الآثار الجيوسياسيّة لاكتشافات الغاز الإسرائيليّة في شرق المتوسّ ط
الملخّص
سوف تنقل اكتشافات الغاز على الساحل الفلس طيني، التي أُعلن عنها مؤخرًا، إسرائيل من دولةٍ مستوردةٍ للغاز، إلى دولةٍ منتجةٍ له، بل ومصدرة. تسلط هذه الدراسة الضوء على التداعيات الجيوسياسية المحتملة لهذه الاكتشافات؛ على إسرائيل، وعلى منطقة الشرق الأوسط، وعلى مجريات الصراع العربي الإسرائيلي. على ضوء عرضٍ شاملٍ للمشهد الإقليمي للطاقة، تتوقف الدراسة عند أهم التداعيات الإقليمية المحتملة لهذه الاكتشافات ومنها: الآثار الاقتصادية والمالية على إسرائيل ووضعها الإستراتيجي في المنطقة، وآثار هذه الاكتشافات عل ى الخلاف اللبناني - الإسرائيلي على الحدود البحرية، والصراع الإسرًائيلي، إضافة العربي - إلى الخلاف التركي - القبرصي الذي أدّى إلى تقارب سياسي واقتصادي وعسكري بين إسرائيل وقبرص واليونان في السنوات الأخيرة، مرشح للتحول إلى محور إستراتيجي جديد يضم هذه الدول الثلاث. تتطرق الدراسة، أيض ا، إلى البعد الأميركي - الأطلسي ومحاولات الولايات المتحدة الأميركية التخفيف من حدة الأزمات في المنطقة. كما تعرض الدراسة إلى البعد الروسي الذي يتمث ل في اهتمام شركات الطاقة الروس ية بهذه الاكتشافات ومحاولتها المشاركة فيها. وتطرح الدراسة في الختام، رؤية استشرافية حول أهمية التنسيق العربي من أجل مواجهة التحديات المستقبلية التي تفرضها هذه الاكتشافات على المنطقة العربية وعلى الصراع العربي الإسرائيلي.
مقدّمة
"تعدّ إسرائيل، بحسب الكتاب المقدّس، أرض الحليب والعس ل، أمّا في العصر الحديث، فهي أرض الحليب والعسل والغاز الطبيعيّ بعد الاكتشافات الأخيرة للغاز في سواحلها"1. بهذه الجملة افتتحت مجلّة "مستثمر النفط والغ از " Investor Gas & Oil عددها الخاصّ عن النشاطات النفطية لشركة نوبل الأميركيّة للطّاقة في إسرائيل بعد الاكتشافات الأخيرة التي حقّقتها قبالة الساحل الفلسطينيّ في عرض البحر الأبيض المتوسّط خلال عامي 0090102 و 2. في السّ ياق نفسه، أعلنت دائرة المسح الجيولوجيّ الأميركيّة في نيسان/ 2، أنّ الحوض الشرقيّ للبحر الأبيض المتوسّ أبريل عام 010 ط يحتوي على احتياطيّ متوسّط غير مكتش ف2 يقدَّر بنحو 71. مليار برميل من النّفط القابل للاس تخراج تقنيًّا، مع أقصى احت ام ل قد يصل إلى 7.3 مليار برميل من النّفط القابل للاستخراج تقنيًّا. ويشمل الحوض الشرقيّ للبحر الأبيض المتوسّط الشريط البرّي لسواحل سورية ولبنان وفلس طين –التاريخيّة والمياه الإقليميّة لهذه ال -دول إلى غاية المياه القبرصيّة (انظر الخريطة رقم 1.) أمّا في ما يخصّ الغاز في هذا الحوض، فقد أشار تقرير دائرة المس ح الجيولوجيّ الأميركيّة إلى أنّ الاحتياطي المتوسّ ط القابل للاس تخراج تقنيًّا هو 122 ترليون قدم مكعّب من الغ از، وقد يصل تقدي -ر في أقصى- إلى 7 22 ترليون قدم مكعّب من الغاز القابل للاستخراج تقنيًّا3. وبحسب استنتاجات لجنة شيشينسكي التي أسّستها وزارة الماليّة في إسرائيل في نيس ان/ أبريل عام 2 010 لدراسة السياسة الماليّة فيما يتعلّق بموارد النّفط والغاز في إسرائيل، فإنّ ثلثي هذا الاحتياطيّ موجودان في المياه الإقليميّة للسّ احل الإسرائي يلّ، أي ما يعادل في المتوسّ -ط - 18 ترليون قدم مكعّب من الغاز القابل للاستخراج تقنيًّا4. بدأت اكتشافات الغاز الأخ ري ة في الحوض الشرق يّ للبحر الأبيض المتوسّط تلفت انتباه المهتمّ ني بصناعة الطّاقة والنّخب السياسيّة الإقليميّة نظرًا للتداعيات الإس رت اتيجيّة المحتملة على منطقة الشرق الأوسط، ع ال وةً ع ىل اهتمام الدّول الك رب ى في العالم بها. هذه الورقة، محاولة لتحليل الآثار الجيوسياسيّة المحتملة على منطقة شر ق المتوسّط بعد الاكتشافات الأخيرة للغاز التي أنجزتها إسرائيل في الساحل الفلس طينيّ المحتلّ منذ عام 9481 وعلاقتها بالتطوّرات السياسيّة في المنطقة.
مشهد الط اقة الإقليميّ
في هذا الجزء من الورقة، وقبل أن ننطلق في دراس ة التّداعيات الجيوسياس يّة المحتملة على منطقة شر ق المتوسّط بعد الاكتشافات الأخيرة للغاز في الساحل الفلسطينيّ، نقدّم عرضًا مختصرًا لمشهد الطاقة في الدول ذات الصّلة بهذه الاكتشافات، مع التّذكير أنّ هذه الدراسة تهتمّ بالحالة الإسرائيليّة خاصّةً.
إسرائيل
لقد بدأت نشاطات التنقيب عن النّفط والغاز في فلس طين التاريخيّة في س نة 1947 -قبل قيام دولة إسرائيل- بمس اعدة شر كة تطوير النفط الفلس طينيّة المتفرّعة من شر كة نفط العراق، وتوقّفت بسبب الحرب العربيّة الإسرائيليّة الأولى ما بين عامي 9489491 و 1. واس تأنفت شر كة 1 5نفط إسرائيل "نافطا" عمليّات التّنقيب سنة 955. وأنجزت إسرائيل عدّة عمليّات تنقيب عن النّفط والغاز في الستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي في فلسطين التاريخيّة بما فيه ا الضفّة الغربيّة، من دون التوصّل إلى اكتشاف احتياطيات كبيرة حجمًا أو ذات وزن اقتصاديًّا. وفي غضون عقدٍ من الزّمان، بين سنوات 9990101 و 2، انتقلت إسرائيل من موقع الدولة الفقيرة طاقويًّا إلى موقع الدولة التي تتطلّع إلى تصدير
خريطة رقم 1: الحدود الجيولوجيّة للحوض الرقيّ للبحر الأبيض المتوسّط
الغاز للأسواق العالميّة بعد سلسلةٍ من الاكتشافات المهمّة لاحتياطيات الغاز قبالة السّ واحل الفلسطينيّة الشماليّة والجنوبيّة في البحر الأبيض المتوسّ ط. وبدأت هذه الاكتشافات بحقلي "نوح" Noa() و"ماري - ب")، قرب ش واطئ عس B(- Mariقلان في شهر آذار / مارس سنة 9991، 2، وأخيرًا اكتش ثم حقل تامار في كانون الثّاني / يناير عام 009 اف حقل "لفياتان" في حزيران / يونيو عام 0102، وكلاهما قرب سواحل حيفا. يُعدّ حقل "لفياتان" أهمّ اكتشافٍ للغاز حقّقت ه إسرائيل، كما أنّه الأهمّ في العالم في سنة 010 2، إذ يصل الاحتياطيّ المتوسّط المؤكّد لهذا الحقل إلى 71 ترليون قدم مكعّب. وحريّ بنا أن نذكر أنّ هذه الأرقام أوليّة، وهي قابلة للارتفاع مع تقدّم عمليّة التّقييم والتّطوي ر الجارية الآن، والتي بدأت بالفعل وسوف تمتدّ على مدى عق دٍ كامل (يبنيّ الجدول رقم 1 أهمّ الاكتشافات التي تمّت في إسرائيل خلال العقد الأخير مع الاحتياطيّ المؤكّد لكلّ حقل.)
