الترويكا الحاكمة في تونس

عائشة التايب

الملخّص

تُعŽŽŽدّ تجربŽŽŽ ة الترويكا في الحكم في تونس تجربة متفرِّدة بالمقارنة مع ما جرى في غيرها من دول الربيŽŽŽع العربŽŽŽي خلال المرحلة الانتقاليŽŽŽة، إذ إنها قامت على التحالŽŽŽف بين أكثر من حزب. وصلت القŽŽŽوى المكونة للترويكا إلى الحكم عبر صناديق الاقتŽŽŽراع، والحكومة التي انبثقت عنهŽŽŽا كانت تمثل الإرادة الحرة للشŽŽŽعب التونسŽŽŽي وعبر ممثليه في المجلس التأسيسŽŽŽي. يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع وًاجهت تجربة الترويكا التونسية عثراتٍ مختلفة ولكنها سجلت بعض النجاحات. تحاول هذه مŽŽŽن جهة، والمجتمع والفŽŽŽ رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار الدراسŽŽŽة البحث فŽŽŽي طبيعة التحالف الثلاثي الحاكم وتركيبته ومسŽŽŽتوى التقŽŽŽارب أو التنافر تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسŽŽŽموح له بممارسŽŽŽة فعله بين مكوناته، ومدى صلابة هذا التحالف وقدرته على الصمود في مواجهة تحديات المراحل عنها فشŽŽŽل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسŽŽŽة لتعدد الإشŽŽŽكاليات الطائفيّة والمحطŽŽŽات السياسŽŽŽيّة القادمŽŽŽة. وتخلŽŽŽص الدراسŽŽŽة إلى أن الترويكا التونسŽŽŽية اسŽŽŽتطاعت فŽŽŽي العالŽŽŽم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شŽŽŽيعيّة أخذت تتضخŽŽŽم خصوصيتها إلى الصمود على الرغم من عناصر التفرقة والتنافر بين مكوناتها، والمطبات السياسية الوعرة درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن التŽŽŽي كانت تنذر بتصدع فعلي في بنائها. ترى الدراسŽŽŽة أنه مŽŽŽن المتوقع إعادة تجربة الحكم أمŽŽŽانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ ŽŽŽنيَّة لا تزال فكرة الحكم السŽŽŽ لطاني - الذي يغلب ثقافة الثلاثية مرة أخرى، لكن في ظروف مختلفة، ربما يكون أبرزها تشŽŽŽكيل المعارضة التونسŽŽŽية على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. جبهة واحدة لمواجهة هذا التحالف الثلاثي.

حصاد العام بين صعوبات الممارسة وجسامة التحديات

مقدمة

تقيّم هذه الدراسة تجربة الترويكا التونسيّة في الحك م والعرات المختلفة التي مرت بها. فالتجربة لم تكن تجربةً هيّنة على الرغم من مشروعيّة وصولها إليه عبر صناديق الاقتراع، ورمزيّة تلك التجربة والحكومة المتشكلة عنها بوصفها أوّل حكومةٍ تنبثق عن الإرادة الحرّة للشعب التونسي وعبر ممثليه في المجلس التأسيسي، بقدر ما كانت سيرًا لمجموعة من المناضلين عديمي التجربة والخبرة السياسيّة في مس الك وعرة وملتوية. تحاول هذه الدراسة البحث في طبيعة التحالف الثلاثي الحاكم وتركيبته ومنسوب التقارب أو التناف ر المفترض بين مكوناته، ومدى صلابة هذا التحالف وقدرته على الصمود في مواجهة تحديات المراحل والمحطات السياسيّة القادمة. وتطرح العديد من الأسئلة المتصلة أواّلً بمستويات الفشل ونجاح الترويكا الحاكمة في إدارة الملفات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة والسياس يّة، والمتصّلة ثانيًا بمستقبل ذلك التحالف السياسي الثلاثي، وما يُطرح عليه من تحدياتٍ مستقبليّة في ظلّ تجربة القيادة التي خاضها في السنة المنقضية. شهدت مناسبة إحياء مرور عامٍ على أوّل انتخابات ديمقراطيّة وحرّة في تونس بعد الثورة يوم 23 تشرين الأول / أكتوبر 0112 جدالً واسعًا بين أطيافٍ متنافرة من الآراء، منها ما شدَّد على ضرورة الاحتفاء بالمناسبة، ومنها ما رفض ذلك علنًا، مؤكدًا فشل الأطراف الفائزة بالانتخابات في تحقيق أهداف الثورة وفي إنجاز استحقاقات المرحلة الانتقاليّة. وبعيدًا عن تجاذبات الأطراف الحزبيّة، والحسابات السياس يّة المختلفة لها، فإن التّقييم الموضوعي لتجربة الترويكا الحاكمة في الممارسة السياسيّة وفي قيادة البلاد يطرح العديد من الأسئلة المتصلة أواّلً بمستويات فشل الترويكا الحاكمة ونجاحها في إدارة الملفات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة والسياس يّة، والمتصّلة ثانيًا بمستقبل ذلك التحالف السياسي الثلاثي، وما يُطرح عليه من تحدياتٍ مستقبليّة في ظلّ تجربة القيادة التي خاضها في السنة المنقضية، كما يدفع باتجاه البحث الجوهري في طبيعة ذلك التحالف وتركيبته ومنسوب التقارب أو التنافر المفترض بين مكوناته، وم دى صلابة هذا التحالف وقدرته على الصمود في مواجهة تحدّيات المراحل والمحطات السياسيّة المقبلة.

الترويكا: جدل انتهاء الشرعيّة وحصيلة تجربة الحكم

لقد برز النقاش بشأن ضبط المرحلة الانتقاليّة وتحديد مدّتها مباشرة بعد الإعلان عن نتائج انتخابات تشرين الأول / أكتوب ر 0112، وتشكيل حكومة الترويكا قبل سنة تقريبًا من هذا التاريخ، وقد تحدّثت بعض الأطراف في التحالف الحاكم حينها عن فترة لا تقلّ عن ثلاث سنوات (حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة)، وتحدثت أخرى عن مدة لا تقلّ عن سنة ونصف (حزب حركة النهضة.) وتمسّكت أحزاب المعارضة في معظمها ب رض ورة أن لا تتجاوز المرحلة الانتقاليّة س نة واحدة، يُكتب فيها الدستور الجديد، والمرور بعدها إلى مرحلة البناء الفعلي للجمهوريّة الثانية. واستقرّ الأمر عقب ذلك النقاش على التزام خاصة أمام تمسّك المعارضة والش الأطراف الحاكمة -ارع - بالإسراع في كتابة الدس تور والالتزام بإنهاء المرحلة الانتقاليّة على أن لا تتجاوز السنة أو السنة والنصف على أكر تقدير. حمَلت الترويكا الحاكمة بأحزابها الثلاثة مس ؤوليّة مزدوجة تمثلت في الالتزام بالتوازي بكتابة دستور جديد للبلاد، أُوكلت مهمّة صوغه الرئيس ة للمجلس الوطني التأسيسي الذي يترأسه مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل من أجل العمل والحريات، والالتزام في الوقت ذاته بتسيير شؤون الدولة والمجتمع ومعالجة المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة العاجلة عبر التنسيق وتوزيع المهمات بين الحكومة التي تش كلت قائم ة أعضائها على محاصصة حزبيّة بين الأحزاب الفائزة وبعض المقرب ني منها ورئاسة الجمهورية. وجرى تقاسم التس يير في ضوء توزيع غير متكافئ للصلاحيّات والمهام رجّح الكفّة لصالح رئيس الحكومة على حساب صلاحيّات رئيس الجمهوريّة. وبعد مرور سنة على هذه التجربة، تتوجه بعض الأطراف من أحزاب المعارضة وعددٌ من المراقبين للوضع العامّ للب ال د باتهاماتٍ لاذعةٍ لحكومة الترويكا بالفشل السياسي والاقتصادي والأمني والعجز عن الوفاء بالتعهّد بكتابة الدستور، إلى جانب الإخفاق في الارتقاء بأوضاع البلاد وإدارة مشاكلها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسيطرة على وضعها الأمني المختلّ منذ اندلاع الثورة. وتؤكِّد الدلائل الواقعيّة اليوم على هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس، إذ تتواصل الفوضى الاجتماعيّ ة في غالبيّة المناطق ولا سيمّا الداخليّة منها، ويتواصل نسق ارتفاع عدد الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرق وغلق المؤسسات الاقتصاديّة والاحتجاجات الاجتماعيّة المختلفة المتّسمة بالمطلبيّة. كما تشير أغلب التقارير الاقتصاديّة الداخليّة والخارجيّة إلى صعوبة الظرف الاقتصادي في تونس وحاجته الأكيدة إلى الأمن والاس تقرار ليتمكّن من الانتعاش وتج اوز العقبات المتكرّرة. ولا يزال الاقتصاد التونسي إلى اليوم - على الرغم من مرور سنة على أوّل انتخابات حرّة وديمقراطيّة في البلاد

