الات حاد الأوروبيّ والربيع العربي

بشارة خضر

الملخّص

لق د بدّدت الموج ة الديمقراطيّ ة، حتىًالآن، س لميّة كان ت أم عنيفة، الكثي ر من الأوهام المنتش رة في الغرب، وخصوصًا في أوروبا. من بين تلك الأوهام الوهم القائل بما يُس مّ ى ب "الاس تثناء العرب يّ"؛ أي أنّ العرب غير معنيّي ن بالديمقراطيّة، ولا يكترث ون بوجودها في حياته م أو عدمه، فهم أصلا غير مس تعدّين له ا. أمّا الوهم الثاني ال ذي تقوّض فهو وهم "دكتاتورنا الجيّد"، الذي يقوم على الزعم بأنّ الدكتاتوريّين الموالين للغرب يمث لون رهانات الملخص التنفيذي أفضل ممّ ا يمث له البديل الإس ل ميّ. أما الوهم الثالث فيتمثل في أنّ العالم العربيّ نفس ه وهمٌ، وأنّ جاذبيّة الهويّة العربيّة المجتازة للحدود قد تلاش ت. غير أنّ الثورات العربيّة برهنت على أنّ هذا الوهم خاطئ. فلم يكن من باب الصدفة أن تجتاح موجة التغيير عددًا من الدول العربيّ ة ف ي آنٍ واحد، بالطريقة نفس ها وبالش عارات نفس ها تقريبًا، تَُهت ف بالل غ ة العربيّة نفس ها، وتتمكن في فترةٍ وجيزةٍ جدًا من إس قاط أربعة أنظمة. الثورات العربية التي أخذت الأوساط الأكاديمية على حين غرة، جعلت بعضهم يقول إنّ فهم مستقبل سياسات الشرق الأوسط يجعل الأكاديميّين بحاجة إلى تقويمٍ جديٍّ للأهمّ ية المستعادة للهويّة العربية.

مقدّمة

أخذت الثورة الشعبيّة العربيّة التي انطلقت من تونس وامتدّت إلى دولٍ عربيّة أخرى، الأغلبيّة السّاحقة من الخبراء الأكاديمييّن على حين غرّة؛ إذ لم تكن الثورة متوقّعة، وأتى تأثيرها البنيّ مفاجئًا، بل لم يكن يحلم أحدٌ قطّ بنتائجها. وفي أقلّ من عامٍ واحدٍ، سقطت أربعة أنظمة عربيّة، دامت عقودًا اجتاحت خلالها الأمواج الديمقراطيّة العالم بأسره. فالنظام التونسيّ الذي كان يعدّ حصنًا للاستقرار، أ سقط وفر بن علي من بلاده. وفُرض على الرئيس المصريّ المخلوع حسني مبارك التخيلّ عن الحكم، وتعرّض في ما بعد للمحاكمة والسّجن. وكان على علي عبد الله صالح الموافقة على خطّة انتقاليّة نسّقها مجلس التعاون صيب لدول الخليج العربية. أمّا العقيد الليبيّ معمر القذافي فقد أ، ربمّ ا في غارة جوّية شنّها حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ثمّ أ عدم على أيدي أفراد من شعبه. اندلعت اضطرابات شعبيّة في بلدان أخÓ رى. ومن أجل استباق الاضطراب الشعبيّ، أدخل ملك المغرب بعض الإصلاحات المتواضعة. ووعد الملك الأردنيّ بمحاربة الفساد. أمّا الجزائر فقد تحدّت العاصفة: وكانت الحرب الأهليّة الأخيرة 1999-1992()، والاقتصاد المدعوم حكوميًّا، والنسيج الاجتماعيّ المتباين، كلّها "عوامل قويّة تحول دون التّعبئة" [الشعبيّة.] وفي البحرين، دعا الحُكم الملكيّ السنّي القوّات المسلّحة التابعة لمجلس التعاون من أجل إعادة النظام في البلاد. وفي سورية، تحوّلت الاحتجاجات السلميّة إلى تمرّدٍ مسلّح، لكن النظام على الرّغم من إضعافه يواصل ضرباته العنيفة ضدّ القرى والمدن موقعًا حصيلة ضخمة من القتلى في صفوف شعبه. فقد بدّدت الموجة الديمقراطيّة حتّى الآن، سلميّة كانت أو عنيفة، الكثير من الأوهام المنتشرة في الغرب وخصوصًا في أوروبا. ومن بينها، نجد وهم ما يسمّى "الاستثناء العربيّ" الذي يقول إنّ العرب غير معنييّن بالديمقراطيّة ولا يكترثون بها، وهم غير مستعدّين لها. أمّا الوهم الثاني الذي تقوّض فهو وهم "دكتاتورنا الجيّد" الذي يقول إن الدكتاتورييّن الموالين للغرب يمثّلون رهانات أفضل امّ يمثّل البديل الإسلاميّ. ففي مقالة نشُرت في المجلّة الأميركيّة المحترمة فورين أفيرز في سنة 2005، حاجج غريغوري غوز Gregory Foreign Affairs Gause بأنّ "الولايات المتّحدة يجب ألاّ تشجّع الديمقراطيّة في العالم العربيّ لأنّ حلفاء واشنطن من العرب السلطوييّن يمثّلون رهانات مستقرّة من أجل المستقبل." وفي سنة 2011، قدّم الكاتب نفسه هذا الاعتراف المذهل: "في ذلك الصدد، كنت على خطأ جسيم" مضيفًا "لم أكن وحيدًا في تشككّي بشأن آفاق تغيير ديمقراطيّ شامل في ظلّ هذه الأنظمة الاستبداديّة التي تبدو وكأنّه يستحيل زعزعتها".

