أهداف الولايات المتّحدة واستراتيجياتها في العالم العربيّ
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى تحديد مصالح الولايات المت حدة وأهدافها ف ي المنطقة العربيّة من خلال العمل على الإجابة عن سؤالين رئيسين: الأوّل، ما هو الاختلاف بين إدارة أوباما وسابقاتها في ضوء وعودها بالتغيير، خاصة بعد التحولّات المأساوية التي تعصف بالمنطقة العربيّة حاليًّا؟ والثاني، إلى أيّ مدى تعكس إستراتيجية هذه الإدارة، دبلوماسيتها العامّة بشأن الديمقراطية والحرّية والعدالة في المنطقة؟ (لا تتطرّق الدراسة إلى الموقف السياسي الكامن وراء السياسات، بما فيها دور مجموعات الضغط.) تبيّن الدراسة كيف يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع رفع أوباما سقف التوق عات عندما لم تقتصر وعوده على تغيير سياسة الولايات المتحدة من جهة، والمجتمع والف رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار الخارجية فحسب، وإنما شملت وضع حدٍّ للعقلية التي دفعت بواشنطن إلى الحرب. فعلى تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله الرغم من اختلاف الأسلوب والمنهج لدى إدارة أوباما عن سلفه بوش الابن، إلا أنّ الأهداف عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة الكل ية والإستراتيجيات الإقليمية ل ل إدارة الجديدة بقيت منسجمة مع المبادئ الأميركيّة في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى التقليدية في المنطقة التي تتلخ ص في ثلاث مصالح رئيسة: أولوية ضمان حرّية الوصول درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن إلى مصادر الطاقة في المنطقة، والحفاظ على تفوّق الولايات المت حدة على جميع أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ نيَّة لا تزال فكرة الحكم الس لطاني - الذي يغلب ثقافة القوى الدولية والعالمية، واحتواء جميع قوى الممانعة العربيّة لضمان سيطرة الأجندة على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. الإستراتيجية الأميركيّة في المنطقة العربيّة، ومن بينها ضمان أمن إسرائيل.
مقدّمة
في مطلع ولايته الأولى، تعارضت سياسة أوباما مع توجّهات س لفه الجيوس رت اتيجية بشدّة، ولاسيمّا تلك المتعلّقة بنشر القوّات البرّية واستخدام القوّة النارية في الشرق الأوسط الكبير لفرض التحوّل في العالم العربيّ بالإكراه والاحتلال المباشر. رحّبت شعوب المنطقة وحكوماتها إضافةً إلى العالم قاطبةً، باس تثناء إسرائيل، بوعود التغيير في مجال السياسة الخارجية والقطيعة النهائية م ع عقيدة بوش القاضية بتفرّد الولايات المتّحدة، في الوقت الذي تستطيع فيه العمل مع أطرافٍ متعدّدة، ولم يكن العرب استثناءً. إذ كان الكث ري منهم توّاقًا لرؤية نهاية عهد بوش ومعجبًا بمس ري ة باراك أوباما، الرجل الأسود الذي ارتقى اجتماعيًّا، حتّى أصبح رئيسًا للقوّة العظمى الوحيدة في العالم، بعد أن كان ناش طًا منظاّمً للمجتمعات المحلّية الفقيرة.
أمّ ا خُطب الرئيس أوباما الثلاث الرئيس ة الموجّهة إلى العالمين العربي والإس ال ميّ التي ألقاها خلال سنته الرئاسية الأولى، فقد رأت فيها واش نطن وعواصم أخرى تحواّلً عن عهد بوش، وتأكيدًا على استعداد الإدارة الأميركيّة الجديدة لفتح صفحةٍ جديدةٍ مع العالمين العربيّ والإسلاميّ قائم ة على الاحترام والمصالح المتبادلة. بيد أنّ هذه الكلمات البرّاقة لم تترافق مع أيّ فعلٍ ملموسٍ أو مح دّد. ففي الوقت الذي عُرف فيه بوش بتعرثّاته السياسية الك رب ى، افتقر الرئيس أوباما عند تسلّمه مهامّه، إلى أيّ سياسة محدّدة، ولم يكن يملك الوضوح المطلوب للتعبير عنها. في نهاي ة عام 2، بدا العالم العربيّ مفتقرًا للقي 010 ادة، غارقًا أبدًا في الركود والاستقطاب والاضطهاد. وواصل المستبدّون العرب تسابقهم سعيًا لاس رت ضاء الولايات المتّحدة التي احتوتهم ضمن نظامها الإقليمي الفوضوي. وأغفلت واشنطن تمامًا التغّيرّ ات التي هزّت المنطقة تمامًا، نظرًا لتعاملها الطويل مع المنطقة من منظور النفط وإسرائيل و"الحرب على الإرهاب." لكن ذلك لم يمنع إدارة أوباما من أن تدَّعي بوقاحةٍ في البداية، أنّ الفضل في انط ال ق الثورات العربيّة الس لميّة إمنّ ا يعود إليها؛ بل سرّبت إلى الجسم الإعلامي في واشنطن لدى اندلاع الانتفاضات، أنها منهمكةٌ في وضع اللمسات الأخيرة على الأجندة الرسمية للديمقراطية للعالم العربيّ. ونسب العديد من الخبراء النافذين "إس رت اتيجية أوباما في عدم التدخّل وخطاباته "الملهمة" إلى نهوض الحركات الديمقراطية الشبابية.
تأسيس نموذج الاختلاف
الدبلوماسية العامّة للولايات المتحدة وإستراتيجيتها في العالم العربيّ
لطالما شهدت سياسة الولايات المتحدة الأميركيّة تعارضً ا بين إس رت اتيجيتها في العالم العربيّ ودبلوماسيتها العامّة فيه. فطوال نصف القرن المنصرم، تبنّت الولايات المتحدة مكافحة الشيوعية وروّجت لها علنًا (ترومان، وأيزنهاور، ونيكسون.) ودافعت عن حقوق الإنسان (كارتر) والتحرّر (ريغان) والس الم (كلينتون) والحرّية (جورج بوش). وفي الوقت نفسه، حرّضت واشنطن على تدبير الانقلابات على قادةٍ وطنييّن منتخبين، ودعمت أنظمةً قمعية وساندت الاحتلال العسكري، كما ش نّت حروبًا وعمليّاتٍ عسكريّةً سرّيةً غير شر عيةٍ في المنطقة. إذ اعترفت كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الرئي س بوش في كلمتها في القاهرة 005 2 بما يلي:
لقد س عت بلادي - الولايات المتّحدة - لمدّة 06 عامًا إلى بسط الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة من الشرق الأوسط، ولكنها لم تحقّق أيًّا منهما.
عندما تبوّأت الولايات المتحدة موقعَ القوى الاستعمارية الأوروبيّة منذ أكر من نصف قرن، دأبت باس تمرار على تعزيز تدخّلها الإستراتيجي في المنطق ة الذي بلغ ذروته في حريبَ الخلي ج الأولى 991()1 والثانية 003(2.) وحافظت واشنطن على ثبات أهدافها حتّى عندما عمدت إلى تغي ري خطابها أو إس رتاتيجيتها أو تحالفاتها، فحدّدت أهدافها في عقيدتها المعلنة وركّزت على النهوض بمصالحها الجيوسياسية. وبغية
تنفيذ تلك الأهداف، كان عليها أن تبقي على أس طولها وقواعدها وانتشار قوّاتها في المنطقة لحماية وجودها الدائم فيها، وإبعاد الاتحاد السوفياتي والقوى الأخرى عنها، وصدّ موجة القومية العربيّة (والمدّ الإسلاميّ لاحقًا.) وقدّمت واشنطن مصالحها الاقتصادية بصورةٍ ملحوظة، ما ضمن لها امتياز الوصول بحرّية ومن دون عوائق إلى مصادر الطاقة في المنطقة. إذ أعلن الرئيس أوبام ا في كلمته في 9 1 أيار/ مايو 011 2:
على مدى عقودٍ من الزمن، انتهجت الولايات المتّح دة العمل على مجموعة من المصالح الجوهرية في المنطقة، هي مكافحة الإرهاب ووقف انتشار الأسلحة النووية؛ وضمان حرّية حركة التجارة؛ وضمان أمن المنطقة؛ والذود عن أمن إسرائيل؛ والسعي لسلامٍ عربيّ إسرائيليّ.
