعية مريحة لحملة السلاح، وينبغي للجيوش الأوروبية أن تتبناها". خلال فترة استعراض الجيش، شاهدنا قافلة تجارية قوامها أربعمئة جمل، ويحرسها حوالى ثمانين فارسًا. توقفت القافلة لإفراغ

شحنة من الرماح الموجهة لقبائل المنطقة وللرماة الذين وقفوا لإلقاء التحية. دعا لهم ممثل السلطان سي يد بركَاش ببركة الله، وقدموا إليه مكسًا أو هدية الولاء monna المقدمة إلى السلطان، ثم دفعوا ضريبة إلى الابن الأكبر لقايد المنطقة التي مروا منها، مقابل مرورهم

بمنطقة نفوذه، كما جاؤوا بهدية من حاكم السودان إلى السلطان، وهي عبارة عن نمر جميل محمول في قفص من خشب. وحدها العناية الإلهية هي من حالت دون فراره: كان القفص مهترئًا للغاية، ولربما لم يجرؤ النمر على الفرار خوفًا من رصاص الحراس الذين

يحرسونه ممتشقين بنادقهم. لقد أشار محمد المرجان كما لمّحنا سابقًا إلى الدوافع غير المعلنة التي تؤطر الرحلات الغربية، مركزًا على تأرجح خطاباتها بين

"البعد الخيالي والتجربة الذاتية والانصهار الاجتماعي بخلفياته السياسية والعسكرية"، وضمن هذا الإطار، يندرج وصف سيريلو الجنود وعدتهم الحربية، وإشرافهم على إفراغ شحنة القافلة. وعلى الرغم من أن خطاب الرحلة يضمر الرغبة في التوسع في الجنوب المغربي بذريعة الحق التاريخي في السيادة على موقع سانتا كروز دي مار بيكينيا، فإنه يعكس أيضًا جانبًا من تاريخ الذهنيات، ولنا أن نتوقف في هذا النطاق عند كلام الكاتب عن الهدية

(أو المكس) التي قدمها الأهالي إلى ممثلي المخزن؛ إذ تعكس عبارة "سي يد" التي أضافها الرحّالة إلى ممثل السلطان (بركَاش)

ملمحًا من ملامح ذهنية البسطاء، كما تؤكد من جهة أخرى ما أشار إليه محمد المرجان من أن "البنية (يقصد بنية السلطة) ذات أساس

سيكولوجي، وليس مؤسسيًا أو – قانونيّا - لأنها تقوم على القوة السيكولوجية التي يمنحها القرب من السلطة المركزية (السلطان")؛

ذلك أن "البنى الحقيقية هي بنى روحية تنتمي إلى عالم ما فوق الطبيعة"، مما يسوّغ القول مع الطيب بياض إن المخزن- بعد

حرب تطوان - عانى ضعفًا في تدبير إدارته وماليته واعتماده على اقتصاد الغنيمة والجباية الريعي عوض التحفيز الإنتاجي في علاقته بالقبائل".

53 Cirilo, p. 179. 54 Ibid., p. 163. 55 Ibid.

56 المرجان، ص 86. 57 التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، إشراف جاك لوغوف (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 294. 58 الطيب بياض، المخزن والضريبة والاستعمار (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص 165.

يدعم الترهيب القوة السيكولوجية التي تستند إليها سلطة القواد، فهو (أي الترهيب) "يصاحب عادة ممارسة السلطات حينما تبالغ في معاقبة المجرمين والمنحرفين"، وهذا يؤدّي إلى ما ذكره سيريلو بعد وصف مجلس القضاء؛ إذ صرح بأن المحاكمة تجري بطريقة سريعة تعقبها عقوبة فورية، يتم تنفيذها فورًا، وتكون العقوبة أحيانًا عبارة عن ثلاثين أو أربعين جلدة. وتطوى بذلك

