الترويكا الحاكمة في تونس
الملخّص
تُعدّ تجرب ة الترويكا في الحكم في تونس تجربة متفرِّدة بالمقارنة مع ما جرى في غيرها من دول الربيع العربي خلال المرحلة الانتقالية، إذ إنها قامت على التحالف بين أكثر من حزب. وصلت القوى المكونة للترويكا إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، والحكومة التي انبثقت عنها كانت تمثل الإرادة الحرة للشعب التونسي وعبر ممثليه في المجلس التأسيسي. يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع وًاجهت تجربة الترويكا التونسية عثراتٍ مختلفة ولكنها سجلت بعض النجاحات. تحاول هذه من جهة، والمجتمع والف رد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار الدراسة البحث في طبيعة التحالف الثلاثي الحاكم وتركيبته ومستوى التقارب أو التنافر تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله بين مكوناته، ومدى صلابة هذا التحالف وقدرته على الصمود في مواجهة تحديات المراحل عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة والمحطات السياسيّة القادمة. وتخلص الدراسة إلى أن الترويكا التونسية استطاعت في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى الصمود على الرغم من عناصر التفرقة والتنافر بين مكوناتها، والمطبات السياسية الوعرة درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن التي كانت تنذر بتصدع فعلي في بنائها. ترى الدراسة أنه من المتوقع إعادة تجربة الحكم أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُ نيَّة لا تزال فكرة الحكم الس لطاني - الذي يغلب ثقافة الثلاثية مرة أخرى، لكن في ظروف مختلفة، ربما يكون أبرزها تشكيل المعارضة التونسية على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. جبهة واحدة لمواجهة هذا التحالف الثلاثي.
حصاد العام بين صعوبات الممارسة وجسامة التحديات
مقدمة
تقيّم هذه الدراسة تجربة الترويكا التونسيّة في الحك م والعرات المختلفة التي مرت بها. فالتجربة لم تكن تجربةً هيّنة على الرغم من مشروعيّة وصولها إليه عبر صناديق الاقتراع، ورمزيّة تلك التجربة والحكومة المتشكلة عنها بوصفها أوّل حكومةٍ تنبثق عن الإرادة الحرّة للشعب التونسي وعبر ممثليه في المجلس التأسيسي، بقدر ما كانت سيرًا لمجموعة من المناضلين عديمي التجربة والخبرة السياسيّة في مس الك وعرة وملتوية. تحاول هذه الدراسة البحث في طبيعة التحالف الثلاثي الحاكم وتركيبته ومنسوب التقارب أو التناف ر المفترض بين مكوناته، ومدى صلابة هذا التحالف وقدرته على الصمود في مواجهة تحديات المراحل والمحطات السياسيّة القادمة. وتطرح العديد من الأسئلة المتصلة أواّلً بمستويات الفشل ونجاح الترويكا الحاكمة في إدارة الملفات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة والسياس يّة، والمتصّلة ثانيًا بمستقبل ذلك التحالف السياسي الثلاثي، وما يُطرح عليه من تحدياتٍ مستقبليّة في ظلّ تجربة القيادة التي خاضها في السنة المنقضية. شهدت مناسبة إحياء مرور عامٍ على أوّل انتخابات ديمقراطيّة وحرّة في تونس بعد الثورة يوم 23 تشرين الأول / أكتوبر 0112 جدالً واسعًا بين أطيافٍ متنافرة من الآراء، منها ما شدَّد على ضرورة الاحتفاء بالمناسبة، ومنها ما رفض ذلك علنًا، مؤكدًا فشل الأطراف الفائزة بالانتخابات في تحقيق أهداف الثورة وفي إنجاز استحقاقات المرحلة الانتقاليّة. وبعيدًا عن تجاذبات الأطراف الحزبيّة، والحسابات السياس يّة المختلفة لها، فإن التّقييم الموضوعي لتجربة الترويكا الحاكمة في الممارسة السياسيّة وفي قيادة البلاد يطرح العديد من الأسئلة المتصلة أواّلً بمستويات فشل الترويكا الحاكمة ونجاحها في إدارة الملفات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة والسياس يّة، والمتصّلة ثانيًا بمستقبل ذلك التحالف السياسي الثلاثي، وما يُطرح عليه من تحدياتٍ مستقبليّة في ظلّ تجربة القيادة التي خاضها في السنة المنقضية، كما يدفع باتجاه البحث الجوهري في طبيعة ذلك التحالف وتركيبته ومنسوب التقارب أو التنافر المفترض بين مكوناته، وم دى صلابة هذا التحالف وقدرته على الصمود في مواجهة تحدّيات المراحل والمحطات السياسيّة المقبلة.
الترويكا: جدل انتهاء الشرعيّة وحصيلة تجربة الحكم
لقد برز النقاش بشأن ضبط المرحلة الانتقاليّة وتحديد مدّتها مباشرة بعد الإعلان عن نتائج انتخابات تشرين الأول / أكتوب ر 0112، وتشكيل حكومة الترويكا قبل سنة تقريبًا من هذا التاريخ، وقد تحدّثت بعض الأطراف في التحالف الحاكم حينها عن فترة لا تقلّ عن ثلاث سنوات (حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة)، وتحدثت أخرى عن مدة لا تقلّ عن سنة ونصف (حزب حركة النهضة.) وتمسّكت أحزاب المعارضة في معظمها ب رض ورة أن لا تتجاوز المرحلة الانتقاليّة س نة واحدة، يُكتب فيها الدستور الجديد، والمرور بعدها إلى مرحلة البناء الفعلي للجمهوريّة الثانية. واستقرّ الأمر عقب ذلك النقاش على التزام خاصة أمام تمسّك المعارضة والش الأطراف الحاكمة -ارع - بالإسراع في كتابة الدس تور والالتزام بإنهاء المرحلة الانتقاليّة على أن لا تتجاوز السنة أو السنة والنصف على أكر تقدير. حمَلت الترويكا الحاكمة بأحزابها الثلاثة مس ؤوليّة مزدوجة تمثلت في الالتزام بالتوازي بكتابة دستور جديد للبلاد، أُوكلت مهمّة صوغه الرئيس ة للمجلس الوطني التأسيسي الذي يترأسه مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل من أجل العمل والحريات، والالتزام في الوقت ذاته بتسيير شؤون الدولة والمجتمع ومعالجة المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة العاجلة عبر التنسيق وتوزيع المهمات بين الحكومة التي تش كلت قائم ة أعضائها على محاصصة حزبيّة بين الأحزاب الفائزة وبعض المقرب ني منها ورئاسة الجمهورية. وجرى تقاسم التس يير في ضوء توزيع غير متكافئ للصلاحيّات والمهام رجّح الكفّة لصالح رئيس الحكومة على حساب صلاحيّات رئيس الجمهوريّة. وبعد مرور سنة على هذه التجربة، تتوجه بعض الأطراف من أحزاب المعارضة وعددٌ من المراقبين للوضع العامّ للب ال د باتهاماتٍ لاذعةٍ لحكومة الترويكا بالفشل السياسي والاقتصادي والأمني والعجز عن الوفاء بالتعهّد بكتابة الدستور، إلى جانب الإخفاق في الارتقاء بأوضاع البلاد وإدارة مشاكلها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسيطرة على وضعها الأمني المختلّ منذ اندلاع الثورة. وتؤكِّد الدلائل الواقعيّة اليوم على هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس، إذ تتواصل الفوضى الاجتماعيّ ة في غالبيّة المناطق ولا سيمّا الداخليّة منها، ويتواصل نسق ارتفاع عدد الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرق وغلق المؤسسات الاقتصاديّة والاحتجاجات الاجتماعيّة المختلفة المتّسمة بالمطلبيّة. كما تشير أغلب التقارير الاقتصاديّة الداخليّة والخارجيّة إلى صعوبة الظرف الاقتصادي في تونس وحاجته الأكيدة إلى الأمن والاس تقرار ليتمكّن من الانتعاش وتج اوز العقبات المتكرّرة. ولا يزال الاقتصاد التونسي إلى اليوم - على الرغم من مرور سنة على أوّل انتخابات حرّة وديمقراطيّة في البلاد
ووج ود حكومة شرعيّة منتخبة يواص -ل البحث عن بوادر الانفراج والخروج من أزمةٍ اقتصاديّة واجتماعيّة خانقة، ما إن تنتعش أحوالها جزئيًّا حتّى تعود للانتكاس. وتعكس الم ؤشرّات الاقتصاديّة العامّة1 تذبذبًا وعدم استقرار كبيرين للأوضاع، إذ بلغ معدل التضخّم، بحسب المعهد الوطن ي للإ حصاء في تونس، في شهر آب / أغس طس 2 012 نسبة %5.6، وبلغ العجز التجاري في الفترة نفسها %5.8، وسجّل النّاتج بالأسعار القارّة انكماشً ا نسبته المحيلّ الإجمالي الثلاثي %2.2- خلال الثلث الأول من 0122، وبلغ مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي %5.5. وتراجعت عائدات السياحة والاستثمار بش كل كبير منذ سنة 2 011 بسبب الفوضى الاجتماعيّة. وسجّلت س نة 0112 مغادرة 00 2 شر كة أجنبيّة من جملة 000 3 شر كة ناشطة في تونس بسبب الاعتصامات المتك رِّرة والاضطرابات والمطالبة بالزيادة في الأج ر. ويقارب العدد الإج املي للعاطلين عن العمل اليوم نحو 00 8 ألف عاطل، وسجَّلت النسبة العامة للبطالة في الثلث الأول من س نة 0122 نحو %18.1، وبلغت النسبة لدى الذكور %14.9 و%26.6 لدى الإناث. وتتوزَّع نسب البطالة بحسب الأقاليم الجغرافيّة كالتالي: إقلي م تونس العاصمة %19.4، الشمال الشرقي %12.6، الوسط الشرقي %12.4، الوسط الغربي %23.1، الجنوب الشرقي %26.1، الجنوب الغربي %25.3. وبلغت بطالة حاملي الشهادات العليا %33.1 في الثلث الأول من سنة 2012 2. ولعلّه من المهمّ الإشارة إلى أنّ هذه النسب قد ش هدت بعض الانخفاض في الثلث الثاني من السنة نفسها، فبحسب المعهد الوطني حصاء أشارت الإحصائيات إلى انخفاض ع دد العاطلين إلى للإ 91.7 6 ألفًا وهو ما يعادل نس بة بطالة قدرها. وقد سجّلت نس %17.6 بة البطالة في الثلث الأوّل لس نة والثلث الأوّل لس 011 نة 012 2 2 على الت والي %18.3 و 18.1٪. ك ام أن نسبة بطالة أصحاب المستويات التعليميّة العالية انخفض ت إلى %26.1 مقابل %29.2 في الثلث الثاني من س نة في الثلث الأول من س 011%33.12 ونة 2 3 012. ولكن، من المهمّ القول في النطاق ذاته إنّه على الرغم امّ قد تعكسه هذه الأرقام من تطوّر نسبيّ لجهد الحكومة في التشغيل ومقاومة البطالة، إلاّ أنّ ذلك التحسّن في مس توى المؤشرِّات والأرقام ظلّ قليل الصدى والظهور في مستوى الواقع الاجتماعي الملم وس للمواطن التونسي، إذ ظلّت المطالبة بالتشغيل العنوان الأبرز لاحتجاجات العاطلين عن العمل والمشهد الطاغي عليها، خاصةً في المناطق الداخليّة المحرومة من التنمية. ورمبّ ا يجد الاختلال بين الأرقام الإحصائية المتحسنة نسبيًا م ن فترة ثلاثيّة إلى أخرى والواقع اليومي الملموس للمواطن تبريره في استفحال الوضع وتراكم العوائق على مدى العقود المنقضية واستحالة المواجهة العاجلة له، أكر مما ينسب إلى عجز الحكومة وفشلها في مجابهة مشكلة البطالة، وكذلك الفقر وسائر القضاي ا ذات الصلة بالتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
وعمومًا، يمكن القول إنَّ الملفات الاقتصاديّ ة مثّلت التحدّي الرئيس للسلطة الحاكمة بع د 23 تشرين الأول / أكتوب ر 012 2 وللثورة التونسيّة بشكلٍ أعم، وتؤكّد بعض الآراء على أنّ من تولّوا إدارة الشأن السياسي في ظلّ التروي كا الحاكمة يفتقدون رؤ ية اقتصاديّة بعيدة المدى، ولم يقدّموا للش عب التونسي برامج أو بدائل تنمويّة، ولا آماالً قادرةً على تحقيق نقلةٍ اقتصاديّة نوعيّة4. وإلى جانب جملة المصاعب الاقتصاديّة المتمثّل ة في تواصل تردّي الواقع الاقتص ادي والاجتماعي وتراجع المؤشر ات الاقتصاديّة وتناقص