| اسم الحقل | نوح وماري - ب | تامار | دالِت | لفياتان Leviathan |
|---|---|---|---|---|
| حجمه | 1.2 ترليون قدم مكعّب | 9 تريليونات قدم مكعّب | 0.5 ترليون قدم مكعّب | 71 ترليون قدم مكعّب |
| سنة اكتشافه | 1999 | كانون الثاني / يناير 2009 | نيسان / أبريل2009 | حزيران / يونيو2010 |
| سنة دخول الإنتاج | 2004 | نيسان / أبريل 2013 | غير معروف حاليًّا | 2016 |
| الرشّ كات المستغلّة | ديليك للطاقة ونوبل للطاقة. | ديليك للطاقة ونوبل للطاقة ودورغاز للتنقيب وإسرامكو. | ديليك للطاقة وإسرامكو ودور غاز للتنقيب. | نوبل للطاقة وديليك للطاقة وراسيو للتنقيب. |
بعد الاكتشافات التي أنجزت في الفترة م ن 9991 إلى 0102، وصل الاحتياطيّ المؤكّد من الغاز الطبيعيّ ل دى إسرائيل إلى 7.7 2 ترليون قدم مكعّب من الغاز. ويكفي هذا الاحتياطي عند استغلاله لتلبية حاجيات السوق الإسرائيليّة من الغاز والاستغناء عن الغاز الم رص يّ (يمثّل الغاز المس تورد من مصر %40 من الغاز المستهلك في إسرائيل6) لعقودٍ قادمة. يُعدّ هذا الرّقم الأولّي للاحتياطيّ المؤكّد من الغاز، والقاب ل للارتفاع، رقامً مه مقارنةً بحج م إسرائيل الجغرافيّ والاقتص اديّ. ويمثّل نحو %0.4 من احتياطيّ الغاز العالميّ المؤكد، كما هو مبنيّ في الجدول رقم 2 الذي يقارن الاحتياطيّ المؤكّد الإسرائيليّ مع احتياطيّ الغاز المؤكّد في أهمّ الدّول المص دّرة للغاز في المنطقة وفي العالم. ويظهر هذا الجدول أنّ الاحتياطيّ المؤكّد من الغاز لدى إسرائيل %0.4(من الاحتياطيّ العالميّ) قريب من الاحتياطيّ المؤكّد م ن الغاز لدى أذربيجان م %0.6(ن الاحتياطيّ العالميّ) وهي دولة مصدّرة للغاز على الرّغم من الاستهلاك المحّليّ العالي، والذي يقدَّر ب 53 ملي 0 ار قدم مكعّب7 في ع ام 010 2، مقارنةً بإسرائيل التي وصل فيها الاستهلاك المحّليّ للغاز إلى 48.41 ترلي ون قدم مكعّب في العام نفس ه8. ومن المتوقّع أن لا يتجاوز الاستهلاك الداخلي من
جدول رقم 1: أهمّ حقول الغاز التي اكتُشفت في إسرائيل ما بين 1999 و 2010
2 بحس الغاز في إسرائيل 056 مليار قدم مكعّب في عام 040 ب الهيئة الإسرائيليّ ة للغاز9. ولابدّ أن نذكّر، م رّةً أخرى، أنّ هذه الأرقام هي أرق ام أوّلية وهي قابلة للارتفاع لأنّ عمليّات التّقييم لِما اكتُشف لم تنته بعد، وعمليّات الاستكشاف ما زالت مستمرّة في عدّة مواقعَ على طول السّاحل الفلسطينيّ. بناءً على هذه المعطيات، فإنّ سيناريو تحوّل إسرائيل إلى دولةٍ مصدّرة للغاز للأسواق العالميّة هو سيناريو واقعيّ. وتتعزّز احتماليّته بالنظر إلى تصريحات رؤ س اء شر كات النّفط العالميّة التي تشارك مع إسرائيل في استكشاف حقول الغاز واس تغلالها، وتصريحات النّخبة السياسيّة الإسرائيليّة التي تشجّع هذا التوجّه وبدأت تتحرّك إقليميًّا في اتّجاه ق رب ص واليونان من أجل دراسة إمكانيّة تصدير مش رت ك للغاز من خلال محطّاتٍ لتسييل الغاز أو أنابيب تربط حقول الإنتاج الإسرائيليّة والقبرصيّة واليونانيّة لتسويق الغاز في الأسواق الأوروبيّة10. وفي هذا الإطار، يعربّ تقرير شيشينس ك عن هذا التوجّ ه بالعبارة التالية...": فإنّ اكتشافات الغاز على نطاقٍ واسع، سوف تس مح أيضًا بتصدير الغاز الإسرائيليّ إلى دولٍ أخرى، سواء عن طريق تسييل الغاز أو من خلال وضع خطوط الأنابيب الملائم ة." بموازاة اكتشافات إسرائيل الأخيرة للغاز في الساحل الفلس طينيّ، اكتش فت شر كة نوبل الأميركيّة التي تنشط في إسرائيل كذلك مخزونًا مش رتكًا مه من الغاز، بين المياه الإقليميّة القبرصيّة والمياه الإقليميّة الإسرائيليّة (حقل أفروديت Aphrodite.) كما أنّ نتائج مسحٍ زلزاليّ
د الإسرائيليّ من الغاز مع الاحتياطيّ المؤك جدول رقم 2 د لأهمّ الدّول المصدّرة للغاز بحسب أرقام عام: مقارنة للاحتياطيّ المؤك 2011
| الدولة | الاحتياطي المؤكّد من الغاز | نسبة الاحتياطي المؤكّد من المجموع العالمي |
|---|---|---|
| روسيا | 75 15 تق *3 / 44.6 تم **3 | %21.4 |
| إيران | 1168 تق 3 / 33.1 تم 3 | %15.9 |
| قطر | 84.58 تق 3 / 25 تم 3 | %12 |
| تركمنستان | 58.88 تق 3 / 24.3 تم 3 | %11.7 |
| نيجيريا | 0.5 18 تق 3 / 5.1 تم 3 | %2.5 |
| الجزائر | 9.1 15 تق 3 / 4.5 تم 3 | %2.2 |
| مصر | 77.3 تق 3 / 2.2 تم 2 | %1.1 |
| النرّ ويج | 73.1 تق 3 / 2.1 تم 3 | %1 |
| أذربيجان | 9 44. تق 3 / 1.3 تم 3 | %0.6 |
| إسرائيل | 7.72 تق 3 / 0.44 تم 3 | %0.4 |
| الإجمالي ّ العالمي ّ | 7360 تق 3 / 08.4 2 تم 3 | %100 |
7360 تق 3 08.4 / 2 تم 3 الإجمالي العالمي
على طول سواحل جزيرة كريت في اليون ان تدلّ على وجود مخزون معتبر من الغاز. نتج عن هذه الاكتشافات المتزامنة على سواحل ه ذه الدّول الثلاث مشاورات وتقارب على مستوى رسميّ وعلى مس توى شر كات الطاقة المحلّية والعالميّة، من أجل دراسة وتقييم الجدوى الاقتصادية لتصدير الغاز الذي اكتشف والذي قد يُكتشف في المستقبل بناءً على المؤشرّات الإيجابيّة المتوفّرة حاليًّا، والتي أفرزتها العمليّات الأوليّة للاستكش اف في الدّول الثلاث. وقد تفرض اعتبارات اقتصاديّة وأمنيّ ة على إسرائيل وقبرص واليونان الرشّاكة (التنسيق) لتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية، خاصّةً في حال اكتشاف مخزون مهمّ من الغاز في قبرص واليونان. فمن الناحية الاقتصاديّة، ستسمح ه ذه الرشّاكة بتخفيض تكلفة إقامة البنية التحتيّة الضروريّة من أجل إنتاج الغاز وتصديره، وتعزّز الجدوى الاقتصاديّة للمشاريع المس تقبليّة. وتصبح هذه الجدوى الاقتصادية للاستغلال المشترك أكر وضوحًا بالنظر إلى رغبة الأسواق الأوروبيّة المتعطّشة لمصادرَ جديدة للغاز في توفير مصادر جديدة