عرض كتاب علام يطلق اسم فلسطين؟

رشيد يلوح

المؤلّف: ألان غريش. ترجمة: داليا سعودي. الطبعة: الأولى 2.012 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. عدد الصفحات: 255 صفحة من القطع الصّغير.

حاول الكاتب والصحافي المخضرم ألان غريش1 أن يجيب عن س ؤال "علام يطلق اس م فلسطين؟" في كتابٍ يحمل هذا الاسم ترجمته داليا س عودي، وأصدره المركز العربي للأبحاث ودراس ة السياسات في 255 صفحة من الحجم الصّغير. يرينا غريش في كتابه هذا فلسطين من عدّة زوايا، تبدو فيها الأرض المقدّسة على محك الرصّاع بين الشّ ام ل والجنوب، مستخدمًا في ذلك مهارت ه الصحافيّة البارعة في التقاط اللّحظات التاريخية، وتميّزه الأدبي باعتباره كاتبًا خبر المزاج الشرقي، وتعاطف مع قضاياه الإنسانيّة التحرريّة. لذلك كان من الطبيعي أن يخ صَّ المؤلِّف الطّبعة العربيّة لكتابه بمقدمةٍ قيّمةٍ، طرح فيها س ؤاالً ملحًا يستكشف مصير فلسطين في زمن الثّورات العربيّة، باسطًا تحليله التّاريخيّ للمراحل الكبرى التي قطعتها القضيّة الفلسطينيّة، في محيطها العربي، وما أنتجه ذلك من نكساتٍ وتحدياتٍ، لينتهي عند نتيجة تقول:.." ولا يساور الش كُّ أحدًا في أنَّ فلسطين س تكون في قلب ذلك التّجديد وتلك التّساؤ لات التي يشهدها العالم العربيّ بفضل ما بلغته من موقعٍ يضعها في قلب التّعبئة العالميّة المناهضة لنظامٍ دوليٍّ جائرٍ" (ص. 0 2). لكي يجيب غريش عن سؤاله الأوّل، يضعنا أمام المش هد الفلسطينيّ المتشكِّل، عبر تمهيدٍ وخمسةِ فصولٍ كبرى وملحقين. يستهلّ ألان غريش كتابه بتمهيدٍ حاول أن يتحسَّس فيه حركة التاريخ انطلاقًا من س ريته، منذ ولد في مصر في عام 9521 إلى اليوم، مرورًا بما يشمله هذا المسار الزمنيّ من لحظاتٍ ناصريّةٍ تحرريّةٍ، وما أفرزته م ن مناخٍ معادٍ للصهيونية، ثم انتقاله إلى فرنسا وطنه الثّاني، لتبدأ هناك تجربته المهنيّة الفريدة. وببراعة متفوّقة ي رب ز غريش الخطّ الفلسطينيّ الموازي لهذا المسار، إذ تعرَّف الفتى الصّغير على عنوان "معاداة الس اميّة" ضمن مناخٍ عربيٍّ يعادي الصهيونيّة الاستعماريّة، لتحتلَّ فلس طين في النهاية مكانةً مركزيّةً، ويطرح المؤلِّف سؤاله بأكر من صيغةٍ، قائالً: "علام تُطلق فلس طين إذن؟ أهو الاسم الذي يطلق على مش اعر معاداة الساميّة التي ما فتئت تتجدَّد وقد صادفت أرضًا خصبة ترتع فيها وتنعتق؟ أم تراه الاسم الذي يدلّ على فكرة كراهيّة الغرب التي ما فتئ العالم الإس الميّ يغذِّيها؟ أم تراه الاسم الذي بات يُطلق على نظامٍ اس تعماريٍّ آخذٍ في الأفول؟" (ص..)46 هذه الأسئلة وغيرها هي حوافز الكاتب في ما سيأتي من صفحات كتابه. تناول المؤلِّف في الفصل الأوّل الخلفيّة النظريّة للاستعمار الغربي، وأبرز بوضوحٍ كيف س وَّغ الأوروبيون والأميركيون لأنفسهم نهب الشعوب وتدم ري الثّقافات تحت ذريعة تحريرها من التخلّف، واعتبار ذلك "فريضةً واجبةً." وخلاف كل الشعوب المستهدفة التي فرض عليها لعقودٍ البقاء في "قاعة الانتظار" التاريخية، وجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة حكمٍ قضى عليهم بالخروج نهائيًا من التّاريخ. وتحت عنوان "حين نرافق حركة صعود المستعمرين إلى أرض الميعاد"، رتّب غريش فصله الث اني، ليقدِّم فيه إضاءاتٍ للفكر الاس تعماريّ الإقصائيّ، والذي أنتج في القرن التاسع عشر الحركة الصهيونيّة، فكانت اليهوديّة أوّل ضحاياها. وقد حاول غريش أن يث ري في هذا الفصل مجموعةً من القضايا التي صاحبت الاستعمار الصهيوني لفلسطين، والذي عمل بقوةٍ على تكريس فكرة الدّولة اليهوديّة بكل ما تحمله من أبعادٍ عنصريّةٍ وثيوقراطيّةٍ.