الاس تثمار وعدم انتعاش الحركة السياحيّة وعدم تحس ن الأوضاع بحس الاجتماعيّة، وهو ما تتحمّل الحكومة -ب اتهامات المعارضة - المسؤوليّة الأبرز عنه، تواجه حكومة الترويكا في الوقت نفسه اتهاماتٍ بعجزها عن مواجهة العديد من التحديات السياس يّة التي اضطلعت بها عند تدش ني مسار المرحلة الانتقاليّة. وتواجه الترويكا الحاكمة اليوم انتقاداتٍ لاذعة واتهاماتٍ للمجلس التأس يسي بالعجز بسبب عدم الانتهاء من كتابة مسوّدة الدستور بعد انقضاء المدة المخصصة لذلك، وهو قطب الرح ى ومن أكر ضروريات المرحلة الانتقاليّة، إلى جانب التباطؤ في تعيين هيئة عليا مستقلة للانتخابات وهيئة عليا للقضاء وأخرى للإ علام. اندلعت عشيّة الذكرى الأولى للانتخابات ح ربٌ كلاميّةٌ وتهديداتٌ متتاليةٌ بنس ف الشرعيّة، فضالً عن التشكيك في صدق النوايا والطعن في صدقيّة أعضاء المجلس، والحكومة من خلفهم، خاصةً فيما يتعلق بالإخ ال ل بتعهّدهم الأخلاقي أمام الش عب مباشر ةً بعد انتخابهم بالإسراع في كتابة الدستور وضبط مواعيد الانتخابات المقبلة وهيكلة المش هد السياسي. وهو ما اضطر - بحسب بعض المراقبين - الحكومة والمجلس الوطني التأس يسي إلى المبادرة بضبط تواريخ قصوى لإنجاز الانتخابات المقبلة وعرض توطئة الدستور على النقاش ضمن الجلسة العام ة للمجلس المنعقدة بعد 23 تشري ن الأول / أكتوبر 0122 في ش كل رسالة طمأ نةٍ للشعب وإفصاح عن حسن النوايا وبيانٍ لتقدّم أشغال كتابة الدستور والإعداد للانتخابات. ولم تسلَم هذه الخطوات الحكوميّة بدورها من الانتقاد، إذ وُصفت المواعيد المزمعة للانتخابات المقبلة بغير المدروس ة وغير المتلائم ة مع المعيش اليومي للمواطنين والأحوال المجتمعيّة، لتزامنها مع نهاية السنة الدراسيّة ومع الامتحانات المدرسيّة والجامعيّة الوطنيّة التي يوليها المواطن التونسي كل اهتمامه ويضعها في سلم أولويّاته. وعرفت مناقشة توطئة الدستور بدورها ملاحظاتٍ جوهريّة مسَّت مضمونها في العمق، وجُوبهت بنقدٍ لاذعٍ رأى فيه عددٌ من القانونيين من داخل أحزاب التحالف نفس ها محاولةً لضرب مدنيّة الدولة وتأكيدًا مستترًا لعُلويّة مقاصد الشريعة وثوابتها على نصّ الدستور، ورأت بعض تصريحات المنتمين لحزب المؤتمر من أج ل الجمهوريّة - الشريك في التحال ف مع حزبي حركة النهضة والتكتل الديمقراطي - أن في فقرات توطئة الدستور تأكيدًا ظاهرًا لمدنيّة الدولة وتأسيسًا مبطّنًا لسطوة الدولة الدينيّ ة5. وفي ضوء ذلك، اتّهمت بعضُ أحزاب المعارضة وقياداتها حركة النهض ة مباشر ة بوصفها الواجهة الأب رز للترويكا الحاكمة، ليس فقط بعدم الوفاء بالوعود، بل أيضًا بمخالفتها للمبادئ الت ي أقامت عليها حملتها الانتخابيّة وهي المناداة بجمهوريّة الدولة ومدنيتها واحترام مكاسب المرأة، وتراجعها عن برنامجها الانتخابي ع رب شر وعها في محاولة تغي ري الملمح المجتمعي والثقافي والسياسي للمجتمع التونسي. وإلى جانب هذه المآخذ المختلفة النابعة من داخ ل بعض أحزاب الترويكا من جهة ومن أحزاب المعارضة من جهة أخرى، تتزايد الضغوط يومًا بعد يوم على حكومة الترويكا من المنظمات الحقوقيّة والجهات الدوليّة للفت نظرها إلى بعض انتهاكات حقوق الإنسان في تونس بعد الثورة، مثل ما صدر من مآخذ للحكومة من منظمة هيومن رايتس ووتش ومجلس حقوق الإنسان الأوروبي ومنظّمة العفو الدوليّة. وقد ن رش ت العفو الدولية مؤخرًا تقريرًا يتضمّن إشاراتٍ واضحةً للحكومة بعدم تقدّمها في تسوية عددٍ من الملفّات المستعجلة لتحقيق العدالة الانتقاليّة، وعدم البتّ في قضايا الشهداء والجرحى ومحاسبة الفاسدين6. وأشار تقرير المنظّمة أيضًا إلى تزايد القيود المفروضة على حريّة التّعبير، واس تهداف الصحفييّن والفنّانين والكتّاب والمدوّنين، وغياب الحزم لدى الحكومة في حل المشاكل الأمنيّة والفوضى الاجتماعيّة الناجمة عن سطوة بعض الفصائل الدينيّة المتش دِّدة المحسوبة على التيّار السّلفي واعتداءاتها. ويذكر أنّ مشاهد العنف والعنف السياسي قد تكررت مؤخرًا في المجتمع التون س، وكان أبرزها ح وادث الاعتداء ع ىل السفارة الأميركيّة والتسبّب في تخريب عددٍ من المباني والممتلكات التّابعة لها، وحوادث التصادم بين أنصار الحكومة (رابطة حماية الثّورة) بمحافظة "تطاوين" في الجن وب التونسي وعددٍ من أنصار ح زب "نداء تونس" الذي قُتل فيه أحد المواطنين. ومع أنّ مجريات التّحقيق ومتابعة الحكومة والقضاء لهذين الملفين لا تزال قائم ة، إلاّ أنّ المعارضة تتمسّك بتحميل المسؤوليّة المباشرة للحكومة ولفشل سياستها الأمنيّة وتراخيها في اتّخاذ الإجراءات القانونيّة الصارمة في شأن المخالفين للقانون والممارس ني للعنف السياسي من التابعين للتيّار السّلفي من جهة، ولفصائل ما يسمّى برابطات حماية الثّورة من جهة أخرى، وهي هياكل مستجدّة منحتها الحكومة تراخيص العمل القانوني مؤخرًا، ورفضت التراجع
عن ذلك بحجّة نضاليّة المنتمين إليها ومش اركتهم الفاعلة في أحداث الثّورة ويوميّاتها. وعمومًا، يمكن القول إنّ المرحلة الراهنة تسجّل ارتفاعًا غير مسبوق لنسق التجاذبات السياسيّة بين الحكومة والمعارضة من جهة، وارتفاع نس ق التشنّج بين الحكومة والشّارع التونسي ممثالً في فصائل عديدة من المواطنين من جهة ثانية. وربما يجد كل ذلك مبرّراته في مسار استعداد مختلف القوى السياسيّة للانتخابات المقبلة وتعديل بوصلتها على تلك الانتخابات المفترض تنظيمها بعد الانتهاء من إعداد الدستور، ومستويات توظيفها للمشاكل والقضايا المجتمعيّة المختلفة. كما يجد مبرّراته في ارتفاع سقف التوقعات التي كانت معلّقة على حكومة الترويكا ولم يرَ المواطن البسيط آثارًا ملموسة تقرّب له على أرض الواقع ما كان ينتظره. المقبلة. ويبقى التجاذب والاختلاف في الحكم على تجربة الترويكا في الممارسة السياس يّة قائمًا بين المعارضة التي تجزم بفشل التجربة والعجز عن التعاطي الفاعل مع أهم ملفات استحقاقات الثورة من جهة، وبين الحكومة التي تعتبر أنها كانت عرضة لتعطيل دورها وعرقلة