ووج ود حكومة شرعيّة منتخبة يواص -ل البحث عن بوادر الانفراج والخروج من أزمةٍ اقتصاديّة واجتماعيّة خانقة، ما إن تنتعش أحوالها جزئيًّا حتّى تعود للانتكاس. وتعكس الم ؤشرّات الاقتصاديّة العامّة1 تذبذبًا وعدم استقرار كبيرين للأوضاع، إذ بلغ معدل التضخّم، بحسب المعهد الوطن ي للإ حصاء في تونس، في شهر آب / أغس طس 2 012 نسبة %5.6، وبلغ العجز التجاري في الفترة نفسها %5.8، وسجّل النّاتج بالأسعار القارّة انكماشً ا نسبته المحيلّ الإجمالي الثلاثي %2.2- خلال الثلث الأول من 0122، وبلغ مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي %5.5. وتراجعت عائدات السياحة والاستثمار بش كل كبير منذ سنة 2 011 بسبب الفوضى الاجتماعيّة. وسجّلت س نة 0112 مغادرة 00 2 شر كة أجنبيّة من جملة 000 3 شر كة ناشطة في تونس بسبب الاعتصامات المتك رِّرة والاضطرابات والمطالبة بالزيادة في الأج ر. ويقارب العدد الإج املي للعاطلين عن العمل اليوم نحو 00 8 ألف عاطل، وسجَّلت النسبة العامة للبطالة في الثلث الأول من س نة 0122 نحو %18.1، وبلغت النسبة لدى الذكور %14.9 و%26.6 لدى الإناث. وتتوزَّع نسب البطالة بحسب الأقاليم الجغرافيّة كالتالي: إقلي م تونس العاصمة %19.4، الشمال الشرقي %12.6، الوسط الشرقي %12.4، الوسط الغربي %23.1، الجنوب الشرقي %26.1، الجنوب الغربي %25.3. وبلغت بطالة حاملي الشهادات العليا %33.1 في الثلث الأول من سنة 2012 2. ولعلّه من المهمّ الإشارة إلى أنّ هذه النسب قد ش هدت بعض الانخفاض في الثلث الثاني من السنة نفسها، فبحسب المعهد الوطني حصاء أشارت الإحصائيات إلى انخفاض ع دد العاطلين إلى للإ 91.7 6 ألفًا وهو ما يعادل نس بة بطالة قدرها. وقد سجّلت نس %17.6 بة البطالة في الثلث الأوّل لس نة والثلث الأوّل لس 011 نة 012 2 2 على الت والي %18.3 و 18.1٪. ك ام أن نسبة بطالة أصحاب المستويات التعليميّة العالية انخفض ت إلى %26.1 مقابل %29.2 في الثلث الثاني من س نة في الثلث الأول من س 011%33.12 ونة 2 3 012. ولكن، من المهمّ القول في النطاق ذاته إنّه على الرغم امّ قد تعكسه هذه الأرقام من تطوّر نسبيّ لجهد الحكومة في التشغيل ومقاومة البطالة، إلاّ أنّ ذلك التحسّن في مس توى المؤشرِّات والأرقام ظلّ قليل الصدى والظهور في مستوى الواقع الاجتماعي الملم وس للمواطن التونسي، إذ ظلّت المطالبة بالتشغيل العنوان الأبرز لاحتجاجات العاطلين عن العمل والمشهد الطاغي عليها، خاصةً في المناطق الداخليّة المحرومة من التنمية. ورمبّ ا يجد الاختلال بين الأرقام الإحصائية المتحسنة نسبيًا م ن فترة ثلاثيّة إلى أخرى والواقع اليومي الملموس للمواطن تبريره في استفحال الوضع وتراكم العوائق على مدى العقود المنقضية واستحالة المواجهة العاجلة له، أكر مما ينسب إلى عجز الحكومة وفشلها في مجابهة مشكلة البطالة، وكذلك الفقر وسائر القضاي ا ذات الصلة بالتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

وعمومًا، يمكن القول إنَّ الملفات الاقتصاديّ ة مثّلت التحدّي الرئيس للسلطة الحاكمة بع د 23 تشرين الأول / أكتوب ر 012 2 وللثورة التونسيّة بشكلٍ أعم، وتؤكّد بعض الآراء على أنّ من تولّوا إدارة الشأن السياسي في ظلّ التروي كا الحاكمة يفتقدون رؤ ية اقتصاديّة بعيدة المدى، ولم يقدّموا للش عب التونسي برامج أو بدائل تنمويّة، ولا آماالً قادرةً على تحقيق نقلةٍ اقتصاديّة نوعيّة4. وإلى جانب جملة المصاعب الاقتصاديّة المتمثّل ة في تواصل تردّي الواقع الاقتص ادي والاجتماعي وتراجع المؤشر ات الاقتصاديّة وتناقص

  1. نعتم د في هذا المقام إحصاءات المعهد الوطني للإحصاء على الرغم من بعض الاتهامات الموجّهة للمعهد وللأرقام التي ينتجها فيما تعلّق بنسبة النموّ واختلافها عن النس ب التي تصدرها بعض الجهات الأخرى، خاصّة على المستوى الدولي. ويذكر أنّ مسألة تضارب الأرقام الرسميّة واختلافها ودرجة صدقيتها مسألة طرحت نفسها بقوّة منذ اندلاع الثورة، وكنا قد
  2. المعهد الوطني للإ حصاء، "نتائج المسح الوطني حول الس كان والتشغيل في الثلث الأوّل لسنة."2012 3 المعهد الوطني للإ حصاء، "نتائج المسح الوطني حول الس كان والتشغيل في الثلث الثاني لسنة."2012 4  " الإعلامي صلاح الدين الج ورشي في منتدى الثورة: إصرار المؤتم ر والنهضة على إقصاء التجمعيين س يحول التجمع إلى ضحية"، جريدة الصباح (تونس 2، ش)، /11/11 012 وهد في 012/11/30 2، على الرابط: http://www.assabah.com.tn/article-79042.html
  3. ناقشنا هذه المسألة بالتفصيل في بحث عن "سياسات التنمية في البلدان العربية وتأثيرها على فرص العمل، حالة تونس" تقدّمنا به للمؤتمر السنوي الأوّل للعلوم الاجتماعية والإنسانية،
  4. ال ذي نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة في الف رتة -24 62 آذار / مارس 012 2.