في الفصل الثّالث من الكتاب، حاول المؤلِّف رصد انتقال اليهوديّة من وضع "الغيتو" إلى وضع الدّولة التي لا تقهر، وقد كان الاس تعمار هو عامل هذا التحوّل الغريب، ولبسط هذا التح وّل اضطرّ المؤلِّف إلى مناقش ة أكر من فكرةٍ تتّصل بالسّياق الفكريّ والتاريخيّ الذي كان حاضنًا لذلك التحوّل. وختم غريش هذا الفصل بالإشارة إلى الدّور الذي قام به الغرب في دعم الصهيونيّة وأحلامها. وخصَّص المؤلِّ ف الفصل الرّابع للحديث عن التغريّ ات التي شهدها العقد الأخير من القرن العشرين، أي منذ س قوط جدار برلين وتوجّه العالم نحو البح ث عن صيغ جديدةٍ لتجاوز المركزيّة الغربيّة، مبرزًا

  1. ولد ألان غريش في القاهرة س نة 1، وعاش في مصر س 948 نواته الأولى ليرحل بعد ذلك إلى فرنسا حيث واصل تعليمه، ثم امتهن الصحافة والكتابة، ودافع عن قضايا الجنوب، خاصة القضية الفلسطينية.

العناوين الك رب ى التي كان له ا الأثر البالغ في ه ذا التوجّه العالمي الجديد، ليكشف في النهاية السّلوك الغربيّ الجائر تجاه القضيّة الفلسطينيّة، والذي حاول أن يضعها دائمًا خارج هذا المنطق التّاريخي الدّاهم. في الفصل الخامس، يرصد ألان غريش وقوع فلسطين على خطّ الرصّاع بين الشّ ام ل والجنوب، وهي "آخر أثرٍ باقٍ للاستعمار الاس تيطاني الأوروبي." وعلى هذا الأس اس يمثِّل اسم "فلسطين" السَّيطرة الغربيّة الاستعماريّة، ويضيف:

وهو، من بعدها، اسمٌ لمظلمةٍ مستمرةٍ وصمها انته اكٌ دائمٌ للقانون الدّوليّ، وهو أخيرًا، اسمٌ لمنطقٍ قائمٍ ع ىل الكيل بمكيال ني، تطبّقه الحكومات، وتمرّره الأمم المتحدة، وينظر له عددٌ من المفكِّرين الغربييّن، عند تقاطع الرشّق والغرب، والتقاء الشمّال والجنوب، ترمز فلسطين إلى العالم القديم الموسوم بهيمنة الشّ امل، بمثل ما ترمز لولادة عالمٍ جديدٍ قائمٍ على مبدإ المساواة بين الشعوب.

ويمضي غريش في هذا الفصل متحدثًا عن اليهوديّة ومآلاتها بين الفضاء العربيّ الإس ال ميّ والفض اء الأوروبيّ، معترفًا بالوضع المتميِّز الذي كان لليهود في ظلّ الإمبراطوريّة العثمانيّة في الوقت الذي عانوا فيه الاضطهاد داخل القارة الأوروبية. لكنه عرّج على التحوّل الذي حصل بعد صعود الصهيونيّة واستعمار فلسطين، وما سبّبه ذلك من شيوع أفكارٍ وتصوراتٍ معاديةٍ للساميّة بين العرب في الوقت الذي تحسّنت فيه أوضاعهم وحقوقهم في الغرب. ليختم بحديثٍ عن "أحلام السلّام" العربيّ الإسرائيليّ، وإمكانيّات التّعايش ب ني الطّرفين، وما يعيق هذا التّعايش. وفي الملحق الأوّل للكتاب، يعرض المؤلِّف الخلفيّة الدينيّة التي حكمت الرصّاع على فلسطين بين المسلمين والمس يحييّن واليهود، مدافعًا عن فكرته التي تعدّ الخلفيّة الدينيّة غطاءً لصراع اتٍ ونزوعاتٍ بشريّةٍ أخرى. وتحت عنوان "عندما نشهد أن برنار هنر ي ليفي ليس فيكتور هوغو"، يكش ف الكاتب التّناقضات الصّارخة للنخبة الغربيّة التي تتخىلّ عن كلِّ مبادئها وشعاراتها عندما تكون فلسطين هي المعنيّة في صراعٍ غير متكافئٍ، والنموذج هنا هو الكاتب الصهيوني الفرنسي برنار هنري ليفي الذي لا يخجل من الوقوف إلى جانب الجّلاّد الصهيونيّ ضدّ الضحيّة الفلسطينيّ. ويورد في هذا السّ ياق مجموعةً من الفقرات والجمل التي كتبها ليفي ضمن مقالة إبان العدوان على غزّة سنة 009 2، وهي المقالة التي انتهت إلى نتيجةٍ غريبةٍ ومستفزةٍ ت برِّر القتل والتدمير بحجة تحرير الفلسِطينييّن من حماس. ولإبراز هذه الصّورة المجح فة والظالِمة استحضر غريش تعريف الأديب الفرن س فيكتور هوغو الساخر "الحيادية" التي وصفها بالوقوف إلى جانب الظّالم (ص..)222

حاول كتاب "علام يطلق اسم فلس طين؟ " أن يق دِّم إجاباتٍ مقنعة عن سؤاله، وهي إجاباتٌ تبحث عن الحقيقة في التّاريخيّ والإنسانيّ، بصوتٍ من الشمّال وجد ذاته في قضايا الجنوب، صوت نجح في كشف إفلاس الغرب أمام الاختبار الفلسطينيّ، بسبب نفوذ الثّقافة والتوجّه الاستعماريّ في نظامه الذي استصحب في موقفه جانبًا من النّخبة التي اشتغلت على قلب المفاهيم والتلاعب بالحقائق.