نشاطها والتآمر عليها من أجل إسقاطها من جهة أخرى. وع ىل الرغم من اعتراف الحكومة وأنصارها بالصعوبات الفعليّة التي آل إليها الوضع اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وتلميحها لبعض مواطن القصور وتبريره بقلّة التّجربة وافتقار وزرائها الخبرة السياسيّة حينًا، وبثقل تركة الأوضاع المتردّية التي ورثتها مع استلامها للسلطة في تشرين الأول / أكتوبر 011 2 حينًا آخر، إلا أنها تشدّد في المقابل على بيان سلبيّة دور معارضيها وتعمّدهم عرقلة المسيرة بالدّعوة للتحريض ونشر العنف والتشجيع على الفوضى وبثّ الإشاعات والفتن، إلى جانب تعمّد توظيف المؤسّسة الأمنيّة والزجّ بها في المعترك السياسي. ويبقى ملف العنف في المجتمع والتباين الواضح ب ني الحكومة والمعارضة في تفس ري دوافعه وأسبابه وحدود مسؤوليّة الحكومة في توسّعه وانتش اره عامالً مه أصبح يضغط بقوّة اليوم على مواقف الحكومة ويدعم في المقابل إلى حدٍ كبيرٍ مواقفَ المعارضة والشارع التون س، يي خاصة بعد أن تجاوز هذا الملف المدى المحيلّ ليمسّ صورة تونس في الخارج. ولا بدّ من القول إن مختلف المآخذ والاتهامات الموجَّهة لحكومة الترويكا تجد لها مبرراتٍ قويّة ع ىل أرض الواقع ومدعمّات حقيقيّة يتلمسها المواطن العادي الذي تظل هواجسه أك ثر اتصاالً بوضعه الاقتصادي والاجتماعي والأمني، إلا أن التحليل الموضوعي لا يجب أن يستثني من ذلك سائر تداعيات تقاطع المصالح الحزبيّة والشخصيّة للعديد من الأطراف على النطاقين المحيلّ والدّولي ومستويات تطويعها للأوضاع ومسار توجيه الأحداث وتطوراتها. ولكنّ ذلك بطبيعة الحال لا ينفي بأيّ حالٍ من الأحوال مس ؤوليّة حكومة الترويكا عن المشهد والاضطراب في إدارة مختلف تفاصيله، كما لا يمكن لحجة توتير المعارضة للأوضاع أو عدم التجربة في ممارسة الحكم أو ثقل تركة المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة أن تقنع الملاحظ أو ت ربّر بموضوعيّة مآلات الأوضاع. ولكن يبقى في المقابل الحكم بالفشل المطلق على التجربة السياسيّة للترويكا سابقًا لأوانه طالما ما زالت تعتقد بقدرتها على إدارة المرحلة، وطالما تجتهد بأسلوبها في مواصلة ما تبقى منها. ولا شكّ في أنّ أصدق الآراء عن تجربة الترويكا السياسيّة والحكم لها أو عليها ستصدح به علنًا نتائج الانتخابات
الترويكا الحاكمة في تونس: طبيعة التحالف وعناصر التوحّد والفرقة
يقود البحث في تقييم التجربة السياس يّة للترويكا الحاكمة في تونس نحو سؤالٍ إس رت اتيجي يفرض نفسه على مستقبل المشهد السياسي في تونس ويتصل بمدى قدرة الواقع السياسي الذي أفرز التحالف الحاكم قبل أزيد من سنة على إعادة إنتاجه في مستقبل الأيام. وتُطرح تس اؤ لاتٌ في هذا السياق بشأن طبيعة هذا التحالف ومدى تجسيده لحقيقة الطيف السياسيّ في تونس، وإلى أيّ مدى يمكن اعتباره تجلّيًا عاكسًا لتنوع القوى السياسيّة الفاعل ة وتعبيرًا فعليًّا عن مجمل مكوِّنات المشهد السياسي ومستوعبًا مختلف نزعاته وتياراته. وتتكوّن الترويكا الحاكمة في تونس - كما هو معلوم - من ثلاثة أحزابٍ سياسيّة متفاوتة الحجم والأقدميّة التاريخيّ ة والمشروعيّة النضاليّة. وأول مكونات التحالف هي حرك ة النهضة التي تعدُّ نفسها حزبًا سياس يًّا ينادي بمدنيّة الدولة ولكنّه يشدّد على خلفيّتها الإس ال ميّة. يحتكم الحزب، على الرغم من حداثة الاعتراف القانونيّ به والذي كان بعد الثورة، إلى تاريخ طويل في النضال والتعرّض للتنكيل والملاحقة والتعذيب الذي مارسه النظامان السياسيّان السابقان في تونس ضد قياداته ومناضليه. ويحظى الحزب بقواعد شعبيّة عريضة من الأنصار بم ا خوّله تبوّؤ المناصب الأولى في أغلب الدوائر في تونس والخارج
في انتخاب ات 23 تشرين الأول / أكتوبر 2. ويتجسَّ 011 د حضوره في حكومة الترويكا في شخص رئيس الحكومة وغالبيّة أعضائها، إلى جانب حصولهم على أغلبيّة أعضاء المجلس الوطني التأسيسي. ويتمثَّل الطّرف الثّ اني في التحالف الثلاثيّ في ح زب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، وهو حزب ديمقراطي علماني له نزعة عروبيّة، وشدّد في برنامجه السياسي في انتخابات ع ام 011 2 على ضرورة احترام الهُويَّة العربيّة الإس ال ميّة كرافدٍ حضاريّ لتونس. وهو حزب حديث النشأة، سّس في عام أ 001 2، ولم يرخَّص له قانونيًا إلاّ بعد الثورة. عُرف بنضال بعض أفراده وتصديهم لحكم الرئيس السابق ب ن علي، ويأتي على رأسهم رئيس الجمهوريّة الحالي محمد المنصف المرزوقي. والمؤتمر مُمثَّل بكتلة من المناضلين في صفوفه وبعض المنتسبين له حديثًا في الحكومة وفي المجلس الوطني التأسيسي. والطرف الثالث في الترويكا هو حزب التكت ل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذي أُسّس منذ ع ام 994 1 وحصل على الترخيص القانونيّ في سنة 002 2. وهو حزب علماني منفتح على المشارب القوميّة الإس ال ميّة والاش رت اكيّة، خاض جملة من النض الات الفعليّة من أجل الحريّة والديمقراطيّة في عهد بن علي، منفصلًا بذلك عن المعارضة الكرتونيّة المرخَّص لها العمل حينها، وانخرط مع جملة من القوى المعارضة فيما يس مّى "حركة 18 أكتوبر" من أجل لفت النظر لتردّي أوضاع حقوق الإنسان حينها والمطالبة بتحرير المساجين السياسييّن. ويتجسّد حضوره في حكومة الترويكا برئاسة رئيسه مصطفى بن جعفر للمجلس الوطني التأس يسي وعضويّة بعض أنصاره ضمنه، إلى جانب تولّيه لعددٍ محدودٍ من الحقائب والمهام الوزاريّة. وقد لا يتسع المجال للقراءة التفصيليّة لعناصر التقارب أو التنافر الأيديولوجي القائمة بين هذه الأحزاب