وقد غذّت الولاي ات المتّحدة منذ منتصف القرن العشرين، معارك لا تُع دّ ولا تُحصى في العالم العربيّ، متذرّعةً بدايةً بالحرب الباردة ضدّ الشيوعية، ثمّ بمكافحة القوميّة العربيّة لتحمي حلفاءَها وعملاءَها ولإبعاد القوى العالمية والإقليمية الأخرى عن المنطقة. وكان على العرب أن يختاروا في كلّ عقدٍ تقريبًا، بين واش نطن وأحد "الأشر ار" الإقليمييّن الذين تحدّدهم واشنطن. وانقسموا بالتالي وفقًا لتأييدهم لعبد الناصر في مصر في أوائل الستينيات، ولعرفات في فلسطين في أوائل السبعينيات، وللخميني في إيران في أوائل الثمانينيات، ولصدّام حس ني في العراق في التسعينيات، ومن ثمّ بن لادن في أفغانستان في عام 001 2. وللمفارقة، لم تت بنَّ الولايات المتّحدة يومًا "سياسةً عربيّة" رس ميّةً قائم ةً بذاتها، على الرغم من تدخّلها الطويل في المنطقة ووجود من يُعرف ب"المستعربين" في وزارة الخارجية، فهي قد اعتمدت في الواقع، الإس رت اتيجية الإمبريالية الكلاس يكية "فرّقْ تَسُدْ" بالتعاون مع عملاء إقليمييّن، عرب وغير عرب. نبذت واشنطن تقليديًّا الوحدة العربيّة، إذ رأتها فكرةً خياليةً تحمل تهديدًا، كما رفضت الأيديولوجيا الخطرة للقوميّة العربيّة. كما نظرت إلى الإسلام السياسي نفسه بصفته تهديدًا وأرضيّةً خصبةً للأفكار المعادية للغرب. صحيح أنّ الإدارات المتعاقبة للولايات المتّحدة أطلقت شعاراتٍ ورواسم عن الديمقراطية والإسلام، إلا أنّها أبدت دومًا لامبالاة تجاه شعوب المنطقة وتجاه طغاتها، إذ استحوذت مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية و"أمن إسرائيل" على جلّ اهتمامها، تاركةًالعرب تحت وطأة أنظمتهم. وعندما كانت الإدارات الأميركية تدعو للديمقراطية، كانت تروّجها كدبلوماسيّةٍ عامّةٍ تعزّز "القوّة الناعمة" للولايات المتحدة. وكانت تسوّقها "سلعةً" جاهزةً متوفّرةً لدى وزارة الخارجية الأميركية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية والمنظمّات غير الحكومية التابعة لهما، بغية تشييدها على أنقاض السيادة الوطنية. من ناحيةٍ أخرى، سرعان ما أثبت غزو العراق وأفغانستان واحتلالهما، أنّ اللجوء إلى "القوّة الصلبة"، من خلال شنّ الحروب في سبيل تعميم الديمقراطية الأميركية، لم يكن سوى مهزلة. إذ أصيبت الإدارة الأميركية بالإرباك نتيجة الانتخابات في مصر وتونس والمغرب، فاحتارت بين اعتمادها القوّة الناعمة أو القوّة الصلبة، تمامًا كما تجاهلت في الماضي الانتصارات الانتخابية للجبهة الإسلاميّة للإ نقاذ في الجزائر ولحماس في فلسطين، إضافةً إلى الحكومة الائتلافية التي يش ارك فيها حزب الله في لبنان. وكانت واشنطن قد استاءت أيضًا من نتائج الانتخابات في العراق وأفغانستان. كلّ ما سبق، حال دون أن يثق العرب بالخطاب الأميركيّ بشأن الديمقراطي ة، علامً أنّ حكوماتٍ نيابيةً عربيّةً تمثيلية، ستكون أقلّ استعدادًا لقبول الإم ال ءات الأميركي ة، وأكر ميلًا لمعارضة محور الولايات المتّحدة - إسرائيل. فقد أكّدت استطلاعات الرأي باستمرار عداء العرب لخطط واشنطن في المنطقة، إذ رأى نح و %80 ممّن شملهم الاس تطلاع، أنّ تدخُّل الولايات المتّحدة العسكري عزّز الإرهاب وقلّص فرص السلام، بينما شكّك %70 منهم، في صدق نيّتها في تعميم الديمقراطية، وأرجعوا دوافعها إلى طموحها لتحقيق الس يطرة الإقليمية. ولو أنّ تحالفًا يضمّ الدول الإس ال مية غزا كندا والمكسيك واحتلّهما، لغضب الأميركيّون حتم1.
موجز تاريخي ضروري
قامت الإس رت اتيجية الأميركيّة في المنطق ة العربيّة منذ لحظة تدخّلها الكثيف فيها، على دعامتين هما: احتواء التوسّع السوفياتي، وضمان تدفّق النفط الرخيص. فقد أقرّ الرئيس ترومان بأهمية نفط الخليج في خطاب ه أمام الكونغرس في 24 أيار/ مايو 951 1، إذ أعلن أنّ الشرق
الأوس ط "يحتوي على نصف احتياطيات النفط في العالم"، وحذّر أيضًا من الضغوط السوفيتيّة في هذه المنطقة المضطربة. في النصف الأوّل من خمسينيات القرن الماضي، راهنت أميركا على ما يسمّى الدول العربيّ ة "المعتدلة." فأوصى ترومان بمستويين من التحالفات العسكرية الإقليمية: قيادة الشرق الأوسط المستوحاة من النموذج البريطانيّ، ومنظّمة الدفاع عن الشرق الأوسط التي عُرفت أيضً ا بحلف بغداد. وشمل هذا التحالف تركيا والع راق المَلَكيّة (الخارجة عن الصفّ العربيّ) وباكستان، وانضمّت إليه إيران لاحقًا ع ام 955 1. ورفضت مصر هذا الحلف؛ في حين تفاقم الوضع عام 955 1 بسبب الغارات الإسرائيليّة على غزّة التي كانت حينها تحت السيطرة المصريّة. وحذا الرئيس أيزنهاور حذو ترومان، ووثّق إلى ح دٍّ كبيرٍ العلاقات الأميركية مع الحلفاء العرب، وخفّف الاعتماد على بريطانيا من دون المساس بمستوى العداء لمصر القومية العربيّة، ووسّع الدور العسكري الأم ري كي في المنطقة معزّزًا تدخّل بلاده فيها، بغية مواجهة التهديدات الخارجية العدائية. وقد تخيّلت عقيدة كلٍّ من أيزنهاور وترومان دورًا رئيسً ا للحلفاء العرب في حماية المصالح الأميركية وفي مواجهة الاتّحاد السوفياتي في المنطقة، ودورًا صغيرًا غ ري مهمّ لإسرائيل. وبالفعل، وفي أعقاب الهجوم الثلاثي الذي شنّته إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر عام 9561، ضم أيزنهاور صوته إلى الاتحاد السوفياتي للمطالبة بإعادة جميع الأراضي المحتلّة إلى مصر، وإجبار إسرائيل على الانس حاب إلى الحدود الدولية. استحالت عقيدة أيزنهاور بما تشمله من طلبٍ لسلطاتٍ استثنائيةٍ تسعى إلى الحدّ من تنامي النفوذ السوفياتي في المنطقة، قانونًا أقرهّ الكونغ رس الأميركي في آذار/ مارس 957 1؛ ما أدّى إلى تعزيز علاقات الولايات المتّحدة بالمملكة العربيّة السعوديّة والأردن ولبنان والعراق بغية مواجهة سورية ومصر، وللحدّ من التدخل المصريّ في اليمن. وبدأت السياسة الخارجية الأميركيّة تولي البلدان المعنيّة اهتمامًا خاصًّا، من خلال تدخّلها المباشر في لبنان لصالح الرئيس كميل شمعون ضدّ ما وصفه بالدعم الس وريّ لتمرّد عام 958.1 وساهمت الولايات المتّحدة أيضًا في زعزعة التحالف السوريّ الم رص يّ وتبديد تقارب البلدين مع الاتّحاد السوفياتي. فتناولت بعض التقارير تواطؤ الولايات المتّحدة للإ طاحة بعبد الكريم قاسم، فيما أكّدت تقارير أخرى علم الولايات 1 دون أن تحرّك ساكنًا. إلا أنّه منعًا لأيّ التباسٍالمتحدة بانقلابات 963، لن تتطرّق الدراسة لتلك الانقلابات. وقد قدّم ت الولايات المتّحدة مساعداتٍ جديدةً للأردن وفق عقيدة أيزنهاور، بعد أن أحبط الملك حسين العملية الديمقراطية في مملكته وألغى نتائج انتخابات 957 1.
الحروب بالوكالة والصراع العربيّ الإسرائيليّ
نتيجةً للمحاولات الفاش لة لاحتواء معسكر القومية العربيّة في أوائل الستينيات، بما فيها فشل التقارب مع مصر الناصرية، اضطرّت واشنطن إلى إنشاء علاقات أوثق مع إسرائيل. تدخّلت الولايات المتحدة في شؤون المنطقة منذ الخمسينيات، لبسط نفوذها عليها بدالً من الدول الأوروبي ة الحليفة الآفلة بغية احتواء التأثير المتنامي للقومييّن العرب والنفوذ السوفياتي، والتزامًا منها نحو إسرائيل. واعترفت حكومة أشكول بالولايات المتّحدة قوّةً عظمى صاعدة، وراعيًا إس رتاتيجيًّا محتمالً لها، بديالً عن النفوذ الآفل لراعييْها الاستعماريّينْ بريطانيا وفرنسا. لقد عربّت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن ذلك أفضل تعبير قبل حرب 1 بعامٍ واحد، إذ حدّدت الأساس الجيوس 967 ياسي لما أصبح العلاقة التبعية الأكر أهمّية في الشرق الأوس ط طوال النصف الثاني من القرن العشرين. صرّح المتحدث باسم الخارجية الإسرائيليّة لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية قائالً:
توصّلت الولايات المتّحدة إلى استنتاج مفاده أنّه لم يعد بإمكانها الردّ على جمي ع الأحداث في العالم، وعليها أن تعتمد على قوّةٍ محلّيةٍ تكون بمنزلة قوّة ردعٍ صديقة تشكّل خطّ الدفاع الأوّل الذي يدرأ مخاطر التدخّل الأميركيّ المباشر. وتشعر إسرائيل أنّ هذا التعريف ينطبق عليها2.