لاستيراد الغاز إضافةً إلى المصادر الحالية الروسيّ والنر ويجيّ والش ام ل الأفريقيّ (الجزائر وليبيا)، خاصّةً بعد سلسلة الانقطاعات النّاجمة عن الخلاف الروسيّ الأوكرانيّ بشأن رسوم الم رور، والثورة الليبيّة التي أدّت إلى توقّف الإنتاج في الحقول الليبيّة لعدّة ش هور. وعلى الصّعيد الأمنيّ، تتطلّع كلٌّ من قبرص واليونان إلى تنسيقٍ أمنيّ مع إسرائيل من أجل حماية منشآت الغاز في البحر، وهو ما تبرزه هذه الدراسة لاحقًا. أوّل الخيارات التي تجري مناقشتها بين إسرائيل وق رب ص واليونان للاستغلال المش رتك لر وة الغاز الحاليّة والمرتقبة هو خيار بناء شبكة من الأنابيب تحت البحر بين هذه الدّول لتصدير الغاز إلى أوروبا، إذا كانت هناك جدوى اقتصاديّة لهذا الخيار. ويتمثّل الخيار الثاني في بناء محطّات مشتركة لتسييل الغاز على أراضي إحدى الدّول الثلّاث. وفيما يخصّ بناء شبكة من أنابيب الغاز (انظر الخريطة رقم)2، فإنّ السّبب الرئيس الذي يدعم هذا الطّرح هو اس تحالة المرور بالأراضي اللبنانيّة والسوريّة والتركيّة من أجل تصدير الغاز الإسرائي يلّ في ظلّ الرصّاع العربيّ الإسرائيليّ والخلاف التركيّ الق ربصيّ. ولكن تنفيذ هذه الفكرة
ع ىل أرض الواقع يحتاج إلى شر اك ة ضروريّة مع الاتّحاد الأوروبيّ من أجل ضمان التّمويل والطّلب على الغاز. وفي ضوء الظّروف الاقتصاديّة الرّاهنة، وتشبع السوق العالمية من الغاز، من الصّعب تحديد موقف أوروبا من هذا الاقتراح الذي يحتاج إلى استثماراتٍ هائلة على مدى نحو 15 سنة قبل أن يرى النّور. وعند فحص المقترح الثاني بتسييل الغاز لتصدي ره، يتّضح أنّ هذا الخيار يتطلّب استثمارات كبيرة. وهناك مشاورات أوّليّة بين إسرائيل وقبرص واليونان، إضافةً إلى عددٍ من شر كات الطّاقة المحلّية والعالميّة، من أجل دراسة الجدوى الاقتصاديّة لهذا الطّرح. وقد قرّرت الحكومة الإسرائيليّة - في حال اعتماد هذا الخيار - أن يكون بناء منشآت تسييل الغاز ع ىل الأراضي الإسرائيليّة (أراضي فلس طين المحتلة عام 948)1، وذلك لأسبابٍ تتعلّق بالأمن القوميّ الإسرائيليّ. وفي هذا الصّدد، بادرت شركة نوبل للطّاقة - بالفعل - التي تدير عددًا من حقول الغاز في إسرائيل، بإنجاز دراس اتٍ أوليّة للخيارات المتاحة من أجل تصدير الغاز المس ال إلى الأسواق الأوروبيّة والآسيويّة (انظر الخريطة رقم 3، والتي تبنيّ الاختيارات المتاحة لبناء محطّات تسييل الغاز الإسرائيليّ.)
خريطة رقم 2: المسار المقترح لشبكة أنابيب الغاز من السّ واحل الفلسطينيّة إلى السّ واحل الإيطاليّة
تدلّ اكتشافات الغاز الأخيرة والمعلوم ات الجيولوجيّة التي توصّلت إليه ا شر كات النّفط، على وجود فرصٍ عالية لاكتشاف مزيدٍ من الحقول على اليابسة. وفي هذا الإطار، منحت إسرائيل العشرات من التّصاريح للتّنقيب عن النّفط والغاز على اليابسة وفي البحر، كما تشير الخريطة رقم 4.
سورية
لدى سورية احتياطيّ مؤكّد متواضع من الغاز على اليابس ة، ويقدَّر ب ترليونات ق 0.1 دم مكعّب (ما يعادل 0.3 1 ترليون متر مكعّب) بحس ب أرقام عام من إج امليّ الاحتياطيّ العالميّ)11. %0.1(2011 وقد أنتجت س ورية 32.42 مليار قدم مكعّب في ع ام 011 2 12،
خريطة رقم 3: الخيارات المطروحة من أجل بناء محطّات لتسييل الغاز الإسرائيليّ
واس تهلكت نحو 251 مليار قدم مكعّب في عام 2 13 009، واستوردت الفارق من مصر عبر أنبوب الغ از العربيّ14(انظر الخريطة رقم 5). على الرّغم من حالة عدم الاستقرار التي تعيشها سورية، ارتفع الإنتاج المحّليّ من الغاز بنس بة في س %10 نة 011 2، وقد انخفض الإنتاج خلال سنة 012 2، بسبب تفاقم الأزمة السياسيّة والأمنيّة وانسحاب
خريطة رقم 4: توزيع رخص استكشاف واستغلال النفط التي منحتها وزارة الطاقة والموارد المائية في إسرائيل
الّشرّكات الأجنبيّة جرّاء العقوبات الاقتصاديّ ة المفروضة من الدول الغربيّة وحلفائها. وتستخدم سورية ربع إنتاجها من الغاز في حقول النّفط من أجل تعزيز إنتاج النّفط، ويُستخدم الباقي لتوليد الكهرباء. يقدّر الاحتياطيّ المؤكّد من النّفط في س ورية بنحو 2.5 مليار برميل بحس ب أرقام سنة 0112، ويمثّل %0.2 من إجماليّ الاحتياطيّ العالميّ 15. وفي عام المؤكّد من النفط 011 2، أنتجت س ورية 332 ألف برميل
خريطة رقم 5: أنبوب الغاز العربيّ
من النفط يوميًّا16، وحقّقت اكتفاءً ذاتيًّا في النّفط يسمح لها بتصدير كميّات متواضعة إلى الس وق الأوروبيّة خاصّةً، وهي الصادرات التي توقّفت بسبب العقوبات الاقتصاديّة على النظام السوري منذ بداية الثورة السوريّة في عام 011 2.
لبنان
ك ام أشر نا في بداية هذه الورقة، وبحسب دائرة المس ح الجيولوجي الأميركيّة، لدى سورية إمكانيّة اكتشاف حقولٍ جديدة من النّفط والغاز على أراضيها وفي مياهها الإقليميّة. وبعد الاكتشافات الإسرائيليّة الأخيرة في السّاحل الفلسطينيّ، حدّدت وزارة الطّاقة والموارد المعدنيّة السوريّة، في آذار / مارس 011 2، ثلاثَ كتلٍ للتّنقيب عن النّفط والغاز في مياهها الإقليميّة. ولكن الوضع الحاليّ لن يسمح باستئناف عمليّات التّنقيب17.
ليس للبن ان أيّ إنتاج محيلّ من الغاز أو النّفط، ولم تستكش ف فيه المحروقات برًّا أو بحرًا، فهو يستورد كميّاتٍ صغيرةً من الغاز المصريّ
عبر سورية من خلال الأنبوب العربيّ للغ از (انظر الخريطة رقم)5، ويؤمّن جلّ احتياجاته من النّفط من مصر أيضًا. وبعد اكتشاف إسرائيل للغاز في السّواحل المحاذية للبنان، بدأت الحكومة اللبنانيّة تهتمّ بهذا الموضوع. وفي هذا الصّدد، وافق البرلمان اللبنانيّ على قانون النّفط في آب / أغسطس س نة 010 2، وكلّفت الحكومة اللبنانيّة شر كت ني نرويجيّتين بإجراء أوّل مسحٍ زلزاليّ على طول سواحلها في مياهها الإقليميّة18.
