النظام الإقليميّ العربيّ: إستراتيجيّة الاختراق وإعادة التشكيل
الملخّص
تناقش هذه الدراسة الإطار النظري لتحليل ظاهرة الاختراق، مستعرضة نظريات العلاقات الدولية التي يجري تعريف الن ظم المخترقة بناءً عليها. من صور الاختراق المختلفة التي عددتها الدراس ة: التهديد العربي - العربي، والتنافس بين الدول العربية على احتلال موقع المركز، والإرث التاريخي، والشركات المتعددة الجنسية. ناقشت الدراسة أيض ا دور النخب العربية في عمليات الاختراق عن طريق ارتباطها بالقوى والمصالح الدولية. ولمست يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع الدراسة الاختراق عن طريق اللغة، والتعليم، ووسائط الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني. من جهة، والمجتمع والف رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار كما تعرضت لما أسمته "الاختراق الخشن"، كاحتلال العراق ونشر القواعد الأجنبية. في جانبٍ تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله آخر، ناقشت الدراسة اختراق دول الجوار الإقليمي للوطن العربي. وترى أن تباين مستويات عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة التطور في النظم السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة بين الدول العربيّة يترتب عليه تباين في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى في مستويات الاختراق الأجنبي للدولة، أو التغلغل فيها، أو النفوذ عليها. والنظر إلى درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن المنطقة العربيّة كمنظومة إقليمية واحدة، يكشف مستوىً عميق ا من الاختراق العسكري أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ نيَّة لا تزال فكرة الحكم الس لطاني - الذي يغلب ثقافة والسياسيّ والاجتماعي والاقتصادي، فالخلافات البينيّة تُسَ هِّ ل على القوى الخارجيّة على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. التسلل من خلال شقوق الخلاف لاختراق الدولة والتلاعب بها.
مقدّمة
يمثّل التداخل والتفاعل المطّرد بين وحدات المجتم ع الدوليّ اتّجاهًا تاريخيًّا تؤكِّده المؤشرِّات الكميّة في القطاعات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتستدعي منهجيّة تحليل الظاه رة الدوليّة في نطاق هذا التفاعل، التمييز بين منظورين للنظام الدولي؛ أوّلهما تجزيئي Reductionism يرى المجتمع الدوليّ وحداتٍ مستقلّة ومتباينة لكنها تترابط بشبكة من التفاعلات ذات الصبغة التكتيكيّة العابرة والنفعيّة. أمّا ثانيهما، فهو منظور كلاني Holism يرى المجتمع الدوليّ بنيةً واحدةً تنطوي بداخلها وحداتٌ تتباين في بعض س امتها لكنّها تتفاعل بكثافةٍ مطّردة، ولتصبح هذه التفاعلات بين الوحدات هي الأساس الذي يُبنى عليه التحليل للظاهرة الدوليّة، بينما تمثّل تباينات الوحدات تنوّعًا داخل بنية النظام الدولي. وتنتمي ظاهرة النظم السياسيّة المخترق ة penetrated إلى منهجيّة وسيطة بين العمليات والوحدات. وعليه، سنبني تحليلنا لهذه الظاهرة في النظام الإقليميّ العربيّ استنادًا إلى هذه المنهجيّة الوسيطة.
الإطار النظريّ لتحليل النظم المخترقة
إنّ انتقال التحليل السياسيّ تدريجيًّا من نموذج "كرة البلياردو" الذي لا يولي العوامل الداخليّة أهميّة في تحليل التفاعل الدولي Billiard Ball إلى نم Model وذج بيت العنكبوت cobweb حيث تنتقل الحركة من م كانٍ إلى آخرَ بفعل الترابط بين الوحدات، يجعل القدرة على تحديد ما هو متغي رِّ داخلي (يدخل في نطاق الس يادة) وما هو متغي رِّ خارجي (البيئة الدوليّة) أمرًا في غاية التعقيد، وهو ما يس مّى تماهي الحدود. Blurring Boundaries وتمثِّل ظاهرة فيضان البيئة الدولية على بنية البيئة المحلّية أمرًا يجعل من تحديد معنى دقيق لمفهوم الاختراق مطلبً ا في غاية التعقيد، إذ لا بدّ من معيارٍ نستند له يمكنه تحديد ما هو دولي وما هو داخلي، وبالتالي تحديد متى يمكن الإشارة إلى اختراقٍ ما، وهو ما يفترض التمييز بين مفهوم النف وذ Influence ومفهوم الاعت ام د المتبادل ومفهوم التغلغ interdependence ل entryism ومفهوم الاختراق penetration، وهي مفاهيم متداولة في العلاقات الدولية لكن، يشير كلّ منها إلى بعدٍ معنيّ في إطار التفاعل بين وحدات المجتمع الدولي. وتعدّ مساهمة العالم الأم ري كيّ جيمس روزيني و James Rosenau الأك ث ر رواجًا في معالجة النظم السياسيّة المخترقة، إذ يرى أنّ العصر الحالي بسمات الترابط والتدويل التي تسمه، يجعل من تعيين الحدود الفاصلة بين ما هو داخلي وما هو خارجي أمرًا ليس باليسر الذي يبدو للوهلة الأولى، غير أنّ النقطة الجديرة بالاهتمام هنا هي أنّ حدود النظام السياسيّ تتعنيّ بالفعل أو النشاط وبالعمليّات activities and ولي processes س بالجوانب القانونيّة legalities، ولعلّ ذلك هو ما دفعنا إلى التمييز بين النف وذ والتأثير والتغلغل، والاختراق1، فالنظام المخ رت ق هو "نظام يكون فيه أطراف من خارج المجتمع الوطني يش اركون بطريقةٍ مباشر ة وسلطويّة مع أطراف وطنيّة في قرارات توزيع القيم أو حشد الدعم لأهداف يتبنّونها"، وهو أمرٌ تتزايد مظاه ره نتيجة التداخل المتواصل بين المتغيرِّ ات الخارجيّة والمتغي رِّ ات الداخليّة في تشكيل توزيع القيم أو تحديد القرار المتّخذ.
وي رى روزينيو أنّ ما يحدِّد قابليّ ة النظام للاختراق أو عدمها، هو ما أس ام ه "القدرة التكيفيّ ة accommodative capability "، ويحاول نموذج روزينيو تحديد مدى تدخّل الأطراف الخارجيّة أو التي يسمّيها "غ ري العض و nonmembers " في عملية صنع القرار واتّخاذه، مع ضرورة التمييز بين المشاركة في "شؤون متع دّدة multi-issue " أو في "ش أن واحد single-issue "، أي بين تدخّل في صنع القرار في شأنٍ محدَّد ينتهي معه التدخّل بانتهاء هذا الشأن، وبين تدخّل في شؤونٍ مختلفة ومتعدّدة. وق د رأى براون Brown.L. Carl في دراسة قديمة نس بيًّا أنّ إقليم الشرق الأوسط هو الإقليم الأكر "اختراقًا" بين النظم الإقليميّة الأخرى إذا اعتمدن ا منظور روزينيو للنظم المخترقة2، غير أنّه أضاف لنظريّة
روزينيو اش رتاط أن يكون المشاركون الخارجيّون في العمليّة السياسيّة من "القوى الكبرى ويشاركون في مجالاتٍ متعدّدة." كما أضاف أنّ النظام حتّى يعدّ مخترقًا لابدّ من وضع الزمن موضع الاعتبار، إذ إنّ مشاركة طرفٍ خارجيّ في العمليّة السياسيّة لمرّة واحدة أو لفترةٍ قصيرة لا تدلّ على اختراق. ويوافق ريمون هينبوت ش Raymond Hinnebusch على اعتبار النظام الإقليميّ الشرق أوسطي أنه النموذج الأك ث ر وضوحًا للنظم الإقليميّة المخترقة، مشيرًا إلى استثمار القوى الرأسماليّة لثلاثة مواضيع لتحقيق هذا الاختراق؛ وهي النفط، والصراع العربيّ الصهيونيّ، وتفتّت القوى المحليّة3.
مؤش رات الاختراق
إن الإقرار بالمتغيرِّ المركزي في مفهوم الاختراق - أي المشاركة المباشرة في صنع القرار واتّخاذه - يستدعي تحديد فضاءات هذا الاختراق: اختراق السلطة: وقد يكون الاختراق هنا من خلال المستش ار الخارجي أو المندوب الدوليّ في هيئات السلطة. وتش ري دراسة أعدَّها خبير عسكري أم ري كيّ عمل لعدّة سنوات في الدول الإسلاميّة إلى أنّ الخبراء يتدخّلون في صنع القرار، ويقول "في عالم ما بعد 11 سبتمبر، يمكن لمنصب استشاري في المستوى السياسيّ والإستراتيجي في العالم الإسلاميّ أن يكون له نتائج مهمّة وفوريّة للمصالح الأميركيّة، ويجعل من المستشار الأميركيّ شخصيّة رئيسة في عمليّة صنع القرار للزعيم الأجنبيّ "4.prime figure اختراق المجتمع: وقد يأخذ الاختراق هنا أش كاالً مثل التس ميم السياسيّ الذي سنأتي عليه لاحقًا، أو ارتباط قوى سياسيّة معيّنة بقوى خارجيّة تتحكّم في قرارها بنسبةٍ ما. اختراق النخبة: ويتمثّل الاختراق هنا بما أسمته دراسات التكامل الدوليّ ولا سيمّا التيّار الوظيفي منها بتذويت internalization النخب الداخليّة لأهداف نخبٍ خارجيّ ة، أي تتبنّى الأهداف ذاتها التي تتبنّاها نخبة الدولة التي تمارس الاختراق.