ومنذ ذلك الحين، دعمت العقائد الرئاس ية الأميركية عمومًا إسرائيل وإيران، والسعودية لاحقًا، على حساب العالم العربيّ، ووسّعت حدودها الجغرافية والإس رتاتيجية - الاقتصادية. إالّ أنّ هناك عاملينْ إس رتاتيجيّينْ عجلّا حرصها على بناء علاقةِ تبعيّةٍ جديدة مع إسرائيل: أوّلهما، تمتُّع إسرائيل بالتفوّق العسكري على جميع جيرانها قبل عام 1؛ وثانيهما، اس 967 تغلال ما تتيحه قوّة إسرائيل لعرقلة نفوذ الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط عن طريق تدمير جيوش حلفائه وعملائه وتجهيزاتهم السوفياتية3.
في أعق اب حرب 1، أُعجب الرئيس جونس 967 ون بنجاح إسرائيل في هزيمة عميلينْ س وفياتيّينْ، هما سورية ومصر، في غضون ستّة أيامٍ فقط، مستخدمةً أسلحةً أميركيّةً وغ ري أميركيّة. بع د تلك الحرب، منحت واشنطن إسرائي ل دعامً سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا غير مسبوق، وباتت ترى العالم العربيّ من منظور إسرائيل والصراع العربيّ الإسرائيليّ. وغدا واضحًا أيضًا أنّ سياستها تجاه العالم العربيّ ستكون رهينة حسابات واشنطن للحرب الباردة. لم يُبدِ الرئيس الأميركيّ نيكسون اهتمامًا خاصًّا بالعلاقات الإستراتيجية بإسرائيل. بل إنّه، وفقًا لمستش ار الأمن القومي هنر ي كيس نجر، رأى في نصر عام 967 1 كسبًا للسوفييت الذين "أصبحوا أصدقاء العرب في ح ني تحوّلت الولايات المتّحدة إلى عدوٍّ لهم." وشبّه نيكس ون في خطابٍ ألقاه في 72 كانون الثاني/ يناير 969 1، الشرق الأوسط "ببرميل بارودٍ ش ديد الانفجار" لأنّه كان يعتقد "أنّ الانفجار القادم في الشرق الأوس ط قد يتضمّن مواجهةً بين القوى النوويّة". ولكن إذا قُدِّر لذلك أن يح دث، كان على الولايات المتّحدة الأميركيّة أن تستعدّ لمواجهة أيّ تحدّياتٍ إس رت اتيجية قد تبرز في المنطقة. ولم يدعم كيسنجر، ولا نيكسون لاحقًا، خطّة وليام روجرز الدبلوماسية من أجل حلّ الصراع العربيّ الإسرائيليّ على أس اس قرار الأمم المتّحدة 242، علامً أنّ روجرز كان وزير خارجية الولايات المتّحدة وقتذاك. وأسرّا للقادة الإسرائيلييّن األا يلقوا بالً لتلك الخطّة حتّى ولو وافق عليها عبد الناصر4.
النفوذ الإقليمي
ضمنت واشنطن التفوّق العسكري لإسرائيل وإيران وتبنّتْهما "شرطيّينْ إقليميّْينْ" أو "نفوذين إقليميّينْ" بغية إضعاف النظام القومي العربيّ والتحالف السوفياتي العربيّ. يُعرف ذلك التوجّه أيضًا بعقيدة نيكسون التي حَدّدتْ على مدى عقدٍ من الزمن 979-1969()1 سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وُضعت عقيدة نيكس ون عام 9691 نتيجةً لتنامي المعارضة الداخلية في الولايات المتّحدة بسبب تدخّلها العسكري في فيتنام، بهدف الحدّ من تدخّل الولايات المتّحدة المب اشر في الخارج، من خلال بناء تحالفاتٍ إقليميّةٍ تتوىلّ الدفاع عن المصالح الأميركيّة الحيويّة في جميع أنحاء العالم. ولقد أدّت هذه العقيدة في الشرق الأوس ط، إلى تفويض دولتينْ، ه ام إسرائيل وإيران، للدفاع عن مصالح الولايات المتّحدة في المنطقة. أمّا دور إيران الشرطي الإقليم ي في منطقة الخليج، فتقرّر حين أعلنت بريطانيا نيّتها الخروج منها في مطلع الس بعينيات. بينما تعزّز الدور المماثل لإسرائيل عندما تع اون الإسرائيليون لإنقاذ عرش الملك حس ني إبّان أزمة عام 970 1 حين أوشك مقاتلو منظّمة التحرير الفلسطينيّة المدعومون من سورية على الإطاحة به5. تجاهلت الولايات المتّحدة اقتراحات الرئيس المصريّ أنور الس ادات عام 971 1 بشأن س ال مٍ يقوم ع ىل تنفيذ قرار مجل س الأمن 242، وأصرّت ع ىل ألا تقدّم إسرائي ل أيّ ردٍّ إيجابيٍّ م ا لم تخرج مصر من الفلك الس وفياتي. صحيح أنّ عقيدة نيكسون - كيسنجر التي ارتبطت بفيتنام بصورةٍ رئيسة، حدّدت إستراتيجية "الفتنمة" - أي جعل فيتنام الجنوبي ة تتوىلّ مهمّة الحرب مع فيتنام الش املية بدالً من الولايات المتّحدة - في تسليح وكلائها الإقليميين ودعمهم بغية تنفيذ سياستها وصيانة مصالحها وش نّ حروبها، ولذلك جعلت إسرائيل حجرَ الزاوية في سياستها تجاه المنطقة العربيّة. فقد ادّعى كيسنجر أنّ نيكسون أراد تعزيز قوّة إسرائيل فقط "لأنه لم يرغب في أن تضطرّ الولايات المتحدة إلى خوض معارك إسرائيل." وقال كيسنجر إنه عندما أصبح السوفييت أكر تورّطًا (في "حرب الاستنزاف" المصريّة:)
كان علينا مواجهة السوفييت والمتطرّفين الع رب، وإلا لبدت التنازلات الإسرائيليّة وكأنها نتيجة تدخّل القوّات السوفياتية6.
يعّبرّ الردع الإسرائيلي للتدخّل السوريّ أو للانتصار الفلس طينيّ في أزمة 970 1 في الأردن، "عن نموذجٍ للخدمات الإس رت اتيجية التي يمكن [لإسرائيل] تقديمها للولايات المتّحدة." وكان ذلك بمنزلة الدليل الحاسم على قدرة إسرائيل على أداء الدور الإقليمي الذي تطلبه منها الولايات المتّحدة. وقد حاول كيسنجر التخفيف من الأذى المحتمل الناجم عن الأع ام ل الإسرائيليّة؛ إلا أنّه ب دالً من ذلك، عربّ ع ن إيمانه بالأهمّية الإستراتيجية لإسرائيل من خلال رفعه التوصيات التالية:
ضمان الردع الإسرائيلي، وتزويدها بالأسلحة على المدى الطويل، والتعهّد بعدم إجبارها على الخضوع لتس وية لا ترتضيها، وجعل مساعي روجرز المتواصلة "عقيمة" وتقليصها لتقتصر على ترتيبات جزئيّة7.