الاس تثمار وعدم انتعاش الحركة السياحيّة وعدم تحس ن الأوضاع بحس الاجتماعيّة، وهو ما تتحمّل الحكومة -ب اتهامات المعارضة - المسؤوليّة الأبرز عنه، تواجه حكومة الترويكا في الوقت نفسه اتهاماتٍ بعجزها عن مواجهة العديد من التحديات السياس يّة التي اضطلعت بها عند تدش ني مسار المرحلة الانتقاليّة. وتواجه الترويكا الحاكمة اليوم انتقاداتٍ لاذعة واتهاماتٍ للمجلس التأس يسي بالعجز بسبب عدم الانتهاء من كتابة مسوّدة الدستور بعد انقضاء المدة المخصصة لذلك، وهو قطب الرح ى ومن أكر ضروريات المرحلة الانتقاليّة، إلى جانب التباطؤ في تعيين هيئة عليا مستقلة للانتخابات وهيئة عليا للقضاء وأخرى للإ علام. اندلعت عشيّة الذكرى الأولى للانتخابات ح ربٌ كلاميّةٌ وتهديداتٌ متتاليةٌ بنس ف الشرعيّة، فضالً عن التشكيك في صدق النوايا والطعن في صدقيّة أعضاء المجلس، والحكومة من خلفهم، خاصةً فيما يتعلق بالإخ ال ل بتعهّدهم الأخلاقي أمام الش عب مباشر ةً بعد انتخابهم بالإسراع في كتابة الدستور وضبط مواعيد الانتخابات المقبلة وهيكلة المش هد السياسي. وهو ما اضطر - بحسب بعض المراقبين - الحكومة والمجلس الوطني التأس يسي إلى المبادرة بضبط تواريخ قصوى لإنجاز الانتخابات المقبلة وعرض توطئة الدستور على النقاش ضمن الجلسة العام ة للمجلس المنعقدة بعد 23 تشري ن الأول / أكتوبر 0122 في ش كل رسالة طمأ نةٍ للشعب وإفصاح عن حسن النوايا وبيانٍ لتقدّم أشغال كتابة الدستور والإعداد للانتخابات. ولم تسلَم هذه الخطوات الحكوميّة بدورها من الانتقاد، إذ وُصفت المواعيد المزمعة للانتخابات المقبلة بغير المدروس ة وغير المتلائم ة مع المعيش اليومي للمواطنين والأحوال المجتمعيّة، لتزامنها مع نهاية السنة الدراسيّة ومع الامتحانات المدرسيّة والجامعيّة الوطنيّة التي يوليها المواطن التونسي كل اهتمامه ويضعها في سلم أولويّاته. وعرفت مناقشة توطئة الدستور بدورها ملاحظاتٍ جوهريّة مسَّت مضمونها في العمق، وجُوبهت بنقدٍ لاذعٍ رأى فيه عددٌ من القانونيين من داخل أحزاب التحالف نفس ها محاولةً لضرب مدنيّة الدولة وتأكيدًا مستترًا لعُلويّة مقاصد الشريعة وثوابتها على نصّ الدستور، ورأت بعض تصريحات المنتمين لحزب المؤتمر من أج ل الجمهوريّة - الشريك في التحال ف مع حزبي حركة النهضة والتكتل الديمقراطي - أن في فقرات توطئة الدستور تأكيدًا ظاهرًا لمدنيّة الدولة وتأسيسًا مبطّنًا لسطوة الدولة الدينيّ ة5. وفي ضوء ذلك، اتّهمت بعضُ أحزاب المعارضة وقياداتها حركة النهض ة مباشر ة بوصفها الواجهة الأب رز للترويكا الحاكمة، ليس فقط بعدم الوفاء بالوعود، بل أيضًا بمخالفتها للمبادئ الت ي أقامت عليها حملتها الانتخابيّة وهي المناداة بجمهوريّة الدولة ومدنيتها واحترام مكاسب المرأة، وتراجعها عن برنامجها الانتخابي ع رب شر وعها في محاولة تغي ري الملمح المجتمعي والثقافي والسياسي للمجتمع التونسي. وإلى جانب هذه المآخذ المختلفة النابعة من داخ ل بعض أحزاب الترويكا من جهة ومن أحزاب المعارضة من جهة أخرى، تتزايد الضغوط يومًا بعد يوم على حكومة الترويكا من المنظمات الحقوقيّة والجهات الدوليّة للفت نظرها إلى بعض انتهاكات حقوق الإنسان في تونس بعد الثورة، مثل ما صدر من مآخذ للحكومة من منظمة هيومن رايتس ووتش ومجلس حقوق الإنسان الأوروبي ومنظّمة العفو الدوليّة. وقد ن رش ت العفو الدولية مؤخرًا تقريرًا يتضمّن إشاراتٍ واضحةً للحكومة بعدم تقدّمها في تسوية عددٍ من الملفّات المستعجلة لتحقيق العدالة الانتقاليّة، وعدم البتّ في قضايا الشهداء والجرحى ومحاسبة الفاسدين6. وأشار تقرير المنظّمة أيضًا إلى تزايد القيود المفروضة على حريّة التّعبير، واس تهداف الصحفييّن والفنّانين والكتّاب والمدوّنين، وغياب الحزم لدى الحكومة في حل المشاكل الأمنيّة والفوضى الاجتماعيّة الناجمة عن سطوة بعض الفصائل الدينيّة المتش دِّدة المحسوبة على التيّار السّلفي واعتداءاتها. ويذكر أنّ مشاهد العنف والعنف السياسي قد تكررت مؤخرًا في المجتمع التون س، وكان أبرزها ح وادث الاعتداء ع ىل السفارة الأميركيّة والتسبّب في تخريب عددٍ من المباني والممتلكات التّابعة لها، وحوادث التصادم بين أنصار الحكومة (رابطة حماية الثّورة) بمحافظة "تطاوين" في الجن وب التونسي وعددٍ من أنصار ح زب "نداء تونس" الذي قُتل فيه أحد المواطنين. ومع أنّ مجريات التّحقيق ومتابعة الحكومة والقضاء لهذين الملفين لا تزال قائم ة، إلاّ أنّ المعارضة تتمسّك بتحميل المسؤوليّة المباشرة للحكومة ولفشل سياستها الأمنيّة وتراخيها في اتّخاذ الإجراءات القانونيّة الصارمة في شأن المخالفين للقانون والممارس ني للعنف السياسي من التابعين للتيّار السّلفي من جهة، ولفصائل ما يسمّى برابطات حماية الثّورة من جهة أخرى، وهي هياكل مستجدّة منحتها الحكومة تراخيص العمل القانوني مؤخرًا، ورفضت التراجع

  1. س امية عبو ل «الشروق»: توطئة الدس تور «ملغومة» ولن تمر إلاّ على جثتي"، جريدة الروق (تونس)، 012/10/252، شوهد في 012/11/302، على الرابط: http://www.alchourouk.com.
  2. Amnesty International, One Step Forward, Two Steps Back? One Year Since Tunisia's Landmark Elections , Report, 22/10/2012. http://www.amnestyusa.org/research/reports/one-step-forward-two-steps- back-one-year-since-tunisia-s-landmark-elections.

