السلوك الصينيّ الروسيّ في مواجهة موجة الربيع العربيّ
الملخّص
تؤكد هذه الدراسة على أهمية عدم اعتماد المصالح الاقتصادية والتجارية للصين وروس يا في الدول العربية كمحدِّدٍ رئيس لمسلك هاتين الدولتين تجاه ثورات الربيع العربي. إذ حاولت كثيرٌ من التحليلات تفسير المسلك الصيني والروسي بالتركيز على المصالح الاقتصادية. كما اتسم قسمٌ آخر من هذه التحليلات بالمعالجة الجزئية، أو بإغفال وضع هذه المصالح في سياقٍ يربط بين الدوافع الإستراتيجية لهذين الفاعلين المهمّ يْن، ومصالحهما يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع الوطنية الداخلية. تعرض الدراسة أربعة مداخل مختلفة، لفهم السلوك الصيني والروسي، من جهة، والمجتمع والف رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار خاصة الأزمة الس على خلفية الأزمات الإقليمية والدولية التي تطورت في المنطقة -ورية - تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله في سياقٍ مت صل مع أزمات إقليمية س ابقة، كأزمة الحرب الروسية -الجورجية. وعلى الرغم عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة من أهمية الدوافع الاقتصادية، فالدراسة لا تعتمدها مدخلا متمايز ا لفهم السلوك الصيني أو في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى الروسي، بل تعرض الدراسة مستويات مختلفة للتداعيات الإستراتيجية المتوقعة للسياسة درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن الروس ية - الصينية تجاه مرحلة الربيع العربي، بدءًا بحدوث تحوُّلٍ في هيكل النظام الدولي أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ نيَّة لا تزال فكرة الحكم الس لطاني - الذي يغلب ثقافة وطبيعته، وانتقاله من أحادية القطبية الراهنة إلى تعدديتها، أو الاكتفاء بالحفاظ على على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. مبدأ السيادة بمعناه التقليدي.
قراءة في ما وراء المصالح الاقتصاديّة
مقدّمة
أفاضت تحليلات كثيرة في فهم السلوك ال روسي - الصينيّ تجاه موجة الربيع العربيّ، في التركيز على المحدّدات الاقتصاديّة والتجاريّة. وواقع الأمر أنّه لا يمكن إغفال أهمّية المدخل الاقتصاديّ في فهم المواقف الصينيّة والروسيّة من سلسلة الثورات والاحتجاجات العربيّة، خاصّةً في ضوء تزايد الاعتماديّة الصينيّة على نفط الشرق الأوسط، وتزايد الاستثمارات الصينيّة في هذا القطاع، خاصّةً في منطقة الخليج العربيّ وشمال أفريقيا والسودان. لكن - مع أهميّته - لا ينهض هذا المدخل، منهجًا متكامالً لفهم السلوك ال روسي الصين يّ على نحْوٍ متكامل، فالمصال -ح الاقتصاديّة الصينيّة مع النظام الس وري على س -بيل المثال - تقلّ كثيرًا في أهمّيتها عن مصالحها النفطيّة مع نظام معمّر القذافي السابق، ومع ذلك، فقد سمحت الصيّن بتمرير قرار مجلس الأمن رقم 973 1 الذي وفّر "غطاءً" دوليًّا لضرب ليبيا، بينما ترفض بقوّة الس امح بتمرير مثل هذا القرار في الحالة السوريّة. إنّ إع ام ل المدخل الاقتصاديّ بمفرده لا يساعد أيضً ا في تقديم فهمٍ أعمقَ للأبعاد والتداعيات الإس رتاتيجيّة المهمّة للسلوك الروسي - الصينيّ تجاه موجة الثورات والاحتجاجات العربيّة على مرحلة "ما بعد الربيع العربيّ." وسيناقش القسم الأوّل من البحث محاولة فهم السلوك الروسي - الصينيّ ومصالح كلا البلدين من خلال أربعة مداخل غير اقتصاديّة. وانطلاقًا من افتراض أنّ طريقة إدارة القوى الدوليّة للأزمات الإقليميّة التي تطوّرت على خلفيّة الربيع العربيّ س وف تترك تداعياتها الإستراتيجيّة على النظام الإقليميّ، من ناحية، والعلاقة بين النظام الدوليّ والنظام الإقليميّ في منطقة الشرق الأوس ط من ناحيةٍ ثانية، ورمبّ ا طبيعة النظام الدوليّ ذاته من ناحيةٍ ثالثة؛ فإنّ مرحلة ما بعد الربيع العربيّ ستفرض على العالم العربيّ ضرورة تطوير خطابٍ جديد في التعامل مع القوى الدوليّة، كما ستفرض التحدّي ذاته على هذه القوى. ويحاول البحث في القسم الثاني منه تقديم بعض المقترحات في هذا الاتّجاه.
أولّا: مداخل لفهم السلوك الروسي - الصينيّ
في مواجهة موجة الربيع العربيّ
انطلاقًا امّ سبق -ودون التقليل من أهمّية المدخل الاقتصادي-ّ يطرح هذا البحث أربعة مداخلَ لفهم السلوك الروسي - الصينيّ تجاه موجة الربيع العربيّ؛ الأوّل هو النظر إلى هذا السلوك باعتباره تدشينًا لتحوّلٍ نوعيّ في طبيع ة النظام الدوليّ، والانتقال من نظام الأحاديّة القطبيّة الذي تطوّر منذ نهاية عقد الثمانينيّات من القرن الماضي، إلى نظامٍ متعدّد الأقطاب؛ المدخل الثاني، هو النّظر إلى السلوك الروسي - الصينيّ على أنه سعي للحفاظ على المبادئ التقليدية التي تأسّس عليها النظام الدوليّ عقب الحرب العالميّة الثانية، وتحديدًا مبدأ الس يادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة. وع ىل الرّغم من أنّ هذا المدخل يبدو جزءًا أو امتدادًا للمدخل الأوّل، ففكرته الأساسيّة تقوم على أنّ السلوك الروسي - الصينيّ قد لا ينتهي بالضرورة إلى إعادة هيكلة النظام الدوليّ الراهن، سواء لأس بابٍ تتعلّق بحقيقة الأهداف الروسيّة - الصينيّة، أو لطبيعة الأزمات الإقليميّة التي تشكّلت في سياق تطوّرات الربيع العربيّ وحدود قدرة روسيا والصيّن على استغلال هذه الأزمات لتدشين نظامٍ دوليّ جديد، ما يجعل البديل العمليّ هو النزول بسقف الطموح الروسي - الصينيّ في هذه المرحلة؛ المدخل الثالث هو النظر إلى هذا السلوك باعتباره انعكاسً ا لطبيعة الأنظمة السياسيّة الداخليّة في كلا البلدين. وأخيرًا، ينطلق المدخل في تفس ري ه للمصالح والسلوك الروسيّ - الصينيّ من كون موجة الربيع العربيّ تمثّل تهديدًا فعليًّا للاستقرار الداخ يل وللن ام ذج الوطنيّة في الإصلاح الس ياسيّ والاقتصاديّ في كلا البلدين. ونناقش فيما يلي هذه المداخل الأربعة.
الأزمة السوريّة هي تدشين لنظام دوليّ جديد
لق د ارتبطت عمليّات التحوّل في النظام الدوليّ بوجود بعض الأزمات الدوليّة أو الإقليميّة الكاشفة أو المقرّرة لحدوث هذا التحوّل، والكاشفة أيضً ا لحجم التحوّل القائم في توزيع هيكل القدرات النس بيّة بين الفاعل ني الدولييّن على قمّة النظام الدولي، وهيكل هذا النظام. وعلى سبيل المثال، كان تنازل بريطانيا وفرنسا عن تشيكوسلوفاكيا لألمانيا في س نة 938 1 كاشفًا عن انهيار النظام الدوليّ الذي أسّسته معاهدة فرساي عقب الحرب العالميّة الأولى؛ كما كانت أزمة السويس سنة 956 1 كاشفة عن أفول القوى الأوروبيّة وتطوّر نظام القطبية الثنائية الذي تسيطر عليه الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد الس وفياتي. وكانت الحرب الأميركيّة ضدّ العراق في س نة 991 1 كاشفةً عن عمق التغريّ الذي حدث في هيكل النظام الدولي وتوزيع القدرات النسبيّة، خاصّةً بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، ومقرّرة لتحوّل النظام الدولي من نظ ام الثنائيّة القطبية إلى نظامٍ أحاديّ القطبية تهيمن عليه الولايات
المتّحدة. ويمكن القول إنّ النظام الدولي الراهن يم رّ بمرحلة تحوّل مماثلة، من الأحاديّة القطبية إلى نظامٍ أقرب إلى التعدديّة القطبيّة: الولايات المتّحدة، وروسيا، والصين، بالأساس، إلى جانب الاتحاد الأوروبي. غير أنّ عملية التحوّل تلك لا تزال بطيئة نسبيًّا.