في حين يكمن الوهم الثالث في أنّ العالم العربيّ نفسه وهم، وأن جاذبيّة الهويّة العربيّة المجتازة للحدود قد تلاشت. وبرهنت الثورات العربيّة على أنّ هذا الوهم خاطئ. فلم يكن من باب الصدفة أن تجتاح موجة التغيير عددًا من الدول العربيّة في آنٍ واحد، بالطريقة نفسها وبالشّعارات نفسها تقريبًا، تُهتَف باللّغة العربيّة نفسها. ويقر غريغوري غوز أنّ "الأكاديمييّن سيحتاجون إلى تقويم الأهمّية المستعادة للهويّة العربيّة كي تفهم مستقبل سياسات الشرق الأوسط". في حين أنّ الوهم الرابع هو ما يسمّى "الشارع العربيّ" الذي يُفترَض أن يكون غير عقلانيّ ومتقلّبًا وصاخبًا وعنيفًا. وقد قوّضت الثورات العربيّة هذا الوهم. ليس ثمّة رأيٌ عربيّ عامّ متنوّع وعقلانيّ فحسب، بل كان ثمّة دائمًا قوى تعمل من أجل التغيير تمور تحت السّطح وفوقه طالما كان هناك حضور فاعل لمنظمّات المجتمع المدنيّ، على الرغم من جميع أشكال السيطرة القمعيّة التي تمارسها الدولة. والوهم الخامس هو أنّ الأنظمة السلطويّة غير قابلة للزّعزعة. فقد برهن الربيع العربيّ على مدى هشاشة هذه الأنظمة. وفي الواقع، لم يجرؤ المجتمع على زعزعة الأنظمة، لا لأنّها مستقرّة، بل لأنّ المجتمع لم يجرؤ على زعزعتها ما جعلها تبدو ثابتة. ولذلك كان تحطيم جدار الخوف عامالً حاسامً في الثورات الرّاهنة. كما أنّ الثورات العربيّة حطّمت أوهامًا أخرى: ولا سيمّا وهم "التدمير الخلاّق" (غزو العراق)، ووهم الديمقراطيّة المفروضة عسكريًّا، أو حتّى

وهم "الثورات من خلال [موقع التّواصل الاجتماعي] الفيسبوك." فقد انبثقت الثورات العربيّة من عوامل داخليّة، لا من قرارات جرى اتّخاذها في الولايات المتّحدة أو في أروقة الاتّحاد الأوروبيّ. أمّا الفيسبوك ومواقع التّواصل الاجتماعيّ فقد خدمت بوصفها أدوات، لكنّها لم تحلّ قطّ محلّ الفاعلين الحقيقييّن أنفسهم. لقد أُخذ الاتّحاد الأوروبيّ على حين غرّة بسبب حجم التطوّرات الجارية على الشواطئ الجنوبيّة للمتوسّط. وكان عليه أن يردّ على ما لقّبه أحد الكتّاب "التسونامي العربي"ّ. وفي هذا الجزء من البحث سأقوم بتحليل الردّ الأوروبيّ على الربيع العربيّ، وما إذا كان في مستوى التحدّيات المقبلة.

الاستجابة الأوروبيّة

بعد فترةٍ قصيرة من التردّد، أدرك الاتّحاد الأوروبيّ أنّ ما كان يجري في العالم العربيّ لم يكن "شغبًا من أجل الخبز"، بل هو شيء يحمل مغزى استثنائيًّا، وشعر بأنّ عليه أن يجاري الديناميّات الجديدة. وقد صدر بيانان عن الهيئة الأوروبيّة، نشُر الأوّل في آذار / مارس 2011 تحت عنوان "الشراكة من أجل الديمقراطيّة والازدهار المشترك"، في حين نشُر الثاني في أيار / مايو 2011 تحت عنوان "استجابة جديدة لجوار متغري " وجرى إنشاء مرفق جديد للمجتمع المدني (بقيمة 22 مليون يورو لسنة 2011) إلى جانب رزمة معونات باسم "تعزيز الشراكة والنموّ الشامل" SPRING (بقيمة 65 مليون يورو لسنة 2011 و 285 مليون يورو لسنة 2012)، كما قُدّم اقتراحٌ بإنشاء "صندوق أوروبي للديمقراطيّة."

الشراكة من أجل الديمقراطيّة والازدهار المشترك مع حوض المتوسّ ط الجنوبي

يصف بيان الهيئة الأوروبيّة الصادر في 8 آذار / مارس 2011 الأحداث الجارية في "جوارنا الجنوبي"، بأنّها "تحمل أبعادًا تاريخيّة" سيكون لها عواقب دائمة. ولذلك، يجب ألاّ يكتفي الاتّحاد الأوروبي بأن يكون "مشاهدًا متفرّجًا"، وعليه "أن يدعم رغبة الشعب في جوارنا" من خلال اتّخاذ "خطوة نوعيّة إلى الأمام"، ضمن "التزام مشترك" ب "القيم المشتركة: الديمقراطيّة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعيّة والحوكمة الجيّدة وحكم القانون." وستقوم المقاربة المقترحة الجديدة على أساس التّفاضل والشروط والمساءلة المتبادلة. وهي ستقوم على ثلاثة عناصر: التحوّل الديمقراطي وبناء المؤسّسات، وشراكة أقوى مع الشّعب، ونموّ مستدام وشامل. في المدى المباشر، قرّر الاتحاد الأوروبيّ زيادة المعونة الإنسانيّة لتوفير الغذاء والملجأ الّ جئين المتدفّقين من ليبيا، وتسهيل إجلاء مواطني الاتّحاد الأوروبي من خلال آليّة حماية المدنييّن الخاصّة بالاتّحاد MIC والتعامل مع "إمكان حدوث تدفّقات جديدة من اللاجئين والمهاجرين إلى الدول الأوروبيّة". وبشكلٍ أكثر عموميّة، يقترح البيان مقاربة جديدة تقوم على أساس الحوافز وعلى المزيد من التفاضل. وتسمّى هذه المقاربة "المزيد مقابل المزيد" وهي تكافئ الإصلاح الأسرع بمزيدٍ من الدّعم لجهة المساعدات والتجارة والمكانة المتقدّمة. ويعلن الاتّحاد الأوروبيّ عن ضرورة استعداده لتوفير الدعم للمجتمع المدنيّ، وإنشاء مرفق جوار خاصّ بالمجتمع المدنيّ، وأن يبرم "شراكة تنقّل" مستفيدًا الاستفادة كلّها من التحسّن في سياسته بشأن منح تأشيرات الدّخول. ثمّة اهتمام خاصّ يوليه البيان لتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسّطة وإيجاد فرص العمل، ولزيادة القروض التي يقدّمها الصندوق الأوروبي للاستثمار، ولتوسيع عمل المصرف الأوروبيّ للإنشاء والتعمير في دول المنطقة الجنوبيّة وللتفاوض بشأن "مناطق حرّة عميقة وشاملة." وجاء البيان على ذكر التّعاون القطاعيّ في مجالات الطاقة وبرنامج الدّعم الريفي، وتطوير التعليم وتقانات الاتّصال. ويؤكّد البيان على "التعاون الإقليمي" ويعلن أنّ الاتّحاد من أجل المتوسّط خطوة جيّدة في هذا الاتّجاه، مضيفًا في ملاحظة نقديّة أنّ الاتّحاد من أجل المتوسّط "لم يحقّق النتيجة المتوخّاة" وأنّه "في حاجةٍ إلى الإصلاح"، كي يكون "وسيطًا" يجمع الدول والمؤسّسات حول "مشروعات ملموسة"، وفقًا لمبدأ "الهندسة المتغريّة."