الضف ة الغربيّة وقطاع غز ة
اكتش فت شر كة بريتش غ از BG(Gas British) أوّل حقلٍ للغاز في المياه الإقليميّة لقطاع غزّة في ع ام 000 2، والذي يقدّر احتياطيّه بنح و 1.2 ترليون قدم مكعّب من الغاز الطبيعيّ. لم يتّخذ بعد قرار لتطوير الحقل وبداية الإنتاج نظ رًا لاعتراض إسرائيل التي تخشى أن تستفيد حكومة حماس في غزّة من عائدات الغاز. ويعتمد، حاليًّا، كلٌّ من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة على إسرائيل في اس تهلاكهما للكهرباء باستثناء مدينة أريحا التي تعتمد ع ىل الأردن، إضافةً إلى مولّد كهرباء واحد يعمل بالديزل في قطاع غزّة. سوف تبقى الاكتشافات الأخيرة من الغاز قبالة سواحل غزّة غير مستغلّة نظرًا لحالة الانقسام الفلسطينيّ، وذلك على الرّغم من حاجة الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة إلى ه ذه الرثّ وة حتّى يقللّا اعتمادهما على مصادر الطاقة الإسرائيليّة، ويساهما في بناء اقتصادٍ وطنيّ فلسطينيّ موحّد بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الاقتصاد الإسرائيليّ.
الت داعيات الإقليميّة لاكتشاف الغاز في إسرائيل
لا تزال منطقة ح وض شر ق البحر المتوسّ ط في أوّل مراحل الانتقال إلى منطقةٍ منتجة للمحروقات وللغ از خاصّةً. ولن تغريّ الاحتياطات المكتشفة إلى ح دّ الآن في كلٍّ من إسرائيل وقبرص، خريطة أسواق الطّاقة العالميّة. ولكن، هناك احتمال قويّ لاكتشافاتٍ أخرى ذات بال في المستقبل القريب في كلا البلدين، سوف يكون لها الأثر الكبير في معادلة الطّاقة في كلٍّ من أوروبا وآسيا، وس وف تغريّ جذريًّا نمط إنتاج الطّاقة واستهلاكها في المنطق ة، وخاصّةً في إسرائيل وقبرص. في الوقت نفسه، أدّت أوّل الاكتشافات في إسرائي ل إلى تأزيم الوضع ب ني كلٍّ من لبنان وإسرائيل من جهةٍ، وبين تركيا وقبرص من جهةٍ أخ رى. في هذا الصّدد، قد يجد الخلاف التركيّ القبرصيّ ح على المدى المتوسّط في إطار مساعي الأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ من أجل إعادة توحيد شطرَي جزيرة قبرص. غير أنّه من المستبعد حلّ الخلاف اللبنانيّ الإسرائيليّ على حدودهما البحريّة في المدى المتوسّط أو حتّى الطّويل، لأنّ الحلّ يتطلّب إنهاء حالة الحرب بينهما والاتّفاق المشترك ع ىل التوجّه إلى محكمة العدل الدوليّة من أجل الفصل في المناطق المتنازع عليها إذا فشلت المفاوضات الثنائيّة في التوصّل إلى حلّ. هذا السّيناريو صعب التّحقيق، نظرًا لاستمرار احت ال ل إسرائيل لأراضٍ لبنانيّة وعربيّة منذ أكر من ستيّن سنة، وخاصّةً مع موجة الرّبيع العربيّ التي س وف تغريّ معادل ة الرصّاع الع ربيّ الإسرائيليّ، وتجعل من الصّعب على الأنظمة العربيّة الجديدة –والقديمة- التّساهل مع إسرائيل أو التّفريط في الحقوق العربيّة. ويمثّل القرار المصريّ بتعليق تصدير الغاز إلى إسرائيل بعد سقوط نظام مب ارك مؤشرًّا على هذا التوجّه الجديد. هذا لا يعني أنّ إسرائيل ولبنان لن يتمكّنا من إنتاج الغاز في مياههما الإقليميّة، ولكن ف رص الرصّاع تتزايد كلمّا تحقّقت اكتش افات في المناطق المتنازع عليها، وهذا احتمال وارد جدًّا علامً أنّ الحدود البحريّة بين البلدين لم ترسّم بعد. ع ال وةً على ذلك، هناك احت ام ل ظهور بؤرة توتّرٍ ونزاعٍ بين تركيا وقبرص، وبين تركيا وإسرائيل في حال قيام شر اكة بين هذه الأخيرة وقبرص من أجل استغلال حقول الغاز المش رتكة، نظرًا للخلاف التركيّ القبرصيّ بش أن مستقبل الجزيرة المقسّمة إلى شطرٍ تركيّ وآخرَ يونانيّ منذ عام 974 1.
آثار اكتشاف الغاز في إسرائيل
س تترتّب على اكتشافات الغاز الطبيعيّ الأخيرة والاكتشافات المرتقبة بالاعتماد على المعطيات الجيولوجيّة ونتائج عمليّات التنقيب الأخيرة، آثارٌ في إسرائيل وفي المنطقة. ستمكّن هذه الاكتشافات إسرائيل من تحس ني أمن الطّاقة لديها إلى حدٍّ كبير، وتؤدّي إلى توسيع استعمال الغاز الطبيعيّ كمصدرٍ للطّاقة للاس تهلاك المحيلّ. فقد أدّى اكتشاف حقيلَ "ماري - ب" و"نوح" في العقد الماضي إلى إدخال استخدام الغاز الطبيعيّ في إسرائيل في السّنوات الأخيرة نظرًا لمزاياه. واستثمرت مبالغ كب رية، تقدّر بنحو 1.3 مليار دولار19، في تهيئ ة البنية التحتيّة، مثل
تعديل محطّات الطّاقة، وإنشاء شبكات النّقل والتّوزيع لتس هيل استخدام الغاز الطبيعيّ كمصدرٍ رئيس للطّاقة في إسرائيل. ومن المتوقّع أن تتواصل هذه العمليّة وتتوسّع ع ىل نحوٍ متزايد مع بناء محطّاتٍ جديدة لتوليد الكهرباء تعتمد على الغاز وقودًا، وخاصّةً بعد الاكتشافات الأخيرة. أمّا في المجال الاقتصاديّ، فإنّ استخدام الغاز الطبيعيّ المنتج محلّيًّا سيؤدّي إلى انخفاض تكلفة الطّاقة، وعليه ستتحسّن كفاءة الصّناعة الإسرائيليّة محليًّا وعالميًّا. كما ستوفّر المداخيل المرتقبة من عمليّة تصدير الغاز للأسواق العالميّة لإسرائيل استقلاليّة ماليّة، وقدرةً على تطوير اقتصادها وقدراتها العسكريّة من دون اللّجوء إلى المساعدات حاليًّا. الخارجيّة، إذ ستعرف أوّل مرّة في تاريخها اس تق الا تامًّا في مصادر الطّاقة على المدى الطّويل، إضافةً إلى مصدر دخل بفضل تصدير الغاز لسنوات عديدة بإجمالي يقدَّر بمئات المليارات من الدّولارات. من الصّعب تحديد المداخيل الماليّة التي سوف تجنيها إسرائيل من الاكتشافات الحاليّة والمستقبليّة من الغاز، لكن، وبحسب تقرير شيشينس ك، تقدَّر القيمة الماليّة للمخزون الموجود في حقل تامار Tamar() وحده بنحو 0 31 مليار شيكل إسرائيليّ جديد (أي ما يعادل نحو 32 مليار دولار أميركيّ) على مدى ثلاثين س نة، بحسب المعطيات