انتخابات الكنيست الإسرائيليّة 2013
الملخّص
يه دف هذا البحث إل ى تحليل نتائج انتخابات الكنيس ت (البرلمانيّة) الإس رائيليّة التاس عة عش رة الت ي ج رت في كان ون الثاني / يناي ر. يدّع ي البح ث أنَّ النتائج الأخيرة ش ك 2013 لت اس تمراريّة لتغيّ راتٍ سياس يّة واجتماعيّة كانت ق د حدثت ولا تزال في السّ ياس ة والمجتمع الإس رائيليّين، مثل تراجع الأحزاب الكبيرة، والاستمراريّة في بعض أنماط الت صويت التقليديّة في المجتمع الإسرائيليّ. إلا أنَّهًا من جهة أخرى شهدت تحولّاتٍ جديدة، أهمّ ها هيمنة اليمين على المش هد السياسي الإسرائيليّ، فقد أظهرت الانتخابات غياب البديل السياسي لحزب الليكود في إسرائيل. ولأوّل مرّة لا يظهر حزبٌ سياسي ينافس الليكود على تأليف الحكومة. وجاء ذلك في إطار تعزيز قوّة اليمين الجديد في إسرائيل وتراجع معسكر أحزاب اليسار. كما بيَّن ت نتائج الانتخابات، لأوّل مرّة، غلبة العامل الاجتماع ي - الاقتصادي على قرار التصويت، بعدما كان العامل السياس ي الأمنيّ هو المهيمن على الس -لوك الانتخابي الإسرائيلي. وقادت هذا الت غيير الطبقات الوس طى والعليا الإس رائيليّة بتأييدها الكبير حزب "يش عتيد " الذي وضع مصالح الطبقة الوسطى الإسرائيليّة في مركز خطابه الاجتماعي. في المجمل، يبيِّ ن البحث أنَّ منظومة اليس ار واليمين التحليليّة لا تُجدي في فه م أنماط الت صويت في الانتخابات الإسرائيليّة.
بين الاستمرارية السياسيّة والت غيير الاجتماعي
الخريطة الحزبيّة الإسرائيليّة في انتخابات الكنيست التاسعة عشرة
أُجريت انتخابات الكنيست التاسعة عشرة في كانون الثاني / يناير 2013 قبل موعدها المقرّر نهاية العام، وذلك بعد قرارٍ اتّخذه رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في تشرين الأوّل / أكتوبر 2012 بإجراء انتخاباتٍ مبكِّرة على خلفيّة الخلاف داخل مركّبات الحكومة بشأن ميزانيّة الدولة المرتقبة؛ إذ وصل عجز الميزانيّة إلى نحو عشرة مليارات دولار. أراد نتنياهو إجراء تقليصٍ في الإنفاق الحكوميّ وزيادة ائب لسدِّ العجز. لكنَّ أحزاب الائتلاف الحكوميّ عارضت ذلك الضرّ، وأعلنت معارضتها الميزانيّة المقترحة. علاوةً على ذلك، جاءت حاجة نتنياهو إلى إجراء انتخاباتٍ مبكِّرة، لتجديد ثقة الجمهور الإسرائيليّ بقيادته وبحزب الّليكود. اعتقد نتنياهو أنَّه يتمتّع بشعبيّة كبيرة. وأراد استغلال شعبيّته لتحقيق فوزٍ كبير في الانتخابات قبل عرض الميزانيّة، والحصول على شرعيّة جماهيريّة لمواقفه تجاه الملفِّ النوويّ الإيرانيّ والقضايا الإستراتيجيّة الأخرى، خاصّة أنَّ قرار تقديم الانتخابات جاء مباشرةً بعد خطابه الشهير في الأمم المتّحدة في أيلول / سبتمبر 2012 عن المشرع النووي الإيرانيّ. اعتقد نتنياهو أنَّ الشارع الإسرائيليّ سيعيد الثّقة الانتخابيّة بقيادته وبحزبه بسبب التحدّيات الأمنيّة والإستراتيجيّة التي تواجهها إسرائيل؛ إذ ظهر نتنياهو الوحيد القادر على مجابهة هذه التحدّيات. كلّ ذلك دفع نتنياهو إلى تقديم الانتخابات بدالً من أن تسقط حكومته في التّصويت على ميزانيّة الدولة، لأنَّ التّصويت ضدّها يشكِّل حجب ثقةٍ عن الحكومة. كما أراد نتنياهو أن يعزِّز تمثيل حزب الّليكود في الكنيست، ففي الانتخابات السابقة في عام 2009 حصل الحزب على 27 مقعدًا، ولم يُتوَّج الحزب الأكبر؛ إذ حصل حزب كاديما على 28 مقعدًا. وبسبب معارضة تسيبي ليفني فحسب، رئيسة الحزب آنذاك، التحالف مع الأحزاب الدينيّة، أ عطي نتنياهو فرصة تأليف الحكومة. وحكمت حكومة نتنياهو أطول فترة منذ عام 1992، فقد أكملت عامها الرابع، ولم تعلن الانتخابات إلا بقرار نتنياهو