قياس الاختراق
يبدو أنّ أغلب الدراس ات تقيس مؤشرّ الاختراق من خلال منهجيّتين هما: الأولى: تتبع الإج راءات Process Tracing: وتعني تحديد الهدف الأولّي ثمّ متابعته خلال مراحل تطوّره وتحديد التغي رُّ الذي أصابه عند كلّ إجراء، ثمّ تحديد الأطراف التي تق ف وراء التغيرُّ، وتحديد دور الأطراف "غير العضو" في هذا التغيير. الثانية: النفوذ المدّعى Influence Attributed: من خلال استجواب الجماعات الضاغطة عن تقييمه ا لتأثيرها أو تأثير جماعاتٍ غيرها في عمليّة صنع القرار، إذ يجري قياس الفارق بين ما بدأت به السلطة باعتباره الهدف الأفضل لها، وما انتهت إليه في قراراتها وتفسير الفارق على أنّه نتيجة تدخّل الجماعة الضاغطة.
نظريّات العلاقات الدوليّة والنّظم المخترقة
إذا انتقلنا إلى نظريّات العلاقات الدوليّة المعاصرة في تفس ريها للنظم المخترقة بالمعنى الذي حدّدناه، نجد ما يلي5:. أ النظريّ ة الواقعيّة الجدي دة Neorealism: ترى هذه النظريّة الت ي يعربّ عنها كينيث والت ز Waltz kenneth أنّ "الفوضى" في النظام الدوليّ نظرًا لعدم وجود سلطة دوليّة عليا، تجعل من الأمن المتغي رِّ الرئيس في إستراتيجيّة الدولة، وهو ما يجعل الاختراق يجري من هذه الناحية، إذ تسعى الدولة إلى مشاركة الآخرين في ضمان أمنها من خلال مساهمتهم في صوغ إستراتيجياتها الأمنيّة، وقد يكون مجلس التعاون الخليجي مث االً نموذجيًّا على حالة الاختراق هذه من منظور المنهج الواقعيّ الجديد.. ب البنيويّ ة (الماركس يّة) Structuralism: والت ي تبني تحليلها على أساس أنّ البنية الرأس ام ليّة للنظام ال دوليّ تجعل التبعيّة الاقتصاديّة إحدى ركائز النظام، ويجري الاختراق من خلال هذه التبعيّة، إذ تحدَّد وظيفة الكيان السياسيّ في إطار بنية النظام الرأس ام لي الدولي، ويتركّز الاختراق بصورةٍ جليّة في ما يطلق عليه إيمانويل والرس تاين Wallerstein Immanuel في نظريّته عن النظام العالميّ تسمية دول المحيط وشبه المحيط، إذ تقوم هذه
الدول بدور ميكانيزم التكيّف لدول المركز الرأسمالي عند مواجهة أزمةٍ ما، ويكون الاخ رت اق هنا بنيويًّا يصع ب معه الفصل بين مقوّمات بنية المركز وبنية الأطراف.. ج البنائيّ ة Constructivism: والتي تف رت ض طبقًا لوين دت أنّ هويّ Alexander Wendt ة identity الدولة تتحدَّد بأنماط التفاعل مع الأطراف الأخرى، أي أنّ التفاعل يش كِّل منظومة القيم والأهداف والإس رت اتيجيات للدولة، بمعنى آخر أنّ هويّة الدولة ليست سابقة للتفاعل بل تتحدَّد من خلاله، ذلك يعني أنّ الاخ رت اق جرى من خلال صوغ هويّة الدولة التي تحدَّدت بدورها من خلال التفاعل مع الكيانات أو الأطراف الأخرى في النّسق موضوع الدراسة.
هل النظام الإقليميّ العربيّ نظام مخترق؟
إنّ المناقشة النظريّة الس ابقة تفترض أواّلًالبحث في مدى مش اركة الأطراف "غير العضو" في بنية النظام الإقليميّ العربيّ وفي صوغ "التوجّهات والقرارات الإس رت اتيجية العربيّة"، كما تفترض ثانيًا تحديد أبعاد الاختراق استنادًا للمنظور الواقعي الجديد أو المنظور البنيوي أو المنظور البنائي بالدلالات التي أتينا عليها سابقًا.
مصادر الاختراق
يحتاج الاخ رت اق بالمفهوم الذي تناولناه إلى بيئ ة تمهيديّة لولادته، وتتمثّل الملامح الكبرى لهذه البيئة في الظروف التمهيديّة التالية:
أ التهديد العربيّ العربيّ
ونقصد به تهديد الدول العربيّة لبعضها بعضًا ولو بمس تويات تهديد مختلف ة، وهو ما يدفع ك منها للبحث عن "حامٍ" لها، وهو الخطوة الأولى أمام الاختراق، وقد يأخذ التهديد أشكاالً مختلفة لكنّها تتمحور في مضمونها في شكلين؛ الأوّل يتمثل في تهديد السيادة الإقليمية للدولة والذي كثيرًا ما كان حول المناطق الحدوديّة، بينما يتمثّل الشكل الثاني في تهديد النظام السياسيّ والعمل على تغييره بطريقة قسريّة. وتدلّنا البيانات الكمّية المتاحة على أنّ الدول العربيّة تعرّضت للتهديد الأمني المتب ادل بطريقة مباشرة أو غير مباشر ة خ الل الفترة -1947 م 010 ا مجموعه 7 2 3 مرّة، وهو معدّل كافٍ للتأكيد على حالة عدم الاستقرار في العلاقات العربيّة البينيّة، فضالً عن الصراعات الداخليّة في كلّ بلدٍ عربيّ6. وتشير المؤشرِّات الكميّة إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط شهدت في مرحلة ما بعد غزو الع راق عام 0032، وحتّى قبل اندلاع موج ة الثورات العربيّة مباشرةً، ما يقرب من 76 حالة صراعيّة، و 12 صراعًا إقليميًّا، وأكر من 0 4 صراعًا داخليًّا.
من ناحيةٍ أخرى، تتّسم صراعات المنطقة العربيّة بنس بةٍ عالية من الصراعات الممتدّة، فهناك 0 3 صراعًا استمرّ لمدّةٍ تزيد على ثلاثين سنة، وثمانية صراعات مس تمرّة لأكر من عشرين س نة، وأحد عشر صراعًا مستمرًّا لأكر من عشر سنوات تقريبًا، ونحو ستّة صراعات تجاوزت حاجز الخمس س نوات، والمفاجأة هي أنّ هناك ستّة وعشرين صراعًا مس تمرًّا لأكر من سنة، ما يعني تسارع معدّل الصراعات القصيرة المدّة، وهو ما يش ري إلى قدرةٍ متدنّية ع ىل التعايش، وضبط النفس على الساحة الإقليميّة7. نتيجة لذلك، تضاعفت اتّفاقات التعاون الأمني ب ني دولٍ عربيّة وأحلافٍ ودول أجنبيّة، وهو ما يفتح المجال لتكييف الحاجات الأمنيّة للدولة العربيّة مع احتياجات القوى الخارجيّة. ولعلّ اتفاقيات التعاون الأمني بين دول الخليج وحل ف الناتو منذ عام 006 2 دليل على ذلك8، كما أنّ الولايات المتّحدة مارست نشاطًا عسكريًّا ضدّ دولٍ عربيّة منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية إلى عام 0122 ما مجموعه 21 مرّة9، ولكن هذه الممارسات كانت تلقى الموافقة العلنيّة أو الضمنيّة
من دولٍ عربيّة أخرى، ولعلّ مثال التدخّل العسكريّ لحلف الناتو عام 0122 في ليبيا يعزِّز هذا التوجّه. ذلك يعني أنّ التهدي د البيني في الوطن العربيّ يقود الدول الأضعف غالبًا إلى البحث عن سندٍ دوليّ عبر الاتفاقيّات أو التحالفات مع القوى الخارجيّة لمواجهة تهديد الدول العربيّة الأخرى، وهو ما يمثّل قاعدة للاختراق وتكييف القرارات السياسيّة وغيرها للدولة بما يخدم مصالح القوى الخارجيّة.
. ب الدولة الإقليميّة المركز
ونعني به التناف س بين الدول العربيّة لاحتلال موقع "الدولة المركز" في المنطقة، وكثيرًا ما لجأت بعض الدول للقوى الخارجيّة لمساندتها في تحقيق هذا الموقع، وهو ما يغري الدول الخارجيّة باستثمار التلهّف على موقع الدولة المركز لانتزاع تنازلات من الدولة العربيّة في موضوعات معيّنة تُعنى بها الدولة الخارجيّة10.