وأخيرًا، ينوي الاتّحاد الأوروبي زيادة المعونات الماليّة المباشرة لحوض المتوسّط الجنوبي 5.7(مليار يورو تُقدّم بموجب بند أدوات شراكة الجوار الأوروبي للفترة 2013-2011) وقروض الدعم من بنك الاستثمار الأوروبيّ من خلال مرفق الجوار.NIF

استجابة جديدة لجوار متغيّر: مراجعة لسياسة الجوار الأوروبيّة ENP

جرت مراجعة سياسة الجوار الأوروبية قبل الربيع العربي. لكن الحوادث الأخÓ رية جعلت من قضيّة هذه المراجعة أكثر إلحاحًا وإلزاميّة. ويعيد البيان المشترك التأكيد على أنّ "الشراكة مع جيراننا هي ذات منفعة متبادلة"، لكنها في حاجة إلى تعديل. ويجب أن تقوم المقاربة الجديدة على المساءلة المتبادلة وعلى التزام مشترك بالقيم العالميّة، ودرجة أعلى من التفاضل، وبناء شامل للمؤسّسات، وعلى ديمقراطية إلزاميّة وعميقة. لكن البيان يضيف أنّ "الاتّحاد الأوروبيّ لا يسعى إلى فرض نموذج أو وصفة جاهزة للإصلاح السياسيّ." ومن أجل تحقيق الأهداف المعلنة، يدعم الاتّحاد الأوروبيّ تأسيس "صندوق أوروبيّ للديمقراطيّة" و"مرفق دعم المجتمع المدني"ّ.CSF وعلى الجبهة السياسيّة، يؤكّد البيان على نيّة أوروبا ل "تعزيز تدخّلها في حلّ النزاعات الطويلة." هذا كلّ ما في الأمر. من الواضح تمامًا أنّ الشراكة الاقتصاديّة هي حجر الأساس في البيان الذي يكرّر أهمّية التعاون الصناعيّ، وتنمية الرّيف، والتنمية الريفيّة، والنموّ الشامل، والاستثمارات المباشرة، والعلاقات التجاريّة وإيجاد فرص العمل. وفي هذا الصدد، فإنّ المقترح الأكثر وضوحًا هو "منطقة تجاريّة حرّة عميقة وشاملة" DCFTA يتزامن مع تفكيك تدريجي لحواجز التعرفة الجمركيّة وتحقيق تكامل اقتصاديّ تدريجيّ. ويكمّل هذا الهدف التطوير المقترح ل "حيّز مشترك للمعرفة والابتكار." وفي ما يتعلق بالقضيّة الشائكة المتمثّلة في انتقال البشر، سيعمل الاتّحاد الأوروبي على "السّعي لعمليّة تسهيل منح تأشيرات السفر، وتطوير شراكة الانتقال القائمة وتشجيع الاتّصالات بين الشعوب." ولا يعطي البيان أيّ تفصيلات لجهة طريقة إعمال هذا الهدف.

تعليقات نقديّة على البيانات

ومع أنّه صحيح أنّ الربيع العربيّ هو الذي حفّز استجابة الاتّحاد الأوروبي، فإنّ ثمّة غيابًا لافتًا في البيانين لأيّ إشارة واضحة إلى العالم العربيّ، أو الشّباب العربيّ، أو الهويّة العربيّة. ويشير البيانان (الأوّل من 16 صفحة والثاني من 21 صفحة) إلى "الجوار الجنوبي" أو "حوض المتوسّط الجنوبي"، مع أنّ اليمن والبحرين ليسا منهما. وبعض الدول فقط مذكور بالاسم (مصر وتونس.) وهذا ليس سهوًا غير ذي شأن. إضافةً إلى ذلك، تشمل الأهداف الثلاثة الرئيسة لهذه السياسات كما وردت في هذين البيانين، وهي: المال والسوق والتنقّل. هل يمثّل ذلك استجابةً جديدةً حقيقيّة؟ يبدو أنّ المحلّلين يتّفقون على أنّ الجواب هو بالنّفي. ومن بين هذه الأهداف الثلاثة، يبقى توفير المال هو الأسهل، مع أنّ الأزمة الاقتصاديّة قد تعرقل توفيره. وفي ما يتعلق بالوصول إلى الأسواق، من الواضح أنّ بعض الدول الأعضاء ستقاوم إزالة الحواجز الأوروبيّة أمام المنتجات الزراعيّة المتوسطيّة، لتبقى تلك المنتجات في جميع الأحوال مقيّدة بالسياسة الزراعيّة المشتركة CAP. وفي ما يتعلق بشراكة التنقّل، يواجه الاتّحاد الأوروبيّ معضلة حاجة السوق إلى موجات جديدة من المهاجرين في حين أنّ القادة الأوروبييّن "غير قادرين على إقناع الرأي العامّ في بلادهم بهذه الحقيقة"، إذ هو يعارض موجات هجرة جديدة. إنّ المبدأين اللذين يوجّهان الاستجابة بكاملها، هما: "المزيد مقابل المزيد"، و"المساءلة المتبادلة." فمبدأ "المزيد مقابل المزيد" يربط المكافآت بالإصلاح. إنه سياسة "جزرة" يُفترَض أن تشكّل دافعًا أو "حافزًا" أفضل من "سياسة العصا" المرتبطة بمشروطيّة سلبيّة. فكل دولة تنخرط في "ديمقراطيّة عميقة ومستدامة" ستكافأ ب "رفع مكانتها"، وزيادة المعونات وتعزيز الحوار السياسيّ. ويتضمّن هذا المبدأ عناصر الامتثال والتفاضل والمكافأة والمشروطيّة الإيجابيّة. ومن الواضح أنّه أفضل كثيرًا من مقاربة "الأقلّ مقابل الأقلّ." لكنّه يظل مفهومًا يحمل بعض الالتباس. ففي الواقع، من الذي يحدّد المعايير القياسيّة "للإصلاح العميق"؟ ومن هو المُخوّل بإجراء تقييمٍ للأداء؟ وهل الجيران الجنوبيّون مستعدّون أو راغبون في قبول الوصفات الخارجيّة وتطبيقها بصورة كاملة، حتّى في مقابل مكافأة؟ من جهةٍ أخرى، ماذا تعني "المساءلة المتبادلة" التي هي مبدأ إرشادي آخر؟ هل يمكن للجيران الجنوبييّن مساءلة الاتحاد الأوروبيّ بشأن تقصيره في مسألة التنقّل، وتنامي رهاب الإسلام، وغياب الإجماع لديه