نفسه. ولتحقيق مطمحه في تحويل الليكود إلى الحزب الأكبر في الانتخابات وبفارقٍ كبير عن أي حزبٍ آخر. ولتعطيل أيّ تكتّلٍ لأحزاب تعمل ضدهّ بما يمنعه من تأليف الحكومة القادمة، ولتحرير نفسه من ضغط الأحزاب الشريكة في الائتلاف الحكومي، عقد نتنياهو تحالفه مع حزب "يسرائيل بيتينو" الذي يرأسه أفيغدور ليبرمان. جرت مفاوضات الحلف بسريّةٍ تامّة. وجرى الإعلان عنه بطريقة مفاجئة. كان نتنياهو يهدف من التحالف إلى بناء حزب كبير في الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة يحصل على أكثر من 40 مقعدًا، ويعيد إلى الأذهان الأحزاب الكبيرة التاريخيّة، وذلك لضمان تأليفه حكومة مستقرّة لا يكون فيها تابعًا للأحزاب الصغيرة والمتوسّطة. علاوةً على ذلك، كان يهدف إلى ضمان بقاء ليبرمان وحزبه في ائتلاف حكومته القادمة؛ فهو قادر على أن يشكِّل حالة توازنٍ بين معسكر الأحزاب المعارضة لنتنياهو والليكود وحلفائه في الحكومة. أمّا ليبرمان الذي بدأ حياته السياسيّة في حزب الليكود، وأنشأ بعدها حزبًا قطاعيًّا يعتمد على قواعدَ اجتماعيّة روسيّة، فيطمح إلى أن يكون وريث نتنياهو، رئيسًا للحكومة وزعيم اليمين في المستقبل، بعد انتهاء عهد نتنياهو. فكان التحالف، بالنّسبة إليه، فرصةً ليكون زعيم الليكود المستقبليّ، ومرشّحه لرئاسة الحكومة.
انطلق الزعيمان من قراءةٍ مبسّطة لجدوى هذا التحالف. واعتقدا أن الائتلاف بينهما (سُمّي الليكود - بيتنا) سيحقِّق، على الأقلّ، حصيلة المقاعد التي حصلا عليها في الانتخابات السابقة 42=15+27(.) وتعهَّد ليبرمان بأن يحصل الائتلاف الجديد على أربعين مقعدًا على الأقل. اختار ليبرمان أعضاء حزبه الذين سيكونون في الائتلاف الجديد. بينما ذهب الليكود إلى انتخاباتٍ داخليّة لاختيار أعضاء القائمة الانتخابيّة. وكشفت نتائج هذه الانتخابات، سيطرة النّخبة اليمينيّة الجديدة على الليكود؛ فقد فازت بالمواقع المتقدّمة في القائمة، ودحرت القيادة اليمينيّة القديمة في الحزب ذات التوجّهات القوميّة - الليبراليّة. يمكن اعتبار هذه النخبة، الجيل الثالث في الليكود. وهي نخبةٌ شبيهة بنخبة اليمين المتطرِّف في أوروبا الذي ينظر إلى مسألة الأقليات ومطالبها كتهديد للدولة ونسيجها الثقافي - الاجتماعي.
في المقابل، أقصت الانتخابات التمهيدية داخل الليكود النّخبة الليكوديّة ذات التوجّهات القوميّة - الليبراليّة التي شكَّلت الجيل الثاني في الليكود، من أمثال: بيني بيغن (ابن رئيس الحكومة ورئيس الليكود السابق مناحيم بيغن)، ودان ميريدور، وميخائيل ايتان، اللذين مثَلّا التوجّهات الليبراليّة في الليكود، ووقفا ضدّ التشريعات القانونية والممارسات السياسية التي قادتها النخبة الجديدة في الليكود. وعلى يمين الليكود، قامت أحزاب التيّار الدينيّ القوميّ واليمين الاستيطاني بالتحالف في إطار حزب "البيت اليهوديّ" (هبايت هيهودي.) انتخب أعضاء الحزب الجديد "نفتالي بينيت"، رئيسًا للحزب. بدأ بينيت حياته السياسية مديرًا لمكتب نتنياهو. ثمّ أصبح مديرًا عامًّا لهيئة مجالس المستوطنات. يُعدّ بينيت من الجيل الجديد في الصهيونيّة الدينية؛ فقد تخرَّج في فرقة النّخبة العسكريّة "متكال"، وهي إحدى الفرق القتاليّة التي أصبح أبناء الصهيونيّة الدينية أكثر حضورًا في صفوفها، فهؤلاء يمجِّدون القيم العسكرية والدولة بمستوى قداستهم للدين. جاء بينيت بخطابٍ جديد لا يركِّز على قضيّة الصراع والمستوطنات فحسب. فهو شخصيًّا لا يسكن في مستوطنة، بل في إحدى المدن الغنيّة داخل الخطّ الأخضر (رعنانا.) وأصبح ثريًّا نتيجة نجاحه في سوق الصناعات التكنولوجية. أراد "بينيت" أن يكون