عن ذلك بحجّة نضاليّة المنتمين إليها ومش اركتهم الفاعلة في أحداث الثّورة ويوميّاتها. وعمومًا، يمكن القول إنّ المرحلة الراهنة تسجّل ارتفاعًا غير مسبوق لنسق التجاذبات السياسيّة بين الحكومة والمعارضة من جهة، وارتفاع نس ق التشنّج بين الحكومة والشّارع التونسي ممثالً في فصائل عديدة من المواطنين من جهة ثانية. وربما يجد كل ذلك مبرّراته في مسار استعداد مختلف القوى السياسيّة للانتخابات المقبلة وتعديل بوصلتها على تلك الانتخابات المفترض تنظيمها بعد الانتهاء من إعداد الدستور، ومستويات توظيفها للمشاكل والقضايا المجتمعيّة المختلفة. كما يجد مبرّراته في ارتفاع سقف التوقعات التي كانت معلّقة على حكومة الترويكا ولم يرَ المواطن البسيط آثارًا ملموسة تقرّب له على أرض الواقع ما كان ينتظره. المقبلة. ويبقى التجاذب والاختلاف في الحكم على تجربة الترويكا في الممارسة السياس يّة قائمًا بين المعارضة التي تجزم بفشل التجربة والعجز عن التعاطي الفاعل مع أهم ملفات استحقاقات الثورة من جهة، وبين الحكومة التي تعتبر أنها كانت عرضة لتعطيل دورها وعرقلة نشاطها والتآمر عليها من أجل إسقاطها من جهة أخرى. وع ىل الرغم من اعتراف الحكومة وأنصارها بالصعوبات الفعليّة التي آل إليها الوضع اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وتلميحها لبعض مواطن القصور وتبريره بقلّة التّجربة وافتقار وزرائها الخبرة السياسيّة حينًا، وبثقل تركة الأوضاع المتردّية التي ورثتها مع استلامها للسلطة في تشرين الأول / أكتوبر 011 2 حينًا آخر، إلا أنها تشدّد في المقابل على بيان سلبيّة دور معارضيها وتعمّدهم عرقلة المسيرة بالدّعوة للتحريض ونشر العنف والتشجيع على الفوضى وبثّ الإشاعات والفتن، إلى جانب تعمّد توظيف المؤسّسة الأمنيّة والزجّ بها في المعترك السياسي. ويبقى ملف العنف في المجتمع والتباين الواضح ب ني الحكومة والمعارضة في تفس ري دوافعه وأسبابه وحدود مسؤوليّة الحكومة في توسّعه وانتش اره عامالً مه أصبح يضغط بقوّة اليوم على مواقف الحكومة ويدعم في المقابل إلى حدٍ كبيرٍ مواقفَ المعارضة والشارع التون س، يي خاصة بعد أن تجاوز هذا الملف المدى المحيلّ ليمسّ صورة تونس في الخارج. ولا بدّ من القول إن مختلف المآخذ والاتهامات الموجَّهة لحكومة الترويكا تجد لها مبرراتٍ قويّة ع ىل أرض الواقع ومدعمّات حقيقيّة يتلمسها المواطن العادي الذي تظل هواجسه أك ثر اتصاالً بوضعه الاقتصادي والاجتماعي والأمني، إلا أن التحليل الموضوعي لا يجب أن يستثني من ذلك سائر تداعيات تقاطع المصالح الحزبيّة والشخصيّة للعديد من الأطراف على النطاقين المحيلّ والدّولي ومستويات تطويعها للأوضاع ومسار توجيه الأحداث وتطوراتها. ولكنّ ذلك بطبيعة الحال لا ينفي بأيّ حالٍ من الأحوال مس ؤوليّة حكومة الترويكا عن المشهد والاضطراب في إدارة مختلف تفاصيله، كما لا يمكن لحجة توتير المعارضة للأوضاع أو عدم التجربة في ممارسة الحكم أو ثقل تركة المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة أن تقنع الملاحظ أو ت ربّر بموضوعيّة مآلات الأوضاع. ولكن يبقى في المقابل الحكم بالفشل المطلق على التجربة السياسيّة للترويكا سابقًا لأوانه طالما ما زالت تعتقد بقدرتها على إدارة المرحلة، وطالما تجتهد بأسلوبها في مواصلة ما تبقى منها. ولا شكّ في أنّ أصدق الآراء عن تجربة الترويكا السياسيّة والحكم لها أو عليها ستصدح به علنًا نتائج الانتخابات

الترويكا الحاكمة في تونس: طبيعة التحالف وعناصر التوحّد والفرقة

يقود البحث في تقييم التجربة السياس يّة للترويكا الحاكمة في تونس نحو سؤالٍ إس رت اتيجي يفرض نفسه على مستقبل المشهد السياسي في تونس ويتصل بمدى قدرة الواقع السياسي الذي أفرز التحالف الحاكم قبل أزيد من سنة على إعادة إنتاجه في مستقبل الأيام. وتُطرح تس اؤ لاتٌ في هذا السياق بشأن طبيعة هذا التحالف ومدى تجسيده لحقيقة الطيف السياسيّ في تونس، وإلى أيّ مدى يمكن اعتباره تجلّيًا عاكسًا لتنوع القوى السياسيّة الفاعل ة وتعبيرًا فعليًّا عن مجمل مكوِّنات المشهد السياسي ومستوعبًا مختلف نزعاته وتياراته. وتتكوّن الترويكا الحاكمة في تونس - كما هو معلوم - من ثلاثة أحزابٍ سياسيّة متفاوتة الحجم والأقدميّة التاريخيّ ة والمشروعيّة النضاليّة. وأول مكونات التحالف هي حرك ة النهضة التي تعدُّ نفسها حزبًا سياس يًّا ينادي بمدنيّة الدولة ولكنّه يشدّد على خلفيّتها الإس ال ميّة. يحتكم الحزب، على الرغم من حداثة الاعتراف القانونيّ به والذي كان بعد الثورة، إلى تاريخ طويل في النضال والتعرّض للتنكيل والملاحقة والتعذيب الذي مارسه النظامان السياسيّان السابقان في تونس ضد قياداته ومناضليه. ويحظى الحزب بقواعد شعبيّة عريضة من الأنصار بم ا خوّله تبوّؤ المناصب الأولى في أغلب الدوائر في تونس والخارج