بشأن مسائل في السياسة الخارجيّة، مثل عضويّة فلسطين في نظام الأمم المتّحدة؟ هل يمكن للجيران الجنوبييّن التشكيك في المعايير المزدوجة التي يستعملها الاتّحاد الأوروبيّ في تعامله مع حركة حماس وإسرائيل؟ هل يمكنهم أن يطلبوا توضيحًا لسبب تجاوز المجلس الأوروبيّ قرارات برلمان الاتّحاد الأوروبي المتعلّقة بالصراع العربي - الإسرائيليّ، كالقرار الذي جرى تبنّيه في الخامس من تمّوز / يوليو 2012، وكان شديد الانتقاد للممارسات الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. وكيف يمكن ممارسة هذه المساءلة وتنفيذها؟ ثمّة طائفة من الأسئلة المقلقة الأخرى. وكما كرّرنا هنا، فإنّ المبدأين الإرشادييّن "المزيد مقابل المزيد" و"المساءلة المتبادلة" قد أصبحا الأيقونتين الجديدتين في القاموس الأوروبيّ. لكن هذه المفاهيم لم تخضع لنقاش مع الأطراف المعنيّة نفسها. كيف يمكن أن ترقى استجابة أوروبيّة نموذجيّة إلى مستوى التحدّيات التي تفرضها البيئة الجديدة من دون أن تكون مفتوحة للمُدخلَات الثقافيّة التي يقدّمها المعنيّون بالأمر؟ وهذا سؤال مشروع آخر يفسرّ، إلى حدٍّ بعيد، ردّة الفعل السلبيّة التي أبدتها شبكات اجتماعيّة عربيّة تجاه الاستجابة الأوروبيّة، باعتبارها "استجابة تقوم على غياب الإجماع." ولذلك فإن البيانات الأوروبية الأخيرة تعاني غيابًا للملكيّة المحلّية؛ أي غياب المدخلات الثقافية العربيّة. لا عجب إذن، كما يشير تقرير منظّمة أوكسفام، أنّ "التحوّل إلى الجَزَر من العصِيّ...ليس جديدًا تمامًا". وماذا بشأن مفهوم "منطقة تجاريّة حرّة عميقة وشاملة"؟ فهو يبدو مفرطًا في التطفّل، وهو بالتأكيد غير مُقنِع. لا شكّ في أنّ للتجارة الحرّة مزايا كثيرة: فهي تعزّز الكفاءة عبر زيادة المنافسة، وتحفّز الإنتاجيّة، وتدعم الاستثمار الأجنبيّ المباشر والتجارة واللوجستيات التجاريّة، وتحسّن المناخ العامّ للأعمال. في الدول الليبراليّة والديمقراطيّة، يجري تحرير الاقتصاد والخصخصة وفقًا لقواعد ومعايير معيّنة. لكنها في الدول السلطويّة غالبًا ما تؤدّي إلى تمركز القوّة الاقتصاديّة في أيدي أقلّية تعرقل النموّ لتهميش الأكثرية الساحقة من السكّان. وكانت هذه هي الحال منذ قيام الصندوق الدوليّ بفرض برامج التكيّف الهيكليّ. فالخصخصة التي فُرضت على عجل أدّت ببساطة إلى تحويل الاقتصاديّات القائمة على الخطط إلى اقتصادات عشائريّة، في حين أنّ تحرير الاقتصاد عادةً ما يفيد الاقتصادات الأكثر تطوّرًا وتنوعًا. لذلك، وعلى سبيل القاعدة العامّة، ليس من الحكمة من جانب المانحين، كالاتّحاد الأوروبي، إرفاق شرط يتعلّق بالسياسة الاقتصاديّة كتحرير الاقتصاد. وتتبنّى المنظمّات غير الحكوميّة العربيّة هذا الرأي، إذ إنّها ترى أنّ "دعم النموّ الاقتصاديّ يجب أن يترسّخ في دعم خيارات الشعوب في نموذج اقتصاديّ منقّح". وبتعبيرٍ آخر، يجب أن يقرّر الشعب نوع النموذج الاقتصاديّ الذي يريده، وأيّ نوعٍ من التحرير الاقتصاديّ هو الأكثر ملاءمة، وما هي السرعة والقطاعات التي يختارها. فالتحرير الاقتصاديّ ليس إكسير الشفاء في حدّ ذاته، خصوصًا إذا جرى تطبيقه في دول لا يزال القطاع الخاصّ فيها مقيّدًا. وعلاوةً على ذلك، فإنّ الدول العربيّة التي تشهد تحواّلً ديمقراطيًّا تواجه تحدّيات اقتصاديّة هائلة، وأولويّتها الأولى هي إعادة الاقتصاد إلى مساره، وتخفيف الفقر، ومعالجة الاختلالات في الموازنة. وبناء عليه، تبقى منطقة تجاريّة حرّة عميقة وشاملة هدفًا بعيد المنال، وهي بالتأكيد ليست هدفًا مباشرًا. على الاتّحاد الأوروبي ألاّ يتعّجل في هذا الاتّجاه. فهو لا يستطيع أن يطبّق في حوض المتوسّط والمنطقة العربيّة "عدّة الأدوات نفسها" التي استعملها في أوروبا الشرقيّة. وعليه أن يُظهر المرونة من خلال تكييف مقاربته مع الأوضاع المتغريّة. يجب إيلاء الأهمّية لتخفيف الفقر، وتمكين المرأة، والمساواة بين الجنسين، ومشاركة الشّباب، وإيجاد الوظائف، والتنمية المستدامة. ويبدو البحث عن علاقات اقتصادية أكثر عدالة أكثر إلحاحًا من سياسات التحرير الاقتصاديّ نفسها. ولا بد في هذا الصدد أن يوضع برنامج المعونات الذي يطبّق خلال سنوات عدّة، على نحوٍ يستهدف تعزيز التنافسيّة والابتكار وتقانة المعرفة. على الاتّحاد الأوروبي أن يشجّع الدول العربيّة على الانخراط في عمليّة تكامل شامل وعميق في ما بينها، وإلاّ فإنّها ستظلّ "أسواقًا أسيرة" للفاعلين الخارجييّن. والواجب أن تكون أولويّتها بالضبط إيجاد حقل نشاط على المستوى الاقتصاديّ من خلال التشجيع على التكامل الإقليميّ. وهذا من مصلحة العرب ومن مصلحة الاتحاد الأوروبي نفسه. وقد يتضاعف حجم التجارة بين الاتّحاد الأوروبيّ والدول العربيّة ثلاث مرّات على الأقلّ إذا استطاعت الدول العربيّة الوصول إلى درجة التكامل نفسها التي وصل إليها الاتّحاد الأوروبي.ّ

أدوات المقاربة الأوروبيّة الجديدة

في سياق سعيه لإشراك الشعوب، لا الحكومات فقط، اقترح الاتّحاد الأوروبيّ أداتين رئيستين هما: مرفق المجتمع المدني CSF والصندوق الأوروبيّ للديمقراطيّة.