ونجمت عن ت ورّط إسرائيل كوكيل للولايات المتّحدة في حرب 9731، آثارٌ مأساوية. إذ اقتنع كيس نجر في تشري 9 ن الأوّل / أكتوبر 973 1
أنّ "إسرائيل تعرّضت لهزيمةٍ إس رتاتيجية بغضّ النظر عامّ ستؤول إليه الأحداث"، فباتت أكر اعتمادًا على حماية واشنطن وعلى مساعدتها المب اشرة، وذلك أكر م ن أيّ وقتٍ مضى، من أج ل القيام بالمهمات التي توكلها إليها الولايات المتحدة. فهزيمة إسرائيل الإستراتيجية، تعني هزيمة الولايات المتّحدة. وقد دعا كيسنجر الولايات المتّحدة الأميركية وقتئذٍ إلى "إعادة تقييم جوهرية للإ س رت اتيجية"، مشيرًا إلى أنّ "هزيمة إسرائيل بواسطة الأسلحة السوفياتية ستكون بمنزلة كارثةٍ جيوسياسية للولايات المتّحدة"8. اتّخ ذت الحكومة الأميركية أثناء حرب 9731 جميع إجراءات التأهّب النووي الضرورية من أجل دعم إسرائيل؛ فزوّدتها بكمّيات كبيرة من الأسلحة الجديدة بواس طة جسرٍ جويٍّ ط ارئ ربطها بالولايات المتّحدة، في الوقت الذي كان فيه القتال دائرًا، وكانت مصر تتقدّم في الجنوب، بينما انشغلت وحدات كبيرة من القوّات الإسرائيلية على الجبهة الس وريّة. تحرّكت إدارة نيكسون - كيسنجر في الأيام الأخيرة للحرب، لوضع القوّات الأميركيّة ولاس يمّا الفرقة 82 المحمولة جوًّا في حالة تأهّب، وأرس لت حاملات طائراتها إلى شر ق البحر المتوسّط، ما أرعب السوفييت حتّى شكّوا في أنّ القيادة الأميركيّة قد أصابها مسّ من الجنون. لا شكّ في أنّ تلك التدابير عربّ ت عن التزام أميركا العميق بضمان عدم هزيمة إسرائيل، وإن كان البعض قد عزا ذلك إلى حسابات داخلية لدى نيكسون تتعلّق بأزم ة ووترغيت؛ إالّ أنّه ا في الواقع عزّزت موقع إسرائيل مقارنةً بوضعها قبل نشوب الحرب. إذ بات من المستحيل على العرب إعلان انتصارهم، وضمنت الولايات المتّحدة حاجتهم للبقاء تحت رحمة الدبلوماسية الأميركيّة بعد الحرب9. بدت سياسة "الخطوة خطوة" التي دشّنها كيسنجر بين إسرائيل ومصر جذّابةً، لأنّها وفقًا لكميل منص ور في كتابه أكثر من تحالف "أتاحت إبقاء العرب، في موقع التوسّل لأطول فترةٍ ممكنة، أمام الولايات المتّحدة التي تملك مفتاح التسوية، وأج رب ت العرب على دفع أغلى ثمنٍ ممكنٍ لواشنطن مقابل استعادة مساحات صغيرة من الأراضي، وسمحت لإسرائيل باستعادة عافيتها تدريجيًّا نتيجة صدمة الحرب، وأتاحت لها تقديرًا دقيقًا للنتائج المحتملة لكلّ خطوةٍ من خطوات كيسنجر، لتستطيع القيام بردٍّ أفضل على الخطوة التالية." وقد أصبح جليًّا منذ منتصف السبعينيات أنّ حساباتٍ إس رت اتيجية أساس يّة تتجاوز الصراع العربيّ الإسرائيليّ، تكمن وراء سياسة واشنطن ومساعي وساطتها، ولا تتعلّق بالسلام بمقدار ما تتعلّق بالمصالح10.
عزّزت الولايات المتّحدة ش بكة وكلائها من خلال دعم عملائها العرب غير الديمقراطييّن وتسليحهم، مقابل تأمين خدماتٍ إستراتيجية وأمنية واستخباراتية ودبلوماسية واقتصادية. عُرفت تلك الأنظمة بالأنظمة "المعتدلة" بغضّ النظر عن نظام حكمها الاستبدادي وانتهاكاتها لحقوق الإنس ان والحقوق السياسية. ولكن النفعية بقيت عامالً ثابتًا في السياسة الخارجية للولايات المتّحدة، لأنّ "الأنظمة الاستبدادية تشكّل محطّةً جامعةً تقدّم جميع الاحتياجات، ما يسهّل كثيرًًا التعامل معها مقارنةً بالمجالس النيابية ووسائل الإعلام غير القابلة للضبط"11. وأصبح "إرهابيًّا" كلّ من رفض اقتراحات الولايات المتّحدة أو مبادراتها، إذ هُوجم أو قُوطع أو أ بعد، بغضّ النظر عن العقي دة أو القاعدة الشعبيّة. كما تبدّلت قائم ة المعتدلين والمتطرّفين بين الحين والآخر، بناءً على "إصلاحات" في سياستهم الخارجية. فعُدّت مصر على سبيل المثال عدوًّا، بدءًا من الخمسينيات حتّى السبعينيات، غ ري أنّها سرعان ما تحوّلت إلى عميلٍ بعد فترةٍ وجيزة من توقيع اتفاقيّات كامب ديفيد عام 979 1.
منظور الحرب الباردة: دول معتدلة وأخرى متطرّفة
مستشارة الرئيس الأميركي ريغان والس بيّنت جين كيركباتريك -فيرة لدى الأم م المتّحدة في ما بعد أنّ واشنطن قسّ -مت العالم العربيّ
في الثمانينيات إلى نوعين من الأنظمة: الأنظمة "الش مولية" والأنظمة "الاستبدادية. وأقامت إدارة ريغان علاقات وثيقة بالأنظمة الاستبدادية بغية القضاء على الأنظمة الشمولية. ارتقت الولايات المتّحدة بمكانة إسرائيل، لتغدق عليها قيمةً إستراتيجية على الرغم من - أو رمبّ ا بسبب - اعتداءاتها المتكرّرة الأحادية الجانب في المنطقة، بما في ذلك قصف المواقع النووية العراقيّة 981()1 واجتياح لبنان 982()1 والقمع الرهيب في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. وأوضح ذلك بول وولفويتز، أحد أقطاب مثقّفي المحافظ ني الجدد في إدارة الرئيس ريغان، حين قال:
لقد استمعت في الأشهر القليلة الماضية إلى هراء كث ريٍ يفيد بأنّ هذه الأزمة بيّنت انتفاء حاجتنا إلى التعاون الإس رت اتيجي مع إسرائيل، بانتهاء الحرب الباردة وزوال الاتّحاد السوفياتي كتهديد رئيس. فقد اندلعت أزماتٌ إقليميّةٌ عدّة في الماضي، ولم يؤدّ فيها الاتحاد السوفياتي أيّ دور، في ام اضطلعت إسرائيل بدورٍ حاسمٍ في حفظ الاستقرار، وقد تندلع أزمات مشابهة في المستقبل12.
أتاحت نهاية الحرب الباردة لواشنطن فرض "س المٍ أميركيّ" جديدٍ في المنطقة. فتحرّكت بسرعة لتنشر نحو نصف مليون جنديّ في منطقة الخليج وطردت القوّات العراقيّة من الكويت بعد اجتياحها لها عام 990 1. ووجد العالم العربيّ نفسه مرّةً أخرى منقسمًا بين العراق والكويت، وانقسمت آراء الدول الأعضاء في الجامعة العربيّة بش أن قرار المشاركة في العمليات العسكرية في العراق، وتساوى عدد الدول الموافقة وعدد الدول المتحفّظة. وأبرزت الحرب دورَ الولايات المتّحدة بوصفها الشرطيّ الوحيد في العالم، كما بيّنت بوضوحٍ قدرتها على توجيه صفعةٍ قويّةٍ إلى الوحدة والنظام العربييّن. بع د فترةٍ وجيزةٍ، تغريّ تصنيف الأنظمة العربيّة من دولٍ استبدادية معتدلة، وأخرى شمولية متطرّفة، ليستبدل في التسعينيّات بدولٍ مؤيّدةٍ أو بأخرى معارضةٍ "لعملية الس ال م" التي ترعاها الولايات المتّحدة، وهي مبادرة إقليمية تحوّلت إلى نظام الأمر الواقع للشرق الأوسط في الف رت ة التي تلت الحرب الباردة. إلا أنّ الفشل المتوقّع للولايات المتّحدة في إنش اء "شر ق أوسط جديد" على مقاس رغباتها ومحسوبٍ على إسرائيل، جعل عملية السلام الأميركي الدائم موضوعًا خلافيًّا. فقد حافظت واشنطن على المظهر الخارجي لعمليّة الس ال م ورأت هي وإسرائيل في كلّ خطوةٍ عربيّةٍ مس بالتوازي -تقلّة، تبديدًا لجهدهما "السلمي." ولكن بعد مرور سبع سنوات وبعد توقيع سبعة اتفاقاتٍ موقّتة، غدا واضحًا أنّ هذا الس الم الدبلوماسي كان غير كافٍ لتحقيق السلام، إلا أنّه ملائم تمامًا لعمليّة أدّت إلى شلّ عملية السلام، بعد فشل قمّة كامب ديفيد عام 000 2 واندلاع الانتفاضة الثانية. وفي غضون ذلك، مهّد انهيار الش يوعية وهزيمة أو فش -ل - التمثيل السياسي للقومية العربيّة العلمانية، الطريقَ لصعود الإسلام السياسي في العالم العربيّ. وقد تبنّى هذا الإس ال م السياسي العديدَ من البرامج القومية العلمانية العربيّة الشعبية والشعبوية، ولاسيمّا مناهضة الإمبرياليّة ومعاداة الاحتلال والهيمنة الإسرائيليّة في المنطقة. وأفسحت هزيمة المشروع الناصري بدءًا من عام 967 1 المكانَ للإ خوان المسلمين، تمامًا كما مهّد الإذلال ال ذي تعرّضتْ له حركة فت ح الطريقَ لحركة حماس، ومثلما سمح تراجع الجبهة الوطنية اللبنانيّة بصعود حزب الله. اتّسمت حقبة التسعينيات برعاية إدارة كلينتون "لعملية السلام." وعلى الرغم من الضجّة المثارة بشأن آفاق تحوّل المنطقة، وعرض ملامح "شر ق أوسط جديد"، فقد فشلت العملية في تحقيق السلام. وبفضل رعاية الأمم المتّحدة للمنتدى الإقليمي، حافظت فكرة عملية الس الم ع ىل زخمها حتّى في فترات توقّف المفاوضات. أمّا المهزلة، فكمنت في تصنيف مؤيّدي عملية السلام الأميركيّة معتدلين بينما صُنّف رافضوها متطرّفين.