في انتخاب ات 23 تشرين الأول / أكتوبر 2. ويتجسَّ 011 د حضوره في حكومة الترويكا في شخص رئيس الحكومة وغالبيّة أعضائها، إلى جانب حصولهم على أغلبيّة أعضاء المجلس الوطني التأسيسي. ويتمثَّل الطّرف الثّ اني في التحالف الثلاثيّ في ح زب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، وهو حزب ديمقراطي علماني له نزعة عروبيّة، وشدّد في برنامجه السياسي في انتخابات ع ام 011 2 على ضرورة احترام الهُويَّة العربيّة الإس ال ميّة كرافدٍ حضاريّ لتونس. وهو حزب حديث النشأة، سّس في عام أ 001 2، ولم يرخَّص له قانونيًا إلاّ بعد الثورة. عُرف بنضال بعض أفراده وتصديهم لحكم الرئيس السابق ب ن علي، ويأتي على رأسهم رئيس الجمهوريّة الحالي محمد المنصف المرزوقي. والمؤتمر مُمثَّل بكتلة من المناضلين في صفوفه وبعض المنتسبين له حديثًا في الحكومة وفي المجلس الوطني التأسيسي. والطرف الثالث في الترويكا هو حزب التكت ل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذي أُسّس منذ ع ام 994 1 وحصل على الترخيص القانونيّ في سنة 002 2. وهو حزب علماني منفتح على المشارب القوميّة الإس ال ميّة والاش رت اكيّة، خاض جملة من النض الات الفعليّة من أجل الحريّة والديمقراطيّة في عهد بن علي، منفصلًا بذلك عن المعارضة الكرتونيّة المرخَّص لها العمل حينها، وانخرط مع جملة من القوى المعارضة فيما يس مّى "حركة 18 أكتوبر" من أجل لفت النظر لتردّي أوضاع حقوق الإنسان حينها والمطالبة بتحرير المساجين السياسييّن. ويتجسّد حضوره في حكومة الترويكا برئاسة رئيسه مصطفى بن جعفر للمجلس الوطني التأس يسي وعضويّة بعض أنصاره ضمنه، إلى جانب تولّيه لعددٍ محدودٍ من الحقائب والمهام الوزاريّة. وقد لا يتسع المجال للقراءة التفصيليّة لعناصر التقارب أو التنافر الأيديولوجي القائمة بين هذه الأحزاب الثلاثة، ورمبّ ا لا يشكّل التقارب أو التنافر الأيديولوجي بين أقط اب الترويكا الحاكمة اليوم في تونس متغّيرّ ا مهًّماًّ في التحليل في هذا المقام على الأقلّ. ولكن ما يستحقّ التّأكيد عليه هو أنّ هذا التحالف بين هذه الأحزاب الثلاثة لم يكن خيارًا طوعيًّا حتّمه التقارب الأيديولوجي، بقدر ما كان واقعًا فرضته نتائج الانتخابات السابقة، وأملاه السياق السوسيوسياسي الذي رسمت ملامحه نتائج أوّل انتخابات حرّة عرفتها تونس بعد الثورة. وهو ما يدفع إلى القول إنّ تحالف الترويكا الحاكم في تونس لم يكن تحالفًا إس رتاتيجيًّا أفرزته توجهات الأحزاب وخياراتها وقناعاتها واستوت معالمه على غير عجل، وإنما هو تحالفٌ مرحليٌّ، كي لا نقول إنه تحالفٌ فجائيّ فرضه واقعٌ س ياسيٌّ وحصيلةٌ انتخابيّ ة ظرفيّة. وقد لا يعكس بأيّ شكل من الأشكال تحالفًا له بعدٌ فكريّ أو تقارب أيديولوجي أو إس رت اتيجي يجمع بين الأحزاب المتحالفة ويوحّد وجهات نظرها بشأن المس ائل المختلفة. وهي حقيقة ما فتئت تعربّ عنها علنًا بعض أطراف الترويكا التي جاهرت بالقول إنّ التحالف القائم هو تحالفٌ س ياسيٌّ مرحليّ، وليس تحالفًا حزبيًّا دائم ًا (موقف حزب التكتّل من أجل العمل والحريات.) وما فتئت أصواتٌ عديدةٌ من نواب المجلس الوطني التأس يسي لحزبي المؤتمر والتكتّ ل تؤكِّد في مداولات المجلس وفي جلسات التصويت على أنّ تحالفهما ضمن الترويكا الحاكمة مع ح زب حركة النهضة ليس أكر من تحالفٍ حكوميّ، ولا يمكن أن يملي عليهما أيّ تحالف برلماني داخل فضاء المجلس الوطني التأسيسي. وبهذا يمكن أن نخلص إلى الق ول إنّ التحالف لم يقم على تقاربٍ في وجهات النظر والمواقف أو حتى في المرجعيّات الفكريّة والأيديولوجيّة، كما أنّه لم يقم على برامج اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة متناغمة أو متقاربة، ف كلُّ حزبٍ من أحزاب الترويكا دخل الانتخابات الفارطة ببرنامجٍ اقتصاديّ واجتماعيّ وسياسيّ مختلفٍ ش كالً ومضمونًا عن بقيّة الأطراف. يذكر أنّ التحالف الحاكم أُسّ س ع ىل قاعدة توزيع المسؤوليات والحقائب الوزاريّة في الحكومة المنبثقة عن انتخابات تشرين الأول / أكتوب ر 011 2، ولم تكن انطلاقته ميَّة بقدر ما شهدت مصاعبَ فعليّة في عمليّة توزيع الحقائب والتنافس على السياديّة منها بين الأحزاب الثلاثة، مما أخّر لف رت ةٍ ولادة الحكومة. مع العلم أنّ توزيع الحقائب الوزاريّة وتقاسمها أح دث شر وخًا متفاوتة داخل الأحزاب ذاتها وفي صفوف مناضليها، وشهد بعضها حركة استقالاتٍ جماعيّة، مثل الاستقالات التي حدثت من المكاتب الجهويّة والمكتب الوطني في حزب التكتل من أجل العمل والحريات، أو حزب المؤتمر الذي اختار عددٌ من أبرز مؤسِّسيه الانفصال عنه وتكوين حركة مستقلة. لقد طفا اختلاف وجهات النظر بين أحزاب الترويكا والتنافر في البرامج والرؤى في أكر من مناسبة على س طح الأحداث وعلى مركبة تسيير ش ؤون المجتمع والدولة، وتوضَّ حت صورة عدم التقارب في عددٍ من القضايا الخلافيّة التي تنافرت فيها وجهات النظر والمواقف وردود الأفعال. ومن ذلك يمكن، على سبيل المثال، ذكر قضيّة تسليم القيادي السابق في حكومة القذّافي البغدادي المحمودي إلى الحكومة الليبية الجديدة، وما ظهر فيها من صخبٍ بشأن تسليمه أو عدم تسليمه، وتبادل الاتهامات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، والتنازع بشأن صلاحيات اتخاذ القرار في القضيّة.

وضعت جملة من المواقف الخلافيّة المتناقض ة التحالف الثلاثي في الميزان في أكر من مناسبة أخرى (إقالة محافظ البنك المركزي وتعيين خلف له، الخلاف حول ترشيح عضوٍ لمنصب في اللجن ة الدوليّة لمناهضة التعذيب،...إلخ)، وأبانت بعض درجات هشاشته وسهولة تصدّعه أمام بعض المسائل الجوهريّة والمبدئيّة، والتي وإن ساعدت ظروف المرحلة الانتقاليّة اليوم التحالف على تجاوز بعضها، فلا شي ء قد يضمن ذلك في المس تقبل. ورمبّ ا يكون التلويح الأخير لبعض القيادييّن في حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة باحتمال "فكّ الارتباط" م ع النهضة في حال تماديها في ارتكاب بعض الأخطاء وانفرادها بالرأي أكبر دليل على ذلك. ومن المهمّ التّأكيد على أنّ حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، على خ ال ف حزب التكتّل، كان الأك ث ر حرصًا على المجاهرة أمام وسائل الإع ال م ببعض مواطن الخلاف مع النهضة، كما كان ممثلوه يصدحون من حين لآخر ببعض النقد لسياسة الحكومة التي يمثِّلون أحد أطرافها، واتهامهم لحزب حركة النهضة علنًا بالتدخّل الصّارخ في توجيه سياسات الحكوم ة. وقد أطلق رئيس الدولة، المؤسِّ س لحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، تصريحاتٍ شديدة اللهجة في هذا الاتجاه، فقد اتّهم الحركة بالتغوّل والانفراد ببعض شؤون الحكم، والتدخّل المبطّن في بعض مجرياته، كتعيين المسؤولين المحليين والجهويين الموالين للنهضة. رمبّ ا تكشف تصريحات حزب المؤتمر ونقده اللاّذع لسياسات الحكومة التي هو جزءٌ منها في بعض وجوهها عن مح اولاتٍ دعائيّة مبكِّرة للانتخابات المقبلة، وقد تدخل كذلك في خانة الدفاع المشروع للحزب عن كيانه ووج وده داخل الترويكا بعد أن اتُّهِم في أكر من مناسبة بانقياده لحركة النهضة وتبعيّته المطلقة لها منذ قبوله بمنصب رئيسٍ للدولة محدود الصلاحيَّات، ولكنّ الأكيد أنّ التصريحات المختلفة المنتقدة والمندِّدة تكشف عن مدى هشاشة هذا التحالف السياسي ومرحليته والتناقض الواضح بين مصالح أطرافه على المدى البعيد، على الرغم مما تحقَّق مرحليًا من تطابقٍ مؤقَّت بينها.