مرفق المجتمع المدني

يهدف الاتحاد الأوروبيّ من خلال هذه الأداة إلى "دعم منظمّات المجتمع المÓ دني، وصقل قدرتها على المدافعة والمناصرة، وتطوير إمكاناتها على مراقبة الإصÓ الح وتطبيق وتقييم برامج الاتّحاد الأوروبي". ويُعدّ هذا الدعم أساسيًّا لأنّ من شأنه تمكين منظمّات المجتمع المدنيّ من عرض همومها، والمساهمة في صنع السياسات، ومساءلة الحكومات، وضمان توجيه النموّ الاقتصادي نحو التخفيف من الفقر والنموّ الشامل. وهذا المقترح، على الرغم من أنّه يستحقّ الإطراء والثّناء من حيث نيّاته، فإنّ منظمّات المجتمع المدنيّ العربيّة تواجهه بالتشكيك؛ إذ لم تترك المقترحات المشابهة في الماضي كبير أثر: كان الدعم المالي المخصّص غير كافٍ، والتعقيدات البيروقراطيّة مخيّبة للآمال، وأقساط الدعم بطيئة للغاية. وعلاوةً على ذلك، كان اختيار منظمّات المجتمع المدني في أكثر الأحيان لا يقوم على كفاءتها وكان اعتباطيًّا أحيانًا؛ فقد أشرك الاتحاد الأوروبيّ منظمّات مجتمع مدنيّ تبدو مقبولة، وتجاهَل منظمّاتٍ أخرى ذات قاعدة اجتماعيّة حقيقيّة. وفي كثيرٍ من الأحيان، كان يجري تحويل المعونة الأوروبيّة لدفع الرواتب الخاصّة بالموظّفين الإدارييّن، وكان يمكن لكثير من المنظمّات أن يختفي ببساطة من دون المعونة الأوروبيّة. وعلاوةً على ذلك، تبدو المخصّصات الماليّة ضئيلة، قياسًا بمجموع الأموال المخصّصة للمساعدات. وبناء عليه، يجب ألاّ يتوقّف الأمر عند حدّ زيادة الموارد وجعْل توفيرها سريعًا وسلسًا، بل على منظمّات المجتمع المدنيّ التي تتلقّى التمويل أن تستهدف في برامجها في الدرجة الأولى المناطق الريفيّة واتّحادات المزارعين والمنظمّات الشبابيّة وقضايا التمييز بين الجنسين والتدريب والتشبيك وبناء الائتلافات. في العالم العربيّ الذي يمرّ بمرحلة انتقالٍ سياسيّ، على الاتّحاد الأوروبي أن يتفادى تويلّ موقع القيادة، فينزع بذلك الشرعيّة عن تحوّلٍ يقوده الشعب، وعليه أن يكون ذكيًّا بما يكفي لعدم استعداء الدول التي استعادت كرامتها، والتي تطالب بمزيد من الشفافيّة في العلاقات بين المانحين الخارجييّن والفاعلين المحلّيين.

الصندوق الأوروبيّ للديمقراطيّة

تختلف هذه الأداة عن مرفق المجتمع المدنيّ لأنّها تسعى لتشجيع إنشاء منظمّات مجتمع مدنيّ، وتوفير المساعدات للنّقابات وسواها من الفاعلين الاجتماعييّن، مثل المنظمّات غير الحكوميّة غير المسجّلة. لا تزال هذه الأداة قيد النقاش ولم تحشد بعد ما يكفي من التأييد، إذ يشكّك كثير من المحلّلين في قيمتها المضافة قياسًا بالأدوات القائمة مثل الهيئة القديمة المسامّ ة "الأداة الأوروبيّة من أجل الديمقراطيّة وحقوق الإنسان" EIDHRنشئت سنة التي أ 2007 لدعم الترويج للديمقراطيّة. وكخلاصة عامّة لهذا الجزء من البحث، فقد اتّخذت مبادرات الاتحاد الأوروبيّ الجديدة هيئة "مبادرات تدريجيّة" لا ترقى إلى مستوى الإستراتيجيّة الشاملة التي تتطلّبها استجابة جوهريّة وكفؤة للتحدّيات الهائلة التي تواجه المنطقة العربيّة. فليس للاتحاد الأوروبيّ الكثير ليقدّمه، إذ تكبّله أزمة اقتصاديّة عميقة ومناخ عامّ من التشاؤم بشأن مستقبل الربيع العربيّ. وفي ما يخصّ المساعدات الماليّة، قامت الدول الخليجية بتعهّدات ماليّة ضخمة يبلغ مجموعها مليارات الدولارات لمصر وتونس واليمن. وفي حين تتحمّل تونس وزر مئات آلاف اللاجئين من ليبيا، كانت الدول الأوروبيّة تثير جلبة عظيمة بشأن 20 ألف مهاجر يسعون لإيجاد ملجإ فيها. هل يعني ذلك أنّ الاتّحاد الأوروبي يضيّع فرصة لتعزيز دوره الفاعل؟ من المبكر إعطاء جوابٍ شافٍ عن هذا السؤال. وفي الواقع، يسعى الاتّحاد الأوروبي، وقد جعلته جرأة الشّباب العربي وإحساسه بالكرامة متواضعًا، لاستخلاص الدروس امّ وقع في العالم العربيّ، ومن أسباب وقوعه وكيفيّته. وأحد هذه الدروس هو أنّ على الاتحاد الأوروبي أن يركّز أكثر على الشعوب لا على الحكومات فقط. ولهذا السبب، فإنّه جاء بالأدوات الجديدة المتمثّلة في "مرفق المجتمع المدنيّ"، و"الصندوق الأوروبيّ للديمقراطيّة." لكن، على الاتحاد الأوروبي أن يخصّص مزيدًا من الموارد وأن يضع المزيد من المحتوى في هذه الأدوات بما يجعلها فاعلة. يجب أن يحدث تحوّل من منطق كمّية التّمويل إلى نوعيّة التمويل وإلى من يجب توجيه الأموال. إنّه من المضلّل بالفعل التفكير نفقت في أنّ الفاعلية تقاس بكمّية الأموال التي أ. والدرس الآخر هو أنّ لدى الاتحاد الأوروبي منافع من تشجيع الإصلاح أكثر من المانحين الإقليمييّن الذين "قد يرون في التحولّات الديمقراطيّة

في أيّ دولة عربيّة بوصفها تحدّيًا لشرعيّتهم هم". وبناء عليه، فإنّ تشجيع الإصلاح ليس فريضة أخلاقيّة فحسب، بل هو هدف جيوسياسيّ أيضًا.