يمكن في هذا الإطار النظر إلى الأزمة الس وريّة الرّاهنة بوصفها إحدى حلقات تدش ني هذا التحوّل، بعد حلقةٍ أخرى مهمّة سبقتها تمثّلت في الحرب الروسيّة - الجورجيّة في آب / أغسطس سنة 008 2. فعلى الرّغم من أنّ هذه الحرب لم تدشّن اكتمال عمليّة التحوّل عن النظام الأحادي القطبيّة، فهي قامت بدورٍ مهمٍّ في هذا الاتّجاه من زاويتين؛ الأولى، أنّها دشّ نت حالة من القطبية الثنائية على مستوى إقليم أوروبا الشرقيّة والخروج عن حالة التوافق والقواعد الدوليّة التي حكمت الإقليم بدءًا من سنة 991 1، خاصّةًالاعتراف بمبدأَي السيادة والتكامل الإقليمي، ما ضمن الاعتراف بالدول المس تقلّة عن الاتحاد السوفياتي واندماجها في المجتمع الدولي. لقد مثّلت الحرب الروسيّة - الجورجيّة موقفًا صريحًا من جانب روس يا عن هذا التوافق الدوليّ أو بالأحرى التوافق الروسي - الأم ريكيّ1. من ناحيةٍ ثانية، فقد أعلنت روسيا، على خلفيّة هذه الحرب، عددًا من التوجّهات التي تحكم سياس اتها الخارجيّة، حدّدها الرئيس الأسبق ميدفيديف في خمسة مبادئَ أساسية، عُرفت ب "عقيدة ميدفيديف"، نصَّ المبدأ الثاني منها صراحةً ع ىل أنّ "العالم يجب أن يكون متعدّد الأقطاب. عالم القطب الواحد لم يعد مقبوالً. لن نسمح بالهيمنة. ولا يمكن أن نقبل بنظامٍ عالميّ تصنع فيه دولة واحدة جميع القرارات، حتّى ولو كانت دولة مؤثّرة مثل الولاي ات المتّحدة. مثل هذا العالم غير مستقرّ ومهدّد بالصراع." كما نصّ المبدأ الخامس، وهو مبدأ مهمّ ذو دلالة بالنسبة إلى الأزمة السوريّة، على أنّ هناك "أقاليم لروس يا فيها مصالح خاصّة. هذه الأقاليم تضمّ دوالً لنا معها علاقات تاريخيّة خاصّة، وتربطنا بها علاقات صداقة وعلاقات جيرة جيّدة. سنعطي اهتمامًا خاصًّا للعمل في هذه الأقاليم وبناء علاقات صداقة مع هذه الدول"2. وعلى الرغم من أنّ هذه المبادئ قد صيغت على خلفيّة الحرب الروسيّة الجورجيّة، وقد عُني معظمها بالسياس -ات والتفاعلات الدوليّة في أوروب ا الشرقية، فهي لا تخلو من دلالة مهمّة لطبيعة التحولّات التي بدأت تطرأ على التوجّهات الروسيّة تجاه النظام الدولي، كما يمكن س حب هذه المبادئ على إقليم الشرق الأوسط حاليًّا والأزمة الراهنة الأوروبيّة/ الروس الأميركيّة -ية - الصينيّة حول سورية. لا يمكن كذلك إغفال أهمّية هذه الحرب في س ياق عملية التحوّل إلى النظام المتعدّد الأقطاب بالنظر إلى ما مثّله إقليم أوروبا الشرقية من مسرحٍ مهمّ دُشّنت عليه ولادة النظام الدولي الثنائيّ القطبيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، وكان مسرحًا مه أيضًا للحرب الباردة بين المعسكرين الغربيّ والشرقيّ. ومع أهمّية الحرب الروس يّة - الجورجيّة، تُعدّ الأزمة السوريّة الراهنة الحلقة الأهمّ في سياق عملية التحوّل تلك، بالنظر إلى عددٍ من السمّات التي رشّحتها كنقطة مرور أساسيّة من نظام القطبية الأحادية إلى النظام المتعدّد الأقطاب قيد التشكّل. ونش ري هنا بالخصوص إلى ثلاثِ سماتٍ أساسيّة: السّ مة الأولى، تتعلّق بوقوع الأزمة الس وريّة في قلب إقليم الشرق الأوسط، كإقليمٍ مركزيّ يمثّل نقطة تلاقي/ تقاط ع مصالح مختلف القوى الدوليّة الكبرى الرئيسة في النظام الدولي الراهن: الولايات المتّحدة، وروسيا، والصين، والاتّحاد الأوروبي. وبالنظر أيضًا إلى الدور التاريخي الذي قامت به بعض أزمات الشرق الأوسط في الكشف عن عمليّات انتقال النظام الدولي (أزمة السويس عام 956 1، حرب تحرير الكويت عام 991.)1 السّ مة الثاني ة، تتعلّق بما كشفت عنه الأزمة من تأكي د المصالح المش رت كة أو تقريرها بين قوّتين أساس يّتين، هما الصيّن وروسيا. فعلى
العكس من الحرب الروس يّة الجورجيّة التي غ -اب عنها الحضور الواضح للصين، فإنّ الأزمة السوريّة كشفت بوضوحٍ عن التنسيق القويّ بين هاتين القوّتين، وهما القوّتان الرئيستان المرشّحتان كأقطاب جديدة في مواجهة الولايات المتّحدة. السّ مة الثالثة، تتعلّق بطبيعة نظام بشّار الأسد وموقع سورية في إطار "التحالفات" والمحاور الإقليميّة والدولية. فقد تحوّلت الأزمة السوريّة من أزمةٍ داخليّة إلى أزمة إقليميّة - دوليّة بامتياز، وبمعنى أدقّ، مثّلت هذه الأزمة اختبارًا لمدى صلابة المحاور الدوليّ ة والإقليميّة القائمة والتي تطوّرت خلال العقد الأخير، ومدى تمسّك أطرافها بها. فقد مثّل النظام السوريّ جزءًا من محورٍ دوليّ: "روسيا- الصين"، بوكلاء إقليمييّن: س -"إيرانورية حزب الله"، أو ما عُرف بمح -ور الممانعة، في مواجهة "محور" دوليّ مقابل: الولايات المتّحدة-الاتحاد الأوروبي/الناتو"، بوكلاء إقليميّ ني: "دول الخلي ج العربي تركي ا"3. إذ يمك -ّمصر-ن القول إنّ سقوط نظام بشّار الأسد يعني تكبّد المحور الأوّل خسائرَ إستراتيجيّة ضخمة، سيترتّب عليها إعادة هيكلة نمط التحالفات والمحاور القائم ة، وتأكيد الهيمنة الأميركيّة على النظام الدولي4. إنّ سقوط نظام بشّار الأسد لن يعني فقط بالنسبة إلى روس يا خسارة حليفها الإستراتيجيّ المهمّ والوحيد داخل العالم العربيّ، ولكن تهديد وجودها ونفوذها الإس رت اتيجيّ في المنطقة من خلال قواعدها العس كريّة على موانئ البحر المتوسّط (ميناء طرطوس السوري)، خاصّةً في ضوء العلاقات السلبيّة التي تطوّرت بينها وبين المعارضة السوريّة بكلّ أطيافها منذ اندلاع الأزمة، ما يجعل استمرار هذه القواعد أمرًا غير مؤكّد. ويصبّ في الاتّجاه ذاته خسارتها المحتملة لحليفٍ إستراتيجيّ آخر في المنطقة وهو إيران، بعد أن تكون قد فقدت هي الأخرى حليفها الوحيد في المنطقة (نظام بشّار الأسد.) فسقوط نظام بشّار الأسد سوف يزيد بالتأكيد من انكشاف إيران السياسي والأمنيّ، خاصّةً في ضوء العلاقات السلبيّة التي تطوّرت أيضًا بين إيران والمعارضة السوريّة، ما سيدفع الأخيرة في الأغلب إلى إعادة النظر في مستقبل العلاقة الإستراتيجيّة التي تطوّرت بين نظام بشّار وإيران، بل وإعادة النظر في مثلّث "إيران - بشّار الأسد - حزب الله"، والتوجّه إلى تركيا والمملكة العربية الس عودية ومصر ودول الخليج، المنافسين/ أو الخصوم السياسييّن الطبيعييّن لإيران ولحزب الله في المنطقة.