الحاليّة20، علامً أنّ هذا المبلغ س وف يقسّم بين الرشّكات التي تسريّ الحقل وإسرائيل. في ع ام 2، وبحس 010 ب وزارة الماليّة الإسرائيليّة، حصَّلت الحكومة الإسرائيليّة، في شكل ضرائبَ متع دّدة، نحو %40 من قيمة النّشاط الاقتصاديّ للغاز المنتج في ذلك العام، وهي نسبة تساوي ما تحصّله بريطانيا حاليًّا من نشاط صناعة الغاز فيها21. على سبيل المقارنة، وبالاس تناد إلى القيمة الماليّة للاحتياطيّ المؤكّد الحالي م ن الغاز في إسرائيل التي تقدّر بنحو 0 4 مليار دولار أميركيّ، سوف تجني الحكوم ة الإسرائيليّة نحو 16 مليار دولار أميركيّ في السّنوات القادمة22. لا شكّ في أنّ ثروة الغاز سوف تحقّق لإسرائيل مداخيلَ معتبرة على مدى العقود القادمة، وتمنحها قوّةً واس تقلاليّة ماليّة لم تتوفّر لها منذ نشأتها. ومن المرجّح أنّ "تصدير الغاز س وف يغريّ الوضع الإستراتيجي لإسرائيل" كما جاء في تقرير شيشينسكي23. أضف إلى ذلك أنّ الاعتماد على الغاز المنتج محليًّا س وف يساهم إيجابيًّا في ميزان المدفوعات، وسوف توفّر إسرائيل ملايين الدولارات المخصّصة سنويًّا لاستيراد الطّاقة، خاصّةً إذا تزايد اعتماد الاقتصاد الإسرائيليّ على الغاز بدل النّفط المستورد. وفي هذا الإطار، يرى الباحث شمويل إيفن أنّ تطوير صناعة الغ Shmuel Even از والتّقليل من الاعتماد على النّفط هما جزءٌ من مجهودٍ إس رتاتيجيّ عامّ هدفه الحدّ من الاعتماد على النّفط24. على المستوى السّياسي، من الصّعب التكهّن باحتمال توقّف المساعدات الأميركيّة الماليّة السنويّة لإسرائيل. ولكن، إن استمرّت هذه المساعدات الماليّ ة ومن المرجّح أنّها سوف تستمرّ حتّى ل -و تمتّعت إسرائيل بمداخيلَ إضافيّة بفضل تصدير الغاز في المس تقبل - فإنّ المساعدات الأميركيّة لن تكون حيويّة بالنّسبة إلى الاقتصاد الإسرائيليّ كما هي
وفي المجال العلميّ، سيترتّب عن حافز تطوير صناعة الغاز في إسرائيل تنمية البحث العلميّ والتكنولوجيا المتّصلة باستخدام الغاز في قطاعاتٍ مختلفة كقطاع النّقل. علاوةً على ذلك، سوف تحتاج إسرائيل إلى ترتيباتٍ أمنيّة عالية من أجل تأمين حقول الغاز ومنصّات الإنتاج والبنية التحتيّة ذات الصّلة. وعليه، سوف يجري تطوير المهارات والتكنولوجيا في هذا المجال، وهو ما يحقّ ق فرصًا جديدة للرشّكات الإسرائيليّة الناشطة في مجال الأمن. أمّا في مجال البيئة والمياه، فقد تكون لهذه الاكتشافات مساهمة إيجابيّة في قضيّ ة الرصّاع على الماء في المنطقة، إذا استخدم الغاز في محطّات لتحلية مياه البحر. وستزيد نسبة الغاز في مزيج طاقة المنطقة، وهو ما سيؤدّي إلى انخفاضٍ في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتخفيف تلوّث البيئة في المنطقة.
الخلاف اللبناني - الإسرائيليّ على الحدود البحريّة
تضاعف التوتّر بين لبنان وإسرائيل منذ الاكتش افات الأخيرة للغاز وتواصل عمليّات الاستكشاف قبالة السّواحل الإسرائيليّة في منطقةٍ يعدّها لبنان جزءًا من مياهه الإقليميّة (انظ ر الخريطة رقم 7 التي تبّينّ المنطقة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل في البحر الأبيض المتوسّط.) ويعاني لبنان من خللٍ هيكليّ في مؤسّسات الدّولة، فهي ضعيفة بسبب الصراعات والتوازنات الطائفيّة الداخليّة، ولا تسيطر أمنيًّا على جميع الرتّ اب الوطنيّ. في هذا الإطار، يخشى أن تفاقم الر وة المحتملة من الغاز الرصّاع الداخليّ على تقس يم الرثّ وة والتصرّف فيها.
علاوةً على ذلك، لا يمتلك لبنان القدرة العس كريّة ولا الخبرة من أجل تأمين منشآته النفطيّة التي سوف تبنى في المستقبل لإنتاج الغاز. وشر ط ذلك أن يوحّد لبنان جبهته الداخليّة، ويعزّز قدراته الإداريّة لتنظيم قطاع الطّاقة واستغلال ثروة الغاز المحتملة بكفاءةٍ وشفافيّة، وهذا ما يبدو صعب التّحقيق في الوضع الرّاهن. يحكم الحدود بين لبنان وإسرائي ل اتّفاق وقف إطلاق النار بموجب قرار مجلس الأم ن 701 1 الذي صدر في أعقاب العدوان الإسرائيليّ على لبنان في عام 006 2. ولكن، لا يوجد أيّ اتّفاق نهائيّ على ترسيم
خريطة رقم 7: المنطقة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل في البحر الأبيض المتوسّط.
الحدود البرّية أو البحريّة. ونقاط الخلاف في ه ذا الصّدد متعدّدة، خاصّةً فيما يخصّ الحدود البحريّة كما هو واضح من الخريطة رقم 7. وقد أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري عدّة تصريحات بشأن موضوع الغاز وضرورة تنبّه لبنان لهذا الموضوع. وأعلن نعيم قاس م، نائب الأمين العام لحزب الله، في ش هر تمّوز / يوليو من سنة 011 2 25
أنّ الحزب ودولة لبنان سيقفان بالمرص اد لأيّ محاولة من إسرائيل للمساس بحقوقها في مياهها الإقليمية مهما كان الثمن. حريّ بنا في هذا الإطار أن نذكر أنّ جميع الاكتشافات الإسرائيليّة للغاز على السّاحل الفلسطينيّ ليست موجودة في المنطقة الحدوديّة المتنازع عليها بين إسرائيل ولبنان، وأنّه لم يكتشف أيّ مخزون للغاز في المياه الإقليميّة اللبنانيّة إلى غاية الآن. والتوتّر الأخير بين إسرائيل ولبنان، والذي تجسّ د في تصريحات عددٍ من الشخصيّات السياسيّة، اللبنانيّة خاصّةً، جاء نتيجة احتمال اكتشاف مخزونٍ مشترك بين إسرائيل ولبنان في المستقبل والتّعقيدات التي سوف تواجهها الدولتان لاستغلال هذا المخزون الافتراضيّ في ظلّ غياب أيّ اتفاقيّة س الم واتّصالات مباشر ة. ولكن، يبدو أنّ ردّة الفعل اللبنانيّة في هذا المجال تعود إلى حسابات داخليّة في المقام الأوّل، ولا ترتبط بأجندة وطنيّة لبنانيّة أو إقليميّة عربيّة ذات صلة بالرصّاع العربيّ الإسرائيليّ.