الات حاد الأوروبيّ بوصفه مروّجًا للسّ لام

إنّها لمصلحة حيويّة للاتّحاد الأوروبي أن يكون له جوار يعيش في سلام. ولذلك يؤكّد البيان المشترك الصادر في 25 أيار / مايو 2011 على ضرورة تكثيف الاتّحاد الأوروبي لتعاونه السياسيّ والأمنيّ مع الجيران "وتعزيز تدخّل الاتحاد الأوروبيّ في حلّ النزاعات المستدامة"، "وتشجيع العمل المشترك مع سياسة الجوار الأوروبيّة على الساحة الدوليّة بشأن القضايا الأمنيّة الرئيسة"، والدفع باتّجاه "عمل منسّق بين الاتّحاد الأوروبيّ ودوله الأعضاء." ومع وجود كثير من النزاعات من دون حلّ على عتبات الاتّحاد الأوروبيّ في الشرق (أبخازيا، أوسيتيا، ترانزنِستريا، ناغورنو كاراباخ)، وفي الجنوب (قبرص، الصحراء الغربيّة، والصراع العربي - الإسرائيلي)ّ، يواجه الاتّحاد قضايا أمنيّة خطرة تتطلّب قيادة حاسمة. ويعيد البيان المشترك التأكيد على أنّ "الأعمال كالمعتاد لم تعد خيارًا إذا ما أردنا جعل جوارنا أكثر أمنًا وإذا رغبنا في حماية مصالحنا"، ويضيف أن "الاتّحاد الأوروبي ناشط فعالً في سعيه لحلّ العديد من النّزاعات" بوصفه جزءًا من اللجنة الرباعيّة الخاصّة بالشرق الأوسط، ورئيسًا مشاركًا لمحادثات جنيف بشأن جورجيا، ومراقبًا في محادثات ال 2+5 بشأن نزاع ترانزنِستريا في مولدوفا. كما أنّ الاتّحاد الأوروبيّ منخرط عمليًّا على الأرض (مهمّة الاتّحاد الأوروبيّ الإنسانيّة في جورجيا، ومهمّة الاتّحاد الأوروبي الخاصّة بالمساعدة على الحدود بين مولدوفا وأوكرانيا، ومهمّة الاتّحاد الأوروبيّ الخاصّة بالمساعدة على الحدود في رفح)، ويمكننا أن نضيف أيضًا تعيين المبعوثنيْ الأوروبينّيْ الخاصنّيْ إلى الشرق الأوسط ميغيل آنغل موراتينوس ومارك أوتي، وكذلك المبعوث الخاصّ إلى حوض المتوسّط برناردينو ليون. توحي هذه الأفعال كلّها بأنّ الاتحاد الأوروبيّ يقوم بدور جيوسياسي مهمّ بوصفه مروّجًا للسلّام في منطقة الجوار. لكن إذا أخذنا الشرق الأوسط بوصفه اختبارًا كاشفًا للتدخّل الأوروبيّ، نجد سببًا ضئيال للابتهاج. ففي الغالب كان الدور الأوروبيّ غير متماسك وغير ثابت ويتّسم بالغموض. ومن دون الإحاطة الشاملة بهذا الدور، سنكتفي في ما يلي ببعض الأمثلة على ذلك. من الواضح أنّ الاتّحاد الأوروبي كان "المموّل" الرئيس للعمليّة السلميّة. وقد قدّرت المساعدات الأوروبيّة للأراضي الفلسطينيّة، بين عامي 1993 و 1999، بنحو 1.7 مليار يورو (في هيئة معونات أوروبيّة مباشرة ومساهمات في موازنة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ومساعدات ثنائيّة). ووفقًا لأرقام أوروبيّة أحدث، تشمل الفترة 2009-2000، قدّم الاتحاد الأوروبي مساعدات بقيمة 3.3 مليار يورو للفلسطينييّن. وهذا مبلغ مهمّ من الأموال. ومن الواضح أنّ الاتّحاد الأوروبي كان أكبر مانح منفرد للسلطة الفلسطينيّة، والفلسطينيّون ممتنّون لهذه المعونة الماليّة. لكن هذه المساعدات حملت على كاهلها، على نحوٍ ما، كما تقول روزمÓÓ اري هوليس Hollis Rosemary صراحة "كلفة استمرار الاحتلال واحتواء العنف اع في غياب حلٍّ للرصّ". وبتعبيرٍ آخر، فإنّ الاتّحاد الأوروبيّ يقوم بمساعدة الفلسطينييّن على البقاء هادئين، لضمان أمن القوّة المحتلّة والمستعمرات الاستيطانيّة، وجعل السلطة الفلسطينيّة الكسيحة قادرة على الوقوف على قدميها. ولا يشاطر المسؤولون الأوروبيّون هذا الرأي، لكنّه واسع الانتشار في صفوف الرأي العربي.ّ إنّه لمن الأسهل، إلى حدٍّ معنيّ، أن تكون "دافعًا" للمال من أن تكون "لاعبًا" سياسيًّا؛ إذ لا يقاس النفوذ السياسيّ الصائب الحقيقي بمبلغ المال المصروف بل بنوعيّة النتائج المتحقّقة. وتتطلّب القيادة الحقيقيّة إدراكًا للقصد، وموارد اقتصاديّة وعسكريّة، وصورة جذّابة، ورؤية طويلة الأمد، وعمليّة صنع قرار قويّة، وموظّفين دبلوماسييّن ينعمون بالكفاءة، وتتطلّب قبل كلّ شيء طرفًا فاعالً موحّدًا. وصحيح أنّ الاتّحاد الأوروبي لا يفتقر إلى الأشخاص ذوي الكفاءة ولا إلى الموارد أو الصورة، إلا أنّه ليس طرفًا فاعالً موحّدًا. إذ عندما يتمّ الاتّفاق بين الدول الأعضاء السّبع والعشرين، فهو غالبًا ما يكون بشأن "القاسم المشترك الأصغر." فألمانيا، على سبيل المثال، تظلّ أسيرة ذكريات الماضي وتشعر بالخجل من انتقاد الممارسات الإسرائيليّة في الأراضي العربيّة المحتلّة علنًا. في حين أنّ بريطانيا تقف في العادة إلى جانب الولايات المتّحدة التي يظلّ تحالفها مع إسرائيل غير قابل للاهتزاز. وكانت