. ج الإرث التاريخي والشركات المتعدّدة الجنسيّة
إنّ العلاقات الاستعماريّة القديمة أبقت شبكة م ن الروابط بين المستعمر السابق وقطاعات في الدولة بعد الاستقلال (لاحظ أنّ أغلب تجارة دول المغرب العربيّ مع فرنسا، وليبيا مع إيطاليا...إلخ) من ناحية، كما أنّ مصادر الدخل في الدول العربيّة تتداخل مكوّناتها مع الخارج من خلال المساعدات (الأردن والولايات المتّحدة) أو الاعتماد ع ىل الضرائب والجمارك في قطاع التجارة الخارجيّة (مصر، والأردن، والمغرب) أو الاعتماد على عائدات النفط طبقًا لمتطلّبات السوق الخارجيّة، وكلّ ذلك يقود بشكلٍ أو بآخر إلى مستوى من مستويات الاختراق. وتمثّل الشركات المتعدّدة الجنسيّة إحدى أدوات الاختراق من حيث تأثيرها في صنع القرار ولا سيمّا الاقتصادي، وتشير بعض الدراسات إلى تأثير الشركات في عددٍ من الميادين من هذه الناحية11: استعانة الشركات المتعدّدة الجنس يّة بحكوماتها للضغط على الدولة المضيفة باتّجاه تبنّي مواقف معيّنة. الضغط باتّجاه دفع منظمّات دوليّة لتبنّي مناقشة سياسة معيّنة أو إقرارها. مب اشر ة الضغط على سفارة الدولة المضيفة م ن خلال نفوذ الشركة في الدولة التي يوجد فيها مقرّها الرئيس. التأثير في حكومة الدولة المضيفة من خلال شبكة علاقات تقيمها الشركة مع وزراء أو شخصيّات ذات نفوذ في الدولة المضيفة. الضغط المباشر على الدولة من خلال التهديد بسحب استثماراتها أو الانتقال لدولةٍ أخرى ما لم تستجب الدولة المضيفة بالتنازل عن بعض الشروط البيئيّة أو شروط العمل أو النظام الضريبي..إلخ. وقد أشار عددٌ كبير من الدراسات إلى أشكالٍ مختلفة لهذه الممارسات ولا س يمّا شر كات الب رتول وشركات الطيران وشر كات إنتاج الأس لحة، ووضّ حت دراسة كميّة وجود علاقة بين حجم أرباح الشركات المتعدّدة الجنس يّة ومؤشرّ الفساد في الدولة المضيفة، أي أنّه كلمّا كان الفساد أعلى ازدادت أرباح الشركة، امّ يعني أنّ جزءًا من أرباح الشركات هو نتيجة لبيئة الفساد التي تعمل في نطاقها، إذ يوفّر الفساد بيئة ميسرِّة للاختراق12. وقد قدّمت صحيفة فاينانش ال تايم ز البريطانيّة نماذجَ للعلاقة بين الفساد والشركات المتعدّدة الجنسيّة في الدول العربيّة مثل ليبيا والسعوديّة ومصر وتونس واليمن13. وتحدِّد بعض الدراسات المتخصّصة نماذجَ للتأثير الذي تمارسه الشركات المتعدّدة الجنسيّة في الدول العربيّة، إذ يشير بعض هذه الدراسات إلى الدعم الماليّ لأصحاب النفوذ ولبعض الأحزاب والمس اهمة في الدّعاية الانتخابيّة، بل والتدخّل في موضوعات التوريث السياسيّ وتبادل السجناء ب ني دولٍ عربيّ ة ودول أجنبيّة...إلخ14، ولعلّ من المفيد التذك ري بدور شر كات البترول في تشكّل بعض الدول العربيّة أو في
تحديد الحدود السياس يّة لبعض الدول، بل وفي صوغ بعض سياسات البعض الآخر15. وتمثِّل المساعدات بأشكالها المختلفة، مثل المس اعدات العسكريّة والمس اعدات التقنيّة أو المنح الماليّة أو القروض ولا سيمّا الميرسّة منها إحدى أدوات الاختراق. وقد بيّنت إحدى الدراسات علاقة ارتباط وثيقة ب ني الروابط التاريخيّة الاستعماريّة وتقديم المساعدات من الدول الاستعماريّة التقليديّة إلى دول دون غيرها، وأنّ طريقة التصويت في الأمم المتّحدة (مع مش اريع الدولة المانحة أو ضدّها) تمثّل عامالً أكر أهمّية من نمط البنية الاقتصاديّة أو طبيعة النظام الانتخابي، امّ يعني أنّ السلوك الس ياسيّ للدولة المتلقّية للمساعدة يعدّ مدخالً للاختراق وتكييف القرار الس ياسي16. وتتعزَّز هذه التصوّرات بالدراسات الأمبريقيّة الخاصّة بالعلاقة بين أنماط التصويت في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة وتلقّي المساعدات، فقد أثبتت دراسةٌ متخصّصة للفترة 002-1973 2 الترابط الوثيق بين حجم مساعدات الولايات المتّحدة للدول النامية ومواعيد تقديمها، وأنماط التصويت في الأمم المتّحدة17. وتتأكّد هذه النتيجة من خلال دراسةٍ أخرى تتبّعت حجم المساعدات للدولة النامية وعضويّة مجلس الأمن، إذ وجدت هذه الدراس ة أنّ حجم المساعدات للدولة يتزايد خلال ف رت ة عضويّتها في المجلس، ولا سيمّا في الفترات التي تُعرض فيها ع ىل المجلس قرارات ذات طبيعة إستراتيجيّة18. غير أنّ هذه القاعدة لا تنطبق بصورة كبيرة على الحالة العربيّة، فعند مقارنة أنماط التصويت العربيّ ودرجة اتّس اقه مع المواقف الأميركيّة تبّينّ أنّ هناك تباينًا واضحًا في أغلب الأحي ان19، فأعلى درجات التوافق في التصويت مع الولايات المتّحدة كان م ع الكويت وقطر والمغرب (وهي الأقلّ حصوالً على مساعدات ماليّة)، بينما كان أدناه مع سورية وموريتانيا (وه ام أيضًا ضمن ال دول الأقلّ حصوالً على المساعدات الأميركيّة)، غير أنّ استبعاد الموضوعات الخاصّة بالقضيّة الفلسطينيّة نظرًا لصعوبة تصويت الدولة العربيّة بصورة توافقيّة فيها مع الولايات المتّحدة يجعل القاعدة السابقة (التوافق بين التصويت وحجم المس اعدات والقروض) أكر وضوحًا، ويلاحظ أنّ مصر التي تحصل على أكبر قدرٍ من المساعدات من الولايات المتّحدة ليست هي الأعلى في درجة التوافق مع الولايات المتّحدة في التصويت. وفي دراسةٍ أخرى، يتبّينّ لنا أنّ هناك تباينًا بين الدول المانحة في دوافع تقديم المساعدات، إذ تدلّ الدراسة من خلال مقارنة اتّجاهات المساعدات لعددٍ من الدول المانحة أنّ دولة مثل الولايات المتّحدة تعطي أولويّة للأبعاد "الأمنيّة"، بين ام تركِّز اليابان ع ىل "المنافع التجاريّة"، في حين تذهب فرنس ا نحو "النفوذ الكولونيالي"، كما يتبنيّ أن لا علاقة ارتباطيّة بين مستويات الفقر والمساعدات من الدول المانحة، مما يعني أنّ دوافع الاختراق أكبر من الدوافع الإنسانيّة20. وفي مجال القروض أو العلاقة مع المؤسّسات الدوليّة الماليّة، تش ري دراسة للقروض التي قدّمت من خلال صندوق النقد الدوليّ خلال خمس سنوات، إلى أنّ أك ث ر المستفيدين من هذه القروض هم "الحكومات والأفراد الذين ساهموا في ترتيب الاتّفاق"، دون أن ينعكس ذلك بجدوى اقتصاديّة، ويصبح هؤلاء ثقوبًا يتسلّل من خلالها نفوذ القوى الخارجيّة ولا سيمّا الدول صاحبة المساهمات الأكبر في الصندوق21، ولعلّ الإعفاءات التي حصلت عليها بعض الدول العربيّة نتيجة معاهدات السلام مع إسرائيل أو نتيجة المشاركة في الحرب على العراق تأكيد لهذه الآراء. فإذا ربطنا هذه الم ؤشرّات بتبعات ما سُمّي بإجماع واش نطن Washington consensus منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي (تحرير التجارة، تقليص تدخّل الدولة في النشاط الاقتصادي، وحقوق
ملكيّ ة أكر انضباطًا..إلخ)، فإنّ ذلك يش ري إلى تأثير البيئة الدوليّة في تكييف القرار الاقتصادي للدولة التي تقبل هذه الشروط. ومن ب ني جوانب الاخ رت اق للاقتصاد العربيّ ظاهرة غسيل الأموال MoneyLaundaring، والتي تتمثّل في العمل على تحويل الأموال ذات المصدر "القذر"، مثل عمولات بيع الس الح، أو تجارة الرقيق الأبيض أو المخدّرات..إلخ إلى أموال تبدو أنّ لها مصدرًا شر عيًّا، وتسهم في عمليّة الغسيل مؤسّ سات عديدة مثل بعض البن وك بالإيداع أو إعادة الإقراض، أو شيكات قابلة للتظهير أو تجزئة الإيداعات smurfing، أو البورصات، أو شر كات التأمين، أو صناديق الاستثمار، أو عبر التجارة الإلكترونيّة، أو الوسائط الإلكترونيّة مثل البطاقات الذكيّة، والتحويل الإلكتروني للنقود، أو الش يكات الإلكترونيّة، أو من خلال الفواتير والمستندات المزوّرة، أو من خلال أوراق اليانصيب والجوائز، أو عبر شركات الرصّافة والشركات المتعدّدة الجنسيّة...إلخ. وقد أخضعت الولايات المتّحدة العديد من المراف ق الاقتصاديّة العربيّة للرقابة والضبط لضمان عدم تسرّب الأموال عبر هذه القنوات إلى جهاتٍ معادية للولايات المتّحدة22.
