عرض كتاب شمال العراق 1975-1958: دراسة سياسيّة

حمزة المصطفى

المؤلّف: عمار علي السمر. الطبعة: الأولى 2.012 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. عدد الصفحات: 955 صفحة من القطع المتوسط.

يقدم كتاب "شمال العراق" معالجةً تركيبيّةً تستند إلى عمليّة تحقيب تاريخيّةٍ لمنطقةٍ جغرافيّةٍ محدَّدةٍ من مناطق العراق تتّس م بمميّزات عدّة، أولها: تنوّعها القوميّ والإثنيّ ديمغرافيًّا، إذ تضمّ العرب، والأكراد، والتركمان، والأشورييّن، وغيرهم. وثانيها: الخصائص الجيوسياسيّة لهذه المناطق باعتبارها حدًا جغرافيًّا قريبًا يحاذي الإقليم الجغرافيّ لقوى إقليميّة هي تركيّا، وإيران، اللّتين حاولتا منذ القدم بسط نفوذهما وس يطرتهما على هذه المنطقة. وثالثها: الر وات الطبيعيّة، ولا سيمّا بعد اكتشاف النّفط فيها مطلع القرن العشرين، ما جعلها محطّ تنافسٍ بين القوى الاستعماريّة (بريطانيا، وفرنسا) خاصةً بعد اتفاقيّة سايكس بيكو. تأتي أهميّة الكتاب من ندرة الدّراسات العربيّة والأجنبيّة التي تناولت هذه المنطقة بموضوعيّة، ومن دون تحيّز أيديولوجيّ، أو حزبيّ، أو جهويّ، أو طائفيّ. فغالبيّة الدّراسات السّابقة كانت تحمل وجهة نظر كاتبيها، وتطغى خلفياتهم السّياسيّة بوضوحٍ عند تناول هذه المنطقة ودراستها.

يستخدم الباحث في كتابه مصطلح "شمال العراق" بمعنى سياسي مواز لمصطلح "كردس تان العراق"، باعتباره مصطلحًا أوسع طبيعيًّا وبشريًّا وإداريًا من جهة، ولأنَّ مصطلح "كردستان العراق"، من الجهة الأخرى، لم يُقنّن إلا بعد اتفاقيّة الجزائر بين الحكومة العراقيّة والحركة الكرديّة في عام 975.1 لذلك نجد أنَّ النّطاق الجغرافيّ للمنطقة المدروسة يضمُّ إلى جانب المناطق الكرديّة في الش ام ل (أربيل، دهوك، الس ليمانية)، محافظاتٍ أخرى مثل الموصل (مناطق النفوذ البريطاني)، التي أُلحقت بالعراق بعد اتفاقيّة س ايكس بيكو، وكركوك، التي صُنِّفت بعد الغزو الأم ري كيّ للعراق في ع ام 003 2 باعتبارها من "المناطق المتنازع عليها" بشكلٍ عكس تقسيم العراق بين مكوِّناته على أسسٍ طائفيّة وقوميّة. يشمل الكتاب مقدمةً وأربعة فصول. يصف الباح ث في الفصل الأوّل الجغرافيّة الطبيعيّة لش ام ل العراق (التضاري س، والمناخ، والرتّ بة والنبات الطبيعي، والموارد المائيّة)، والجغرافية البشريّة، والتوزّع الديموغرافيّ المتنوّع لمحافظات ش