"أسرلة" السياسات الأميركيّة في الشرق الأوسط
بع د هجمات 11 أيلول / سبتمبر في نيويورك ع ام 0012، كان على النظام العربيّ أن ينقسم مرّةً أخرى إلى دول "معنا وأخرى ضدّنا" في "الحرب العالميّة على الإرهاب" التي شنّتها الولايات المتّحدة. وقد أوجز بوش عقيدته في خطابٍ شهير له ادّعى فيه أنّ الحرّية في أميركا منوطة بقضيّ ة الحرّية في الخارج. وقُيّض للعقيدة الجديدة أن تطبّق في حربين أساسيّتين تميّزتا بانتشار عسكريٍّ أميركيٍّ واسعٍ في المنطقة بلغ ذروةً جديدةً في ع ام 003.2 وأدّى تطبيق "برنامج الديمقراطية" على ظهر الدبّابات وحاملات الطائرات إلى تدمير العراق وتمزيق نسيجه الوطني وإذكاء الكراهية وتفاقم المشاعر المعادية لأميركا في نهاية المطاف. وأدّى في الوقت نفسه إلى إضعاف التيّار العلماني والليبرالي في المنطقة، كما أدّى إلى التسبّب في وفاة مئة ألف عراقيّ على الأقلّ. حاولت إدارة بوش أيضً ا أن تفرض على وكلائها في المنطقة، انتخاباتٍ ارتأت أنّها قد تؤدّي إلى مزيدٍ من الانفتاح الس ياسي أو "الحرّية" في
بلاد العرب والمسلمين، كما لو أنّ إجراء الانتخابات يُتوَّج بالديمقراطية. واستندت الولايات المتّحدة إلى مصر لإجراء انتخاب ات أكر انفتاحًًا وطلبتْ من إسرائيل أن تسمح لحماس بخوض الانتخابات الفلسطينيّة في الأراضي المحتلّة. إلا أنّ الأمور سارت في اتّج اهٍ معاكس، إذ زُوّرتْ الانتخابات المصريّ ة 006-2005 2 وانتهى المطاف بسجن أغلبية أعضاء المجلس التشريعي الذين ينتمون إلى حركة حماس التي أُطيح بحكومتها بالتواطؤ مع إدارة ب وش. وبطريقةٍ مماثل ة، حثّ بوش المملكة العربيّة السعوديّة على إجراء انتخابات، إلا أنّ الانتخابات التي أُجريت كانت انتخاباتٍ بلديّة لا علاقةَ لها بالسياسة أبدًا. واهت زّت مصداقية بوش في شأن الديمقراطية لدى إشادته بضيفه الرئيس بن علي في أثن اء زيارته البيت الأبيض عام 004 2، إذ رأى فيه حليفًا في الحرب على الإرهاب، وأثنى على الإصلاحات التي قامت بها تونس والمتعلّقة "بحرّية الصحافة"، كما مدح عملية إجراء "انتخابات حرّةٍ وتنافسية" فيها.
وتبدّت ازدواجية القادة العرب في تقديمه م الولاء وتوفيرهم الدعم الضمني والصريح لسياسات بوش في العراق وأفغانستان وفلسطين في سياق "حربه العالمية على الإرهاب"، مقابل تخيلّ الولايات المتّحدة عن الضغط عليهم من أجل التحوّل إلى النظام الديمقراطي. وأدّى فش ل "برنامج الحرّية" الذي يسعى إلى تحقيق الحرّية بواسطة الحرب، إلى تعزيز النظام الاستبدادي في المنطقة بسبب استغلاله التفويض المطلق الذي منحته إيّاه حرب الولايات المتّحدة لقمع المعارضة السياسية الداخلية. وتسبّبت إس رتاتيجية إدارة بوش التي تلت الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، والمتمثّلة في "نقل الحرب إلى أرض العدوّ" في إغ راق المنطقة في حامّ م دم مرعب أو، وفقًا لمصطلحات "المحافظين الجدد"، في "فوضى خالّ قة"، كان الديمقراطيون الليبراليون والعلمانيّون أوّل ضحاياها. من جانبها، تولّت إسرائيل - متذرّعةً بمكافحة الإرهاب - زمامَ المبادرة لتصبح بطلة الحملة الصليبية ضدّ ما يُعرف في الغ رب بالأصولية الإس ال ميّة. وبطبيعة الح ال، يغدو كلّ شي ء منطقيًًّا عندما يؤخذ في الحس بان إيمان بوش الصادق بأنّ شارون كان "رجل سلام." قد تكون إدارة ب وش قد تطرّقت إلى التحوّل إلى النظام الديمقراطي، لكن الولايات المتّحدة دعمت في الواقع الحكّام المستبدّين من تونس إلى السعودية تحت ذريعة "الأمن القوميّ." وبحلول نهاية سنوات حربه الثماني، عمّق ب وش وأركان إدارته من المحافظين الجدد13 الانقسامات الإقليميّة في إطار إس رت اتيجية الأمر الواقع التي عرّفتها كوندوليزا رايس وزيرة الخارجي ة ب"الفوضى الخالّ قة". وأن ذرتْ بمزيدٍ من التشظّي في العالم العربيّ، ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل على المس توى الوطني الداخلي أيضًا، بدءًا بالعراق وانتهاءً بما شهدناه مؤخّرًا في السودان وفلسطين ولبنان والصومال. خلال هذه الف رت ة، أطاحت واشنطن بأنظمة، وأقامت تحالفات مع أس وأ منتهكي حقوق الإنسان بهدف زعزعة الاستقرار، واحتكرت العملية السياسية الإقليمية، وتدخّلت في الشؤون الداخلية للدول التي تنعم بالسيادة، واجتاحت دوالً معادية.
أوباما: التغيير الموعود
منذ مطلع عهد أوباما، بات التناقض جليًّا بين الخطاب والإستراتيجية. فالتزامه بالانسحاب من الشرق الأوسط الكبير تعرّض لاختباره الأوّل في أفغانس تان. فبعد طول تمعّنٍ وتردّد، وسّع البيت الأبيض الإستراتيجية الأفغانيّة لتشمل أفغانستان وباكستان، وصعّد الحرب من خلال زجّه بفوج من 0 5 ألف جنديٍّ ألحقهم بإستراتيجية عسكرية أكر عدوانيّةً، لمكافحة التمرّد بقيادة الجنرال ديفيد بترايوس، وشملت انتشارًا واسعًا للقوّات إضافةً إلى حزمةٍ م ن الحوافز والتهديدات لمن رفض التعاون مع الاحتلال الأم ري كيّ. وقد أطلق أيضًا حملةً جديدةً للطائرات من دون طيّ ار وهي غير قانونيّ -ة في رأي الأغلبيّة - غطّت جميع أنحاء المناطق الممتدّة من أفغانستان وصوالً إلى اليمن، مرورًًا بالصومال. وتح دّث الرئيس أوباما في الشرق الأوسط، عن علاق ةٍ تقوم على "المصالح المشتركة والاحترام المتبادل" ولاسيمّا مع إيران، بيد أنّه بحلول ع ام 010 2 بدأ في توجيه الإنذارات إلى طهران. ودعا أيضًا إلى تبنّي نه جٍ أكر واقعيّةً وأقلّ تدخاّلً في المنطقة، وأوضح أنّ الولايات المتّحدة لن تحاول فرض التغي ري على الأصدقاء والأعداء على حدٍّ سواء ولن تسعى إلى ممارسة التأثير السياسي عليهم بالقوّة. ولكنه التزم بتوسيع العمليات السرّية الأميركيّة في الشرق الأوسط (كما كشفت صحيفة نيويورك تايمز في أيار/ مايو 010 2.) وناشد رئيس الوزراء الإسرائيليّ الصّلف بنيامين نتنياهو تجميد بناء المس توطنات اليهوديّة، ثمّ أنّبه لاحقًا، لكنّه استمرّ في توفير الدعم لإسرائيل بطرقٍ مختلفة ما جعله في الواقع أحد أصدقاء إسرائيل الأكر إخلاصًا في التاريخ الحديث.