فرنسا نشطة على الصعيد الدبلوماسي لكنّها لم تحصد سوى نتائج ملموسة ضئيلة. وبالإجمال، يفتخر الاتّحاد الأوروبيّ بأنّه داعية عنيد لحلّ الدولتين، "من دون أن يكون لديه أيّ إستراتيجيّة لتحقيقه". إنّ إسرائيل شريك تجاريّ مهمّ للاتّحاد الأوروبيّ؛ إذ بلغ مجموع تجارتها معه 26 مليار يورو في سنة 2010. ومنذ سنة 1994، صرّح المجلس الأوروبي في إيسين أنّ "إسرائيل يجب أن تحظى... بمكانة خاصّة لدى الاتّحاد الأوروبيّ على أساس التبادليّة والمصالح المشتركة". في ذلك الحين، كانت إسرائيل تحتلّ أراضيَ عربيّة منذ سبعةٍ وعشرين عامًا. هل أنّ أوروبا تكافئ الاحتلال بمنحه "مكانة خاصّة"؟ إنّ سعي أوروبÓ ا لتحسين علاقاتها بإسرائيل هو مثال آخر على الالتباس لديها. فمنذ سنة 1996، كانت إسرائيل مشارِكًا كامالً في برنامج البحث والتطوير الخاصّ بالاتّحاد الأوروبيّ، ووقّعت "اتفاقيّة مشاركة" في إطار الشراكة الأوروبيّة - المتوسطيّة وخطّة عمل مع الاتحاد الأوروبيّ في إطار سياسة الجوار الأوروبيّة. وبعد أعوامٍ قليلة، في 16 حزيران / يونيو 2008، أعلن الاتّحاد الأوروبيّ عن نيّته في أن يرتقي بعلاقاته بإسرائيل. وكان من المفترض أن يصبح ذلك رسميًّا في 15 حزيران / يونيو 2009، لكن الهجوم على قطاع غزّة (في كانون الأوّل / ديسمبر 2008 وكانون الثاني / يناير 2009) الذي أسفر عن وفاة 1300 فلسطينيّ و 13 إسرائيليًّا، وتدمير الكثير من مشروعات البنية التحتيّة التي يموّلها الاتّحاد الأوروبي، دفع بالأخير لتعليق خطّته، في حين أنّه كان يكرّر القول "إنّ القصد من ذلك لم يكن معاقبة إسرائيل". وبعد ثلاثة أعÓ وام، في سنة 2012، ومع تلاشي العمليّة السلميّة واستمرار انتهاج السياسة الاستيطانيّة من دون توقّف، قرّر الاتّحاد الأوروبيّ في الثاني من حزيران / يونيو 2012 تعميق العلاقات مع إسرائيل وتعزيزها في أكثر من ستيّن مجاالً ملموسًا. ومنذ ذلك الحين، اتُّخذت خطوات عمليّة ملموسة على الرغم من قرار شديد اللهجة أصدره البرلمان الأوروبيّ (في 5 تمّوز / يوليو 2012) شجب فيه بشدّة الممارسات الإسرائيليّة في الأراضي المحتلّة. وإذا أضفنا إلى هذه المبادرات غير المتماسكة، عدم الاعتراف بفوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينيّة التي جرت سنة 2006، وفشل الرباعيّة في إنجاز أيّ شيء، فإنّنا نستطيع إدراك عمق عدم ثقة العرب في قدرة أوروبا على رسم مسارٍ جديد في السياسة الخارجيّة الخاصّة ق الأوسط بالرشّ. هل يمكن للربيع العربيّ أن يشكّل صرخة من أجل سياسة خارجيّة ينتهجها الاتّحاد الأوروبيّ تكون أكثر نشاطًا وأكثر تماسكًا؟ فلننتظرْ ونر.َ يحاجج بعضهم أنّ معاهدة لشبونة تمنح الاتّحاد الأوروبيّ فرصة نادرة ليغدو طرفًا فاعالً أكثر كفاءة. وأنا لديّ بعض التحفّظ على وجهة النظر هذه. سيظلّ الاتحاد الأوروبيّ يعاني افتقارًا للإرادة المشتركة، وتضاربًا في المصالح، وعجزًا متأصاّلً عن العمل بصورة مستقلّة. ففي مسألة الغزو الأميركيّ للعراق والعمليّات التي قادها حلف الناتو في ليبيا، لم يظهر الاتّحاد الأوروبيّ جبهة واحدة. وينطبق الأمر نفسه على الجبهة الدبلوماسيّة، كما رأينا في تصويت منظمة اليونيسكو الأخير بشأن مسألة عضويّة فلسطين. هل يمكننا إذن أن نتكلّم عن الاتّحاد الأوروبيّ بوصفه مروّجًا للسلّام؟ إنّ تجربة العقود الأخيرة تجيبنا بالنّفي. أمّا في ما يتعلّق بالمستقبل، فإنّني ما زلت متشكّكًا.

خلاصة عامّة وتوصيات بشأن السّ ياسة

في الأربعين عامًا الأخيرة 2012-1972()، تأطّرت العلاقات بين الاتّحاد الأوروبيّ والدول العربيّة والمتوسطيّة ضمن مبادرات متعدّدة: السّياسة المتوسطيّة الشاملة، والحوار الأوروبي - العربيّ، والسياسة المتوسطيّة المتجدّدة، والشراكة الأوروبيّة - المتوسطيّة، وسياسة الجوار الأوروبيّة، والاتّحاد من أجل المتوسّط. كما أ طلقت بعض المبادرات الإقليميّة بين مجموعة ومجموعة: صيغة ال 5+5 (عشر دول)، منبر المتوسّط (إحدى عشرة دولة)، والتعاون بين الاتّحاد الأوروبيّ ومجلس التّعاون لدول الخليج العربية.)6+27(شملت جميع الاتفاقيّات المبرمة بين الاتّحاد الأوروبيّ والÓ دول المتوسطيّة والعربيّة فقرة بشأن حقوق الإنسان تقوم على أساس احترام المبادئ الديمقراطيّة. ومع ذلك، دأب الاتّحاد الأوروبي على التّعامل مع الأنظمة العربيّة السلطويّة، التي غالبًا ما كانت تلتزم بالإصلاح لفظيًّا لكنّها لم تنخرط قطّ في عمليّة ديمقراطيّة حقيقيّة.