ام ل الع راق؛ (نينوى من ضمنها دهوك والموصل، أربيل، السليمانية، وكرك وك.) كما يقدِّم في هذا الفصل عرضًا للتطوّرات التاريخيّة في ش ام ل العراق منذ دخول الموصل تحت النفوذ العثماني في عام 1534 واستقرار العشائر العربيّة والكرديّة في منطقة ش ام ل العراق، ونشوء الإم ارات المحليّة (إمارة الهدينان، إمارة السوران، إمارة البابان، الجليليون.) ويصف الكاتب بعد ذلك أثر الإصلاحات السياسيّة والإداريّة التي حدثت نهاية العهد العثماني في ش ام ل العراق، ودورها في ظهور الحركات القوميّة العربيّة والكرديّة مطلع القرن العشرين. من ثمّ، ينتقل إلى الصراع الدوليّ على ش ام ل العراق والمصالح الاقتصاديّة للدول الكبرى التي قادت إلى التدخّل الأجنبيّ بعد الحرب العالميّة الأولى، وإعلان الانتداب البريطانيّ على العراق. يشرح الباحث أيضًا سياسات بريطانيا في قومنة الأكراد في منطقة ش امل العراق بعد موافقتها على مقترح الرائد نويل بِرسم حدودٍ جغرافيّة تقسم شمال العراق إلى منطقة كرديّة ومنطقة عربيّة. ويرصد الباحث كيف أسهمت هذه السّياسات في بروز نزعةٍ استقلاليّة أيضًا عند العراقييّن الأشورييّن، خاصةً وأنَّ قسمًا منهم كان جزءًا من قوّات "الليفي" التي شكّلها البريطانيّون، وهو ما أدّى إلى استخدام الحكوم ة العراقيّة في عام 933 1 القوّة لمواجهة إعلان الأشورييّن عن منطقة حكمٍ ذاتيٍّ في ذلك العام. يب ينِّ الباحث في القسم الأخير من الفصل الأول كيف أنَّ سياس ات الهُويّة وقومنة الأقليّات الإثنيّة التي شجعتها بريطانيا، حفَّزت الحركة الكرديّة على إعلان مطالب تقسيميّة تتجلى في الرغبة في تأسيس كيانٍ خ اصٍّ بالأكراد العراقييّن في منطقة ش ام ل العراق. ويوضح الباحث كيف أن ظروف الحرب العالميّة الثانية حفّزت الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني على القيام بخطواتٍ تؤسِّ س لكيانٍ خاصٍّ أو لدولةٍ كرديّة في الشمال، ومن أبرز هذه الخطوات: إع ال ن العصيان السّياسيّ في الأقضية ذات الأغلبيّ ة الكرديّة في عام 944 1 في محاولة لتأسيس دولةٍ كرديّةٍ في شمال العراق على غرار "جمهوريّة مهاباد" الكرديّة في إيران والتي تأسّس ت بدعم سوفياتي. تأسيس أوّل حزبٍ قوميٍّ كرديٍّ في عام 9461 "الحزب الديمقراطيّ الكردس تانيّ" والذي توحَّدت ضمنه عدّة تنظيماتٍ كرديّةٍ (حزب شورش- الثورة، حزب رزكاس كرد، حزب هيوا- الأمل.)