ويتعزّز هذا التخوّف ال روسي الصينيّ على خلفيّ -ة الاتّجاه العام لتوجّهات أنظمة ما بعد الثورات في العالم العربيّ، فعلى الرّغم من أنّ أحد الانتقادات الأساسيّة التي وُجّهت للأنظمة السلطويّة قبل الثورة هو انحيازها للولايات المتّحدة والغرب أو ارتباطها بهما، لم تُجْر أنظمة ما بعد الثورة أيّ تغي ري اتٍ جوهريّة على ه ذه الارتباطات (تونس، مصر، ليبيا، اليمن)، يستوي في ذلك الحالات التي انتهت بسيطرة قوى إس ال ميّة، مع تلك التي انتهت بسيطرة قوى غير إسلاميّة. هذا الاتّجاه العامّ مرشّحٌ أيضًا بقوّة في حالة سورية، فحتّى لو افترضنا دعم روسيا للانتفاضة الشعبيّة السوريّة ضدّ نظام بشّار الأسد منذ البداية، فإنه لم يكن هناك ما يضمن سير نظام ما بعد الثورة في اتّجاهٍ مغاير لما انتهت إليه الثورات العربيّة السابقة، خاصّةً في حالة صعود قوى إس ال ميّة وسيطرتها على السلطة، وفي ضوء ما يدور من حديثٍ بشأن وجود "توافق" بين الولايات المتّحدة وبعض القوى الإس ال ميّة في المنطقة، خاصّةً في حالة دول المواجهة مع إسرائيل5.
يدعم هذا التحليل إدراك الفاعل ني الدولييّن والإقليمييّن الرئيس ني وسلوكهم، وهم: روسيا والص ني وإيران، طبيعة الأزمة السوريّة وربطه ا المباشر بالنظام الدوليّ، وهو ما أكّد عليه س ري جي لافروف، وزير الخارجيّة ال روسي، في مقالة له في جريدة هفنجتون بوس ت Huffington Post حزيران / يوني و عام في 15 012 2، والتي أشار فيها إلى أنّه "جنبًا إلى جنب مع مظاهر الأزم ة في الاقتصاد العالمي، فقد أثبت ت هذه الأحداث (يقصد أحداث الشرق الأوسط) بوضوح أنّ عمليّةً ستقود إلى ظهور نظامٍ دوليّ جديد قد دخلت منطقة من الاضطرابات"، وأنّ "السعي إلى تغيير النظام في دمشق ليس سوى حلقة ضمن لعبة جيو سياسيّة إقليميّة كبيرة"6. كشف السلوك الصينيّ أيضًا إزاء التحولّات الجارية في الشرق الأوسط، عن ثلاث ملاحظات مهمّة يجب أخذها في الاعتبار مقارنةً بالسياس ة الصينيّة التقليدية تجاه المنطقة: الملاحظة الأولى، أنّه تطوّر على خلفيّة موجة الربيع العربيّ، بشكلٍ عامّ، والأزمة الس ورية بشكلٍ خاصّ، حضور سياسيّ واضحٌ للصين في منطقة الشرق الأوسط؛ فعلى العكس من تركيز الصين خلال العقود السابقة على الحضور الاقتصاديّ والتجاريّ (سيطرة قضايا النفط والتجارة على السياسة الصينيّة تجاه المنطقة)، إلى جانب دورٍ سياسيّ محدود (مثل تعيين مبعوث صينيّ لعملية الس ال م في الشرق الأوسط)، فقد شهد العامان الأخيران حضورًا سياسيًّا متناميًا للصين، وهو تحوّل مهمّ يجب أن يؤخذ في الاعتبار. وقد أخذ هذا الحضور أش كاالً مختلفة، فإضافةً إلى تطوير الص ني أدواتٍ جديدة للحركة في المنطقة (إرسال قطع حربية إلى مياه البحر المتوسّط، اتّجاهات التصويت داخل مجلس الأمن)، كان واضحًا أيضًا طرح الصين مبادراتٍ سياسيّة بشأن الأزمة السورية، وفتح قنوات اتّصال مع القوى السياسيّة الداخلية بعيدًا عن الأنظمة السياسيّة الرسمية؛ وهي تحولّات مهمّة يجب أن تؤخذ في الاعتبار قياسًا على التوجّهات والسلوكيات السياسيّة الخارجية الصينية التقليديّة تجاه المنطقة. الملاحظة الثانية، وكما أش ريَ في الملاحظة السابقة، قيام الصين بإرسال قطع حربيّة إلى البحر المتوسّط خلال شهري تمّ وز/ يوليو - آب / أغسطس عام 2012 7، وهي المرّة الثانية التي ترسل فيها الصين قطعًا عسكريّة بحرّية إلى البحر المتوسّط خلال عام 012.2 وكانت المرّة الأولى أثناء الثورة الليبيّة عندما أرسلت سفنًا وطائراتٍ حربيّةً لإجلاء رعاياها من ليبيا، وكان لافتًا للنظر أيضًا إرسال قطعٍ حربيّة وليس ت مدنيّة لإجلاء هؤلاء الرعايا8، في مؤش رٍّ مهمّ على تحوّلٍ في السياسة الصينيّة إزاء مسألة إرسال قطع عس كرية خارج مجالها الإقليميّ المباشر، وفي مؤشرّ أيضًا على استعداد الصين لاستخدام الأسلحة العسكريّة لحماية رعاياها في الخارج وفي منطقة الشرق الأوسط. الملاحظة الثالثة، هي وجود درجة ملحوظة من التنسيق بين روس يا والصين في الأزمات الإقليميّة التي ارتبطت بموجة الربيع العربيّ، وتشابُه الس لوكين الروسيّ والصينيّ إلى حدٍّ كبير في هذه الأزمات (الامتناع عن التصويت داخل مجلس الأمن في حالة الق رار 973 1 الخاصّ بالأزمة الليبيّة، وتكرار استخدام الفيتو في حالة الأزمة السوريّة.) الأهمّ من ذلك هو وجود درجة كبيرة من التنسيق ب ني الطّرفين في أقاليمَ أخرى، خاصّةً في آسيا - المحيط الهادئ، وآسيا الوسطى، عربّ عنه توالي التدريبات العسكريّة المش رت كة في البحر الأصفر وفي آس يا الوسطى، وهي مسألة يجب أن تؤخذ في الاعتبار مع تزايد الاهتمام الأميركيّ بالحضور في هذه الأقاليم، وتوسيع شبكة تحالفاتها الأمنيّة، خاصّةً في شر ق آسيا وجنوبها الشرقيّ. لكن، يجب التأكيد في الوقت ذاته أنّ قوّة هذا التحليل س تعتمد على شكل التسوية الأخير الذي ستأخذه الأزمة السوريّة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ بقاء بشّار الأسد لا يمثّل هدفًا في حدّ ذاته بالنسبة إلى الصيّن أو روسيا، فقد تضطرّان إلى التضحية به تحت الضغوط الدوليّة السياسيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، خاصّةً في ظلّ تدهور الأوضاع