الخلاف التركي - القبرصيّ
تمثّل اكتش افات الغاز الأخيرة في شرق المتوسّط قبالة سواحل إسرائيل وقبرص تحدّيًا كبيرًا لتركيا، سواء من حيث علاقاتها مع دول المنطقة أو مع دولٍ أخرى كالولايات المتّحدة الأميركيّة. فقد تزامنت هذه الاكتشافات مع تدهورٍ في العلاقة ما بين تركيا وإسرائيل على خلفيّة الهجوم الإسرائيليّ على سفينة "مرمرة" التركيّة قبالة سواحل غزّة في أيار مايو 010/ 2، والذي قُتل فيه تسعة مواطنين أتراك. كما يتواصل فشل الأمم المتّح دة، إلى غاية الآن، في إيجاد حلٍّ نه ائيّ للقضيّة القبرصيّة، علاوةً على حالة الانسداد في ملفّ انضمام تركيا إلى الاتّحاد الأوروبيّ. اعترضت تركيا على الاتفاقيّات الثنائيّة لترسيم الحدود البحريّة التي توصّلت إليها قبرص مؤخّرًا مع إسرائيل ولبنان ومصر لأنّها لا تعترف بجمهوريّة قبرص، ولأنّها ترى ضرورة التوصّل إلى تسوية سياسيّة شاملة بين القبارصة الأت راك والقبارصة اليونانييّن قبل الرشّوع في استغلال ثروات الغاز المحتملة حتّى لا يضيع حقّ القبارصة الأتراك في هذه الروة (انظر الخريطة رقم 8 بخصوص المنطقة المتنازع عليها بين تركيا وقبرص ومصر.) لقد ه دّدت تركيا بوقف عمليّات التّنقيب عن الغاز في المياه الإقليميّة القبرصيّة اليونانيّة، وقامت بتصديق اتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة مع جمهوريّة قبرص التركيّة (التي تعترف بها تركيا فقط.) وفي تشرين الثّاني / نوفمبر 011 2، أبرمت اتفاقيّة مع شر كة شل Shell() للتّنقيب عن النفط والغاز في مياهها الإقليميّة قبالة سواحلها في البحر الأبيض المتوسّط. وفي هذا الإطار، أعلن ت الحكومة التركيّة على لسان وزير الطّاقة أنّها لن تسمح بمرور الغاز الإسرائيليّ عبر شبكة الأنابيب التي تمرّ على أراضيها من أجل الوصول إلى الأسواق الأوروبيّة، وأنّها رفضت طلبات شر كات خاصّة للسّ ام ح لها بعبور الغاز الطبيعيّ المنتج في إسرائيل عبر تركيا إلى أوروبا26. لقد انتهجت تركيا تكتيكات تخويف فقط ولم تتحرّك سفنها أو طائراتها الحربيّة كما هدّدت بذلك، عندما نقلت شر كة نوبل للطاقة الأميركيّة منصّة نفطيّة من السّ واحل الإسرائيليّة إلى السّواحل القبرصيّة اليونانيّة علمًا منها أنّ أيّ عمليّة عسكريّة تركيّة تس تهدف شر كة أميركيّة سوف تلقي بظلالها على علاقاتها مع الولايات المتّحدة الأميركيّ ة شريكها في الحلف الأطلسي. ومع ذلك، أرسلت تركيا سفينة استكشاف تابعة لها إلى المياه الإقليميّة اليونانيّة على مقربةٍ من حقول الغاز الإسرائيليّة في أيلول / سبتمبر ع ام 011 2. ولكن هذه الخطوة التركيّة أثارت استجابةً إسرائيليّة فوريّة، فقد حلّقت طائرتان حربيّتان إسرائيليّتان فوق السّفينة التركيّة وفي الأجواء القبرصيّة التركيّة، فردّت تركيا بإرسال طائرتين حربيّتين وراء الطائ رات الإسرائيليّة. في هذا الرصّاع ال رتكيّ القبرصيّ، وقف كلٌّ من الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد الأوروبيّ إلى جانب الحكومة القبرصيّة اليونانيّة، ليس بسبب تأثير اللّوبيّ الصهيونيّ فحسب، ولكن لأنّ غ از شر ق المتوسّط قد يساهم في تعزيز أمن الطّاقة الأوروبيّ وخفض التبعيّة للغاز الروسيّ والشمّال الأفريقيّ. من غ ري المتوقّع أن تتّخذ تركيا أيّ خطوات عسكريّة من أجل وقف عمليّات التّنقيب على السّ واحل القبرصيّة اليونانيّة، علامً أنّها عضو في حلف الناتو، وليس من مصلحتها الدّخول في مواجهة عسكريّة مع إسرائيل التي تحظى بالدّعم الأم ري كيّ. والدّليل على ذلك أنّ الحكومة القبرصيّة أجرت جولة مناقصات ثانية في أيار / مايو عام 012 2 من أجل استكشاف مساحات إضافيّة من سواحلها، ووجدت صدى واسعًا لدى ع ددٍ كبير من شركات الطّاقة في العالم27. ويعدّ اهتمام شركات الطّاقة الكبرى بالغاز القبرصيّ مؤشرًّا قويًّا على إمكانيّة اكتشاف مخزون كبير من الغاز والنّفط، وعلى أنّها لا ترى أيّ تهديد أمنيّ تركيّ لاس تثماراتها المستقبليّة في المنطقة. بل نلاح ظ أنّ تركيا قد كلّفت شر كتها الوطنيّة (الشركة التركيّة للنّفط) بالتّنقيب عن النّفط والغاز على شواطئ قبرص التركيّة في نيسان / أبريل ع ام 2، أمالً في اكتش 012 اف مخزونٍ من
المحروقات. غير أنّه من المستبعد أن تش ارك شركات الطّاقة الكبرى في أيّ مناقصةٍ قد تجريها تركيا أو حكومة ق رب ص التركيّة، نظرًا لعدم اع رت اف الأمم المتّحدة بهذا الكيان أو بالوجود التركيّ في ش ام ل جزيرة قبرص. وردًّا ع ىل تنامي الخلافات مع تركيا، كثّفت إسرائيل دوريّاتها البحريّة حول حقول الغاز في البحر الأبيض المتوسّ ط. وباشر ت رفع مستوى قدراتها البحريّة العسكريّة من أجل معالجة التّهديدات المحتملة من البحريّة التركيّة ومن الصّواريخ التي قد يطلقها حزب اللّه من لبنان. كما وثّقت علاقاتها العس كريّة مع كلٍّ من اليون ان وقبرص، فأجْرت مناورات عسكريّة مشتركة مع اليونان في عام 008 2، ووقّعت اتفاقيّة للتّعاون والدّفاع العسكريّ معها في أيلول / س بتمبر عام 011.2 أمّا قبرص، فقد وقّعت مع إسرائيل اتفاقيّة عسكريّة تسمح لسلاح الجوّ والبحريّة الإسرائيليّة بالتدخّل في حال وجود أيّ تهديدات لمنشآت
خريطة رقم 8: المنطقة المتنازع عليها بين تركيا وقبرص ومصر
الغاز القبرصيّة في البحر. كما تبادلت الدّولتان الزّيارات الرسميّة ذات المستوى العالي، وأهمّها زيارة رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتانياهو إلى قبرص في شباط / فبراير عام 012 2 28. هناك مصلحة قبرصيّة إسرائيليّة مش رت كة من أج ل توثيق العلاقة ما بينهما نظرًا لحالة التوتّر التاريخيّة بين ق رب ص وتركيا وتدهور العلاقة ما ب ني إسرائيل وتركيا. وإذا أضفنا هذا إلى النّزاع التاريخيّ ب ني تركيا واليونان، فإنّه من غير المس تبعد أن تتبلور في الأفق شر اكة إس رت اتيجيّة ثلاثيّة بين إسرائيل وقبرص واليونان، وهو ما س وف يعدُّ تحواّلً إستراتيجيًّا مه بالنّسبة إلى قبرص واليونان، علامً أنّهما كانتا من الدّول المساندة للقضيّة الفلسطينيّة في إطار الرصّاع العربيّ الإسرائيليّ. ويعدّ موقف اليونان الذي اتّخذته تجاه ناشطي السلّام في تمّوز / يوليو عام 0112 بمنع سفنهم من الإبحار باتّجاه شواطئ قطاع غزّة من أجل
ك رس الحصار الإسرائيليّ على القطاع، م ؤشرًّا واضحًا على التقارب مع إسرائيل والتغريّ في الموقف اليونانيّ من قضية فلسطين والرصّاع العربيّ الإسرائيليّ. علاوةً على ذلك، س وف ترى تركيا في التّقارب الإستراتيجيّ المرتقب بين إسرائيل وقبرص واليونان والتحدّي الإسرائيليّ لها، تهديدًا لمصالحها وموقعها في حوض شر ق المتوسّط ولسياسة حكومة أردوغان التي تهدف إلى فرض تركيا كقوّة إقليميّ ة في المنطقة. وتراقب تركيا بقلقٍ التّقارب بين إسرائيل وقبرص واليونان، ويبدو أنّ هامش المناورة لديها محدود من أجل الوقوف ضدّ تحقيق هذا التّقارب وتحوّله إلى تحالف. في المقابل، تسعى الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد الأوروبيّ إلى تخفيض حدّة التوتّر وتشجيع الحوار ما بين إسرائيل وتركيا واليونان، والاستفادة من هذه الر وة في مشاريعَ مشتركة. يبدو جليًّا من هذه التطوّرات الأخ ري ة أنّ تركي ا في موقعٍ صعب، وهامش الحركة لديها ضيّق إذا أرادت أن تعارض مساعي قبرص لاستكشاف الغاز في مياهها الإقليميّة، فأيّ خطوات في هذا الاتّجاه سوف تضع تركيا في مواجهة لن تتحمّلها، خاصّةً أنّها لا تملك حلفاء إقليمييّن في ظلّ الأوضاع الرّاهنة في سورية والأزمة النوويّة في إيران.