البراغماتية الجديدة
تبنّت إدارة أوباما سياس اتٍ براغماتيّةً تجاه الحكّام العرب المستبدّين بهدف تحقيق مزيدٍ من التعاون الإقليمي. وقد رأت في زيارة أوباما إلى م رص قبل 18 شهرًا من اندلاع الثورة، تأييدًا للرئيس حسني مبارك، الديكتات ور المريض البالغ من العم ر 81 عامًا، والذي وصفه أحد المدوّنين المصرييّن بأنّه: "يحكم بالأحكام العرفيّة والشرطة السرّية وغرف التعذيب. ولا تستطيع أيّ كلمة قد يتفوهّ بها الأستاذ أوباما تغيير النظرة السائدة أنّ الأميركي ني يدعمون دكتاتورًا بتوفيرهم مساعدات سنويّة له تتجاوز المليار دولار"14. خلال جولته الأولى في المنطقة، أمل هذا الرئيس البراغماتي في تحس ني العلاقات بالمستبدّين العرب من دون ف رض أيّ مطالب أو شر وطٍ في مجايلَ حقوق الإنسان والديمقراطية. فقد زار أوباما الرياض قبل القاهرة، ووصف مبارك بأنّه "حليف قويّ الشكيمة"، وأشاد ب"حكمة العاهل السعوديّ وحفاوته اللطيفة." ولم تخفَ دلال ة ذلك الثناء عن العالم العربيّ. وفي الواقع، قرّرت إدارة أوباما تقليص الميزانيات المخصّصة للمنظّ ام ت غير الحكومية في العالم العربيّ، والتي سبقت دعم الديمقراطية في المنطقة. وتزامن انفتاح أوباما على العالم العربيّ وتوسيع نطاق الحرب في أفغانستان لتصل إلى باكستان، وتكثيف الهجمات بواسطة الطائرات دون طيّار في بلدانٍ مثل اليمن، وفشله في الوقت نفسه في الضغط على إسرائيل لتجميد زحفها الاستيطاني على الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. وبحلول الربيع العربيّ، وصلت شعبيّة أوباما إلى أدنى مستوياتها بين الجماهير العربيّة التي سبق أن رأت فيه رجل دولةٍ واعدًا. وعند اندلاع الث ورات العربيّة، بذلت إدارته جهدًا بائسًا كي تظهر بمظهر الداعم للجماهير العربيّة من خلال تسريبها إلى وسائل الإعلام، وبصورةٍ انتقائية، تقارير تفيد بوجود مخطّط أولّي للتحوّل إلى النظام الديمقراطي في العالم العربيّ.
الردّ الأميركي على الثورات العربيّة
اضطرّت إدارة أوباما، نتيجة التطوّرات المأس اوية في تونس ومصر لإعادة النظر في سياساتها وتحالفاتها في المنطقة. فما إن تجاوز البيت الأبيض الصدمةَ الأولى والغموضَ والالتباس، سعى للتمسّك بشركائه المستبدّين من خلال الدعوة إلى الإصلاح والانتقال السلمي. فحين افتتن العالم "بالثورة" التونسيّة التي أطاحت بنظام بن علي التسلّطي، أبقت الحكومات الغربيّة على لامبالاتها الواضحة، أو أصيبت بالارتباك في أحسن الأحوال. عندما اجتاح التغيير مصر، تكرّرت المماطلة نفسها. وش كّل موقف الإدارة الأميركيّة هذا، تناقضً ا مأساويًّا جليًّا مع موقفها الداعم "للانتفاضة" الإيرانيّة قبل عامين إذ كان فوريًّا وحماسيًّا. وعربّ ت ملاحظة
وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في شأن عدم انحياز الولايات المتّحدة خلال المواجهات الت ي عمّت إيران، عن النفاق الغربيّ المعتاد مقارنةً بتصريحاتها المتعاطفة مع التظاهرات في إيران عقب الانتخابات التشريعية عام 009 2. فعلى سبيل المثال، أعلن أوباما قائالً: "بالنسبة إليّ، من الخطأ الت زام الصمت"15 تجاه القم ع في إيران. صحيح أنّ ذلك لا يعني أنه اتّخذ موقفًا من الانتخابات الإيرانيّة، وأنّه كان في استطاعته أن يعربّ بصراحةٍ أكبر، إلا أنّ واشنطن كانت متحمّسةً للثورة الخ رضاء إذ رأت فيها حركةً موالية للغرب. ولم تبدأ الولايات المتّحدة ومعها زعماء غربيّون آخرون في اتّخاذ مواق فَ أكر وضوحًا والإدلاء بتصريحات متماسكة لصالح انتقالٍ سلميٍّ منظّمٍ للسلطة، إالّ بعد أن تأكّدوا أنّ حلفاءهم آيلون للسقوط. إلا أنّ الولايات المتّحدة سرعان ما ارتبكت حين اتّض ح لها أنّ هذه الانتفاض ات هي ثوراتٌ تبرشّ بقطيعةٍ تامّةٍ مع الماضي. فقد رأت فيها مخاطر متعدّدة ولم تلحظ فيها فرصًا يجب استثمارها والدفاع عنها ورعايتها. وتلعثم الرئيس أوبام ا قائالً: "لدى الولايات المتّحدة شر اكةٌ وثيقةٌ مع م رص. وكان الرئيس مبارك متعاونًا جدًّا. نحن نتعاون في عددٍ من القضايا، ويضطلع أولئك المنتشرون في الشوارع بمسؤولية الاحتجاج س لميًّا." وأكّد نائبه جو بايدن: "مبارك ليس ديكتاتورًا"16. في حين علّق روبرت غيبس السكرتير الصحفي للبيت الأبيض: "نحن لسنا بصدد الاختيار بين من هم في الشوارع ومن هم في الحكومة"، وكأنه يس اوي أخلاقيًّا بين الطغاة والمحكومين17. وعندما استوعبت الحكومة الأميركيّة أخ ريًا كنْه الانتفاضات التي كانت تجتاح الدول العربيّ ة، قرّرت إدارة أوباما اتّخاذ موقفٍ انتقائي يقضي بدعم التغيير في ليبيا وسورية، والتزام الصمت تجاه البحرين واليمن.
الموقف في ضوء النتائج
عندما فهمت إدارة أوبام ا أخيرًا خطورة التغيير الذي يجتاح المنطقة وأدرك ت نطاقه، بدءًا بتونس وصوالً إلى اليمن، مرورًا بمصر والبحرين وليبيا وسورية، بدأت تؤكّد على خطاب التغيير الديمقراطي استجابةً لما بات يُعرف "بالربيع العربيّ"، وتحدّثت بصورةٍ إيجابية وحماس يّة عن دعم الديمقراطية، متخلّيةً بوضوحٍ عن براغماتيتها المبكرة وتواطئها الأولّي. إلا أنّ دبلوماسيتها العامّة أربكت إس رت اتيجيتها الجديدة المحسوبة والأك ث ر تعقيدًا، والتي تباينت بحدّةٍ بل وتناقضت مع خطابها. فقد حافظت إدارة أوباما على السلوك الإمبريالي الجوهري تجاه العرب، على الرغم من الاختلاف الحادّ بين الإس رت اتيجية الجديدة وسابقتها (في أثناء إدارة بوش) من ناحية مقاربتها ووسائلها ونطاقها. وسرعان ما أعادت توجيه إس رت اتيجيتها نحو الأس س المبدئية القديمة الخاصّة بمنطقة الشرق الأوسط من خلال تعزيز نظام المحسوبية لديها المتمحور حول العملاء الإقليمييّن، القدامى منهم والجدد، ما يضاعف نفوذها الجيوسياسي ومصالحها الاقتصادية في غرب آسيا وما وراءها لتبلغ الحدّ الأقصى. وسيكون الحكم على نتائج الثورات تبعًا لموقفها من مصالح الولايات المتّحدة، لا وفقًا للمس توى التمثيلي للعملية السياسية وديمقراطيّتها.
حالة على حدة قاعدة "كل"
قرّر الرئيس أوباما التعامل مع كلّ حالةٍ على ح دة، رافضًا التعامل مع الربيع العربيّ بمجمله، ودعمه وفق مقياس واحد. فشكّلت مصر الثقل الأهمّ بين دول الربيع العربيّ، ولم تكن الولايات المتّحدة لتسمح للتغيير أن يمضي فيها من دون رقابة. وكان ثمّة خطرٌ كبير بعد استثمار عشرات مليارات ال دولارات في هذا البلد منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 979 1. وتُعدّ مصر إلى جانب السعودية، أحد أهمّ وكيلين عربييّن نظرًا لحجمها ودورها الإقليمي. بناءً عليه، سارعت واشنطن بالشراكة مع الجيش المصريّ، لتأمين تغييرٍ بطيء ومدروس. وصادف وجود كبار الضبّاط المصرييّن في واش نطن لحضور اجتماعات التنسيق، لحظة اندلاع الثورة، فبات جدول الأعمال واضحًا: سيطرة العسكر على وتيرة التغيير في فترة ما بعد مبارك.