يح رص الباحث الفصل الثّاني في الف رت ة التاريخيّة ب ني عامي 1958 و 963 1 باعتبارها تش كِّل بداية مرحلةٍ ونهايتها، أي ما بين ثورة عبد الكريم قاس م في 14 تموز/ يوليو 9581 واستلام حزب البعث السلطة في العراق في عام 963 1. يستعرض الباحث خلال هذه المرحلة مجمل التطوّرات التاريخيّة والسياس يّة في العراق، عمومًا، وفي منطقة شمال العراق بصفةٍ خاصة. ويفرد في هذا الفصل مساحاتٍ واسعةً للحديث عن العلاقة ما بين حكومة الثورة والحركة الكرديّة التي مرت بمرحلتين رئيستين: الاتّف اق والتفاهم: شهدت تلك المرحلة انفتاحً ا من جانب قيادات الثورة على الحركة الكرديّة ومطالبه ا، إذ جرى إطلاق سراح المعتقلين الأكراد وعلى رأسهم الشّيخ أحمد البرزاني، وسُمح للملا مصطفى البارزاني بالعودة للعراق من منفاه في الاتحاد السوفياتي. كما جرى تأسيس مديريّة معارف كرديّة ضمن الهيكل التعليميّ للعراق، وجرى تمثيل الأكراد في المناصب الحكوميّة بقوّة. أيضًا جرى تثبيت مادة في الدستور العراقي المؤقّت تنصّ على المساواة ما ب ني العرب والأك راد وشر اكتهم في حقوقهم القوميّة ضمن الوحدة العراقيّة. الاختلاف والحرب: يذكر الباحث عدّة أس بابٍ أدَّت إلى الصِّدام ما بين عبد الكريم قاس م والبارزاني منها:)1 الرصّاع بين قاس م والشيوعييّن حلفاء الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ. 2) سوء الفهم الذي وقع فيه البارزاني عندما خلط ب ني انفتاح قيادات الثورة على الأكراد وقبولهم بمطالب الحكم ال ذاتي 3.) رفض الأكراد للمادة الثّالثة من الدستور العراقيّ والتي تنصّ على أنَّ "العراق جزءٌ من الأمّة العربيّة" ومطالبتهم بتجميدها. يفصِّل الباحث التدخلّات الدوليّة التي حصلت خلال هذه الحرب انطلاقًا من مفاهيم الحرب الباردة والرصّاع القائم آنذاك ما بين الكتلة الش يوعيّة والكتلة الرأسماليّة من جهة، وتصفية الحسابات الإقليميّة من جهة أخ رى. ويب الكاتب رفض الاتحاد السوفياتي دعم التمرّد الكرديّ في العراق على خلاف موقفه من أكراد إيران، تماشيًا مع موقف الحزب الشيوعيّ العراقيّ الذي رفض تقديم الدعم للبارزاني. ويشرح الباحث كيف أنَّ البارزاني سعى لاستمالة الغرب والولايات المتّحدة لدعم تمرّده المسلّح ضدّ الحكومة العراقيّة، والطّرق التي سلكها للحصول على هذا الدعم من خلال إج راء اتصالاتٍ مباشر ةٍ مع إسرائيل التي تصنِّف العراق في مرتبة العدو الأوّل من بين الأقطار العربيّة. وقد يتفاجأ القارئ بأنَّ التمرّد الكرديّ فشل في الحصول على الدّعم الغربيّ آنذاك، لكنه حظي بالدّعم الإسرائيليّ والإيرانيّ، إذ نشأت علاقة تعاونٍ ما بين الاستخبارات الإيرانيّة "الس افاك" والاستخبارات الإسرائيليّة "الموساد". يخلص الباحث في نهاية الفصل الثّاني إلى أنَّ فشل عبد الكريم قاسم في حسم المعركة مع الأكراد بسرعةٍ أسهم في استنزاف اقتصاد العراق، ما زاد في النّقمة الشعبيّة على حكومة قاسم. وقد شجع ذلك خصومه القومييّن على القيام بانقلابٍ عس كريٍّ، مستغليّن وجود ثلثي الجيش العراقي في الشمال، ما أنهى حكم عبد الكريم قاسم للعراق. يحقّب الباحث في الفصل ني الثّالث والرّابع مرحلة حكم البعث في العراق في الفترة م ا بين عام 9631 وعام 975 1، ويستعرض الباحث خلالهما موقف حزب البعث من المشكلة الكرديّة والعلاقة مع الحركة الكرديّة التي مرَّت بمراحل عدّة من الوفاق والمفاوضات إلى مرحلة الخلافات والقتال، ومن ثمّ السّ ري نحو الحرب المفتوحة. كما يناقش العوامل الداخليّة والخارجيّة ويشرح المصالح الإقليميّة والدوليّة التي أسهمت في استدامة الرصّاع خلال هذه الفترة قبل ولادة اتّفاق الجزائر في عام 9751، وهو الاتّفاق الذي أنهى التمرّد الكرديّ والحرب الدّائرة بين الحكومة والأكراد في الشمّال. في الختام، يمكن القول إنَّ الكت اب يمثِّل إضافةً نوعيّ ة في الأدبيّات العربيّة والغربيّة التي تناولت هذه المرحلة، فأهميّته لا تقتصر على س ياقات المراحل التاريخيّة، وصيرورة الأحداث فيها، بل في إسقاطاتها المباشر ة في يومنا هذا، إذ تعيد المشاكل القوميّة والنزعات الانفصاليّة طرح نفس ها من جديد لتشكِّل مخاطر جس يمةً على وحدة العراق وهُويّته في ظلّ انكشافه أمام التدخلّات الدوليّة والإقليميّة التي جعلت منه ساحةً تعب رِّ فيها قوى إقليميّة ودوليّة عن إرادتها ومصالحها. ولعلَّ التفاعلات المس تجدّة بشأن قضيّة كركوك والنّزاع الدّائر حولها والذي وص ل إلى حدّ الرصّاع المسلّح بين حكومة إقليم "كردستان العراق" والحكومة المركزيّة في بغداد، من أبرز هذه الإسقاطات.