أطوار القضية. قد يحدث أن يغمط أحد المتقاضيين حق غريمه. أمّا في عدالتنا، فقد تضيع حقوق الطرفين المتنازعين معًا بسبب جور المحكمة الكنسية وهضمها للحقوق. لقد اتسمت نظرة سيريلو إلى التقاضي وما يستتبعه من عقاب للجاني ورد للحقوق بالنسبة إلى المظلوم نظرة يشوبها نوع التوازن؛ إذ أقر بأن القضاء الذي عاينه عند المغاربة أرحم وأقرب إلى الإنصاف مما تعرفه المحاكم الكنسية، غير أنه لم يتردد في الإشارة من طرف خفي إلى العنف الممارس أثناء العقوبة من دون أن يبين طبيعة الجريمة التي اقتضت عقوبة الجلد، مما يؤكد وجود نزعة الموروفوبيا التي تتأسس على زرع همجية ووحشية تصرفات المورو (المغاربة)، خاصة فيما يتصل بالعقوبات. لقد أقرّ غويتيسولو بأنه "أًّيًا كان المجال الثقافي الذي ينتمي إليه الكاتب، فإنه لا يكون أبدًا محايدًا أو بريئًا، ولا يعمل أبدًا وفق

معايير عقلانية محضة. إنه يعيش طوعًا أو كرهًا في عالم مسكون بالاستيهامات والخرافات، ويتحرك داخل كثافة الأساطير التي تراكمت على مر القرون في اللاوعي الاجتماعي". ومن هذا المنظور، يمكن وصف الصور النمطية التي تضمنتها رحلة سيريلو عن السكان المحليين في سوس والصحراء بأنها صور مختلة وغير بريئة على الأغلب، من دون أن نغفل وجود بعض الصور المتوازنة التي وردت في سياق ما أطلقت عليه مانويلا مارين نينيو ظاهرة الاعتراف بالمماثلة أو المطابقة على المستوى الجغرافي، والبشري أحيانًا، من دون أن تنكر أن إثارة أوجه التشابه إنما كانت توظف من أجل تبرير الاستعمار وبسط النفوذ.

خاتمة

ليس بدعًا من القول أنّ سيريلو قدّم معطيات جمّة تهمّ الإنسان والمجال الممتد من الصويرة بوصفها المرفأ الذي انطلقت منه

البعثة المختلطة المغربية - الإسبانية، مرورًا بسوس، وصولًا إلى سواحل الصحراء الأطلنتية. وقد مكنت الرحلة من تقديم إحاطات مهمّة

بخصوص الوضعية الاقتصادية والسياسية والأمنية للمنطقة؛ إذ أبرز الكاتب بسط السلاطين العلويين نفوذهم على المنطقة على الرغم من حرصه على الإيحاء بوجود فترات تعم خلالها السيبة والفوضى التي لا تلبث أن تضمحل. ولا تنحصر أهمية الرحلة فيما قدمته من معلومات ذات صبغة تاريخية، بقدر ما تكمن أهميتها في كونها تمثّل نًّصًا رحلًّيًا يستبطن المطامع الإسبانية في السيطرة على الجنوب

المغربي، لا سيما الواجهة الأطلسية المطلة على جزر الكناري، كما يعكس النظرة الاستشراقية للكاتب التي أوضحنا بعض ملامحها

59 المرجان، ص 87. 60 "يتخذ القايد مجلسه عند باب بيته فوق حصير، يقف على جنبيه شخصان على الهيئة نفسها. يحتكم إلى القرآن، والشهود يحضرون مجلس القضاء طواعية من دون

حاجة إلى تبليغ الاستدعاء"، ينظر:.Cirilo, p. 134

61 Ibid. 62 Juan Goytisolo, Crónicas Sarracinas (Barcalona: Ibérica de Ediciones y Publicaciones, 1982), p. 18.

63 تنتاب الرحّالين الأجانب القادمين من إسبانيا الدهشة أحيانًا من غلبة التشابه الجغرافي بين ضفتَي المضيق، مما يولّد ظاهرة الاعتراف، أو الإقرار، بالتماهي مع البعيد

.Manuela Marín Niño, Testigos coloniales: españoles en Marruecos (1860–1956) (Barcelona: Edicions Bellaterra, 2015), p. 46:أو الغريب". ينظر 64 Ibid., p. 49.