وكيّفت إدارة أوباما دعمها للثورة في كلّ بلدٍ وفقًا لمساندة تلك الثورة لأهداف واش نطن في المنطقة. فدعمت الرئيس اليمنيّ الجديد (نائب الرئيس السابق) عبد ربه منصور هادي بعد أن أيّد الحكومة الأميركية في الحرب غير الشرعية التي تشنّها على بلاده بواسطة طيّارات دون طيّار، معربًا علنًا عن تأييده للولايات المتّحدة التي تواصل انتهاكاتها للسيادة اليمنيّة بذريعة محاربة تنظيم القاعدة. وفي المقابل، تلقّى هادي تأييدًا مباشرًا من الرئيس أوباما في مناسباتٍ عدّة. أمّا بالنسبة إلى تحالفه مع مصر، فقد ش دّد الرئيس الأميركيّ على أنه يتوقّف على أداء قادتها المنتخب ني حديثًا. وأوضح أنّه لن يعدّ الإخوان المسلمين حلفاء له حتّى يحدّدوا موقفهم. وقدّم الاعتداء الإسرائيليّ على غزّة في تشرين الثاني / نوفم رب 012 2 فرصةً للرئيس الم رص يّ الجديد كي يظهر صدقيّته. فبعد إدانةٍ مقتضبة ومماطلة، مضى مرسي في وساطة ناجحة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس بعد مش اوراتٍ وثيقة مع واشنطن وتنسيقٍ مباشر مع الرئيس أوباما. ودعمت واش نطن أيضًا قادة ليبيا ما بعد القذّافي عندما فتحوا سوق الطاقة وإعادة الإعمار، وتبنّوا مواقف "صديقة" تجاه الولايات المتّحدة إقليميًّا. وتقرّبت إدارة أوباما أيضًا من النظام الجزائريّ لكسب دعمه في حربها ضدّ ما تعدهّ مجموعةً تابعةً للقاعدة في مالي؛ واستمرّت في دعم الملكيّة الأردنيّة المتعاونة معها في مواجهة الانتفاضة الشعبيّة على حكومتها.
استرجاع ربيع الناتو: الولايات المتّحدة تحاول تطهير خطاياها في العراق
رأت الولايات المتّحدة وحلفاؤها الأوروبيون في ليبيا فرصةً سانحةً، بعد أن أتت ردّة فعلها على ث وريتَ تونس ومصر بطيئة، وافتضاح علاقاتها الوثيقة مع الطغاة العرب. ومثل وحشٍ هائج، استمات نظام القذافي لوضع حدٍّ للثورة والحؤول دون نجاحها. فليبيا بلدٌ غنيٌّ نسبيًّا ومنتجٌ للنف ط ويقع على الحدود الجنوبيّة لأوروبا، بين مصر وتونس. وكانت شر وط تغيير النظام قد أينعت فيه. ولم يكن لديه التعقيدات الإقليميّة التي يعيش ها اليمن، ولم يكن يعاني من الفقر كاليمن. باختصار، كان الموقع الأسهل بالنسبة إلى الناتو كي يشقّ طريقه داخل الربيع العربيّ. فقد نجحت الدول الأعضاء في حلف الناتو في الحصول على عقوباتٍ من مجلس الأمن ض دّ نظام القذافي وفقًا للقرار 970 1، ثمّ جاء بعده القرار 973 1 الأكر فعاليّةً والذي صيغ بأسلوب فضفاض يتيح التحرّك العسكري مع استبعاد نشر القوّات البرّية. وفي غضون ساعاتٍ، تدخّلت قوّات الناتو بذريعة حماي ة المدنييّن من غضب القذّافي "باتّخاذ كافّة الخطوات الضروريّة" لذلك. وكما هو متوقّع، هلّلت وسائل الإع ال م الغربيّة (الليبرالية منها والمحافظة) لشجاعة فرنسا وبريطانيا، وللقيادة الأميركيّة لحؤولها دون وقوع "إبادةٍ جماعيّة." ولم يُعْنَ كثيرًا أولئك الذين روّجوا للرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي ولرئيس ال وزراء البريطاني ديفيد كاميرون وللرئيس الأميركيّ أوباما، بالتضحيات الجس يمة التي قدّمتها المقاومة الليبيّة. كان هذا هو الغرب "المستعدّ للقتال دفاعًا عن قيمه في وجه البربريّة"، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، "الأمل الأكبر أن يكون القرن الحادي والعشرون أقلّ وحش يّةً من القرن العشرين"18. كان مدهشًا مدى قصور ذاكرة وسائل الإعلام، ومدى الاستسهال في الاستشهاد الانتقائيّ بالتاريخ. وسرعان ما تبّينّ أنّ معظم الذرائع المعتمدة لشنّ الحرب كانت، إمّا مبالغًا فيها أو مفتعلةً لتبرير التدخّل العسكري الغربيّ. واستند قرار الأمم المتّحدة وقصف الناتو الذي تلاه، إلى حال ةٍ طارئةٍ مبالغٍ فيها لإنقاذ بنغازي من "الإبادة الجماعية" في أعقاب تهديد القذافي لها. إذ لطالما اتّسمت تصريحات القذافي بطابعٍ تهديدي، وعندما استولت قوّاته على مدنٍ أخرى، لم تُرتكب فيها مثل هذه الفظائع. كان ثمّة تضليلٌ أيضًا بخصوص حالات الاغتصاب الجمعي واستخدام المرتزقة الأفارقة. فقد جرى استغلال مبدأ "حقّ الحماية" المثير للجدل والمشاعر، لتبرير التدخّل العسكري الغربيّ بذرائعَ إنسانيّة. بدت ليبيا، بصورةٍ متزايدة، وكأنّها العراق - وكان من الصعب تجاهل الإحساس بأنّنا أمام مشهدٍ سبق ورأيناه19. لم تكن عسكرة الربيع العربيّ في ليبيا بادرة خ ريٍ لها أو لدول عربيّةٍ أخرى كسورية واليمن. فقد شوهّ استغلالُ الغرب للتصعيد في ليبيا، الثورةَ العربيّة أيضًا، متزامنًا مع احتمال وقوع مزيد من التدخلّات الأجنبية المماثلة التي طالما رفضها العرب بسبب انتقائيتها ودوافعها الأنانية. صحيحٌ أنّ التدخّل في ليبيا كان لصالح الشعب، ولكن ذلك لا ينطب ق على التدخّل في كلٍّ من البحرين أو سورية. وشجّع هذا التدخّ ل حلفَ الناتو الذي استعاد نش -اطه - على تناول العملية
الليبيّ ة كنموذجٍ أوَلّيٍّ لعملياتٍ قادم ةٍ في أفريقيا ومناطق أخرى من الجنوب. شهد تدخّل حلف الناتو منعطفًا غريبًا؛ إذ إنّه قد يبدو وكأنه مؤامرة، لكنّه ليس كذلك. ففي أواخر ع ام 010 2، قرّرت فرنسا وبريطانيا تنظيم مناوراتٍ حربية تحت اسم عملية ميسترال الجنوب، بمشاركة آلاف العسكرييّن والمعدّات من كلا البلدين. ونصّ السيناريو على قيام خصمين عسكرييّن قديمين بتوحيد قواهما للقيام بقصف دكتاتور جنوبيّ متخيّل. وجرى تمرير المناورات بقرارٍ خيالي من مجلس الأمن ورقم ه، وتقرّر الب دء بها في 21 آذار / م 003 ارس 011 3 2. والواقع أنّ القصف الفعليّ على ليبيا بدأ ي وم 9 1 آذار / مارس. إنّها مصادفةٌ بالتأكيد، ولكنّها تسلّط الضوء على العقليّتين الفرنسيّة والبريطانيّة وتفّسرّ عدم بذل جهدٍ دبلوماسي جادٍّ وفعليّ. كانت القاذفات رابضةً مسبقًا على المدارج، ولكن لم يكن ممكنً ا إنجاز مهمّة ليبيا - وفق ما خل ص إليه حلف الناتو فيما بعد - من دون الدور العسكري الكبير والمتطوّر للولايات المتّحدة. وتبنيّ النتائج في ليبيا وسورية حتّى الآن بوضوحٍ، أنّ عسكرة الثورة وحماس الغرب لاستخدام القوّة العس كرية - على الرغم من الدعم يحةٍ واسعةٍ من الس كّان الذي يلقاه من شر - تعني أنّ ثمن التغيير باهظٌ على المجتمع والدولة والمواطنين.