الإنسانيّة في سورية. يظلّ المهمّ في هذه الحالة إع ادة إنتاج النظام نفسه بشخوصٍ ونخبةٍ سياسيّة من داخله، تضمن استمرار نمط الارتباطات والتحالفات الإقليميّ ة والدوليّة القائم ة حتّى الآن للنظام. وق د يحدث هذا م ن خلال صيغة إقليميّة - دوليّة مماثلة للتجربة اليمنيّة. المجال. ومن ثمّ، يمكن القول إنّ نجاح الصين وروس يا وإيران في الحفاظ على بقاء نظام بشّار الأسد، أو إعادة إنتاج النظام نفسه بنخبةٍ سياسيّة جديدة من داخل النظام يصبّ في اتّجاه التحليل السابق: التحوّل من النظام الأحادي القطبيّة الراهن إلى نظامٍ متعدّد الأقطاب، وهو س يناريو لن يتحقّق إلا من خلال نجاح القوى الثلاث في منع أيّ عملٍ عسكريّ ضدّ نظام بشّار، أو الدخول في مواجهة عسكريّة مع المحور المقابل في حالة التصعيد العسكري. لكن يظلّ السؤال المهمّ، وهو: هل لدى الصين وروسيا الاستعداد الحقيقيّ للدخول في عملٍ عسكريّ في حال قرّر المحور المقابل استخدام القوّة العسكرية ضدّ نظام بشّار الأسد، وهو احتمالٌ لا يمكن اس تبعاده كليًّا؟ واقع الأمر أنّه لا يمكن الجزم بسيناريو محدّد لردّ فعل المح ور الصيني - الروسي-ّ الإيرانيّ في حالة التصعيد العسكريّ ضدّ نظام بشّار الأسد، فالس يناريوان قائمان، وهناك من المؤشرّات والمواقف الس ابقة ما يدعم ك منهما. فمن ناحيةٍ، يمكن الاستناد إلى صلابة الموقفين الروسيّ والصينيّ حتّى الآن على الرّغم من الضّ غوط التي تمارسها القوى الدوليّة والإقليميّة والمعارضة السوريّة، أضف إلى ذلك التدريبات العسكريّة الروسيّة - الصينيّة - السوريّة المشتركة التي أُجريت في البحر المتوسّط بالقرب من السواحل السوريّة في شهر آب /)2، كمؤشرّأغسطس الماضي 012(ين مهميّن على استعدادهما (روسيا والصين) للدفاع عن النظام السوريّ إلى آخر مدى ممكن. لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا إغفال المواقف الروس يّة والصينيّة في أزماتٍ إقليميّة سابقة، خاصّةًالأزمة العراقيّة - الأميركيّة والتي انتهت بضرب العراق في آذار / مارس عام 0032، فعلى الرّغم من معارضتهما ضرب العراق، اضطرّت ا للتخيلّ عن الحليف العراق يّ عندما وصلت الأزمة إلى مفترق طرق، وأصبح العمل العسكري ضدّ العراق أمرًا حتميًّا. وعلى الرغم من ضرورة فهم السلوكين الروسيّ والصينيّ في س نة 003 2 في سياق الظروف الدوليّة الس ائدة آنذاك، وإدراك كلٍّ منهما تعقيدات مواجهة الهيمنة الأميركيّة في تلك المرحلة، لا يمكن اس تبعاد حدوث السيناريو ذاته في حالة الأزمة السوريّة الراهنة في حالة التصعيد العسكريّ، إذ لا تزال الصيّن تصرّ حتّى الآن، وعلى الرّغم من قدراتها الاقتصاديّة والعسكريّة، على تعريف نفسها باعتبارها دولة "نامية" وقوّة إقليميّة (شر ق آسيويّة.) وعلى العكس من ارتباط الموقف الروسي من الأزمة السوريّة بخطابٍ نق ديّ لهيكل النظام الدولي الراهن، فإنّ الموقف الصينيّ لم يرتبط بخطابٍ واضح في هذا
ويذهب البعض إلى أنه حتّى في حالة انهيار نظام بشّار الأسد على يد المعارضة الداخلية المسلّحة، لا يعني هذا بالضرورة استبعاد المواجهة العسكريّة بين المحورين السابقين. ويذهب هؤلاء إلى أنّ الاحتمال الأكبر هو نشوب حربٍ "عالميّة" ثالثة في المنطقة؛ فسقوط نظام الأسد س وف يدفع بإسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتّح -دة الأميركيّة - إلى ضرب إيران بحجّة منعها من استكمال مشروع برنامجها النووي العسكري، وذلك بعد أن تكون قد فقدت حليفها الرئيس (سورية)، ما سيدفع بإيران بدورها إلى اللجوء إلى أوراقٍ مثل إغلاق مضيق هرمز، الذي سيؤدّي إلى زيادة كبيرة في أسعار النفط وتضرّر الاقتصاد الأم ري كيّ والأوروبيّ، خاصّةً في حال قرّرت روسيا وقف صادرات الغاز إلى الاقتصاد الأوروبي. يستتبع ذلك قرار الولاي ات المتحدة - ومعها الحلفاء الأوروبيّون- القيام بعملٍ عسكريّ واسع ضدّ إيران، ودخول دولٍ أخرى في المنطقة إلى جانبها في هذه الح رب، خاصّةً في منطقة الخليج العربيّ. ويتحدّث هذا السيناريو أيضًا عن اتّساع نطاق الحرب بدرجاتٍ مختلفة، تبدأ من دعمٍ س ياسيّ محدود من دولٍ مثل مصر وخطابٍ إس ال مي (سلفيّ بالأساس) مؤيّدٍ للحرب ضدّ الشيعة في المنطقة، وانته اءً باحتمال حدوث قلاقل واضطرابات طائفيّة داخل العراق ولبنان. كما يطرح هذا السيناريو توجيه حزب الله ضربات انتقامية ضدّ إسرائيل، يستتبعها قرار اجتياح إسرائيل لبنان9. يستند هذا السيناريو إلى أنّ سقوط نظام بشّار الأسد على يد المعارضة السورية المسلّحة سوف يقضي على احتمالات شنّ عملٍ عسكريّ غربي ضدّ نظام بشّار الأسد، ما تنتفي معه احتمالات التدخّل العس كري الروسي - الصينيّ في المنطقة. لكن مع أهمّية هذا التحليل، فإنّ النتيجة النهائيّة لما أطلق عليه هؤلاء "الحرب العالميّة الثالثة" س تعتمد هي الأخرى على فرضيّة دخول روسيا والصين إلى جانب إيران عسكريًّا. لكن، وبصرف النظر عن شكل السيناريو الذي ستأخذه التطوّرات القادمة في المنطقة على خلفيّة الأزمة السوريّة، هناك توافقٌ بين العديد من الباحثين على أنّ هناك خطّةً أو تصوّرًا أميركيًّا معدًّا سلفًا
للمنطقة لمرحلة ما بعد الثورات العربيّة، وأنّ إسقاط النظام السوري يمثّل شر طًا أساس يًّا لانطلاق عمليّة تطبيق هذا المشروع. وعلى الرغم من عدم وضوح الملامح العامّة لهذا المخطّط، فالثابت هو اس تهدافه تحجيم/ القضاء ع ىل النفوذ الروسيّ في المنطقة، وإجهاض الصعود الصينيّ من خ ال ل التحكّم في مصادر النفط في المنطقة ذات الأهمّية بالنسبة إلى الصيّن (نفط ليبيا في المرحلة الأولى، ثمّ النفط الإيرانيّ في مرحلةٍ تالية)10.