البعد الأميركيّ الأطلسي
في ظلّ الوضع الرّاهن المتوتّر في عددٍ من الدول العربيّة بس بب الربيع العربيّ واحت ام ل توجيه ضربة جوّية إسرائيليّة ضدّ إيران لوقف برنامجها النوويّ، ليس من مصلحة الولايات المتّحدة الأميركيّة أن ينش ب نزاع في شر ق المتوسّط بعد الخلافات التي برزت بين دول المنطقة ع ىل حدودها البحريّة جرّاء الاكتشافات الأخ ري ة للغاز في كلٍّ من إسرائيل وقبرص. ومنطقة شر ق المتوسّط حيويّة بالنّسبة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة حيث تتقاطع ثلاث ة ملفّات مهمّة: أوّلها، "أم ن إسرائيل" والرصّاع العربيّ الإسرائي يلّ؛ وثانيها، القضيّة القبرصيّة وتقسيم الجزيرة؛ أمّا ثالثها، فهو تأمين إمدادات الطّاقة لحلفائها الأوروبييّن29. في ام يخصّ الملفّ الأوّل، تخ ش الولايات المتّحدة أن يؤدّي النّزاع على الغاز والحدود البحريّ ة إلى تعقيد الأمور أكر امّ هي عليه حاليًّا، وتنشب مواجهة عسكريّة بين عددٍ من الأطراف الإقليميّة. وفي الوقت نفسه، تأمل واشنطن أن تكون هذه الاكتشافات حافزًا من أجل حلّ عقد المنطقة والاستفادة المشتركة من ثروة الغاز، وتك ون شر كاتها النفطيّة من المستفيدين طبعًا. إضافةً إلى ذلك، ترى واشنطن أنّ ثروة الغاز س وف تدعم أمن الطّاقة الإسرائيليّ وتفوقها اقتصاديًّا وعسكريًّا في المنطقة. لكن الولايات المتّحدة الأميركيّة تفضّ ل الحفاظ على الأوضاع هادئةً. وفي هذا الصّدد، من اللافت للنّظر أنّها تبنّت الاقتراح اللبنانيّ للأمم المتّحدة لترس يم الحدود البحريّة اللبنانيّة الإسرائيليّة. أمّا عن الملفّ الثاني، فتخ ش الولايات المتحدة الأميركيّة أن تتفاقم الأزمة التركيّة القبرصيّة. ولذلك تعمل على تهدئة الأوضاع بين تركيا وقبرص وإسرائيل، خاصّةً أنّها تحاول جاهدةً إعادة تحس ني العلاقات ب ني إسرائيل وتركيا. أمّا فيما يخصّ أمن الطاقة الأوروبيّة، فالولايات المتّحدة الأميركيّة تشجّع التّنسيق الإسرائيليّ القبرصيّ اليونانيّ في المشاريع المس تقبليّة لتصدير الغاز المرتقب في هذه الدّول الثلّاث إلى أوروبا، وهو ما سيعزّز أمن الطاقة الأوروبيّ ويقلّل من اعتمادها على الغاز الروسيّ أو الش ام ل الأفريقيّ. ولا تعارض الولايات المتحدة مشاركة تركيّة في هذا المشروع عندما تكون الظّروف مواتية، ولكنّها تنظر بحذرٍ إلى مشاركة روسيّة محتملة حتّى لا تؤثّر في الجهد الأوروبيّ لتأمين موارد طاقة مستقلّة عن روسيا وشركاتها30.
وعلى المستوى التّجاري، ترى الولايات المتّحدة الأميركيّة أنّ استكشاف الغاز وإنتاجه فرصة متاحة من أجل مشاركة شركاتها النفطيّة، خاصّةً أنّ ال رش كات المحلّية تفتقر إلى التكنولوجيا والخ ربة في التّنقيب عن النفط والغاز في أعالي البحار، مع أنّ معظم الرشّكات الأميركيّة الكبرى لم تبْدِ اهتمامًا كبيرًا بالمشاركة في هذه المش اريع خشيةً منها أن تضرّ بمصالحها في الدول العربيّة عامةّ وفي الخليج خاصّةً31. تحاول واشنطن أن تقلّل من حالة التوتّر ب ني كلٍّ من تركيا وقبرص وإسرائيل من دون أن تضغط بقوّة على تركيا نظرًا لدورها في الأزمة
الس وريّة والملفّ النوويّ الإيرانيّ، علاوةً على دورها في مشروع الدّرع الصاروخيّ ة للحلف الأطلسي الذي سوف يستعمل الأراضي التركيّة لاستضافة محطّات الرادارات32. في المقابل، طمأ نت الولايات المتّحدة الأميركيّة ك من إسرائيل واليونان وقبرص، وعربّ ت عن التزامها بحماية أمنها من خلال قوّات الأسطول السادس المراب ط في البحر الأبيض المتوسّ ط. وفي هذا الإطار، أجرت الولايات المتّحدة الأميركيّة مناورات عسكريّة مشتركة مع اليونان Dina(Noble) خلال العام الحالي. كان هدفها التدريب ع ىل حماية منصّات إنتاج غاز مش ابهة للمنصّات الإسرائيليّة، من هجومٍ تقوم به قوّة عسكريّة لم تحدّد إالّ أنّ لها قدرات عسكريّة مماثلة للجي ش التركيّ33. وهو تقديرٌ غير واقعيّ، ونش ك في أن هذا كان هدف المناورات فعلا، فتركيا عضو أساسيّ في حلف الناتو. جدير بالذّكر أنّ من اورات Noble Dina الأميركيّة الإسرائيليّة اليونانيّة بدأت عام 0112 بعد انسحاب تركيا عام 010 2 من المناورات العسكريّة المش رتكة التي كانت تقيمها مع كلٍّ من الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل منذ عام 1998 Mermaid(Reliant)، كردّة فعل على العدوان الإسرائيليّ على أسطول الحرّية عام 009.2
البعد الروسيّ
هناك بعدٌ روسيّ لا يُس تهان به فيما يخصّ الاكتشافات الأخيرة للغاز في شر ق المتوسّ ط، فقد عربّ ت موسكو عن اهتمامها بهذه الاكتشافات ورغبتها في المساهمة في عمليّات الاستكشاف من خلال شركة نوفاتيك Novatek()، ثاني أكبر شركة غاز في روسيا بعد غازبروم Gazprom() التي ش اركت في الجولة الثّانية من المناقصات التي طرحتها الحكومة القبرصيّ ة مؤخّرًا34. ويعود الاهتمام الروسيّ بغاز شر ق المتوسّط إلى رغبة روس يا في أن تكون شر يكًا في مشاريع الغاز القادمة، مهما كان حجم الاكتشافات، وتستفيد تجاريًّا منها بدلا من الدخول في منافسة غير مجدية. بهذه السّياسة تضمن روسيا لنفسها ولشركاتها الاستفادة ماليًّا من هذه المشاريع وحضورها في الصّادرات المرتقبة للغاز إلى الأسواق العالميّة بما فيها السوق الأوروبيّة. في السّياق نفسه، أمضت كة الروسيّة غازب روم الرشّ Gazprom اتفاقيّة أوّلية غير ملزمة مع مجموعة الّشرّكات الإسرائيليّة والأميركيّة التي تس تغلّ حقول الغاز من أج ل شر اء الغاز الإسرائيليّ المسال المرتقب من حقل لفياتان Leviathan()35. وفي هذا الصّدد، نذكر أنّ هذه الاتفاقيّة لم تكن ممكنة من دون مباركة السّلطات الرس ميّة الإسرائيليّة. كما تساهم شر كة غازبروم الروسيّة في المناقصة التي طرحتها اليونان من أجل بناء شبكة من أنابيب الغاز في اليونان لتصدير الغاز اليونانيّ والقبرصيّ المرتقب إلى الأس واق الأوروبيّة36. في هذا السّياق، لا تعارض كلٌّ من إسرائيل واليونان وقبرص مشاركة روسيّة في مشاريع الغاز المستقبليّة، فهي ترى في هذه المشاركة وسيلةً لعزل الموقف التركيّ في المنطقة وإضعافه. ولكن العلاقات الاقتصاديّة بين روسيا وتركيا قويّة جدًّا، إذ تضاعفت العلاقات الاقتصاديّة بين البلدين ما بين س نوات 003 2 و 008 2 ووصلت قيم ة التّبادل التجاريّ بينهما إلى 38 مليار دولار في ع ام 2، وهو ما يعادل ثلاث مرّات حج 010 م التّبادل التجاريّ التركيّ يك التجاريّ الأوّل لتركيا منذ عام الأميركيّ، وأصبحت روسيا الرشّ 007 2.