. د النخب العربيّة
ونعني بذلك وجود نخب مرتبطة بقوى خارجيّة س واء عبر الرباط اللغويّ الفرانكوفي يل Francophile وليس فقط الفرانكوفوني francophone، أو عبر الرباط التجاريّ (كفئة الكومبرادور)، أو الرباط الديني (كبعض الشرائح المذهبيّة..)إلخ، إذ تذوِّت internalize هذه النخب توجّهات الخارج لتصبح جزءًا من توجّهاتها. في مجال اللغة، يعدّ التعليم أحد مظاهر الاخ رتاق، فهو يمثّل أداة تنظيم الإدراك الإنساني للذات والكون والآخر، ويؤدّي الشّكل الذي يأخذه هذا الإدراك إلى تحديد أنماط السلوك والتفاعل، ويتكوّن التعليم من ثلاثة أبعاد؛ هي اللغة والمنهج والمعلومة. وتش كِّل اللغة لا بصفتها أداة تواصل فقط بل هي جسد الأفكار كما يقول بعض الفلاسفة. أمّا المنهج، فيمثّل الدرب الذي يقود إلى مكانٍ ما، بينما المعلومة هي كلّ ما نكتشفه. وتش ري المعطيات الكمّية إلى تزايد انتشار اللغات الأجنبيّة في الوطن العربيّ (الإنجليزيّة والفرنسيّة..إلخ)، وهي أمور قامت فيها الظروف التاريخيّة بالدور الأكبر. ولا ريب أنّ وس ائل الإعلام تعزِّز س طوة اللغات الأجنبيّة في الثقافة العربيّة المتداول ة بصورةٍ تعزِّز الخلل في بني ة الوجدان الفرديّ وتعمِّق الانفصال بين الفرد وإرثه التاريخيّ23. فإذا علمن ا أن هناك فضائيّ 750 ة عربيّة عام 010 2 تشكل الموادّ المس توردة من الدول الأجنبيّة %60 م ن برامجها، أدركنا عمق مؤشرّ الاختراق الثقافي24.
ولا س ولكي نثبت أنّ التعليم-يمّا التعليم الجامعي أداة سياس -يّة، نش ري إلى الدعوات الأميركيّة وتوصيات مراكز الدراس ات الغربيّة إلى زيادة دور برامج الدراسات الشرق أوسطيّة في البرامج الأكاديميّة الأميركيّة من ناحية والدراسات الأميركيّة ودورها في الجامعات العربيّة من ناحيةٍ أخرى (البرنام ج الأوّل بدأ عام 000 2 في الجامعة الأردنيّة)25، وهي دعوات تعيد للأذهان آليّات الاستشراق والتبشير التي عرفتها المنطقة في فترات تاريخيّة ليست بعيدة. ونش ري في المجال نفسه إلى إنش اء المجلس الأعلى للفرنكوفونيّة عام 970 1، والذي تلته دعوة الرئيس الفرنسيّ فرنسوا ميتران إلى أوّل "قمّة 1 في فرس فرنكوفونيّة" عام 986 اي، وشارك فيها رؤساء الدول الناطقة جزئيًّا أو كليًّا بالفرنس يّة 41(رئيسًا)، وتحوّل ت القمّة بعد إحدى عشرة سنة إلى "المنظّمة الدوليّة للفرنكوفونيّة" برئاسة شخصيّة عربيّة (بطرس غالي)، وعقدت المنظّمة أوّل قمّة لها في عاصمة بلد عربيّ هي ب ريوت عام أيلول / س 002 بتمبر 2 وجاءت في أعقاب حوادث 001 2 فاقتصرت أعمالها على إدانة الإرهاب.
وتش تمل عضويّة المنظّمة على عددٍ من الدول العربيّة، هي: المغرب ولبنان وتونس وم رص وجزر القمر وجيبوتي، والملفت للنظر غياب الجزائر وسورية، وهما تاريخيًّا أقرب للغة الفرنسيّة من مصر، مما يعني أنّ البعد السياسيّ حاضر في وظيفة هذه المنظّمة ذات الطّابع اللّغوي. إذ تقاوم حكومة البلدين فكرة تدعيم اللغة الفرنسيّة على حساب اللغة العربيّة. وتش ري دراسة لمؤسّسة الفكر العربيّ إلى أنّ للاختراق. "الهدف المعلن لهذه المنظّمة هو دعم العلاقات الثقافيّة الفرنكوفونيّة، لكنها تحوّلت إلى أداة للعمل الس ياسيّ المباشر، بل إنّ حركة الترجمة التي تشجّعها تجري وفقًا لمعاييرَ سياسيّة تعتمد في انتخاب نوعٍ معنيّ من ذلك النتاج الفكري والأدبي دون غيره، خدمةً للمصالح الفرنس يّة في العالم، ففي عام 007 2 أُنشئت في المنظّمة "خليّة تفكير إستراتيجيّة" مهمّتها التفكير في القضايا الآتية: الهويّة الفرنكوفونيّة في زمن العولمة، أوروبا والفرنكوفونيّة، حوار الحضارات، الهجرات في العالم، الصناعات الثقافيّة والتعليم26. وقد س عت النخبة الفرنكوفيليّة إلى بعض السياسات التي تعزِّز فكرة الاختراق مثل27: وقف تعميم اللغة العربيّة والدفاع عن الفرنسيّة (وهو ما أكَّده رئيس الحكومة الجزائريّة السابق رضا مالك.) تعطيل المشاريع التي تساهم في الاستقلال الاقتصادي عن فرنسا (وأكّده محمد بوخالفة الرئيس الس ابق للجنة التخطيط والماليّة في البرلمان الجزائريّ.) ارتفاع نسبة فرنسا في المش اريع الجزائريّة (أكّده رئيس الجبهة الوطنيّة موسى تواتي.) مقاومة تجريم الاستعمار(أشار له خ ري الدين بوخريصة رئيس جمعيّة 8 ماي 945 1). الضّ غط للانضمام للمنظم ة الفرنكوفونيّة (شرح الجهد في هذا الاتّجاه بوجمعة غشير رئيس الرابطة الوطنيّة للدفاع عن حقوق الإنسان.)
الاختراق الخشن
أي استخدام القوّة والاحت ال ل في الحالات التي تس عى فيها قوى إقليميّة عربيّة إلى ترتيب المنطقة العربيّة بطريقة قد تؤثّر في المصالح الإس رتاتيجيّة للدول الكبرى (ناصر بعد 956 1، صدّام حس ني في فترة التسعينيات من القرن الماضي..إلخ)، فإذا كانت الأدوات السّابقة تمثّل "اختراقً ا ناعامً " فإنّ القوّة العسكريّة والأمنيّة تمثّل الوجه الخشن
ويوضّ ح الجدول التالي توزيع القوّات الأميركيّة في المنطقة العربيّة حتّى كانون الأوّل / ديس مبر 011 2 28، ويتبنيّ منه أنّ منطقة الخليج هي منطقة تركّز القوّات الأميركيّة ولا سيمّا أنّه ا الأكر احتواءً على المصالح الأميركيّة، ولا سيمّا ما اتّصل منها بالطاقة. ويوجد حتّى منتص ف عام 0122 نحو 0 4 ألف عسكريّ أميركيّ في منطقة الخليج، منهم 23 ألفًا في الكويت29.
غ ري أنّ الاختراق الخشن أخذ مظاهرَ جديدة م ن خلال منح أدوار لل رش كات الأمنيّة في ضب ط إيقاع الحراك في المجتمع المحيلّ، وتش ري الدلائل كافّةً إلى انتشار الشركات الأمنيّة الأجنبيّة لحماية الأشخاص والمصالح النفطيّة وغيرها في الدول العربيّة، وقد سردت التقارير الصحفيّة فيضًا من هذه المعلومات ولا سيمّا في بعض دول الخليج والأردن30، وتتمثّل أبرز نشاطات الاختراق الذي تمارسه هذه الشركات الأمنيّة في المظاهر التالية31:
| المجموع | جموية | مارينز | أساطيل | مشاة | الدولة |
|---|---|---|---|---|---|
| 10 | 2 | 6 | 2 | الجزائر | |
| 2135 | 30 | 272 | 2181 | 12 | البحرين |
| 238 | 26 | 23 | 22 | 617 | مصر |
| 0 | 0 | 0 | 0 | 0 | العراق |
| 39 | 12 | 16 | 0 | 11 | الأردن |
| 0 | 0 | 0 | 0 | 0 | الكويت |
| 5 | 0 | 0 | 0 | 5 | لبنان |
| 1 | 0 | 0 | 1 | 0 | ليبيا |
| 19 | 5 | 10 | 2 | 2 | المغرب |
| 34 | 20 | 10 | 1 | 3 | عمان |
| 596 | 192 | 30 | 4 | 370 | قطر |
| 270 | 76 | 28 | 20 | 641 | السعودية |
| 7 | 0 | 5 | 0 | 2 | سورية |
| 15 | 1 | 9 | 1 | 4 | تونس |
| 175 | 88 | 69 | 21 | 6 | الإمارات |
| 18 | 0 | 11 | 0 | 7 | اليمن |
| 3596 | 468 | 498 | 1879 | 751 | المجموع |
تشجيع الكفاءات العس كريّة على الهروب من مؤسّساتها تحت إغراء الرواتب العالية التي تصل إلى حدّ ألف دولار يوميًّا. ضغط الشركات الأمنيّة على الحكومات لإع ادة النظر في بعض تشريعاتها بصورةٍ تتيح لهذه الشركات حرّية العمل الأمني داخل هذه الدول. قيام الشركات في بعض الأحيان بنقل الأس لحة عبر الحدود دون الخضوع لرقابة السلطات الحكوميّة في الدولة التي تعمل فيها الشركة، وتش ري الدراسات إلى أنّ الشركات تنقل الأسلحة في خمس ني دولة في العالم منها دول عربيّة، وبل غ عدد الشركات الأمنيّة التي عملت في العراق حتّى عام 011 2 نحو 55 شر كة.