الترويكا الحاكمة والمستقبل السياسي لتونس

إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المس توى يتمثَّل في مدى قدرة المشهد السياسي المستقبلي لتونس على أن يعيد إنتاج التحالف السياسي الحالي بملامح مشابهة وشكلٍ مماثل. رمبّ ا يكون لمثل هذا التساؤ ل عدّة إجابات متباينة وفقًا لطبيعة قراءة التجربة السياسيّة للترويكا الحاكمة وزواي ا النَّظر إليها. ولكن، لا بدّ من الإقرار كذلك بأنّ أيّ محاولة للتطلّع للمستقبل السياسي لتونس وموقع الترويكا الحاكمة فيه يرتبط بجملة من العوامل المتداخلة والسياقات المتصلة التي لا يمكن بدونها قراءة ما قد تسفر عنه تطورات الأوضاع السياسيّة في تونس ومجرياتها. وربما يتعلّق ذلك بش كلٍ رئيس بأسئلة أخرى كالسؤال أواّلً عن حال الأحزاب السياسيّة المعارضة لأحزاب الترويكا ومدى قدرتها على التأثير في حلبة التنافس على السلطة مستقبالً. كما يرتبط ثانيًا بالتساؤ ل عن طبيعة ومستويات التأث ري في مجريات الوضع واتجاهات الضغط التي يمكن أن تمارس ه قوى المجتمع المدني المختلفة، بما فيها من فاعلين أساسيين كالاتحاد العام التونسي للشغل وكبرى المنظمات الحقوقيّة. ويرتبط ثالثًا بقياس اتجاهات المواطنين ومستويات رضاهم عن سياس ة الترويكا، ومدى تسامحهم مع زلاّته ا وعر اتها المتتالية، ومدى قابليّة تجديد ثقتهم الانتخابيّة الس ابقة في أطرافها الثلاث، أو ع ىل الأقل في حزب حركة النهضة الطرف الأبرز فيها.

ويبقى من البديهي القول إنّ تجربة الترويكا في الحكم لم تكن تجربة هيّنة، فعلى الرغم من مشروعيّة وصوله ا إليه عبر صناديق الاقتراع، ورمزيّة تلك التجربة والحكومة المتشكلة عنها بوصفها أوّل حكومةٍ تنبثق عن الإرادة الحرّة للش عب وعبر ممثليه في المجلس التأسيسي، إلا أنّها كانت أيضًا س ريًا لمجموعة من المناضلين عديمي التجربة والخبرة السياسيّة في مسالك وعرة وملتوية. ورمبّ ا جاز القول إنّ تجربة التحال ف الثلاثي الحاكم في تونس كانت مغامرةً سياس يّة غير مأمونة العواق ب. وقد نميل أكر لاف رت اض أن أطراف هذه المغامرة الثلاثة دفعوا - مقابل خوضها- ضرائبَ باهظة من انحسار مستويات الثقة الس ابقة للناخبين بهم، فيما تبدو فرضيّة اتساع تلك الثقة وامتدادها نحو أنصار جدد أقل احتمالية.

ولكن، على الرغم من أنّ فرضيّة التراجع المستقبلي لش عبيّة أحزاب الترويكا الثلاثة بعد تجربتها السياسيّة الحاليّة واردة بشكل كبير، إلا أنّه يجب التأكيد على أنّها قد تنطبق بمستويات أقلّ حدّة على حالة حزب حركة النهضة. ويُذكر أنّ هذا الحزب كان الفائز الأوَّل بمقاعد المجلس التأسيسي في مختلف الدوائر الانتخابيّة في عموم مناطق البلاد والخ ارج، وعُدّ الحزب الأكر جماهيريّ ةً وصاحب القواعد العريضة، وربما تبقى تلك الجماهيريّة الممتدة لحرك ة النهضة صامّ م أمان قد يضمن لها - على خلاف بقيّة شركائها في الترويكا- مستوياتٍ دنيا من تجدّد ثقة عددٍ مهمٍّ من ناخبيها وأنصارها. وربما يبقى من غير المتوقّع ابتعادها عن صدارة المش هد، وذلك لاعتباراتٍ عديدة لعلَّ أهمّها هو رمزيتها الدينيّة والنضاليّة التي تظلّ الأساس في جماهيريّتها وتعاطف العموم معها. ويجوز هذا القول على الرغم من ظهور بعض بوادر تراجع شعبيّة الحركة عن مستوياتها السابقة، وهو ما بدأت توحي به بعض اس تطلاعات الرأي التي ما انفكت تؤكِّد على تراجع مستويات الثقة على الرغم من استمرار حيازة الحركة وقيادتها على المواقع الأولى، وتصدّره ا قائم ة الأحزاب التي قد تحظى بثقة الناخبين. وقد أصبح ت تصريحات بعض قياديّي الحركة تشي بتراجع شعبيتها من منطلق كون تجربة ممارسة الحكم عامل تهرئة للرصيد الشعبيّ ولثقة الناخبين فيها، نظرًا للفرق الشاسع بين الوعود المبشر بها ومستوى التحقيق الفعلي لها، وهذا ما اعترف به زعيم الحركة الشيخ راشد الغنوشي7. ويُذكر أنّ ما اس تجدّ مؤخرًا من أحداث عنفٍ في منطقة س ليانة8، وهي من محافظات الوسط الغربي الذي يشكو من التهميش التنموي، قد كشف عن أبعاد جديدة أصبحت ترتسم بشكل مغاير في طبيعة العلاقة القائم ة بين فصائل من المواطنين وحكومة الترويكا أو بش كل أعمّ النظام السياسي القائم. وأسفرت الأحداث عن مواجهاتٍ عنيفة وإضراب عامّ في كامل الولاية، وحركة احتجاجيّة نادت بإسقاط الحكومة وإسقاط النظام. وبغضّ النظر عن ملابسات هذه التحرّكات وما تحتمله من تجاذباتٍ سياسيّة بين الحكومة من جهة والمعارضة من جهة أخرى، والاتهامات المتبادلة بينهما بالوق وف وراء تأجيج الأح داث، فإنّ تلك الاحتجاجات، وعنف التحركات المنبثقة عنها والشعارات المرفوعة فيها، أضحت تلفت الانتباه وتدعو للتمعّن فيها. ورمبّ ا تُعيد المناداة بإسقاط النظام (بصرف النظر عن مشروعيّتها ومدى جديّتها ومن يقف خلفها) الوض ع إلى نقطة الصفر في الثورة التونسيّة، وتُحيل المشهد السياسي اليوم من جديد إلى ملامحه الأولى قبل الثورة، وإلى قطبيّته القديمة بين طرفي صراع يتخندق فيه الطرف الأوّل وراء النظام ويتخندق الطرف الثاني (بكلّ أطيافه وحساسيّته السياسيّة المختلفة) وراء إرادة الشعب المنتفض لإسقاط النظام أو على الأقل التذكير بعجزه عن بلوغ استحقاقات المرحلة. ومن المفيد التذكير بأنَّ الثورات العربيّة الت ي انطلقت شر ارتها من تونس قد أعطت دروسً ا مهمّةً في أهميّة‮ "‬تعريف أطراف الصراع "‮9‬‮، ‬ ومن ثمّ الحس م سريعًا في مسار الصراع.‮‬ فقد بقيت الثورة في كلٍ من تونس ومصر، ربما بسبب عاملي المفاجأة والسرعة فيهما‮،‬ بمعزلٍ نسبيًّا عن الأطراف الخارجيّة الإقليميّة والدوليّة، مما س هّل عمليّة حسمها سريعًا بين طرفين متمايزين تشكلّا أثن اء الأحداث، وه ام النظام والش عب‮. وقد اختزل ش عار "ارحل Dégage " تلك النهاية المختارة والمحتومة للنظام من الطرف الثاني الذي استقوى عوده. وقد استنكر أهالي سليانة وعددٌ من الجمعيّات والمنظمّات الحقوقيّة تصريح اتِ بعض أعضاء حكومة التروي كا في الأحداث الأخيرة الذين عربّ وا عن انتهاء صلاحيّة كلمة "ديغاج" التي رفعت في وجه محافظ جهة سليانة. واتجهت أغلب المواقف نحو ش جب تلك التصريحات على خلفيّة أنّ تلك الكلمة السحريّة التي ابتكرها الشّ ارع التونسي هي التي مهدّت طريق السلطة أمام حكومة الترويكا التي تتنكر اليوم لمشروعيّة تلك الكلمة. وم ن المؤكّد أنّ هذا النقاش يستحقّ الكثير من التحليل، الذي قد لا يسمح به هذا المقام، بشأن مستويات تبلور مفاهيم الشرعيّة وعدم الشرعيّة في سياق التحوّل الديمقراطي لدول الربيع العربي، وبشأن ما يمكن مراكمته من دلالات وما اختزلته تلك المفاهيم على مدى المدّة المنقضية من زمن الثورات العربيّة.