الثلاثة، ورمبّ ا لا يشكّل التقارب أو التنافر الأيديولوجي بين أقط اب الترويكا الحاكمة اليوم في تونس متغّيرّ ا مهًّماًّ في التحليل في هذا المقام على الأقلّ. ولكن ما يستحقّ التّأكيد عليه هو أنّ هذا التحالف بين هذه الأحزاب الثلاثة لم يكن خيارًا طوعيًّا حتّمه التقارب الأيديولوجي، بقدر ما كان واقعًا فرضته نتائج الانتخابات السابقة، وأملاه السياق السوسيوسياسي الذي رسمت ملامحه نتائج أوّل انتخابات حرّة عرفتها تونس بعد الثورة. وهو ما يدفع إلى القول إنّ تحالف الترويكا الحاكم في تونس لم يكن تحالفًا إس رتاتيجيًّا أفرزته توجهات الأحزاب وخياراتها وقناعاتها واستوت معالمه على غير عجل، وإنما هو تحالفٌ مرحليٌّ، كي لا نقول إنه تحالفٌ فجائيّ فرضه واقعٌ س ياسيٌّ وحصيلةٌ انتخابيّ ة ظرفيّة. وقد لا يعكس بأيّ شكل من الأشكال تحالفًا له بعدٌ فكريّ أو تقارب أيديولوجي أو إس رت اتيجي يجمع بين الأحزاب المتحالفة ويوحّد وجهات نظرها بشأن المس ائل المختلفة. وهي حقيقة ما فتئت تعربّ عنها علنًا بعض أطراف الترويكا التي جاهرت بالقول إنّ التحالف القائم هو تحالفٌ س ياسيٌّ مرحليّ، وليس تحالفًا حزبيًّا دائم ًا (موقف حزب التكتّل من أجل العمل والحريات.) وما فتئت أصواتٌ عديدةٌ من نواب المجلس الوطني التأس يسي لحزبي المؤتمر والتكتّ ل تؤكِّد في مداولات المجلس وفي جلسات التصويت على أنّ تحالفهما ضمن الترويكا الحاكمة مع ح زب حركة النهضة ليس أكر من تحالفٍ حكوميّ، ولا يمكن أن يملي عليهما أيّ تحالف برلماني داخل فضاء المجلس الوطني التأسيسي. وبهذا يمكن أن نخلص إلى الق ول إنّ التحالف لم يقم على تقاربٍ في وجهات النظر والمواقف أو حتى في المرجعيّات الفكريّة والأيديولوجيّة، كما أنّه لم يقم على برامج اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة متناغمة أو متقاربة، ف كلُّ حزبٍ من أحزاب الترويكا دخل الانتخابات الفارطة ببرنامجٍ اقتصاديّ واجتماعيّ وسياسيّ مختلفٍ ش كالً ومضمونًا عن بقيّة الأطراف. يذكر أنّ التحالف الحاكم أُسّ س ع ىل قاعدة توزيع المسؤوليات والحقائب الوزاريّة في الحكومة المنبثقة عن انتخابات تشرين الأول / أكتوب ر 011 2، ولم تكن انطلاقته ميَّة بقدر ما شهدت مصاعبَ فعليّة في عمليّة توزيع الحقائب والتنافس على السياديّة منها بين الأحزاب الثلاثة، مما أخّر لف رت ةٍ ولادة الحكومة. مع العلم أنّ توزيع الحقائب الوزاريّة وتقاسمها أح دث شر وخًا متفاوتة داخل الأحزاب ذاتها وفي صفوف مناضليها، وشهد بعضها حركة استقالاتٍ جماعيّة، مثل الاستقالات التي حدثت من المكاتب الجهويّة والمكتب الوطني في حزب التكتل من أجل العمل والحريات، أو حزب المؤتمر الذي اختار عددٌ من أبرز مؤسِّسيه الانفصال عنه وتكوين حركة مستقلة. لقد طفا اختلاف وجهات النظر بين أحزاب الترويكا والتنافر في البرامج والرؤى في أكر من مناسبة على س طح الأحداث وعلى مركبة تسيير ش ؤون المجتمع والدولة، وتوضَّ حت صورة عدم التقارب في عددٍ من القضايا الخلافيّة التي تنافرت فيها وجهات النظر والمواقف وردود الأفعال. ومن ذلك يمكن، على سبيل المثال، ذكر قضيّة تسليم القيادي السابق في حكومة القذّافي البغدادي المحمودي إلى الحكومة الليبية الجديدة، وما ظهر فيها من صخبٍ بشأن تسليمه أو عدم تسليمه، وتبادل الاتهامات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، والتنازع بشأن صلاحيات اتخاذ القرار في القضيّة.
وضعت جملة من المواقف الخلافيّة المتناقض ة التحالف الثلاثي في الميزان في أكر من مناسبة أخرى (إقالة محافظ البنك المركزي وتعيين خلف له، الخلاف حول ترشيح عضوٍ لمنصب في اللجن ة الدوليّة لمناهضة التعذيب،...إلخ)، وأبانت بعض درجات هشاشته وسهولة تصدّعه أمام بعض المسائل الجوهريّة والمبدئيّة، والتي وإن ساعدت ظروف المرحلة الانتقاليّة اليوم التحالف على تجاوز بعضها، فلا شي ء قد يضمن ذلك في المس تقبل. ورمبّ ا يكون التلويح الأخير لبعض القيادييّن في حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة باحتمال "فكّ الارتباط" م ع النهضة في حال تماديها في ارتكاب بعض الأخطاء وانفرادها بالرأي أكبر دليل على ذلك. ومن المهمّ التّأكيد على أنّ حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، على خ ال ف حزب التكتّل، كان الأك ث ر حرصًا على المجاهرة أمام وسائل الإع ال م ببعض مواطن الخلاف مع النهضة، كما كان ممثلوه يصدحون من حين لآخر ببعض النقد لسياسة الحكومة التي يمثِّلون أحد أطرافها، واتهامهم لحزب حركة النهضة علنًا بالتدخّل الصّارخ في توجيه سياسات الحكوم ة. وقد أطلق رئيس الدولة، المؤسِّ س لحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، تصريحاتٍ شديدة اللهجة في هذا الاتجاه، فقد اتّهم الحركة بالتغوّل والانفراد ببعض شؤون الحكم، والتدخّل المبطّن في بعض مجرياته، كتعيين المسؤولين المحليين والجهويين الموالين للنهضة. رمبّ ا تكشف تصريحات حزب المؤتمر ونقده اللاّذع لسياسات الحكومة التي هو جزءٌ منها في بعض وجوهها عن مح اولاتٍ دعائيّة مبكِّرة للانتخابات المقبلة، وقد تدخل كذلك في خانة الدفاع المشروع للحزب عن كيانه ووج وده داخل الترويكا بعد أن اتُّهِم في أكر من مناسبة بانقياده لحركة النهضة وتبعيّته المطلقة لها منذ قبوله بمنصب رئيسٍ للدولة محدود الصلاحيَّات، ولكنّ الأكيد أنّ التصريحات المختلفة المنتقدة والمندِّدة تكشف عن مدى هشاشة هذا التحالف السياسي ومرحليته والتناقض الواضح بين مصالح أطرافه على المدى البعيد، على الرغم مما تحقَّق مرحليًا من تطابقٍ مؤقَّت بينها.