لا تنفي هذه العلاقة التركيّة الروس يّة القويّة وجود عدد من الملفّات التي قد توتّر العلاقة بين الدولتين، وخاصّةً ملفّ الثورة السوريّة نظرًا لوقوف تركيا ضدّ نظام الأسد إلى جانب الشعب السوريّ في مطلب تغيير نظام الحكم في سورية، فيما تقف روسيا إلى جانب النظام السوريّ. كما أنّ العلاقات الاقتصاديّة القويّة لا تلغي بالضرورة الرّصيد التاريخيّ من الرصّاع والتّنافس في عهد الدولة العثمانيّة والإمبراطوريّة القيصريّة الروسيّة، والذي تواصل طوال فترة الحرب الباردة. وفي هذا الإطار، جاء في كتاب "العمق الإس رت اتيجيّ " لوزي ر الخارجيّة التركيّ، أحمد داود أوغلو، أنّ الصراع على النّفوذ مع روس يا ما زال قائمًا بما
يستدعي "تشكيل مظلاّت أمنيّة داخل المنطق ة وخارجها من أجل موازنة العنصر ال روسيّ في المنطقة "37. ويذكّر الكاتب أنّ العلاقات التركيّة الروسيّة تأثّرت بأزم ة كراباخ، ويقول: "لقد تأثّرت معادلة الروس العلاقات التركيّة -يّة نتيجة للمواجهات الآذرية - الأرمنيّة على في جنوب القوقاز، والمواجهة الروس يّة الشيش محور كراباخ -انيّة في شمال القوقاز".
الخلاصة
تبدو في الأفق ملامح لإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسيّة للمنطقة، فهن اك إمكانيّة لتطوّر التّقارب الإسرائيليّ القبرصيّ اليونانيّ إلى تحالف ث الثيّ في المدى البعيد، خاصّةً إذا جرت اكتشافات جديدة للغاز في الدّول الث الث، وإذا لم تحلّ الخلافات التركيّة مع هذه الدول. أمّا في ام يخصّ الدول العربيّة في شر ق المتوسّط والوطن العربيّ عامّةً، فلا شكّ في أنّه إذا تجسّ د هذا المحور الثلاثيّ ع ىل أرض الواقع، وفي المدى البعيد، فإنّ ذلك سوف يُضعف الدول العربيّة إقليميًّا، خاصّةً إذا تواصلت حالة الضّ عف والانقسام التي تتميّز بها الدول العربيّة. وس وف يعطي هذا المحور الثلاثيّ، إذا تجسّد، في المدى البعيد عمقًا اقتصاديًّا إس رتاتيجيًّا مه لإسرائيل في المنطقة ويفكّ عزلتها الإقليميّة ويعوّضها خسارة الحليف ال رت كيّ. ولا يبدو، في الوقت الرّاهن على الأقلّ، أنّ الدول العربيّة قادرة على القيام بدورٍ فعّال إقليميًّا في إطار نظامٍ عربيّ إس رت اتيجي يستطيع أن يستغلّ نفوذه الاقتصاديّ المتمثّل في ثروته النفطيّة الهائلة من أجل اقتراح شر اكة عربيّة قبرصيّة يونانيّة في مجال الطاقة والمجالات الأخرى للحدّ من التّق ارب مع إسرائيل، أو على الأقلّ من أجل الوقوف كتلة متماسكة في وجه هذا التّحالف الثلاثيّ المحتمل. وقد يتغريّ الوضع طبعًا في حال إجراء عمليات تنقيب واكتشاف احتياطيّات غاز على طول الس احل السوريّ واللبنانيّ بعد الثورة السوريّة. وفي هذا الإطار، من مصلحة كل من سورية ولبنان التنس يق لبناء شر اكة مع قبرص من أجل استغلال وتصديره لأوروبا من خلال أنبوب الغاز العربي، بعد ربطه بشبكة أنابيب الغاز التركية، وهو اقتراح أقل تكلفة من اقتراح بناء شبكة من الأنابيب تربط إسرائيل بقبرص واليونان المذكور في هذه الدراسة. علاوةً على النجاعة الاقتصادية المؤكدة لهذا الاقتراح، هناك بعد جيوس ياسي إيجابي للدول العربية، إذ سيؤدي إلى عزل إسرائيل في المنطقة وكسر التحالف الإسرائي يل القبرصي اليوناني المرتقب. تجسيد هذا الاقتراح ع ىل أرض الواقع في حاجة إلى عودة الاستقرار السياسي والأمني في سورية ومشاركة تركيا التي من المرجح أن تتقبل الفكرة على الرغم من خلافها مع قبرص لأنّ الغاز الذي سوف يمرّ بأراضيها ليس قبرصيًّا فقط ولكن سوري ولبناني أيضًا كما سوف يساهم في عزل إسرائيل في المنطقة، علاوةً على الفوائد الاقتصادية التي سوف تجنيها كدولة عبور للغاز المصدَّر نحو الأسواق الأوروبية. لا يسمح المش هد العربيّ الحالي في ظلّ الث -ورات العربيّة - للدّول العربيّة بأن تقوم بدورٍ مؤثّرٍ في مجريات هذه التطورات على الساحل الشرقيّ للمتوسط، وهو ما كان يسمى تاريخيًّا بالساحل السوريّ. لكنّ هذا الوضع يحمل في أحشائه بذور التّغيير الجذريّ نحو أنظمةٍ سياس يّة جديدة قائم ة على عق دٍ اجتماعيّ جديد يعتمد على المبادئ الديمقراطيّة والحكم الرّش يد، ويعربّ عن طموحات الشّعوب العربيّة بما سوف يسمح، على المديين المتوسّط والبعيد، بإعادة بناء البيت العربيّ داخليًّا، ومن ثمّ التّأثير إقليميًّا وعالميًّا من أجل حماية المصالح العربيّة في إطار نظرةٍ عربيّة موحّدة بالرشّاكة مع قوى إقليميّة تلتقي معه ا في المصالح. وهذا التّغيير الضروريّ هو الرشّط الرّئيس من أجل إعادة التّوازن الجيوسياسيّ لصالح الدّول العربيّة للوقوف في وجه الأط امع الإسرائيليّة في المنطقة. في هذا الإطار، نلاحظ بعض المؤشرّات الإيجابيّة في الدول العربيّة التي سقطت فيها الأنظمة السّابقة مثل تونس ومصر اللّتين تعرفان تحولّاتٍ سياسيّة جذريّة إيجابيّة سوف يكون لهما الأثر الكبير في الدّول العربيّة الأخرى وخاصّةً في حالة مصر نظرًا لحجمها وموقعها الإقليميّ. وهناك مؤشرّات للسّ ياسة الخارجيّة المصريّة الجديدة ما بعد س قوط مبارك تدلّ على عزم الدّولة المصريّة على الابتعاد عن دور العرّاب الأميركيّ في المنطقة، خاصّةً بعد قرار رفع الحصار عن غزّة من الجانب المصريّ على الرّغم من العمليّة الإرهابيّة الأخيرة في سيناء، والتي راح ضحيّتها 16 جنديًّا مصريًّا، وانتهاج سياسة خارجيّة مستقلّة عن المصالح الأميركيّة ومس خّرة للدّفاع عن مصالح مصر الوطنيّة والقوميّة.