السلوك الروسي - الصينيّ هو سعي للحفاظ على المفهوم التقليديّ للسيادة وعدم التدخ ل في الش ؤون الداخليّة
تق ول الفرضيّة المطروحة هنا إنّ الموقف الصيني - الروسيّ من موجة الربيع العربيّ بشكلٍ عامّ، والأزمة السورية بشكلٍ خاصّ، لا يسعى إلى إنهاء حالة الهيمنة الأميركيّة على النظام الدولي الراهن وتدش ني نظامٍ متعدّد الأقطاب، بقدر ما يسعى إلى هدفٍ محدّد هو التأكيد على المبادئ والأسس التقليديّة التي قام عليها النظام الدوليّ بعد الحرب العالميّة الثانية، وتحديدًا مبدأ السيادة بمعناها التقليديّ الجامد الذي يرفض التدخّل في الشّ ؤون الداخليّة للدول الأعضاء في الأمم المتّحدة، ع ىل النحو الذي نصّ عليه ميثاق المنظّمة، ومن ثمّ رفض الأسس والأشكال الحديثة التي طوّرتها الولايات المتّحدة والدول الغربيّة للتدخّل، سواء لدوافعَ إنسانيّة أو بهدف ن رش الديمقراطيّة، خاصّةً عندما يأتي هذا التدخّل من جانب النظام الدولي أو القوّة الغربيّة (الولايات المتّحدة، والناتو.) وبمعنى آخر، فإنّ التفس ري المطروح هنا للسلوكين الروسيّ والصينيّ إزاء الأزمة الس وريّة - بوصفها المحطّة الأبرز في موجة الربي ع العربي - يقصر ال رص اع القائم بين المحورين الروسيّ/ الصيني - الأميركيّ/ الأوروبيّ على مبدأ السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخلية، ومن ث م وفقًا لهذا التفس -ري - قد يكون من المبال غ فيه الحديث عن تدخّل عسكريّ روسيّ صيني ضدّ المحور المقابل في حالة استخدام القوّة ضدّ نظام بشّار الأسد. وتأخذ الصين مدى أبعدَ من الموقف الروسيّ في هذا المجال، إذ ترى أنّ الانتهاكات الداخلية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حالات الإبادة الجماعيّة، لا تؤسّس لحقّ المجتمع الدولي في انتهاك مفهوم السيادة أو التدخّل في الشّؤون الداخلية. وينطبق التكييف ذاته على فكرة الدفاع عن النفس، فبين ام باتت الولايات المتّحدة تتبنّى مفهومًا موسّ عًا ل "المصلحة الوطنيّة"، أدّى بدوره إلى توسيع مفهوم حقّ الدفاع عن النفس، لا تزال الص ني تؤكّد على ضرورة تضييق الحقّ في اس تخدام القوّة المسلّحة على حالات انتهاك السيادة أو وجٍود اعتداء مباشر ومحدّد على أراضي الدولة، وهو ما يعني رفض الصيّن فكرة استخدام القوّة خارج الحدود الإقليميّة للدولة. وعلاوةً على ذلك، فقد سعت الصين منذ منتصف خمسينيّات القرن الماضي إلى إدخال بعض التعديلات على مفهوم السيادة بمعناه التقليدي الوارد في ميثاق الأم م المتّحدة؛ فبدالً من مفهوم "عدم التدخّل في الشّ ؤون الداخليّة للدول الأخرى non-interference in other’s“ " internal affairs ”، روّجت الصين لمفهوم "عدم التدخّل المتبادل في الشّؤون الداخليّة non- interference in each other’s internal“ " ”، وذلك بهدف التأكيد على انس affairs حاب مبدأ عدم التدخّل على العلاقات الثنائيّة بين الدول، وليس فقط تدخّل الأم م المتّحدة في الشّ ؤون الداخلية للدول الأعضاء11 على نحو ما يشير إليه نصّ المادّة الثانية من الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتّحدة12. ويرجع تمسّك الموقفين الروسيّ والصينيّ بمفهوم السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة بمعناهما التقليديّ إلى أنّه يوفّر، من ناحيةٍ، أساسًا سياس لتضييق حرّية حركة القوى المهيمنة -يًّا وعسكريًّا - على النظام الدولي الراهن، وتحديدًا الولايات المتّحدة والناتو. كما يوفّر، من ناحيةٍ ثانية، غطاءً لحرّية حركة النظامين الحاكمين في روسيا والصين لمواجهة أيّ اضطرابات داخليّة قد تع وق عمليّة الصعود الجارية في البلدين، وضمان حقّهما في استخدام العنف للتعامل مع مثل هذه التطوّرات، ورفض أيّ تدخلّات خارجيّة تحت ذريعة حماية حقوق الإنسان أو نشر الديمقراطيّة.
وق د تطوّر ع ىل خلفيّة موجة الربيع الع -ربي - أربعة أنماط لتعاطي الولايات المتّحدة والغرب مع الثورات العربيّة؛ النم ط المصري -ّ التون سّ حيث غاب التدخّل الخارجيّ، والنمط الليبيّ الذي ارتبط بتدخّلٍ عسكريّ من جانب الناتو، والنمط البحرينيّ الذي ارتبط بتدخّلٍ إقليميّ محدود، والنمط اليمنيّ الذي ارتبط بتسويةٍ سياسيّة عبر مبادرة إقليميّة. وينطوي الموقفان الروسيّ والصينيّ من النمطين اللّذين ارتبطا بتدخّلٍ عسكريّ خارجيّ (البحرين، وليبيا) على قدر من التناقض مع دفاعهما عن مبدأ السّيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة؛ إذ لم تع ارض أيٌّ منهما التدخّل الإقليميّ في حالة البحرين، بينما سمحتا بتمرير قرار مجلس الأم ن رقم 970 1 الذي فرض قائم ة من العقوبات العسكريّة والاقتصاديّة والدبلوماسيّة على ليبيا، من خلال التصويت الإيجابيّ على القرار، كما سمحتا من الناحية العمليّة أيضًا بتمرير القرار رقم 973 1 الذي اقترحته بريطانيا وفرنسا، والذي وفّر الغطاء القانونيّ الأمميّ لعمليات الناتو ضدّ النظ ام الليبيّ13، وذلك من خلال امتناعهما عن التصويت.
غير أنّه يمكن تفسير هذا التناقض إلى حدٍّ ما؛ فمن ناحيةٍ، يمكن النظر إلى دعم أو عدم تبنّي مواقف معارضة للتدخّ ل الإقليمي في حالة البحرين باعتباره تدخاّلً سعى بالأساس إلى الحفاظ على الوضع القائم، فضالً عن أنه لم يرتبط بتدخّلٍ من جانب النظام الدولي (مجلس الأمن، أو الولايات المتّحدة أو الناتو)، ما جعل روسيا والصين أقلّ حساس يّة لمصدر التدخل الخارجيّ وطبيعته في هذه الحال ة. أضف إلى ذلك الموق ف العربيّ الداعم - خاصّةً جامعة الدول العربيّة - لهذا التدخّل. وأخيرًا، أنّ هذا التدخّل جاء تطبيقًا لمعاهدة الدفاع المش رت ك بين دول مجلس التعاون الخليجيّ الموقّعة في كانون الأوّل / ديسمبر عام 000 2. وبمعنى أكر وضوحًا، فإنّ حدوث التدخّل على أرضيّةٍ إقليميّة، وبعيدًا عن التدخّل الدولي، وفّر غطاءً للموقفين ال روسيّ والصينيّ الداعمين ضمنيًّا هذا التدخّل، فضالً عن وجود مصلحة مشتركة - وصينيّة بشكلٍ خاص - لعدم حدوث هزّات كبيرة في منطقة الخليج العربيّ من شأنها التأثير في تدفّق الواردات النفطيّة من دول المنطقة. أمّا فيما يتعلّ ق بالحالة الليبيّة، فالوضع يعدّ أكر تعقيدًا. ويمكن هنا طرح عددٍ من العوامل التي تفّسرّ الموقفين الروسيّ والصينيّ اللذيْن يبدوان متناقضينْ مع تمسّكهما بمبدأ السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخليّة. العام ل الأوّل: يتعلّق بطبيعة قرار مجلس الأمن رقم 1 نفس 973 ه، والذي تضمّن بالأساس إقامة منطقة حظر ج وّي داخل ليبيا بهدف توفير حماية جوّية للمدنييّن الليبييّن في مواجهة الاستخدام المفرط للقوّة من جانب نظام الق ذّافي14. ومع ذلك، فقد امتنعت روسيا والص ني عن التصويت لصالح القرار أو الاعتراض عليه. لكن ما ح دث أنّ الناتو قد انحرف عن الالتزام الدقيق بمضمون الصلاحيات المحدّدة في القرار وحدودها، إذ لم يتّجه إلى استهداف قوّات نظام معمّر القذّافي فقط، بل اتّجه إلى توسيع نطاق عمليّاته العسكريّة وأهدافها لتشمل المؤسسات الحكومية والعديد من المؤسسات المدنيّة ومحطّات التليفزيون، إضافةً إلى تسليح المعارضة الليبيّة. وفي مرحلةٍ تالية، قامت قوّات الناتو بعمليات برّية ووَجّهت المعارضة المسلّحة وساعدتها في الاستيلاء على طرابلس16.