الترويكا الحاكمة والمستقبل السياسي لتونس
إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المس توى يتمثَّل في مدى قدرة المشهد السياسي المستقبلي لتونس على أن يعيد إنتاج التحالف السياسي الحالي بملامح مشابهة وشكلٍ مماثل. رمبّ ا يكون لمثل هذا التساؤ ل عدّة إجابات متباينة وفقًا لطبيعة قراءة التجربة السياسيّة للترويكا الحاكمة وزواي ا النَّظر إليها. ولكن، لا بدّ من الإقرار كذلك بأنّ أيّ محاولة للتطلّع للمستقبل السياسي لتونس وموقع الترويكا الحاكمة فيه يرتبط بجملة من العوامل المتداخلة والسياقات المتصلة التي لا يمكن بدونها قراءة ما قد تسفر عنه تطورات الأوضاع السياسيّة في تونس ومجرياتها. وربما يتعلّق ذلك بش كلٍ رئيس بأسئلة أخرى كالسؤال أواّلً عن حال الأحزاب السياسيّة المعارضة لأحزاب الترويكا ومدى قدرتها على التأثير في حلبة التنافس على السلطة مستقبالً. كما يرتبط ثانيًا بالتساؤ ل عن طبيعة ومستويات التأث ري في مجريات الوضع واتجاهات الضغط التي يمكن أن تمارس ه قوى المجتمع المدني المختلفة، بما فيها من فاعلين أساسيين كالاتحاد العام التونسي للشغل وكبرى المنظمات الحقوقيّة. ويرتبط ثالثًا بقياس اتجاهات المواطنين ومستويات رضاهم عن سياس ة الترويكا، ومدى تسامحهم مع زلاّته ا وعر اتها المتتالية، ومدى قابليّة تجديد ثقتهم الانتخابيّة الس ابقة في أطرافها الثلاث، أو ع ىل الأقل في حزب حركة النهضة الطرف الأبرز فيها.
ويبقى من البديهي القول إنّ تجربة الترويكا في الحكم لم تكن تجربة هيّنة، فعلى الرغم من مشروعيّة وصوله ا إليه عبر صناديق الاقتراع، ورمزيّة تلك التجربة والحكومة المتشكلة عنها بوصفها أوّل حكومةٍ تنبثق عن الإرادة الحرّة للش عب وعبر ممثليه في المجلس التأسيسي، إلا أنّها كانت أيضًا س ريًا لمجموعة من المناضلين عديمي التجربة والخبرة السياسيّة في مسالك وعرة وملتوية. ورمبّ ا جاز القول إنّ تجربة التحال ف الثلاثي الحاكم في تونس كانت مغامرةً سياس يّة غير مأمونة العواق ب. وقد نميل أكر لاف رت اض أن أطراف هذه المغامرة الثلاثة دفعوا - مقابل خوضها- ضرائبَ باهظة من انحسار مستويات الثقة الس ابقة للناخبين بهم، فيما تبدو فرضيّة اتساع تلك الثقة وامتدادها نحو أنصار جدد أقل احتمالية.
ولكن، على الرغم من أنّ فرضيّة التراجع المستقبلي لش عبيّة أحزاب الترويكا الثلاثة بعد تجربتها السياسيّة الحاليّة واردة بشكل كبير، إلا أنّه يجب التأكيد على أنّها قد تنطبق بمستويات أقلّ حدّة على حالة حزب حركة النهضة. ويُذكر أنّ هذا الحزب كان الفائز الأوَّل بمقاعد المجلس التأسيسي في مختلف الدوائر الانتخابيّة في عموم مناطق البلاد والخ ارج، وعُدّ الحزب الأكر جماهيريّ ةً وصاحب القواعد العريضة، وربما تبقى تلك الجماهيريّة الممتدة لحرك ة النهضة صامّ م أمان قد يضمن لها - على خلاف بقيّة شركائها في الترويكا- مستوياتٍ دنيا من تجدّد ثقة عددٍ مهمٍّ من ناخبيها وأنصارها. وربما يبقى من غير المتوقّع ابتعادها عن صدارة المش هد، وذلك لاعتباراتٍ عديدة لعلَّ أهمّها هو رمزيتها الدينيّة والنضاليّة التي تظلّ الأساس في جماهيريّتها وتعاطف العموم معها. ويجوز هذا القول على الرغم من ظهور بعض بوادر تراجع شعبيّة الحركة عن مستوياتها السابقة، وهو ما بدأت توحي به بعض اس تطلاعات الرأي التي ما انفكت تؤكِّد على تراجع مستويات الثقة على الرغم من استمرار حيازة الحركة وقيادتها على المواقع الأولى، وتصدّره ا قائم ة الأحزاب التي قد تحظى بثقة الناخبين. وقد أصبح ت تصريحات بعض قياديّي الحركة تشي بتراجع شعبيتها من منطلق كون تجربة ممارسة الحكم عامل تهرئة للرصيد الشعبيّ ولثقة الناخبين فيها، نظرًا للفرق الشاسع بين الوعود المبشر بها ومستوى التحقيق الفعلي لها، وهذا ما اعترف به زعيم الحركة الشيخ راشد الغنوشي7. ويُذكر أنّ ما اس تجدّ مؤخرًا من أحداث عنفٍ في منطقة س ليانة8، وهي من محافظات الوسط الغربي الذي يشكو من التهميش التنموي، قد كشف عن أبعاد جديدة أصبحت ترتسم بشكل مغاير في طبيعة العلاقة القائم ة بين فصائل من المواطنين وحكومة الترويكا أو بش كل أعمّ النظام السياسي القائم. وأسفرت الأحداث عن مواجهاتٍ عنيفة وإضراب عامّ في كامل الولاية، وحركة احتجاجيّة نادت بإسقاط الحكومة وإسقاط النظام. وبغضّ النظر عن ملابسات هذه التحرّكات وما تحتمله من تجاذباتٍ سياسيّة بين الحكومة من جهة والمعارضة من جهة أخرى، والاتهامات المتبادلة بينهما بالوق وف وراء تأجيج الأح داث، فإنّ تلك الاحتجاجات، وعنف التحركات المنبثقة عنها والشعارات المرفوعة فيها، أضحت تلفت الانتباه وتدعو للتمعّن فيها. ورمبّ ا تُعيد المناداة بإسقاط النظام (بصرف النظر عن مشروعيّتها ومدى جديّتها ومن يقف خلفها) الوض ع إلى نقطة الصفر في الثورة التونسيّة، وتُحيل المشهد السياسي اليوم من جديد إلى ملامحه الأولى قبل الثورة، وإلى قطبيّته القديمة بين طرفي صراع يتخندق فيه الطرف الأوّل وراء النظام ويتخندق الطرف الثاني (بكلّ أطيافه وحساسيّته السياسيّة