  1. الغنوشي: تراجع شعبية حركة النهضة الإسلامية في تونس بسبب السلطة"، صحيفة باب نات تونس الإلكترونية،.2012/9/30 http://www.babnet.net/rttdetail-54881.asp
  2. وقعت أحداث محافظة سليانة في الأسبوع الأخير من تشري ن الثاني/نوفمبر المنقضي بسبب تصاعد التوتر السياسي والاجتماعي بعد مطالبة أهالي الجهة بإقال ة المحافظ الذي
  3. تمسكت الحكومة بعدم إقالته، وقد أس فر هذا التجاذب عن أحداث عنف تم فيها التدخل الأمني وإصابة عدد من المتساكنين بأضرارٍ مختلفة، وأدينت المؤسسة الأمنية بالمبالغة في استخدام العنف ضدّ أهالي سليانة، في الوقت الذي تمسكت فيها تلك المؤسّسة بحقّها المشروع في حفظ الأمن وحماية الممتلكات العامة والخاصة. 9 أحمد خليل، "تحويل الصراع ’اقتراب غير صفري‘ لإدارة نزاعات ما بعد الثورات العربية "، السياسة الدولية، العدد 901 (أكتوبر 012)2، شوهد في 012/11/302، على الرابط: -إتجاهات-المجلة/ملحق- منhttp://www.siyassa.org.eg/NewsContent/3/134/2769/ نظرية/تحويل-الصراع ‮.aspx

ربما يحيلنا ما سبق إلى اس تحضار أفكار عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن الشرعيّة بوصفها إحدى المقولات الأساسيّة لعلم الاجتماع السياسي. وما أكّد عليه في ذلك الاتجاه من أنَّ الهيمنة لا يمكن أن ترضى بالطّاعة المطلقة، بل تسعى إلى تحويل الانضباط إلى التزامٍ بالحقيقة التي تمثّلها تلك الهيمنة أو تدّعي تمثيلها. وكان فيبر قد ميّز بين "نماذج مثاليّة" للهيمنة الشرعيّة، ومنها الهيمنة القانونيّة ذات الطابع العقلي، والهيمنة التقليديّة التي تقوم على الإيمان بقداس ة التقاليد وشر عيّة السلطة المملوكة طبقًا للعرف، والهيمنة الكاريزماتيّة ذات الطابع الانفعالي وتتطلب الثقة الكاملة برجلٍ اس تثنائي10. ومن المعلوم أنّ سوسيولوجيا ماكس فيبر السياسيّة قد أغنت مجمل النظريّات اللاّحقة عن مفاهيم السلطة والشرعيّة والهيمنة، إذ وقع التمييز عقب ذلك بين السلطة بمعناها الواسع والمطلق، والسلطة السياسيّة. وإذا كانت السلطة السياسية تتطلَّب الاعتراف العامّ والقبول والرضى، فإن كلاهما تتطلبان الشرعيّة التي يجب أن تكون المعيار المميّز للس لطة11. ومن منطلق تحليلات ماكس فيبر للشرعيّة قد يجوز القول إنّ الجدل بشأن الشرعيّة الي وم في تونس والنّقاش المستفيض بشأن مداها وحجم تأثيرها في المشهد السياسي والحياة الاجتماعيّة بشكل أعمّ، يشهد تخبّطًا عامًّا في الأذهان ولدى مختلف الأطراف، وينعكس عدم وضوح معاني الشرعيّة وتناقض دلالاتها في مختلف مواقف الفاعلين السياسيين وس لوكياتهم. وتتبدّى الشرعيّة حينًا في أذهان البعض مستمدةً بقوّة من نتائج الانتخابات التي جاءت بالأحزاب الحاكمة إلى السلطة، وبناء على ذلك تشُرعِن مواقف السلطة الحاكمة وتبرِّر كلّ تحركاتها وتمنحها صلاحياتٍ لا متناهية في إدارة الشَّأن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بما قد تراه الأصل ح من منطلق شرعيّة الأغلبيّة. ولكن ترتبط مفاهيم الشرعيّة في الاستعمالات الأخرى، ولدى بع ض الفئات، بمفاهيم أكر ش موالً تتصل بسياق الثورة والانتقال الديمقراط ي أكر مما ترتبط بنتائج الانتخابات الفارطة وبمن أوصلتهم للحكم. وتتحمّل الشرعيّة الثوريّة وشر عيّة الانتقال الديمقراطي بهذا المعنى أدوارًا أكبر وأشمل بوصفها العين الحارس ة للمسار الثوري الذي لم يكتمل والوصيّ الأكبر على تطوّر الأوضاع وتقدّمه ا. وهو رمبّ ا ما أعاد إلى الأذهان عشيّة اكتمال الس نة على انتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 011 2 إمكانيّة الانقلاب على المجلس التأسيسي وعلى الحكومة الشرعيّة باسم شر عيّة أكبر وهي شر عيّة الشّ ارع الثوري الذي انتفض على حكم بن علي يوم 14 كانون الثاني / يناير 011.2 وعمومًا، يمكن القول إنّ الترويكا الحاكمة كانت، كما س بقت الإشارة إليه، تشكيلةً سياسيّةً أفرزها س ياق سوسيوسياسي معنيّ اتّسم بفوز أحزاب سياسية ثلاثة في أول انتخابات حرة تنجز في تونس ما بعد ثورة يناي ر 011 2. وقد حملت تلك الانتخابات العديد من المفاجآت غير المتوقعة التي عكست حقائق غير بارزة للعيان عن المشهد السياسي التونسي، ومنها التأثّر الواضح لنتائج الانتخابات بظاهرة تشتت أصوات الناخبين بين الأعداد الكبيرة للقوائم الانتخابيّة الحزبيّة والمستقلّة التي دخلت الانتخابات. وقد تحفّز عدد من الأحزاب الخاسرة في الانتخابات لتجاوز واقع التش تت، وعمل بعضها - ولا يزال - على محاولة التكتّل داخل جبهات والانصهار في تيّارات أكبر تشكّلت من ائتلافات حزبيّة مختلفة. ويبدو مش هد المعارضة اليوم أكر اتجاهًا نحو المزيد من التوحّد وتفادي الفرقة والتشتت. ويبقى ظهور حزب "حركة نداء تونس" الملمح الأبرز في مشهد المعارضة السياسيّة اليوم. ولئن اختلفت المواقف والرؤ ى بشأن طبيعة هذا الح زب، إذ يعدهّ البعض وريث حزب التجمّع الدس توريّ الديمقراطيّ المحلّ، فإنه يسجّل على الرغم من ذلك تقدمًا بارزًا في مستوى استقطاب الأنصار والتوسّع الأفقي في المشهد السياسي. وعلى الرغم من حداثة تأسيس هذا الحزب بقيادة رئيس الحكومة السابق الباجي قايد السبسي، فإنّه أصبح يحتلّ مكانة بارزة في المشهد. ويُعدّ حزب نداء تونس تحالفًا جديدًا تش كّل من ش قيّن أساسييّن، يتمثّل الشقّ الأوّل في "الدستوريين"12 الذين يعدّون أنفسهم بناةَ الدّولة الوطنيّة ومؤسّسيها ورافدًا من روافد حداثتها، وهم ممثّلون في عددٍ من "البورقيبييّن" وقدامى الوزراء والتكنوقراط السّابقين، وعددٍ من الوجوه البارزة وقواعد الحزب الحاكم سابقًا. ويتمثَّل الشقّ الثّاني في عددٍ من القياديين ووجوه اليسار المعتدل وبعض رموز المجتمع المدني وعددٍ من رموز التيّارات الحداثيّة والعلمانيّة. وعلى الرغم من الوصمة التي ينعت بها حزب نداء تونس بوصفه حزبًا يقوم برس كلة14 رموز النظام السابق بغاية اس رت جاع مكانتهم في المشهد السياسي، إلاّ أنّه يبقى مرشحًا للتوسع والامتداد ولأن يكون له دور المنافس الأشر س لحزب حركة النهضة في الانتخابات