السنوات الأربع المقبلة
إدارة الأزمة
تشير التصريحات الأولى لإدارة أوباما إلى أنّه لن يحدث تغييرٌ جذريّ في الس نوات الأربع القادمة مقارنةً مع السنوات الأربع الأخيرة؛ فمحليًّا، لا تزال الإدارة الأميركيّة منش غلةً بالأزمة والانتعاش الاقتصادي، بينما ستواصل على الصعيد العالمي انش غالها ب "محورها الآسيوي"، عبر تعزيز التركيز الإس رت اتيجي على آس يا بدالً من العالم العربيّ وأوروبا. كما أنّها ستبقي على العقوبات على إيران، وستشدّدها على الأرجح إلى أن تصبح طهران أكر استجابةً لمطالب واشنطن. وستستمرّ في دعمها لإسرائيل على الس احة الدولية وتحافظ على تفوّقها العسكري على جيرانها العرب، بغضّ النظر عن تجاوزاتها في الأراضي المحتلّة، كما تَب في تصويت الهيئة العامّة للأمم المتّحدة في شأن فلسطين والردّ الإسرائيلي عليه بتوسيع الأنشطة الاستيطانيّة.
القيادة من الخلف: العملاء والحلفاء
لا يتوقّع أحدٌ أن تصبح الولايات المتّحدة انعزالية بأيّ شكلٍ من الأشكال بسبب تورّطها في أفغانس تان وباكستان. إلا أنّها في المقابل لن تحاول نشر أيّ قوّاتٍ كبيرةٍ على الأرض. وبدالً من ذلك، ستواصل التدخّل من وراء الكواليس في المنطقة العربيّة وفي بعض ال دول العربيّة عندما ترى ضرورةً لذلك. وستواصل أيضًا قيادة الحلفاء والعملاء من الخلف بدالً من اتّخاذ خطوات أحاديّةٍ صريحة. ويشمل ذلك دعم الأنظمة المستبدّة التي تضع نفسها في خدمة سياسات الولايات المتّحدة.
القيادة من الجوّ
يبدو أنّ إدارة أوباما شرعت في توسيع تدخّلها العسكري من الجوّ، من خلال توسيع المراقبة بواسطة الأقمار الصناعية وشنّ هجمات الطائرات دون طيّار على الدول العربيّة والإسلاميّة كلمّا كان ذلك ضروريًّا. وبعد أن أنشأت أوّل مركز قيادة في أفريقيا ووضعت ذراعً ا أمنيّةً خاصّةً متخصّصةً في الح رب الإلكترونية وعيّنت لقيادتها جنراالً بأربع نجوم، س تعتمد الإدارة أيضًا على أحدث ثورة في الشؤون العسكرية لتعزيز نفوذه ا إلى الحدّ الأقصى وتقليص تدخّلها المادي في المنطقة. هذا ما حدث حتّى الآن في باكستان وأفغانستان والصومال واليمن وليبيا.
تشكيل ما بعد الثورة
أمّا في ما يتعلّق بالث ورات العربيّة، فمن الواضح أنّ الولايات المتحدة ستحاول أن ترصد عن كثب مسار التغيير في جميع دول الربيع العربيّ وفي كلٍّ منها ع ىل حدة، وتراقب نطاق التحوّل ومساره فيها بكلّ الوسائل المتاحة، ولاسيمّا بواس طة الضغوط الدبلوماسية والأسلحة والحوافز الاقتصادية. وستضاعف محاولاتها للتأثير في مصر ما بعد مبارك واليمن ما بعد صالح وليبيا ما بعد القذّافي، بهدف احتواء أيّ مقاومة محتملةٍ للإ ملاءات الغربيّة أو لجم أيّ قواسمَ مشتركة ناشئة قد تعزّز الوحدة العربيّة.
العثور على فرصة في الخطر المحدق
ثمّة تصوُّرٌ متنامٍ بأنّ واشنطن قد تستفيد من تصاعد التوترات المذهبية في المنطق ة، تمامًًا كما فعلت في النزاع المذهبيّ في العراق، بغضّ النظر عن تداعيات ذلك على العالم العربيّ وعلى استقراره على المدى الطويل. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، قد يشكّل صعود المحور السنّي الجديد، فرصةً للولايات المتّحدة وإسرائيل في مواجهة إيران وحلفائها وعملائها الذين يدورون في فلكها. وعلى الرغم من أنّ النعرات المذهبية العابرة
للح دود الإقليمية قد تثبت أنّها الخطر الأكبر الذي يواجه المنطقة في العقود المقبلة، يبدو أنّ إدارة أوباما مستعدّة لفرضها. وهذا يتّفق تمامًًا مع اس تشراف أوباما في خطابه في آذار/ مارس 011 2 عن الشرق الأوسط حين قال: "ستأتي أوقات لن تتطابق فيها مصالحنا القريبة المدى تمامً ا ورؤ يتنا البعيدة المدى للمنطقة". وغن يٌّ عن القول، إنّ واشنطن دعمت الس عودية طويالً في مواجهة إيران، على الرغم من إدراكها الإيحاءات المذهبية الواضحة لنزاعهما الإقليمي. قد تكون الولايات المتّحدة ورمبّ ا روسيا راضيتين عن اقتتالٍ يدور بين متطرفّي السنّة والشيعة، طالما ستنخفض أسعار النفط وترتفع مبيعات الأسلحة ويضعف العرب. وقد ثبت منذ أمدٍ بعيدٍ أنّ العنف المذهبي هو الأكر بشاعةً ورعبًا بين أشكال العنف الس ياسي. وبما أنّ أغلبية دول الشرق الأوس ط هي موطن لمختلف المذاهب الدينيّة والإثنيات، لا بدّ أن تبدّد نذر العاصفة المذهبية المتجمّعة أيّ بارقةٍ للتعايش المشترك. إنّ واشنطن تعي ذلك تمامًا.
خلاصة
يمكن المرء أن يستنتج أنّ إدارة أوباما لا تختل ف في الواقع كثيرًا عن سابقاتها عندما يتعلّق الأمر بالدفاع عن مصالحها الإس رت اتيجية الجوهرية في المنطقة العربيّة. وعلى غرار سابقاتها، فإنّها تشكو من تناقضٍ رئيسٍ بين دبلوماسيتها العامّة وإستراتيجيتها، أو من التناقض الناش ئ عن العمل وفقًا لقيمها الجوهرية ب دالً من مصالحها الآنيّة. وخلافًا لالتزامها المبدئي "بإنهاء العقلية" التي دفعت الولايات المتّحدة إلى الحرب، عملت إدارة أوباما على توسيع نطاق الحرب في أفغانستان لتشمل باكستان، وبقيت متورّطةً عسكريًّا على عدّة جبهات. تعتمد إدارة أوباما في المنطقة العربيّة سلوك سابقاتها: جمهوريّة أقلّ وإمبرياليّة أكر، وتثير الشقاق غالبًا إمّا عمدًا أو غيابيًّا. ولا تزال واشنطن أيضًا تنكر وضعها الإمبراطوري الفعلي، وتفضّ ل بدالً من ذلك أن تضطلع بدورٍ أخلاقيٍّ مرشدٍ باعتبارها الوصيّ على الأمن والاستقرار والسلام وحقوق الإنسان. وقد تصرّفت إدارة أوباما أيضًا بصورةٍ مغايرةٍ لس ابقاتها. وبرهنت طوال السنوات الأربع المنصرمة أنّ القوّة العظمى تُدار بشكلٍ أفضل وأكر فعاليةً عندما تتصرّف ضمنيًّا بصورةٍ أقلّ تبجُّحًا وعدوانيةً وعنفًا، مع الحفاظ على مستوى الردع العسكري والمصالح الجوهريّة نفسها. وفي الواق ع أثبتت الإمبراطورية الأميركيّة أيضًا في حقبة ما بعد الحرب الب اردة أنّها أصبحت أكر - وليس أقل - فعاليةً وأكر تماسكًا عندما قلّصت دورها ومجالها العسكري في المنطقة العربيّة. ولكن لا ينبغي أن تتحّمل واشنطن وحدها مسؤولية تجنّب فوضى إقليمية كبرى تنجم عن توسّع وجودها العسكري في المنطقة أو تتسبّب في انكماشه. تميل الولايات المتّحدة إلى تقليص تدخّلها الخارجي، بسبب توسّعها العسكري المفرط قياسًا بالتحدّيات الاقتصاديّة التي تواجهها، وتحقيقها الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة بعد اكتشاف مكامن غازٍ محلّية جديدة. إلا أنّه لا ينبغ ي أن يُفرسّ تبنّي التعددية والنأي عن الأحاديّة المتهوّرة على أنه نزعة انعزالية. وبالتالي، فإنّ انسحاب القوّات العسكرية الأميركية من أفغانستان من دون إعادة انتشارها في منطقة الخليج أو في أماكنَ أخرى في المنطقة، يمثّل التحدّي الأكبر لأوباما في السنوات الأربع القادمة. وع ىل الرغم من جميع أوجه التشابه ب ني إدارة أوباما وسابقاتها بشأن المصالح الأميركيّة الجوهريّة في المنطقة، تتيح تعدّدية أوباما وبراغماتيته مجاالً أوسع من المجالات المتاحة سابقًا، للتأثير في سياسة الولايات المتّحدة. ويستطيع العرب اغتنام الفرص ة، ولا بدّ لهم أن يفعلوا ذلك.