المختلفة) وراء إرادة الشعب المنتفض لإسقاط النظام أو على الأقل التذكير بعجزه عن بلوغ استحقاقات المرحلة. ومن المفيد التذكير بأنَّ الثورات العربيّة الت ي انطلقت شر ارتها من تونس قد أعطت دروسً ا مهمّةً في أهميّة "تعريف أطراف الصراع "9، ومن ثمّ الحس م سريعًا في مسار الصراع. فقد بقيت الثورة في كلٍ من تونس ومصر، ربما بسبب عاملي المفاجأة والسرعة فيهما، بمعزلٍ نسبيًّا عن الأطراف الخارجيّة الإقليميّة والدوليّة، مما س هّل عمليّة حسمها سريعًا بين طرفين متمايزين تشكلّا أثن اء الأحداث، وه ام النظام والش عب. وقد اختزل ش عار "ارحل Dégage " تلك النهاية المختارة والمحتومة للنظام من الطرف الثاني الذي استقوى عوده. وقد استنكر أهالي سليانة وعددٌ من الجمعيّات والمنظمّات الحقوقيّة تصريح اتِ بعض أعضاء حكومة التروي كا في الأحداث الأخيرة الذين عربّ وا عن انتهاء صلاحيّة كلمة "ديغاج" التي رفعت في وجه محافظ جهة سليانة. واتجهت أغلب المواقف نحو ش جب تلك التصريحات على خلفيّة أنّ تلك الكلمة السحريّة التي ابتكرها الشّ ارع التونسي هي التي مهدّت طريق السلطة أمام حكومة الترويكا التي تتنكر اليوم لمشروعيّة تلك الكلمة. وم ن المؤكّد أنّ هذا النقاش يستحقّ الكثير من التحليل، الذي قد لا يسمح به هذا المقام، بشأن مستويات تبلور مفاهيم الشرعيّة وعدم الشرعيّة في سياق التحوّل الديمقراطي لدول الربيع العربي، وبشأن ما يمكن مراكمته من دلالات وما اختزلته تلك المفاهيم على مدى المدّة المنقضية من زمن الثورات العربيّة.
ربما يحيلنا ما سبق إلى اس تحضار أفكار عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن الشرعيّة بوصفها إحدى المقولات الأساسيّة لعلم الاجتماع السياسي. وما أكّد عليه في ذلك الاتجاه من أنَّ الهيمنة لا يمكن أن ترضى بالطّاعة المطلقة، بل تسعى إلى تحويل الانضباط إلى التزامٍ بالحقيقة التي تمثّلها تلك الهيمنة أو تدّعي تمثيلها. وكان فيبر قد ميّز بين "نماذج مثاليّة" للهيمنة الشرعيّة، ومنها الهيمنة القانونيّة ذات الطابع العقلي، والهيمنة التقليديّة التي تقوم على الإيمان بقداس ة التقاليد وشر عيّة السلطة المملوكة طبقًا للعرف، والهيمنة الكاريزماتيّة ذات الطابع الانفعالي وتتطلب الثقة الكاملة برجلٍ اس تثنائي10. ومن المعلوم أنّ سوسيولوجيا ماكس فيبر السياسيّة قد أغنت مجمل النظريّات اللاّحقة عن مفاهيم السلطة والشرعيّة والهيمنة، إذ وقع التمييز عقب ذلك بين السلطة بمعناها الواسع والمطلق، والسلطة السياسيّة. وإذا كانت السلطة السياسية تتطلَّب الاعتراف العامّ والقبول والرضى، فإن كلاهما تتطلبان الشرعيّة التي يجب أن تكون المعيار المميّز للس لطة11. ومن منطلق تحليلات ماكس فيبر للشرعيّة قد يجوز القول إنّ الجدل بشأن الشرعيّة الي وم في تونس والنّقاش المستفيض بشأن مداها وحجم تأثيرها في المشهد السياسي والحياة الاجتماعيّة بشكل أعمّ، يشهد تخبّطًا عامًّا في الأذهان ولدى مختلف الأطراف، وينعكس عدم وضوح معاني الشرعيّة وتناقض دلالاتها في مختلف مواقف الفاعلين السياسيين وس لوكياتهم. وتتبدّى الشرعيّة حينًا في أذهان البعض مستمدةً بقوّة من نتائج الانتخابات التي جاءت بالأحزاب الحاكمة إلى السلطة، وبناء على ذلك تشُرعِن مواقف السلطة الحاكمة وتبرِّر كلّ تحركاتها وتمنحها صلاحياتٍ لا متناهية في إدارة الشَّأن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بما قد تراه الأصل ح من منطلق شرعيّة الأغلبيّة. ولكن ترتبط مفاهيم الشرعيّة في الاستعمالات الأخرى، ولدى بع ض الفئات، بمفاهيم أكر ش موالً تتصل بسياق الثورة والانتقال الديمقراط ي أكر مما ترتبط بنتائج الانتخابات الفارطة وبمن أوصلتهم للحكم. وتتحمّل الشرعيّة الثوريّة وشر عيّة الانتقال الديمقراطي بهذا المعنى أدوارًا أكبر وأشمل بوصفها العين الحارس ة للمسار الثوري الذي لم يكتمل والوصيّ الأكبر على تطوّر الأوضاع وتقدّمه ا. وهو رمبّ ا ما أعاد إلى الأذهان عشيّة اكتمال الس نة على انتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 011 2 إمكانيّة الانقلاب على المجلس التأسيسي وعلى الحكومة الشرعيّة باسم شر عيّة أكبر وهي شر عيّة الشّ ارع الثوري الذي انتفض على حكم بن علي يوم 14 كانون الثاني / يناير 011.2 وعمومًا، يمكن القول إنّ الترويكا الحاكمة كانت، كما س بقت الإشارة إليه، تشكيلةً سياسيّةً أفرزها س ياق سوسيوسياسي معنيّ اتّسم بفوز أحزاب سياسية ثلاثة في أول انتخابات حرة تنجز في تونس ما بعد ثورة يناي ر 011 2. وقد حملت تلك الانتخابات العديد من المفاجآت غير المتوقعة التي عكست حقائق غير بارزة للعيان عن المشهد السياسي التونسي، ومنها التأثّر الواضح لنتائج الانتخابات بظاهرة تشتت أصوات الناخبين بين الأعداد الكبيرة للقوائم الانتخابيّة الحزبيّة والمستقلّة التي دخلت الانتخابات. وقد تحفّز عدد من الأحزاب الخاسرة في الانتخابات لتجاوز واقع التش تت، وعمل بعضها - ولا يزال - على محاولة التكتّل داخل جبهات والانصهار في تيّارات أكبر تشكّلت من