وتكمن خطورة الحالة الليبيّة في أنّها دشّنت لتطوير "نموذج" متكامل نسبيًّا للتدخّل العس كريّ الغربيّ بدعوى نشر الديمقراطيّة أو حماية المدنيّ ني من الأنظمة الدكتاتوريّة، أو بدعوى "مسؤوليّة الحماية." تضمّن هذا النموذج -وفقًا لعددٍ من كتابات المحلّلين الصينييّن- أربعة عناصرَ أساس يّة؛ هي: أواّلً، تطوير معارضة داخلية لديها القدرة على شنّ حربٍ أهليّة؛ وثانيًا، تأمين دعم الدول الإقليميّة وتوفير غطاء دوليّ من مجلس الأمن للتدخّل الخارجيّ بدعوى دعم الديمقراطيّة وتغيير الأنظمة الدكتاتوريّة أو حماية المدنييّن. وثالثًا، شنّ عملٍ عسكريّ ضدّ النظام بواسطة الناتو بالتعاون مع عددٍ من الدول الإقليميّة حتّى دفْع النظام إلى الانهيار. وقد أشارت العديد من الكتابات الصينية أيضًا إلى أنّ الدول الغربيّة تسعى إلى تعميم هذا النموذج في التعامل مع موجات الربيع الع ربيّ، وليس هناك ما يمنع تعميمه خارج العالم العربيّ، بما في ذلك أقاليم أخرى حول الصين17. هذه التجربة الروس يّة - الصينيّة مع الحالة الليبيّة وطريقة تحريف تطبيق قرار مجلس الأمن دفعته امٍ إلى الامتناع عن تقديم أيّ غطاء مب اشر أو غير مباشر لتدخّلٍ عسكريّ في سورية، ورفض أيّ صيغة لمشروع قرار داخل مجلس الأمن يتضمّن أيّ عباراتٍ صريحة أو ضمنيّة تسمح بأيّ تدخّلٍ عسكريّ ضدّ نظام بشّار الأسد، ورفض إصدار أيّ مشروع قرار تحت أحكام الفصل السابع، وهو ما حدث أكر من مرّة، كان أبرزها مشروع القرار الذي طُرح للتصويت داخل مجلس الأمن في ش باط / فبراير عام 4 0122، والذي تضمّن التهديد باتّخاذ المزيد من الإجراءات (بما في ذلك استخدام القوّة) في حالة رفض بشّار الأسد ترك السلطة خلال أسبوعين، لكن روس يا والصين أجهضتا مشروع القرار. بمعنى آخر، يمكن القول هنا إنّ امتناع روسيا والصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 973 1 بشكلٍ سمح بتمريره داخل المجلس كان راجعًا إلى مضمون القرار وملابسات ص دوره أكر منه إلى دعمٍ روسي - صينيّ صريح لمبدأ التدخّل العسكريّ في ليبيا. العامل الثاني: يتعلّق بالدعم العربيّ الواس ع للتدخّل الدولي في الحالة الليبيّة، وهو ما عكس ه قرار مجلس جامعة الدول العربيّة الصادر في آذار / م ارس عام 2011 2118. والذي دع ا إلى فرض منطقة لحظر الط ري ان على الطائرات العسكريّة الليبية وإنشاء مناط قَ آمنة في الأماكن المعرّضة للقصف بهدف حماية الشعب الليبيّ. لم يتوفّر هذا الدعم العربيّ لفكرة التدخّل الدولي حتّى الآن في الحالة السوريّة. فعلى الرّغم من اهتمام جامعة الدول العربيّة بالأزمة السوريّة، فهي لم تدعم حتّى الآن هذا المستوى من التدخّل الدولي. وإزاء هذا الموقف العربيّ الرسمي - معربّ ا عنه بقرار مجلس جامعة الدول العربّية - كان من المنطقيّ توافق الصين وروسيا على الامتناع عن قرار مجلس الأمن 1، خاصّةً أنّ القرار أشار صراحةً إلى ق 973 رار مجلس جامعة الدول العربيّة المشار إليه. العام ل الثالث: يتعلّق بوجود بعض الخلاف ات الصينيّة مع العقيد معمّر القذّافي بخصوص التنافس الصين ي - الليبيّ في أفريقيا، إضافةً إلى تمسّك نظام القذّافي بعلاقاته مع تايوان. خلاصة القول هنا إنّه يمكن النظ ر إلى الرصّاع القائم بين روس يا - الص ني، من ناحية، والولايات المتّحدة من ناحيةٍ أخرى على خلفيّة الأزمة الس وريّة، على أنه - في أحد أبعاده - صراعٌ بين نظامين دولييّن، أو بين محور يسعى إلى استغلال الأزمة السوريّة للتأكيد على المبدأ التقليدي للسيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخلية للدول الأعضاء في الأمم المتّحدة، وآخر لا يزال يصرّ على إعادة تعريف هذا المفهوم، ويقيّده بمفاهيمَ مستحدثة من قبيل "التدخّل الإنساني"، أو "مسؤوليّة الحماية"19.
السلوك الروسيّ والصينيّ تجاه الربيع العربيّ هو نتيجة لطبيعة الأنظمة السياسيّة في البلدين
بعيدًا عن المصالح الروسيّة والصينيّة السابقة، يمكن طرح تفس ريٍ آخرَ مكمّل لهذه المصالح. وينطلق هذا التفس ري من فرضيّة مفادها أنّ النظم غير الديمقراطية تميل بشكلٍ عامّ إلى مقاومة "الثورات" أو "الإصلاحات الثوريّ ة"، بينما تميل أكر إلى القبول بفكرة الإصلاح السياسي المتدرّج. وتجد هذه الفرضية تفسيرها في خبرة هذه الدول مع الإصلاحات الجذريّة أو ما يُعرف بالإصلاحات بالصدمة. والمثال الواضح هنا هو خبرة روس يا مع تجربة الإصلاح المفاجئ التي طبّقها
الرئيس الس وفياتي السابق غورباتشوف في نهاية عقد الثمانينيّات من القرن الماضي، والتي انتهت بانهيار الاتّحاد السوفياتي وتفكّكه، ومن قبلها تجربة ثورة البلاشفة س نة 1917 20. وعلى الرغم من أنّ الصين لم تشهد مثل هذه الخبرة، فالخبرة السوفياتية قامت بالدور الأكبر في تطوير "نظريّة صينية" مقابلة في الانفتاح السياسي والاقتصادي، قامت على الإصلاح التدريجي الممنهج، مع أولويّة الانفتاح الاقتصادي على مثيله السياسي. وقد كانت الخبرة السوفياتية تلك شديدة الأهمّية بالنسبة إلى الصيّن بالنظر إلى الخبرة الشيوعيّة المشتركة بين البلدين. وعلى الرّغم من م رور أكر من عشرين عامًا على خبرة انهيار الاتّحاد السوفياتي، لا تزال الصّ ني تتمسّك بنظريّتها في الإصلاح السياسي والاقتصادي. الأمر نفسه، فيما يتعلّق بروسيا، فعلى الرّغم من تجاوزها خبرة غورباتشوف، أدّى اعتلاء بوتين قمّة الس لطة في سنة 000 2 إلى سيطرة هذا المنهج بقوّة على عملية الانتقال في البلاد، وهو ما عكسته لعبة تبادل الأدوار الأخيرة بين بوتين وميدفيدف، والتركيز على المشروع الوطني في إحياء الدور الدوليّ لروسيا. وانطلاقًا من هذه الفرضيّة يمكن تفس ري مضمون الخطابين الروسي والصيني إزاء الثورات العربيّة بشكلٍ عامّ، والثورة السوريّة بشكلٍ خاصّ، واللذين يؤكّدان على النتائج السلبية المتوقّعة للربيع العربيّ بشكلٍ عامّ، وللأزمة السوريّة الراهنة بشكلٍ خاصّ في حالة سقوط بشّار الأسد. إذ يؤكّد الخطابان على أنّ سقوط الأسد سيقود إلى حربٍ أهليّة، ورمبّ ا تقسيم سورية، كما سيقود إلى انتشار الإسلامييّن الجهادييّن، وهو ما يفرسّ أيضًا تركيز جميع المبادرات التي طُرحت من جانب روسيا أو الصين على التسوية السياسيّة للأزمة، وأن يجري رحيل الأسد، في حالة الإصرار على هذا البديل، في س ياق توافقات سياسيّة داخلية، وضرورة اس تبعاد بديل السقوط المفاجئ للنظام، سواء عبر العمل العسكريّ -الداخليّ أو الخارجي - أو حتّى عبر العقوبات الاقتصاديّة الخانقة. كما يركّز الخطابان الروسيّ والصينيّ على ضرورة تس وية هذه الأزمة عبر الحوار الداخلي وتحديد مستقبل سورية بواسطة السورييّن أنفسهم في إطار الحفاظ على استقلال سورية وسيادتها ووحدة أراضيها21.