مع وضع الاتّحاد الأوروبي منظمّات المجتمع المدنيّ جانبًا، وتفضيل الأمن تدريجيًّا عليها، كما عربّ أحد الكتّاب عن ذلك "لم يكن في مستوى صورة القوّة المعياريّة التي يريدها لنفسه"، ساهم الاتّحاد بصورة غير مباشرة في الحفاظ على "الوضع السياسيّ القائم." ولم تتسبّب علاقاته الحميمة بالحكّام الفردييّن في إحراج البرلمان الأوروبيّ فحسب، بل قوّضت أيضًا صورة الاتّحاد الأوروبيّ في عيون العرب. ويضع الربيع العربيّ العلاقات بين الاتّحاد الأوروبيّ والعرب برمّتها موضع التساؤل ويدفع الاتّحاد الأوروبيّ لإعادة التفكير في إستراتيجيّته وشراكته مع "خارجه الأقرب." وقد قامت هذه الورقة البحثيّة بتحليل استجابة الاتّحاد الأوروبيّ للربيع العربيّ. وقد شرح الاتّحاد في بيانين نشُرا في آذار / مارس وأيار / مايو 2011 "شراكته الجديدة" القائمة على بعض المبادئ الإرشاديّة: "المزيد مقابل المزيد"، المساءلة المتبادلة، و"منطقة تجاريّة حرّة عميقة وشاملة." كما أعلن عن إنشاء "مرفق للمجتمع المدنيّ" و"صندوق أوروبيّ للديمقراطيّة." من الواضح أنّ صيغة "المزيد مقابل المزيد" يُفترَض أن تكون أساس الشراكة الجديدة، وأن تشكّل خطوة رائدة نحو مزيد من التفاضل في السياسة. بيد أنّ القراءة المتأنّية للوثائق الرسميّة لا توحي بأنّ النماذج القديمة قد تغريّ ت؛ فصيغة "المزيد مقابل المزيد" شديدة الشّبه بالكلام البلاغي السابق الذي تضمّنته المقاربات الجاهزة الصّنع، وتمعن في الاعتماد المفرط على وصفات اقتصاد السوق الرأسماليّة النيوليبراليّة القائمة على أساس "إيمان شبه مقدّس باللبّرلة والخصخصة". وبكلامٍ مبسّط، فإنّ صيغة "المزيد مقابل المزيد" تعني إصلاحات أسرع ومÓكÓافÓآت أحÓسÓن. وتلخّص المÓكÓافÓآت في مÓ ا يسمّى ال:3M Mobility" Market, "Money, (المال، السوق، التنقّل.) ولا شكّ في أنّ زيادة المساعدات أمر سخيّ، وأنّ فتح الأسواق أمر ثمين، وأنّ تعزيز التنقّل ضروريّ. لكن الأهمّ من ذلك، هو دعم الديمقراطيّة والترويج للأمن البشريّ من خلال إسداء المشورة لا إعطاء الدروس، والمساهمة في بناء السلام، وتكوين صورة "الشريك الموثوق"، وتعلّم "الإصغاء إلى الأصوات غير المألوفة"، والحديث مع الفاعلين الحقيقييّن في المجتمع المدنيّ العربيّ وليس فقط مع النّخب التي تروق للأوروبييّن. وعلى الاتّحاد الأوروبي ألاّ يخلط بين "إرساء الديمقراطيّة" و"جعل البلدان أوروبيّة -وْرَبة  أ"ً، إذ إنّ مثل هذا الالتباس قد يدفع بالعرب للتفكير في أنّ أوروبا إمنّ ا تصدّر نموذجها المؤسسّي ونسقها القيمي. وعلى الاتّحاد الأوروبيّ أن يبدي انخراطًا حقيقيًّا في حلّ الصراعات، خصوصًا الÓّصرّاع المركزيّ المتمثّل في الÓ رصاع العربي  - الإسرائيلي.ّ فمنذ سنة 1967، يكرّر الاتّحاد الأوروبيّ في مناسبات مختلفة إدانته السّياسات الإسرائيليّة في الأراضي المحتلّة. ولم ترافق هذه السياسة الإعلانيّة أفعالٌ ملموسة، في ما يتعدّى المساعدات الماليّة الممنوحة للفلسطينييّن التي هي في واقع الحال تغطّي كلفة الاحتلال. لقد آن الأوان كي يرسم الاتّحاد الأوروبيّ مسار عملٍ آخر من أجل أن تتوافق كلماته مع أفعاله. لا تشير مبادرات الاتّحاد الأوروبيّ الأخيرة إلى أنّه يسير في الاتّجاه الصحيح؛ فهو يعزّز علاقاته بإسرائيل، في حين أنّ هذه القوّة المحتلّة تُحكِم قبضتها على المناطق المحتلّة من خلال مصادرة الأراضي، والسياسة الاستيطانيّة النشطة والعقوبات الجمْعيّة. وهو لا يتكلّم بصوتٍ واحد، ويظلّ مكبلّا بصعوبة وضع سياسة خارجيّة مشتركة. وعلى الرغم من تكراره الدائم، الدّاعي إلى الغثيان، أنّ سياساته المتوسطيّة مثل الشراكة الأوروبيّة - المتوسطيّة و"الاتّحاد من أجل المتوسّط"، كان لها الفضل في وضع العرب والإسرائيلييّن حول المائدة نفسها، فإنّ من الأفضل أن يضع الاتّحاد الأوروبيّ العرب والإسرائيلييّن على قدم المساواة. يوفّر الربيع العربيّ فرصة نادرة للاتّحاد الأوروبيّ لتويلّ زمام القيادة، و"لإجراء عمليّة إعادة تقييم إستراتيجيّ لسياسته"، ولتأكيد نفسه بوصفه فاعالً متماسكًا وثابتًا وموثوقًا. فللاتّحاد الأوروبيّ مصالح حيويّة في العالم العربيّ. وتكمل المنطقتان كلٌّ منهما الأخرى. ولا شك في أنّ مستقبل أوروبا يكمن في جنوبها المباشر. وكما يكتب باقتدار رئيس الوزراء الإيطاليّ السابق، ماسيمو داليما: "إنّه تحدٍّ بين الصّنع والقطع يواجه الدور الكونيّ للاتّحاد الأوروبي"ّ.