الجدول 2: القوات الأميركيّة في الدول العربيّة 31– كانون الأول / ديسمبر 2011
تم ارس الشركات عمليات تجنيد للأفراد عبر الحدود وتنقلهم من دولة إلى أخرى، بل يشير محمد حسنين هيكل إلى أنّه "يعرف أنّ ولو باس لشركة بلاك ووتر -م جديد للشركة - ستّة آلاف عنصر يعملون في داخل وخارج سورية"32. ومن الضروري الربط أيضًا في هذا المجال بين ظاهرة "عولمة السّجون" وظاهرة الاختراق، إذ تشير الدراسات إلى أنّ هناك 66 دولة فيها سجون معولمة منها تسع دول عربيّة، وتعني عولمة السجون أن تحتجز دولة معيّنة في س جونها أفرادًا من دولةٍ أخرى لحساب دولةٍ ثالثة، ويُنقل
السجناء إليها عبر شركات طيران أو وسائط نقل تابعة لدولة رابعة33، بل إنّ الأمر امت دّ إلى القضاء، فحتّى عام 0072 كان هناك 003 قاضٍ دولي يعملون في قضايا مختلفة ويحقّقون فيها خارج نطاق عمل السلطات القضائيّة المحلية، ومن بين الدول العربيّة التي وقعت ضمن دائرة عمل القضاة الدولييّن السودان ولبنان وليبيا وفلسطين34.
ويتبّينّ لنا من زاويةٍ أخرى، من تقرير منظّمة الش فافية أنّه من بين 93 ميزانيّة دفاعيّة جرت دراس تها لدولٍ مختلفة، هناك 13 منها فقط فيها حدٌّ معقول من الشفافية، كما أنّ قطاعات الإنش اءات حقّقت درجة شفافية طبقًا لمقياس المنظّمة تص ل إلى 5.3 من 01، والدفاع 6.6 من 0 1، وهما من القطاعات الأكر معرفة للفساد، كما أنّهما من القطاعات التي تعتمد فيها الدول العربيّة على الشركات الأجنبيّة أكر م ن غيرها35. بل يتبنيّ من التحقيقات الصحفيّة الغربيّة أن %40 من الفس اد في التجارة الدوليّة حتّى عام 011 2، يتركّز في تجارة السلاح36، غير أنّ المنطقة الأعلى في حجم شر اء الأسلحة هي المنطقة العربيّة، وأنّ تقديم الرشى لمس ؤولين عرب لدفع دولهم لعقد صفقات التسلّح هو أمر ش ائع، وتقدم الصحف الغربيّة وبرقيات ويكيليكس ك من التقارير عن هذه الرشى37. العربيّة.
الاختراق الإقليمي
أدّت الثورة الإيرانيّة تحديدًا لإثارة مدى الاخ رتاق الإيرانيّ للنظام الإقليميّ العربيّ، ولعلّ "التماثل" المذهبي ب ني قطاعات في المجتمع العربيّ والمذهب السائد في إيران هو ما وضع هذه المسألة موضع المناقشة، ونظرًا لظروف تاريخيّة، ولعلّ ما وصل إليه تقرير لجنة بس يوني في البحرين يعزِّز وجود المبالغة، إذ انتهى تقرير هذه اللجنة التي تشكَّلت بقرار من ملك البحرين إلى عدم وجود أدلّة على دورٍ إيرانيّ في الأزمة البحرينيّة المعاصرة38.
منظ مات المجتمع المدني وظاهرة التغلغل
تمثّل فكرة "التغلغل" محاولة من الدول الكبرى ولا س يمّا الولايات المتّحدة، للعمل على التشابك مع القوى السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة ومحاولة التأثير في النسيج المجتمعي بكامله سواء بالانخ راط المباشر في هذه الق وى أو بالتغلغل غير المباشر من خلال الأفراد الذين يتبنّون المنظور الأميركيّ. وقد تكون إحدى دراسات مؤسّس ة راند RAND لمواجهة ما تعدهّ تطرّفًا إس ال ميًّا ومعاديًا للسياسة الأميركيّة بالخصوص والغربيّة عمومًا نموذجًا واضحًا لهذا التوجّه، وتستند هذه الدراسة الإس رت اتيجيّة في توجّهها المركزي39 إلى تصوّر يرى أنّ أغلبيّة المسلمين ينتمون للاتّجاه المعتدل في الفكر الإس ال ميّ، لكن المتطرّفين تمكّنوا من بناء ش بكاتٍ وتنظيماتٍ مكَّنتهم من السيطرة، في الوقت الذي يفتقر فيه المعتدلون للإ مكانيّات، الأمر الذي يجعلهم في "حاجة ماسّة إلى الخارج." واستنادًا لخبرة الولايات المتحدة في فترة الح رب الباردة ضدّ الاتّحاد السوفياتي، ترى الدراسة إمكانيّة الاستفادة من هذه الخبرة ولا سيمّا في نطاق تطوير المنظمّات والهيئات الليبراليّة، وتكرار ذلك في توظيف هذه الخبرة في بناء شبكات إسلاميّة في الدول الإسلاميّة وبخاصّة الدول
ويقوم مشروع راند على العمل على مستوياتٍ ثلاثة هي التنظيمات الإس ال ميّة المعتدل ة الموجودة فعالً، والتركيز ع ىل التنظيمات القابلة للتوجّه المعتدل، وأخيرًا خلق بيئة ثقافيّة تشجّع الاعتدال والتسامح.