الث ورات العربية تمث ل تهديدًا للاستقرار الداخلي وللنماذج الوطنيّة في الإصلاح السياسيّ في روسيا والصين
يصدق ذلك بشكلٍ خاصّ على حالة الصين؛ فقد شهدت الصين بالفعل خلال عامي 2011، 0122 ما يشير إلى محاولة الطبقة العاملة الصينيّة محاكاة ثورات الربيع العربيّ، أو محاولة إنتاج "نسخة صينية" من هذه الثورات، بدءًا من استغلال شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة البلاك ب ري ي، وانتهاءً بالاحتجاج ات الفعليّة. وبصرف النظر عن إمكانية تطوّر "نسخة صينيّة" من هذه الثورات أو عدمها، فقد عكست ممارسات الحكومة الصينيّة خلال الفترة نفسها وجود تخوّف حقيقيّ من هذا الاحتمال، عكسه تشديد الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة البحث على شبكة الإنترنت (حتّى أنّ الحكومة الصينية حجبت استخدام كلمة الياسمين - الثورة التونسيّة - في أدوات البحث على شبكة الإنترنت)، واتّخاذ إجراءات أمنيّة صارمة في مواجهة هذه الاحتجاجات. كما يعكسه الاهتمام الكبير ال ذي أولاه المؤتمر الثامن عشر للحزب الش يوعي الصيني الذي عُقد خلال الفترة -7(41 تشرين الث اني / نوفمبر 012 2)، لقضيّتي الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد داخل أجهزة الدولة، وهو ما عربّ ت عنه بقوّة الكلمة الافتتاحيّة للرئيس هو جنتاو الذي قال، أو بالأحرى حذّر من أنه "إذا فش لنا في أن نتعامل بشكلٍ جيّد مع الفساد فإنه قد يوجّه ضربة قاتلة إلى الحزب، ورمبّ ا يتسبّب في انهيار الحزب وسقوط الدولة... إصلاح البنيان السياسي جزء مهمّ من الإصلاح الشامل في الص ني. علينا أن نواصل القيام بمجهودات نشطة وحذرة في الوقت نفسه لتنفيذ إصلاح البنيان الس ياسي وجعل ديمقراطية الشعب أكر ش موالً "22. أضف إلى ذلك عزل الحزب أحد أعضاء مكتبه السياسي بسبب ما نُسب إليه من إساءة استخدام السلطة وتضخّم ثروته. تعكس هذه العبارات القويّة من جانب هو جنتاو عن الفساد والإصلاح السياسي قلقًا حقيقيًّا لدى القيادات الصينيّة بشأن امتداد تأثير موجة الربيع العربيّ إلى الصين. وتزداد هذه الاحتمالات في ظلّ ارتباط موجة الثورات العربيّة بصعود القوى الإس ال ميّة إلى السلطة. وقد يؤدّي هذا الصعود إلى تطوّر إدراك لدى الأقلّية المسلمة في الصين مفاده أنّ وصول الإس ال مييّن إلى الس لطة في الدول العربيّة عقب أنظمة "علمانيّة" هو مؤشرّ لصحوة
إس ال ميّة في العالم الإس الميّ. وتزداد احتمالات تطوّر هذا الإدراك في ظلّ عاملين رئيس ني: الأوّل هو عودة مفهوم "الأمّة الإس ال ميّة" بقوّة لدى القوى الإسلاميّة في الدول العربيّة التي وصل فيها الإسلاميّون إلى السلطة ومحاولة تأكيدها الانتماء الإسلاميّ لهذه الدول في الدساتير والسياسات الخارجيّة لدول ما بعد الثورة، وتزايد الانتقادات التي وجّهها الإس الميّون في عددٍ من الدول العربيّة - والإخوان المسلمون في الأردن وس ورية - للصيّن (إلى جانب روسيا وإيران) على خلفيّة موقفها من الأزمة السوريّة، والذي ن وصفوا الصين بأنّها - إلى جانب روس يا وإيران - شر يك في مذابح الأسد، بل وصفتهم إحدى القيادات الإس ال ميّة المحسوبة على الإخوان المسلمين بأعداء الأمّة الإسلامية، وطالبت الحجّاج بالدّعاء عليه م23. أمّا العامل الث اني فهو وجود نخبة أو طليعة داخل الأقلّية المسلمة في الص ني تلقّت تعليمها في الجامعات الإس ال ميّة في عددٍ من دول المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية، وإيران، ومصر24، ما قد يجعلها أكر ميالً لمحاكاة الثورات العربية، باعتبارها جزءًا من الصراع بين الإس الم والعلمانيّة، على نحو ما يصوّره قطاعٌ كبير من الإس ال مييّن في العالم العربي. وعلى الرغم من حدوث انتفاضة داخل الأقلّية المسلمة في الصين والتي تتركّز في غربيّها (خاصّةً في مقاطعات شينجيانج Xinjiang، وقانزو Ganzo، ونينغشيا)، فإنّ الأمر لن يقتصر على الأقلّية المس Ningziaلمة، وقد يمتدّ إلى باقي الأقلّيات العرقيّة والدينية داخل الصين بسبب الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي تعاني منها هذه الأقلّيات. ويرتبط بهذه المسألة التحوّل المتوقّ ع في موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط على خلفيّة الربيع العربيّ وتأثيره في الداخل الصينيّ، خاصّةً بروز الدور التركيّ في الشرق الأوسط، وما قد يستتبعه نموّ المشاعر القوميّة التركية وامتدادها إلى إقليم "تركستان الشرقية" غربيّ الصين، والتي شهدت ظهور حركة انفصاليّة ومحاولات عدّة لإعلان دولة مستقلّة في الإقليم خ ال ل النصف الأوّل من القرن العشرين، كان أبرزها إعلان مولاي الأكبر شابيتي "جمهورية تركستان الشرقية الإس المية" في مدينة كاشغار في تشرين الثاني / نوفمبر 9331، وإعلان في س علي خان الجمهورية ذاتها في مدينة يينينغ Yi Ning نة 944 1. وع ىل الرغم من الضربات القويّة التي تعرّضت له ا الحركة عقب الثورة الصينيّة، فلقد عادت بقوّة مرّةً أخرى خلال عقد التسعينيّات من خلال عقد سلسلة من المؤتمرات خارج الصين؛ كان أهمّها "المؤتمر الوطني لنوّاب تركستان الشرقية" الذي عُقد في تركيا في كانون الأوّل / ديس مبر عام 992 1، وجرى فيه إقرارُ اس مِ دولة كردستان الشرقية وعلمِها ونشيدها الوطنييّن؛ ومؤتمران آخران في نيسان / أبريل عام في تركيا أيضًا؛ وآخر في س 9931، وفي عام 999 نة 2 في ألمانيا. 004 1 وتزداد التخوّفات الصينيّة من تداعيات التحولّات السياسية والإقليمية في الشرق الأوسط على الحركة الانفصالية في تركستان الشرقية في ضوء غضّ الحكومة التركيّة الطرف عن أنش طة "منظّمة تركستان الشرقية" على أراضيها، ونجاح المنظّمة في إدخال تعديلاتٍ مهمّة على خطابها وتكتيكات عملها، خاصّةً طرح قضيّتها باعتبارها قضيّة حقوق إنسان من أجل كسب دعم الدول الغربيّة والإعلام الغربيّ، وسعيها إلى تدويل القضيّة.