ممثلة في الميثات والصور النمطية المختلة والمتحيزة مثل عبارات التحقير والدناءة والشراهة وغيرها من الصور النمطية التي تندرج ضمن ما يسميه أميريكو كاسترو "رهاب المورو" Maurofobia، لكن تسريد هذه التمثلات السلبية لا يلغي الانطباعات الإيجابية التي تهمّ عادات المغاربة وتقاليدهم، وتفوقهم في بعض الأمور على الإسبان وحضارتهم مثل إشادته باستتباب الأمن في الصويرة والأسواق

التجارية، وكذا إعجابه بمهارة المغربيات في إعداد الحلوى والإقرار بتفوقهن على الإسبانيات والإنكليزيات في هذا المجال.

المراجع

العربية

الإكراري، محمد. روضة الأفنان في وفيات الأعيان وأخبار العين وتخطيط ما فيها من عجيب البنيان. تحقيق حم يد أنوش. أغادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر، 1998. أنقار، محمد. بناء الصورة في الرواية الاستعمارية: صورة المغرب في الرواية الإسبانية. تطوان: مكتبة الإدريسي للنشر والتوزيع،

بارث، رولان. الدرجة الصفر في الكتابة. ترجمة محمد برادة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982. بن الصغير، خالد. طرفاية: المخزن ومحطة مكنزي التجارية برأس جوبي 1876 - 1895. الرباط: مركز الدراسات الصحراوية،

بياض، الطيب. المخزن والضريبة والاستعمار. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011. ثيربيرا، خوليو. من وادي الذهب إلى أدرار. ترجمة بوزيد الغلى. فاس: دار بصمة للنشر والتوزيع، 2025. الدريسي، وفاء. الجواري والغلمان في الثقافة الإسلامية: مقاربة جندرية. الرباط: مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، 2016. دي فيوشانج، ميشال. الطريق إلى السمارة: مذكرات فيوشانج. ترجمة وتقديم محمد فنيدو. الرباط: المناهل، 2025. الزاهي، فريد. الصورة والآخر: رهانات الجسد واللغة والاختلاف. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2014. زيتوني، لطيف. معجم مصطلحات نقد الرواية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2002. سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006 [1995]. شبل، مالك. الجنس والحريم: روح السراري، السلوكات الجنسية المهمشة في المغرب الكبير. ترجمة عبد الله زارو. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010. العطري، عبد الرحيم. قرابة الملح: الهندسة الاجتماعية للطعام: الهندسة الاجتماعية للطعام. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2016. عمر، أحمد مختار. معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب، 2006. التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. إشراف جاك لوغوف. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007. ثقافة البيضان في مرآة الرحّالة والمستكشفين. العيون: مركز الدراسات والأبحاث الحسانية، 2018. المرجان، محمد. الرحلة والمعرفة الكولونيالية: المغرب بعيون الرحّالة الإسبان خلال القرن التاسع عشر الميلادي. الرباط: دار

أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016. ولد بابكر، عبد الله. كناش الأتاي والدخان في موريتانيا: مدخل تاريخي أدبي. نواكشوط: دار الإسراء، 2020.

الأجنبية

Akmir, Youssef (ed.). Entre Mogador y Sidi Ifni. Una historia de espejismos: Españoles en el sur de Marruecos entre los siglos XVIII y XX. Córdoba: Editorial Almuzara, 2019. Aula Canarias y el Noroeste de África. Las Palmas de Gran Canaria, 1992. Chevrel, Ives. La littérature comparée. Paris: PUF, 1986. de Dalmases, Pablo-Ignacio. Viajes a Ifni. Madrid: Sial Pigmalión/ Casa África, 2019. Folch, Joaquín Gatell y. Viajes por Marruecos: El Sus, Uad-Nun y Tekna (1880). Goytisolo, Juan. Crónicas Sarracinas. Barcalona: Ibérica de Ediciones y Publicaciones, 1982. Gutiérrez, A. S. H. "La expedición del ingeniero Juan de León y Castillo a arruecos." Revista de Historia Canaria. no. 176 (1992). Niño, Manuela Marín. Testigos coloniales: españoles en Marruecos (1860–1956). Barcelona: Edicions Bellaterra, 2015.