وتدعو الدراسة إلى البدء بتنظيمات - حتّى وإن كانت سرّية - والعمل معها، ع ىل أن تكون موثوقة. مع التركيز ع ىل الليبرالييّن والعلمانييّن ورجال الدين الشّبان والنشطاء الاجتماعييّن والنساء المنخرطات في دعوات المساواة والصحفييّن والكتّاب المعتدلين. وتتحدّث الدراسة عن التنظيمات والهيئات المختلفة المرشّحة في المنطقة العربيّة لتكون من بين الركائز للانطلاق في هذه الإستراتيجيّة. من ناحيةٍ أخرى، تدلّ المعطيات التي قدّمتها "نيويورك تايمز" على أنّ الولايات المتّحدة قام ت بتدريب عناصرَ من دولٍ عربيّة على "تعزيز الديمقراطيّة" في دولهم من خلال برامجَ موّلتها الولايات المتّحدة عبر مؤسّسات مثل المعهد الجمهوري الدولي international Republican Natioal Democratic Institute ي والمعهد الديمقراطيّ الوطن وبيت الحريّ Institute ة والصن Freedom House دوق الوطني للديمقراطيّة National Endowment for Democracy، وهو الأمر الذي كان يثير حفيظة الأنظمة السياسيّة الأك ثر تناغامً في توجّهاتها الإس رت اتيجية مع الولايات المتّحدة، ولمّا كانت هذه المؤسّسات تتلقّى الدعم المالي من الولايات المتّحدة، فمن غ ري الممكن فصل توجّهاتها عن التوجّهات الإس رت اتيجية للحكومة الأميركيّة، فالصندوق الوطني للديمقراطيّة الذي أُنش ئ عام يتلقّ 983 ى دعامً بقيمة 00 1 1 مليون دولار سنويًّا من الحكومة الأميركيّة، كما أنّ بيت الحرية يتلقّى القسط الأكبر من ميزانيّته من الحكومة الأميركيّة عبر وزارة الخارجيّة40. وتعود تقاليد التغلغل في جسد الهيئات السياسيّة ومنظمّات المجتمع المدني لفترة مبكرة، ولعلّ الولايات المتّحدة هي الأكر اس تخدامًا لهذا النمط من التغلغل، وقد كشفت الدراس ات المختلفة الخاصّة بهذا الموضوع ولا سيمّا من الممارس ني لها داخل الجهاز الحكومي الأميركيّ مثل وكالة الاستخبارات الأميركيّة نماذجَ واسعة من التغلغل، ويوجز أحد الكتب المهمّة في هذا المجال هذا النمط من التغلغل في ثلاثة أشكال41: الشكل الأوّل: تجنيد أجهزة الاستخبارات الأجنبيّة لبعض أفراد النخب البارزين في البلد موضع التغلغل، ويُطلب منهم إنش اء منظمّات أو هيئات معيّنة ولا سيمّا ذات الطابع العلمي؛ للترويج لأفكارٍ وسياسات معيّنة تعود في محصّلتها النهائيّة بالنفع على الدولة المتغلغِلة. والش كل الثاني: تقديم المساعدات الماليّة لمنظمّات قائمة فعالً، بهدف دفعها نحو مساندة سياسات داخليّة معيّنة تريدها الدولة المتغلغِلة. الش كل الثالث: المساندة السياس يّة والمعنويّة لمنظمّات معيّنة مثل منظمّات حقوق الإنسان، ويجري الدعم بطريقة غ ري مباشرة من خلال: الدعوة إلى المشاركة في فعاليات مؤتمرات دوليّة تك ون معنيّة بموضوعات معيّنة تهمّ الدولة المتغلغلة. توظيف بعض أفراد النخب كمستشارين في هيئاتٍ معيّنة، أو للعمل في الجامعات كأكاديمييّن س واء في هيئات تابعة للدولة المتغلغلة أو في هيئات دوليّة بهدف تعزيز فرص هؤلاء الأفراد في الترقية في مناصبهم ببلاده م ليصبحوا أكر تأثيرًا في صنع القرارات في مستويات مختلفة بدولهم أو أكر تأثيرًا في توجّهات الرأي العامّ المحيلّ. كما يش ري تقرير حديث ومفصّل في مجلّة المستقبل العربي إلى أشكال الاختراق للجسد الس ياسيّ والاجتماعي العربيّ، ويشير التقرير إلى42 "مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط" التي أطلقتها الخارجيّة الأميركيّة في كانون الأوّل / ديسمبر 002 2، ويتضمّن برنامجها مساعدة المنظمّات الأهليّة في المنطقة، وقد أعلن مكتبها ومقرهّ في تونس في شهر شباط / 2، فتح باب الترش فبراير عام 008 يح للحصول على مساعدات موجّهة للمنظّ ام ت المهنيّة والجامعات والهيئات غ ري الحكوميّة وجماعات النساء، ووصلت المبالغ المخصَّصة لعام 008 2 إلى ثلاثة ملايين دولار. ويش ري التقرير إلى أنّ المبادرة قامت بإنشاء ثلاث ة مكاتبَ إقليميّة؛ الأوّل ويشمل لبنان وش ام ل أفريقيا، والثاني في أبوظبي وهو موجّه لبلدان الخليج العربيّ، والثالث في القاهرة مخصّص لمصر. وقد أطلقت السفارة الأميركيّة في تونس برنامج المبادرة المحيلّ تحت عنوان '' المبادرة للتحوّل في تونس'' وتشمل مسؤولياته إدارة برام ج المبادرة في كلٍّ من الجزائر ومصر ولبنان وليبي ا والمغرب وتونس وإسرائيل والأراضي الفلس طينيّة والأردن، وتبلغ قيمة الاعتمادات الماليّة المخصّصة لهذه المبادرة س نويًّا أكر من خمس ني مليون دولار، ويعمل في المكتب الإقليميّ في تونس عشرة موظّفين يشملون دبلوماسييّن أميركيين وموظّفين من المنطقة لهم تجارب في مجالات الإصلاح الديمقراطيّ
وأنشطة المجتمع المدني وإدارة المنح والمساعدات الماليّة، ويقوم هؤلاء جميعًا بالتنسيق مع سفارات الولايات المتّحدة في المنطقة. وينظِّم المكتب الإقليميّ في تونس مؤتمرات إقليميّة (مؤتمر نس اء الأعمال ومؤتمر القادة الطالّ ب)، كما يس اهم في برامج التبادل (منحة القادة الش بّان وبرنامج تدريب سيدات الأعمال الشابّات)، كما يوفِّر المكتب العديد من آليّات التمويل (المنح الصغرى والمنح المختصّة)، ويساهم في تنظيم المؤتمرات وتسهيل تبادل الزيارات وإعداد الندوات ودورات التكوين. وقد موَّلت المبادرة ع ام 011 2 منظّمة مغربيّة تس مّى '' منتدى المواطن ة'' في برنام ج شر اكة مع نادي اليونسكو، ويهدف البرنامج إلى تكوين القيادات الشبابيّة بمنظور أميركيّ ولا سيمّا في ما يتعلّق بالصراع العربيّ الصهيوني، وقالت مسؤولة البرنامج في معرض حديثها ع ن أهدافه المعلنة '' يعتزم مكتب المبادرة تخصيص عشرين مليون دولار لدعم التحوّل في تونس، وهو أمرٌ من شأنه أن يساعد في ترسيخ المكتسبات التي تحقّقت في تونس في حقبة ما بعد الرئيس بن علي، ومساعدة التونسييّن وهم يحقّقون تقدّمًا نحو التطوّر الديمقراطيّ والرخاء الاقتصادي المستدامين. ويشير تقرير المستقبل العربي المشار إليه سابقًا إلى نشاطات الوكالة الأميركيّة للتنمي ة الدوليّة USAID في تونس (وهي منظّمة حكوميّة تتبع وزارة الخارجيّة الأميركيّةيعنيّ مديرها ومساعده الرئيس الأميركيّ، ويصادق عليهما الكونغرس الأميركي، وهو ما يح ول دون تصنيفها كمنظّمة غير حكوميّة مستقلّة)، إذ إنّها "رصدت ما يزيد على ستيّن ملي ون دينار تونسيّ (نح و 41.3 مليون دولار)، ومن مشاريع تلك الوكالة تمويلها ما يس مّى ب "مدارس المواطنة" في كلّ البلاد التونسيّة، وهي نواد مسيَّس ة تجري فيها استمالة الطالّ ب الأذكياء الذين يرجّح أن يتبوَّأ بعضهم مناصبَ مهمّة مستقبالً. وقامت الوكالة بعد الثورة التونس يّة ببرنامج إطلاق "شبكات المجتمع المدني الإقليميّة"، والتي تهدف إلى جمع مجموعة كبيرة من الجمعيّات في إطار شبكات ينسِّق في ما بينها أحد العاملين بالوكالة، والتي تهدف إلى إنشاء أكبر قاعدة بيانات بخصوص المجتمع المدني، ونجحت الوكالة في إنشاء الشَّبكة الإقليميّة بالجنوب الشرقي، وشبكة الوسط43.
أدوات الاختراق المساعدة
إذا كانت الأدوات السابقة التي أتينا ع ىل عرضها تمثّ ل المحاور الإس رت اتيجيّة للاختراق، فإنّه ا تتّكئ أحيانًا على متغي رِّ ات مساعدة، وتتمثّل في:
Political Intoxication أ. التسميم السياسي
ويعني محاولة نشر أفكار أو قيم معيّن ة في مجتمعٍ معنيّ، والعمل ع ىل نقل مكانة هذه الأفكار والقيم من مستوى القيم التابعة إلى مستوى القيم العليا في المجتمع المستهدف. ويُنجز هذا الهدف بطريقةٍ غير مباشر ة من خلال استقطاب نخبٍ فكريّة وثقافيّة مختارة تتبنّى هذه الأفكار والقيم في المرحلة الأولى، لتقوم في ما بعد بترويجها بطريقة منظّمة بين صفوف المجتمع من خلال وسائل الإعلام والثقافة والمناهج التعليميّة المختلفة45. ويجري التركيز في التسميم الس ياسيّ على تشكيك الفرد والمجتمع في عدالة قضاياه بطريقة تدريجيّة ليصل حدّ خلخلة البنية العقيديّة والتماس ك النفسيّ للمجتمع، ولا بدّ أن تستند عمليّة التّشكيك هذه من خلال الفهم الجيّد للبنية العقيديّة والمركب السيكولوجي للمجتمع لتحديد نقاط الضعف والتسلّل من خلالها، وتتعزَّز هذه العمليّة من خلال تقديم المنظومة القيميّة للمهاجم كبديل أكر نجاعة. ويعدِّد د. رفعت س يد أحمد ستّ عشرة جهة أميركيّة تمارس التسميم السياسيّ في المجتمع الم رص يّ من خلال فروع له ذه الجهات تعمل داخل مصر مع مفكّرين ومثقّف ني وإعلامييّن وهيئات مجتمع مدنيّ، وهو أمر يمكن الاستدلال على تكرار نموذجه في عدد من الدول العربيّ ة46. ويمكن اعتبار الكثير من التقارير الخاصّة بالحرّيات في العالم العربيّ التي تصدرها هيئات أميركيّة أو غربيّة كنماذجَ في بعض ما تورده على التسميم السياسي، إذ تختلط بعض الحقائق في بنية فكريّة توحي بتوجّهات معيّنة تستهدف تحطيم التماس ك النفسي
للمجتمع المتلقّ ي47. وإذا كان الخطاب الأيديولوجي والدع ائي السوفياتي يتوجّه للطبقة العاملة، والخطاب الديني يتوجّه للعامّة في الغالب، ف إنّ الخطاب الأميركيّ تحديدًا يركِّز على النخب اعتقادًا أنّ تسميم العقل النخبوي يقود إلى تسميم الثقافة السائدة، ويمكن ملاحظة نماذج التسميم في تغييب قيمٍ معيّنة مثل المقاومة لصالح الس ال م، أو تغليب قيم حوار الأديان على حساب أولويّة الحقوق بين الأديان، أو إعلاء قيمة النموّ على حساب عدالة التوزيع أو تغليب تعبير الانتحاري على الاستشهادي أو الإرهاب على المقاومة أو القضيّة الشرق الأوسطيّة بدالً عن القضيّة الفلسطينيّة...إلخ. وعلى الرغم من أنّ القيم التي يراد ترويجها لتسميم المنظوم ة القيميّة تبدو ذات مدلول إيجابي ويصعب أحيانًا رفضها، فإنّ إع ال ء مكانة تلك القيم يستهدف إعادة تركيب المنظومة بما يستجيب لأهدافٍ معيّنة.