وعلى الرغم من أنّ هذا التهديد قد يكون أقلّ وضوحًا في حالة روسيا، فهو لا يعدّ غائبًا تمامًا؛ إذ أثبتت موجة الثورات والاحتجاجات الراهنة في العالم العربيّ أنّنا إزاء موجةٍ لديها القدرة على الانتش ار من دولةٍ إلى أخرى، ولا يمكن القطع بحدودها النهائيّة. فهل ستتوقّف عند الحدود العربيّة، أم ستتّسع لتش مل دوالً أخرى إسلاميّة غير عربيّة، بمعنى انتقالها إلى إيران ودول القوقاز وآس يا الوسطى؟ خاصّةً في ظلّ
وجود بعض القواسم الدينيّة والسياسية المشتركة بين العالم العربيّ، من ناحية، وإيران ودول آسيا الوسطى من ناحيةٍ أخرى (الإسلام، والأنظمة السياسيّة السلطويّة.)
ثانيًا: العلاقات العربيّة مع روسيا والصين بعد الربيع العربيّ
على الرّغم من الإدراك السلبي للس لوك والموقف الروسي - الصينيّ من جانب الكثيرين في العالم العربيّ لأنه بدا واقفًا إلى جانب الأنظمة السلطويّة وضدّ مصالح الشعوب وطموحاتها في بناء أنظمتها الديمقراطية والتخلّص من الأنظمة الس لطويّة القائم ة، فسيظلّ من مصلحة الدول العربيّة تعزيز مواقف القوى الدوليّة الرافضة للتوسّع في مبدأ "التدخّل الخارجي"، ب رص ف النظر عن مبرّرات هذا التدخّل، والحفاظ على أولويّة مبدأ السيادة وعدم التدخّل في الشّؤون الداخلية. لكن تطوير علاقات جيّدة مع "المح ور" الروسي - الصينيّ الصاعد في المنطقة يتطلّب جهدًا عربيًّا وروسيًّا صينيًّا مشتركًا لتعظيم المكاسب المش رتكة من هذه التحولّات الدوليّة المهمّة. ونطرح فيما يلي شر طين أساسييّن لتعظيم المكاسب الروس يّة - الصينيّة - العربيّة المشتركة في مرحلة ما بعد الربيع العربيّ. الرط الأوّل: يتعلّق بضرورة تطوير روسيا والصين خطاباتٍ واضحة إزاء قضايا التحوّل الديمقراطي وحقوق الإنس ان في المنطقة. فبصرف النظر عن الدوافع الحقيقيّة وراء الس لوك الروسي - الصينيّ في الأزمة السوريّة ومواقفهما المعارضة نمط التدخّل العسكري في ليبيا، إلا أنّهما بدتا في المشهد الأخير وكأنّهما تنحازان إلى جانب الأنظمة السياسية السلطوية في مواجهة الموجات الثورية العربيّة المطالبة بإزاحة هذه الأنظمة وإقامة أنظمة ديمقراطية بديلة. ويرتبط بهذه النقطة ضرورة استعداد روسيا والصين للتعامل مع أنظمة أكر انفتاحًا وديمقراطية في المنطقة مقارنةً مع العقود السابقة. فقد اعتمدت الصين على س بيل المثال، في تطوير علاقاتها مع العالم العربيّ خلال العقود السابقة، ع ىل أنظمةٍ ذات طبيعة سلطوية (العراق في مرحلة سابقة، نظام بشّار الأسد في سورية، نظام معمّر القذافي في ليبيا، نظام البشير في السودان.) جنّب هذا الواقع السياسي العربيّ الصينَ الحاجة إلى تطوير خطابٍ واضح إزاء التطورات السياسية الداخلية في الدول العربيّة، وقضايا حقوق الإنسان، كما جنّبها حتّى الحاجة إلى فهم الخريطة السياسيّة الداخلية لهذه الدول. وقد مثّلت الأزمة السورية نموذجًا كاشفًا التحدّي الذي يواجه السياسة الصينيّة في هذا المجال. وتزداد أهمّية هذا الشرط في حالة فشل المعارضة السوريّة والقوى الإقليميّة والدوليّة الداعمة لها، في إسقاط نظام بشّار الأسد، إذ سيجري في هذه الحالة تحميل روسيا والصين مسؤوليّة فشل الثورة السوريّة. الرط الثاني: يتعلّق بالدول العربيّة التي عليها أن تطوّر خطابًا واضحًا تج اه القضايا والتفاعلات والتوازنات الدوليّة الجديدة، والتي أضحت القوى الآسيويّة أطرافًا وفاعلين رئيسين فيها. وتشير التوجّهات الأوليّة لأنظمة ما بعد الثورة إلى احتمال تزايد الاهتمام بسياسة "التوجّه شر قًا"، على نحو ما عكسته زيارة الرئيس المصريّ محمد مرسي للصين في آب / أغس طس الماضي 2.) غير أنّ نجاح هذا التوجّه س 012(يظلّ مرهونًا بعددٍ من الاستحقاقات المهمّة ع ىل هذه الأنظمة. يأتي على رأسها ضرورة فهم المشهد السياسي والإس رت اتيجيّ الجديد في آسيا. لقد ساد اعتقادٌ خلال العقد الأخ ري بغلبة الاقتصاد والتجارة على التفاعلات الإقليميّة البينيّة، والخارجية، للدول الآسيويّة. وهو اعتقاد كان صحيحًا استنادًا إلى طبيعة التجارب التنمويّة لاقتصاد هذه الدول، ما خلق فرصًا لتفاعل دول العالم الخارجي (بما في ذلك الدول العربية) مع الدول الآسيويّة في مجالات التجارة والاستثمار ومحاولة الاستفادة من إمكاناتها الاقتصاديّة دون أن يفرض ذلك الحاجة إلى تطوير خطاب محدّد إزاء القضايا السياسيّة والأمنيّة الآسيوية. لكن، قد يصعب استمرار هذا التوجّه مستقبالً في ضوء تغريّ نمط العلاقة بين القوى الآسيويّة الصاعدة والنظام الدولي، واتّجاه الولايات المتّحدة إلى تكثيف حضورها الس ياسي والأمني في آسيا - المحيط الهادئ، وتطوير خطاب أميركيّ جديد بش أن الصراعات القائم ة في المنطقة، ودخولها في حالة قريبة من سباق التسلّح. أضف إلى ذلك انتقال حالة الاستقطاب الأميركي - الصينيّ / الروسيّ إلى منطقة الشرق الأوسط، وبشأن قضايا عربيّة (سورية.) ومن ثمّ، قد يصبح على الأنظمة العربية حس م خياراتها قريبً ا، وما لم يجْر تطوير خطابٍ عربيّ محدّد ومتّسق إزاء القضايا والصراعات الأمنيّة في آسيا سيكون من الصعب تطوير سياسة حقيقيّة للتوجّه شر قًا. لقد كان لافتًا للنظر أن يعلن الرئيس مرسي من إيران عن تدخّلٍ دولي فاعل في سورية، وذلك بعد ساعات محدودة من مغادرته الصين التي ترفض بش دّة أيّ شكلٍ من أشكال هذا التدخّل. قد يكون مثل هذا الخطاب غيرَ مقبول مس تقبالً من مصر في مرحلةٍ سيتراجع فيها التمييز التقليديّ الذي نشأ بين السياسة والاقتصاد خلال العقود السّابقة.