ائتلافات حزبيّة مختلفة. ويبدو مش هد المعارضة اليوم أكر اتجاهًا نحو المزيد من التوحّد وتفادي الفرقة والتشتت. ويبقى ظهور حزب "حركة نداء تونس" الملمح الأبرز في مشهد المعارضة السياسيّة اليوم. ولئن اختلفت المواقف والرؤ ى بشأن طبيعة هذا الح زب، إذ يعدهّ البعض وريث حزب التجمّع الدس توريّ الديمقراطيّ المحلّ، فإنه يسجّل على الرغم من ذلك تقدمًا بارزًا في مستوى استقطاب الأنصار والتوسّع الأفقي في المشهد السياسي. وعلى الرغم من حداثة تأسيس هذا الحزب بقيادة رئيس الحكومة السابق الباجي قايد السبسي، فإنّه أصبح يحتلّ مكانة بارزة في المشهد. ويُعدّ حزب نداء تونس تحالفًا جديدًا تش كّل من ش قيّن أساسييّن، يتمثّل الشقّ الأوّل في "الدستوريين"12 الذين يعدّون أنفسهم بناةَ الدّولة الوطنيّة ومؤسّسيها ورافدًا من روافد حداثتها، وهم ممثّلون في عددٍ من "البورقيبييّن" وقدامى الوزراء والتكنوقراط السّابقين، وعددٍ من الوجوه البارزة وقواعد الحزب الحاكم سابقًا. ويتمثَّل الشقّ الثّاني في عددٍ من القياديين ووجوه اليسار المعتدل وبعض رموز المجتمع المدني وعددٍ من رموز التيّارات الحداثيّة والعلمانيّة. وعلى الرغم من الوصمة التي ينعت بها حزب نداء تونس بوصفه حزبًا يقوم برس كلة14 رموز النظام السابق بغاية اس رت جاع مكانتهم في المشهد السياسي، إلاّ أنّه يبقى مرشحًا للتوسع والامتداد ولأن يكون له دور المنافس الأشر س لحزب حركة النهضة في الانتخابات
المقبلة. وقد بدأ هذا الحزب يتأصّل في المشهد الس ياسي التونسي، إذ تص وّره بعض الآراء بوصفه "المنقذ للمشروع الحداثيّ"15 الذي تجذّر في تونس منذ استقلالها، والذي ترى تلك الآراء أنّه مهدّد بالانقراض اليوم. ويُصوّر هذا الحزب كذلك بوصفه حارس الحركة الدستوريّة التي يرقى شرفها إلى شر ف رمزيّة مسار بناء الدولة الوطنيّة وتركيز أسسها منذ استقلال تونس وخروج المستعمر الفرنسي. ويطرح حزب نداء تونس نفس ه اليوم بوصفه الطريق الثالث الذي يمكن أن يكون بديالً عن الدولة البوليسيّة من جهة والدولة الدينيّة من جهة ثانية، مستثمرًا في ذلك رأس مال س ياسيّ قويّ يجعله - على حداثة وصوله للمش هد السياسي، ومع اتهامه بشبهة رسكلة بقايا النظام المُطاح به - يتأصّل في تاريخ تونس السياسي وفي عم ق مشروعها الحداثي. ورمبّ ا يغريّ حزب نداء تونس بوصلة نتائج الانتخابات المقبلة، بما يدفع إلى اس تبعاد فرضيّة إعادة إنتاج الانتخابات المقبلة لشروط بقاء الترويكا الحاكمة في صيغتها الحاليّة. وقد تجد حركة النهضة نفس ها مستقبالً مضطرّة للتحالف مع حزب نداء تونس الذي لا تزال تعدهّ حزبًا هجينًا ولا مستقبل له في قلوب التونسييّن. ويمكن الجزم بأنَّ البلاد تس ري نحو اس تقطابٍ ثنائيّ جديد لم يعد من السهل تجنّبه بين النهضة وحزب نداء تونس. وهو استقطابٌ لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن ينظر إليه كإعادة إنتاج للاستقطاب الذي جرى الترويج له عشيّة الحملة الدعائيّ ة الانتخابيّة في انتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 011 2 بين الإسلامييّن من ناحية والعلمانييّن من ناحية ثانية. وعلى الرغم من أنّ نداء تونس لا يزال بصدد التشكّل، إلا أنّه يبدو مرشحًا لاس تقطاب أطيافٍ مختلفة من الفاعلين السياسييّن من ذوي الانتماءات المتنوّعة والمرجعيّات المتباينة التي قد تجتمع مس تقبالً على مبدأ المواجهة الموحّدة لحكومة الترويكا ومنافسة فصيلها الأكبر (النهضة) في الانتخابات المقبلة.
الخاتمة
تعدّ تجربة الترويكا التونس يّة في الحكم تجربةً فريدةً في إدارة الشأن الس ياسي في دول الربيع العربي. وقد واجهت التجربة عر اتٍ مختلفةً بالقدر الذي سجَّلت فيه كذلك بعض النجاحات ع ىل الرغم من ك ثرة الصعوبات والعوائق المتعدِّدة المصادر والعوامل. وعلى الرغم من احتواء الترويكا على عناصر تنافر وفرقة أك ث ر من احتوائها على عناصر توحّد وتقارب بين مرجعيّات أحزابها الثلاثة وبرامجها، فقد سجّلت قدرة على الصمود أمام الكثير من المطبّات السياسيّة الوعرة التي كانت تنذر بتصدّع بنائها فعليًّا. وكشفت جملة من المحطّات السياسيّة عن نوع من الصلابة المرحليّة والقدرة على تجاوز المسائل الخلافيّة والقفز عليها. ولكن، م ع أهميّة التجربة، وما يمكن أن تقدِّمه عمليّة تحليلها من زاويا نظر مختلفة من مواطن قوّة أو مواطن ضعف، فإنّه يمكن القول إنّ المشهد السياسيّ التونسيّ بتطوراته الحاليّة يشير إلى صعوبة إمكانيّة إعادة إنتاج التحالف السياسي الحالي مس تقبالً. ومن المهم التذك ري بجملة من العوامل الموضوعيّة التي ترفد مثل هذا الرأي، كاستفادة الأحزاب الحاكمة الثلاثة، كلّ على حدة، من تجربته في ترويكا الحكم، ومدى تأثير ذلك في مواقف الناخبين من هذه الأحزاب في الانتخابات المقبلة، وهناك أيضً ا عامل تطوّر مشهد المعارضة التونسيّة من الانقسام والتشتّت نحو المزيد من الانصهار والتكتّل وإعادة التشكّل ضمن جبهات انتخابيّة مرشّحة بجديّة لأن تكون أطرافًا أقوى في حلبة المنافسة الانتخابيّة المقبلة.