ب. حلف الضواحي
تتمثّل الفكرة المركزيّة في هذه الإس رت اتيجيّة في تعزي ز النزعات الانفصاليّة للثقافات الفرعيّة في المجتمع العربيّ، ومحاولة مدّ جسور العلاقة مع الكيانات السياسيّة التي ستنبثق عن هذه الثقافات الفرعيّة، ولعلّ دراسة أوديد ينون حول إس رت اتيجيّة إسرائيل في الثمانينيّات48، وما كتبه زئيف ش يف في الفترة نفسها تقريبًا - ودعا مؤشرّات على هذا التوجّه49فيه إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول -. وتقبَّلت بعض الأقلّيات دور الحليف للقوى الكبرى بفعل عاميلَ ضغط؛ أوّلهما الخوف من السلطة المركزيّة، وثانيه ام الخوف من الأقلّيات الأخرى المنافسة لها، وتطوَّر هذا الدور إلى تحوّل تدريجي من هويّات ثقافيّة إلى كيانات سياس يّة واقتصاديّة بل وعسكرة هذه الهويّات50. ولعلّ العلاقات الإسرائيليّة مع الأقلّيات في جنوب السودان وأكراد العراق وبعض القوى المسيحيّة في لبنان بل ومحاولات التواصل مع أمازيع المغرب العربيّ مؤشرّات على كلّ هذه الإستراتيجيّة المساعدة.
ج. الفوضى الخلاقة
لن نعود إلى تأصيل مفهوم الف وضى الخالّ ق ة creative chaos في التنظير السياسيّ ومدى اشتقاقه من مفاهيم العلوم الطبيعيّة ولا سيمّا نظريات بريجوج ني وغيره51، غير أنّ طرح المفهوم لمعالجة أوضاع الشرق الأوسط ولا سيمّا بعد أزمة الاحتلال العراقيّ للكويت وما ترتّب عليه، تبلور بوضوح ع ام 005 2 مع ما طرحته وزيرة الخارجيّة الأميركيّة السابقة كونداليزا رايس استنادًا إلى بعض أدبيات المحافظين الجدد. وتقوم الفكرة المركزيّة لهذا المفهوم على تدمير بني ة قائم ة مختلَّة، بهدف تشييد بنية جديدة من ركام البنية القديمة، وقد رأت الوزيرة راي س والمحافظون الج -دد - أنّ منطقة الشرق الأوسط منطقة مضطربة لأسبابٍ سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، وأنّ عدم الاستقرار يحتاج إلى إعادة تشكيل المنطقة بصورة تعالج مواطن الخلل في هذه البنية الشرق الأوسطيّة.
إستراتيجيّة إعادة التشكيل: نموذج الشرق الأوسط الكبير
عرفت العقود الأربعة السابقة عددًا من التح ولّات في بنية النظام الدوليّ من ناحية والنظام الإقليميّ الشرق الأوسطي من ناحيةٍ ثانية، وقد دفعت هذه التحولّات إلى التأثير في إس رت اتيجيات القوى الدوليّة والإقليميّة في نطاق تفاعلها المتبادل.
1، وتس وتمثّلت هذه التحولّات في: الثورة الإيرانيّة عام 979 لّل النزعة التصالحيّة بين العرب وإسرائيل بمس توياتٍ مختلفة، وتنامي الحركة الإس ال ميّة، وانهيار الكتلة الاش رت اكيّة، وعدم تحقيق إس رت اتيجيّات وكالة الطاقة الدوليّة في التحكّم في قطاع الطاقة أيّ نجاح ذي شأن، وتداعيات حروب الخليج والتي أدّت إلى تنامٍ متسارع في ظاهرتين ه ام تزايد الإنفاق الدفاعي، وتزايد الوجود العسكري الأجنبيّ ولا س يمّا الأميركيّ في المنطقة بما في ذلك حلف الأطلسي، ثمّ تنامي المكانة الصينيّة والعودة التدريجية للدور الروسيّ، وأخيرًا الأزمة الاقتصاديّة العالميّة، وتنامي التيّار الفكري ب ني دارسي العلاقات الدوليّة بدخول الولايات المتّحدة مرجل التراجع في المكانة الدوليّة، واستمرار الضغط المتزايد على الوظيفة التقليديّة للدولة. ما دفع إلى تراخي مفهوم السيادة بكلّ ما لذلك من تداعيات على التفاعلات الدوليّة ولا سيمّا مفهوم التدخّل الإنسانيّ وحقوق الإنسان...إلخ. وقد كان ذلك نتيجة لتنامي ظاهرة العولمة التي جعلت التدفّق المالي والسلعي والفكري يؤثِّر كث ريًا في مفاهيم المواطنة التقليديّة وفي مكانة الأيديولوجيات ودرجة تماس ك الثقافات الفرعيّة في ظلّ العلمنة وفي إيقاعات القدرة على التكيّف مع تغريّ سريع ومتس ارع في كلّ أنساق المجتمعات، امّ جعل الهياكل التقليديّة عاجزة عن القدرة ع ىل البقاء في وجه هذا التغي رُّ. ومن المؤكّد أنّ المنطقة العربيّة لم تكن بمنأى ع ن تبعات هذه التحولّات الجذريّة، الأمر الذي دفع لبروز النقاش بشأن آليّات المنطقة للتكيّف مع هذه التحولّات ل ك ييلا يصل الأمر إلى حالة الانهيار، وقد برز تيّاران في إطار آليات التكيّف: التكيّف الداخلي، والذي تكفّلت به القوى المحليّ ة في المنطقة، ويمكن اعتبار ظاهرة "الربيع العربيّ" في بع ض ملامحها مؤشرًّا على محاولة هذه القوى المحليّة "إعادة تشكيل" بنية المنطقة من خلال الإرادة الذاتيّة، والتي تجلّت في التغي رُّ ات التي أصابت بعضًا من النظم السياسيّة العربيّة (وهو أمرٌ لا يدخل في جوه ره في نطاق ورقتنا البحثيّة هذه.) التكيّف الخارجي، والذي قام على فكرة إعادة بناء الشرق الأوس ط وتوظيفه في إطار التناف س الدولي، وشر عت القوى الدوليّة وبعض القوى الإقليميّة في البحث في مسألتين من هذه الناحية؛ الأولى ما هي أنس ب الطرق لإعادة تشكيل بنية المنطقة؟ والثانية، ما هو نمط البنية الجديدة؟ ولعلّ ذلك هو الذي يفس رِّ مشروع الشرق الأوسط، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، والمشروع المتوسّطي، ومشروع الاتّحاد من أجل المتوسّط، وممرّ السلام الياباني، وغيرها من المشروعات. وقد ترافق ظهور هذه المشروعات في فترات مختلف ة من العقود الأربعة المشار اليها سابقًا مع جهدٍ فكريّ لبلورة الإجابة عن السؤالين السابقين، ولكنها تس عى إلى تقديم تصوّرات ل "البنية أو الشكل" الجديد للمنطق ة طبقًا لتوجّهات الدولة الموجِّهة لهذه المشروعات الفكريّة52. ويمكن اعتبار مشروع الشرق الأوسط الكبير الم رشوع الأكر اندفاعًا نحو التحقّق (كما سنوضّ ح)، ولا سيمّا أنّ الدولة الأعظم هي التي كما س تتبنّى هذا المشروع، كما أنّ كثيرًا من معالم المشروع -نوضّ ح - تعكس آليّات الاختراق التي أتينا على مناقشتها في الصفحات السابقة.