  1. Max Weber, Économie et Société, La Traduction Française (Paris: Plon, 1971).
  2. Balandier J, L'Anthropologie Politique (Paris: PUF, 1967), p. 45.
  3. ترتبط هذه التسمية بالحزب الاش رت اكي الدستوري، الذي كان الح زب الحاكم زمن الرئيس الحبيب بورقيبة، والذي انحدر منه عقب ذلك حزب التجمع الدس توري الديمقراطي بعد تغير نظام الحكم في تونس في 7 تشرين الثاني / نوفمبر 987 1. وهو الحزب الذي وقع حلّه بأمر قضائي بعد ثورة تونس.2011 13 إعادة إنتاج.

المقبلة. وقد بدأ هذا الحزب يتأصّل في المشهد الس ياسي التونسي، إذ تص وّره بعض الآراء بوصفه "المنقذ للمشروع الحداثيّ"15 الذي تجذّر في تونس منذ استقلالها، والذي ترى تلك الآراء أنّه مهدّد بالانقراض اليوم. ويُصوّر هذا الحزب كذلك بوصفه حارس الحركة الدستوريّة التي يرقى شرفها إلى شر ف رمزيّة مسار بناء الدولة الوطنيّة وتركيز أسسها منذ استقلال تونس وخروج المستعمر الفرنسي. ويطرح حزب نداء تونس نفس ه اليوم بوصفه الطريق الثالث الذي يمكن أن يكون بديالً عن الدولة البوليسيّة من جهة والدولة الدينيّة من جهة ثانية، مستثمرًا في ذلك رأس مال س ياسيّ قويّ يجعله - على حداثة وصوله للمش هد السياسي، ومع اتهامه بشبهة رسكلة بقايا النظام المُطاح به - يتأصّل في تاريخ تونس السياسي وفي عم ق مشروعها الحداثي. ورمبّ ا يغريّ حزب نداء تونس بوصلة نتائج الانتخابات المقبلة، بما يدفع إلى اس تبعاد فرضيّة إعادة إنتاج الانتخابات المقبلة لشروط بقاء الترويكا الحاكمة في صيغتها الحاليّة. وقد تجد حركة النهضة نفس ها مستقبالً مضطرّة للتحالف مع حزب نداء تونس الذي لا تزال تعدهّ حزبًا هجينًا ولا مستقبل له في قلوب التونسييّن. ويمكن الجزم بأنَّ البلاد تس ري نحو اس تقطابٍ ثنائيّ جديد لم يعد من السهل تجنّبه بين النهضة وحزب نداء تونس. وهو استقطابٌ لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن ينظر إليه كإعادة إنتاج للاستقطاب الذي جرى الترويج له عشيّة الحملة الدعائيّ ة الانتخابيّة في انتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 011 2 بين الإسلامييّن من ناحية والعلمانييّن من ناحية ثانية. وعلى الرغم من أنّ نداء تونس لا يزال بصدد التشكّل، إلا أنّه يبدو مرشحًا لاس تقطاب أطيافٍ مختلفة من الفاعلين السياسييّن من ذوي الانتماءات المتنوّعة والمرجعيّات المتباينة التي قد تجتمع مس تقبالً على مبدأ المواجهة الموحّدة لحكومة الترويكا ومنافسة فصيلها الأكبر (النهضة) في الانتخابات المقبلة.

الخاتمة

تعدّ تجربة الترويكا التونس يّة في الحكم تجربةً فريدةً في إدارة الشأن الس ياسي في دول الربيع العربي. وقد واجهت التجربة عر اتٍ مختلفةً بالقدر الذي سجَّلت فيه كذلك بعض النجاحات ع ىل الرغم من ك ثرة الصعوبات والعوائق المتعدِّدة المصادر والعوامل. وعلى الرغم من احتواء الترويكا على عناصر تنافر وفرقة أك ث ر من احتوائها على عناصر توحّد وتقارب بين مرجعيّات أحزابها الثلاثة وبرامجها، فقد سجّلت قدرة على الصمود أمام الكثير من المطبّات السياسيّة الوعرة التي كانت تنذر بتصدّع بنائها فعليًّا. وكشفت جملة من المحطّات السياسيّة عن نوع من الصلابة المرحليّة والقدرة على تجاوز المسائل الخلافيّة والقفز عليها. ولكن، م ع أهميّة التجربة، وما يمكن أن تقدِّمه عمليّة تحليلها من زاويا نظر مختلفة من مواطن قوّة أو مواطن ضعف، فإنّه يمكن القول إنّ المشهد السياسيّ التونسيّ بتطوراته الحاليّة يشير إلى صعوبة إمكانيّة إعادة إنتاج التحالف السياسي الحالي مس تقبالً. ومن المهم التذك ري بجملة من العوامل الموضوعيّة التي ترفد مثل هذا الرأي، كاستفادة الأحزاب الحاكمة الثلاثة، كلّ على حدة، من تجربته في ترويكا الحكم، ومدى تأثير ذلك في مواقف الناخبين من هذه الأحزاب في الانتخابات المقبلة، وهناك أيضً ا عامل تطوّر مشهد المعارضة التونسيّة من الانقسام والتشتّت نحو المزيد من الانصهار والتكتّل وإعادة التشكّل ضمن جبهات انتخابيّة مرشّحة بجديّة لأن تكون أطرافًا أقوى في حلبة المنافسة الانتخابيّة المقبلة.