من الضروريّ بداية تحديد "الشرق الأوس ط" في المنظور الأميركيّ، إذ نجد أنّ معهد الشرق الأوسط في واشنطن يطابق بين الشرق الأوسط والعالم الإسلاميّ، بينما تحدِّده وزارة الخارجيّة الأميركيّة بأنّه "المنطقة الممتدّة من شمال أفريقيا والهلال الخصيب ودول الخليج"، ويستثني التحديد تركيا، بينما تشتمل مسؤوليات القيادة المركزيّة في تقسيمات وزارة الدفاع الأميركيّة دول القرن الأفريقي ومصر والس ودان والأردن وإيران والعراق وأفغانستان وباكستان، وهو ما يعني أنّ الشرق الأوسط ليس مفهومًا جيوسياسيًّا أو جيوس رت اتيجيًّا مح دّدًا، وإمنّ ا يضيق ويتّسع تبعًا لنطاق المصالح الإستراتيجيّة العليا، وهو أمر تؤكِّده تباينات تعريفات الإقليم في الموس وعة الفرنسيّة عن تعريفات المعهد
المل ك البريطانيّ أو التعريفات الإسرائيليّة، غير أنّ تقس يم الإقليم إلى مركز Heartland وحواف periphery، يش ري تقريبًا إلى أنّ المنطقة العربيّة تقع في معظم التعريفات الغربيّة في القلب أو المركز53. ودون الع ودة إلى مقدِّمات ظهور هذا الم رشوع (كمشروع الشرق الأوسط الذي طرحه شمعون بيريز عام 993 1)54، فإنّ أوّل ذكرٍ لفكرة الكبير جاءت في دوريّة الشرق الأوسط Joint Force Quarterly عام 1 56 من خلال سلسلة وثائقيّة وتحليليّ 995 ة للمفهوم، وتمحورت كلّها حول فكرة محدَّدة هي توسيع نطاق عمل القيادة العس كريّة الأميركيّة الوسطى لتمتدّ نحو آسيا الوسطى، وتقوم الأفكار الرئيسة على الربط بين الشرق الأوسط التقليديّ (الصغير) ودول آسيا الوسطى والدول المحاذية لها في باكستان وأفغانستان، ويتمثّل هذا الترابط في57: الثورة النفطيّة في الخليج العربيّ وحول بحر قزوين وآسيا الوسطى. شبكة الأنابيب النفطيّة العابرة لروسيا وإيران وتركي ا والهند وباكستان وأفغانستان. تنشيط طريق الحرير الجديد لربط آسيا بأوروبا من خلال التنسيق المشترك بين الصين وإيران. هذه المنطقة فيها أكبر عدد من الدول النوويّة (روسيا، الصين، الهند، باكستان، إسرائيل، فضالً عن الهواجس من المشروع النووي الإيرانيّ.) تشكيل تركيا لمفصل يربط ب ني المنطقة ومنطق ة عمل الحلف الأطلسي. طغيان الطابع الإسلاميّ على هذه المنطقة من الناحية الثقافيّة، مع تزايد في مكانة الإسلام السياسي. وتعزَّز الجهد الفكري الخاصّ بإس رت اتيجيّة الشرق الأوس ط الكبير بالدراسة التي أنجزها معهد بروكنغز ع ام 997 1 58، ثمّ نشر معهد بحوث السياسة الخارجيّة الأميركيّ دراسة مستقبليّة بعد ذاك بعامين عن الشرق الأوسط الكبير واشتملت على س يناريوهين؛ أحدهما متشائم يفترض استمرار النظم الس لطويّة والحروب، والآخر متفائل يف رت ض تطوّرًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا في الشرق الأوسط الكبير59، وعادت فكرة الشرق الأوسط الكبير لتبرز بصورة رسميّة في اجتماع مجلس الناتو في براغ عام 0032 عندما تقدَّم المندوب الأميركيّ نيكولاس بيرنز بورقة تحت عنوان "الناتو والشرق الأوس ط الكبير"، وجاء فيها ما نصّه "إنّ على الناتو أن يتّجه جنوبًا وشر قًا ليغطّي نشاطه الشرق الأوسط الكبير"، وقد جاء النصّ على النحو التالي:
NATO’s mandate is still to defend Europe and North America. But we don’t believe we can do that by sitting in Western Europe, or Central Europe, or North America. We have to deploy our conceptual attention and our military forces east and south. NATO’s future, we believe, is east, and is south. It’s in the Greater Middle East.
وتوالت التأكيدات الأميركيّة والأوروبيّة بعد ذلك للمشروع على لسان الرئيس بوش في شباط / فبراير 0042، كما بحث وزراء خارجيّة الاتحاد الأوروبيّ في آذار / م ارس عام 2 موضوع الشرق الأوس 004 ط الكبير، وبحثه اجتماع مجموعة الثمانية G.8، وصوالً إلى تصريحات كونداليزا رايس التي أشرنا إليها سابقًا.
مضمون مشروع الشرق الأوسط الكبير
ينطوي المشروع في أبعاده الرئيسة الواردة في الدراس ات التي أشرنا إليها على تصوّرات تقوم في هدفها النهائي على الاختراق بطرقٍ مختلفة لبنية المنطقة باتّجاه إعادة تشكيلها، ولعلّ أبرز المحاور تظهر في الآتي:
أ. البعد السياسي، ويتمثّل في ما يلي:
العمل على تطوير نظم ديمقراطيّة مع إي الء أولويّة ل "القوى الإسلاميّة" المعتدلة، ولعلَّ مساعي مؤسّسة راند الأميركيّة واضحة في هذا المجال، فقد أشر نا في الصفحات السابقة إلى تقريرها في هذا المجال (انظر الهامش 41)، كما كانت المؤسّس ة قد أنجزت تقريرًا آخر ع ام 2 عن التوجّه نفس 003 ه، ويتبَّينَّ لنا من خلال هذه المساعي التركيز على "إضعاف الإس ال مييّن المعادين
للولايات المتّحدة، وتش جيع الليبرالييّن والحداثييّن، والعمل على نشر الإنتاج الفكري للمؤيديّن للولايات المتّحدة في المنطقة وتوزيعه، وتشجيع الشباب الليبرالي على الكتابة لوسائل الإعلام، وإدخال الفكر الليبرالي في مناهج التعليم الديني، وإيجاد منابر (كالفضائيّات) ليعرض الليبراليّون أفكارهم من خلالها، وتنبيه الشباب إلى التاريخ العربيّ قبل الإسلام أو التاريخ العربيّ المنفصل في تطوّره عن التراث الإسلاميّ، وتشجيع منظمّات المجتمع المدني، وتعزيز التباينات بين الإس ال مييّن والق وى التقليديّة (كالأقلّيات والقبائل وزعماء الريف)، والعمل على تشجيع التعاون بين الليبراليّ ني والتقليديين، وتش جيع المبادئ الفقهيّة التي تساند السلّام مع إسرائيل، وتشجيع الطرق الصوفيّة، وربط "المتطرّفين" بحركات غير شر عيّة، والتأكيد على عجز القوى المتطرّفة عن إدارة الدول، وتعزيز مش اعر الدونيّة لدى المنتمين للحركات المعادية للولايات المتّحدة، وتشجيع ن رش الفضائح التي قد يقع فيها الإس ال ميّون المعادون للولايات المتّحدة، وتعزيز الانشقاقات في صفوف الإسلامييّن، وتأكيد فكرة أنّ فصل الدين عن الدولة يؤدّي إلى تعزيز الدين..إلخ. العمل على تسوية النزاع العربيّ الصهيونيّ بصفة خاصّة من خلال الضغط المستمرّ على القوى المقاومة للسلام مع إسرائيل. تطوير التنسيق الأوروبيّ الأميركيّ في معالجة مشكلات المنطقة. ينطوي المشروع على تصوّرٍ يطالب بإعادة رسم الحدود السياسيّة في المنطقة للتناغم مع الحدود الاجتماعيّ ة، إذ إنّ التنوّعات الإثنيّة في الشرق الأوسط الكبير هي المس ؤولة - في رأي بيرنز - عن التوتّ رات في المنطقة، ولِلَجم هذه التوتّرات لا بدّ من إعادة تشكيل المنطقة لتطابق حدودها الاجتماعيّة (التنوّعات اللغويّة والطائفيّة والقوميّة واللغويّة..إلخ) مع الحدود السياسيّة، وهو أمر يتّسق مع فكرة الدولة اليهوديّة التي يطالب بها رئيس الوزراء الإسرائيليّ نيتنياهو.
ب. البعد العسكري
ويتمحور حول: توسيع نطاق عمل حلف ش امل الأطلسي ليتّج ه جنوبًا وشرقًا (وهو ما تعزَّز بالهجوم على ليبيا عام 012 2). إع ادة توزيع القوّات الأميركيّة في المنطقة بما يتلاءم مع المهامّ ت الجديدة.
ج. البعد الاقتصادي والاجتماعي
ويتمثّل في التصوّرات التالية: تعزيز الانفتاح الاقتصادي وتنمية القطاع الخاصّ في دول الشرق الأوسط الكبير. التأكيد على إعادة النظر في مناهج التعليم في المنطقة. التأكيد على حقوق المرأة. تسهيل دخول دول المنطقة في منظمة التجارة العالميّة. أولويّة النموّ الاقتصاديّ على عدالة التوزيع.
الخلاصة
نظرًا إلى تباين مستويات التطوّر في النظم السياس يّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة بين الدول العربيّة، فإنّ شبكة تفاعلاتها تتباين من دولةٍ إلى أخرى، امّ يترتّب عليه تباين في مستويات الاختراق الأجنبي للدولة أو التغلغل فيها أو النفوذ عليها طبقًا لما أوضحناه في بداية البحث. غير أنّ النظر إلى المنطقة العربيّة كبنية مترابطة، يكش ف عن مستوى عميق من الاختراق العسكري والسياسيّ والاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يُفقد المنطقة كنظامٍ إقليميّ القدرة ع ىل التخطيط المستقلّ، كما يجعلها أسيرة الخلافات البينيّة بقدرٍ يسهّل على القوى الخارجيّة التسلّل من خلال شقوق البنية الإقليميّة للتلاعب بها. وتسعى دول الاختراق والتغلغل إلى ضمان التدفّق الطاقوي لأسواقها، وضمان الأمن الإسرائيليّ، وتوظيف قدرات المنطقة في تنافس القوى الدوليّة المختلفة.