البيت اليهودي،ّ بيتًا لكلِّ اليهود داخل الخطّ الأخضر وخارجه. فركَّز في خطابه على القيم اليهوديّة: المساواة في توزيع العبء الاقتصادي والعسكري (تجنيد الجميع في الجيش أو في الخدمة المدنية.) وأدخل إلى قائمته مرشّحة غير متديِّنة، للتأثير في قطاعاتٍ اجتماعية جديدة في المجتمع الإسرائيليّ. وروّج أنّه شخصيّة متديِّنة متنوِّرة وعصريّة. عدهّ الحزب شريكًا طبيعيًّا في الحكومة القادمة التي سيقودها نتنياهو. فكانت دعايته الانتخابيّة تطرح، فيما تطرح، دعم نتنياهو رئيسًا للحكومة، بهدف جذب قواعدَ اجتماعية من الليكود وطمأنتها بأنَّها في تصويتها للبيت اليهوديّ لن تسقط نتنياهو بوصفه رئيسَ حكومة، بل ستقوّيه من جهة اليمين. خاصّةً وأنه ضدّ إقامة دولة فلسطينيّة، ويطالب بضم المناطق C (التي تشكِّل %60 من مساحة الضفّة الغربيّة) إلى السِّيادة الإسرائيليّة. من الجانب الآخر، ركَّز حزب العمل برئاسة شيلي يحيموفيتش على الخطاب الاجتماعي - الاقتصادي. وانطلقت يحيموفيتش من ادّعاء أنَّ الخطاب الاقتصادي - الاجتماعي النابع من توجّه دولة الرفاه، سوف يضرب نقطة الضّ عف الأساسيّة في سياسة حكومة نتنياهو، ولا سيمّا بعد الاحتجاج الاجتماعي الكبير للطبقة الوسطى في صيف. غيّب حزب العمل المسألة السياسية والرصّ 2011 اع الفلسطيني الإسرائيليّ، والقضايا الأمنيّة لأنَّها، باعتقاده، نقطة قوّة نتنياهو في الشارع الإسرائيليّ. بل إنَّ يحيموفيتش تبنَّت مواقفَ سياسيّةً قريبة من اليمين، مثل قولها إنَّ البناء الاستيطاني والاحتلال ليس لهما علاقة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب داخل الخطّ الأخضر. كما نشئت بقرارات حكوميّة رسميّة عدّت المستوطنات شرعيّة لأنَّها أ. وأيَّدت إقامة جامعة في مستوطنة أرييل. وفي إحدى تصريحاتها للابتعاد عن الصبغة اليساريّة لحزب العمل، صرَّحت بأنَّ حزب العمل لم يكن يومًا حزبًا يساريًّا، بل كان حزب المركز السياسي. حÓÓاولÓÓت يحيموفيتش مÓÓن خÓ ل Ó ل الÓ رت كÓيÓز عÓ ىل الخطاب الاقتصادي - الاجتماعي أن تستقطب الطبقات الوسطى الإسرائيليّة، وتعيدَ القواعد الاجتماعيّة التقليديّة لحزب العمل بعد أن ابتعدت عنه في العقد الأخير، خاصّةً تحت رئاسة إيهود براك. بدت سياسة يحيموفيتش مجديةً، فقد أعطت استطلاعات الرأي الحزب أكثر من عشرين مقعدًا. وساهم انضمامُ جزء من قيادة حركة الاحتجاج الاجتماعي لصفوف الحزب، في تعزيز الثّقة داخل الحزب بجدوى هذا الخطاب الذي يحاول أن يطرح بديالًاجتماعيًّا واقتصاديًّا لحكومة نتنياهو وتغييب القضيّة السياسيّة والأمنيّة عن النقاش العام.ّ أفرزت الانتخابات الداخليّة في حزب العمل مرشّحين جددًا تنافسوا على مقاعد القائمة الانتخابيّة. فقد انتُخ ب في الأماكن العشرة الأولى عضوان مهامّ ن في حركة الاحتجاج الاجتماعي الإسرائيليّ لا يتجاوز عمرهما الثلاثين عامًا. كما انتُخ ب عسكريٌّ متقاعد، وهو عومر بار ليف، نجل رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّة الثامن حاييم بار ليف. وبار ليف هو الشخصيّة العسكريّة الوحيدة الجديدة في قائمة الحزب، إذ كان قائدًا لفرقة النّخبة "متكال." فقد فشل الحزب في جذب شخصيّات عسكريّة لها ثقلها في المجتمع الإسرائيليّ، فيما كان الأعضاء الآخرون من قيادات حزب العمل القدماء والتقليدييّن. وقد ألغت يحيموفيتش مبدأ تمثيل مرشّحي القطاعات والدوائر في الانتخابات التمهيديّة كما كان متّبعًا في الحزب في السابق، لهذا جاء ممثّلو القطاعات والدوائر
المختلفة، مثل العرب والكيبوتسات - التجمّعات التعاونيّة، في أماكن متأخّرة في قائمة الحزب. وتنافست، داخل التيّار الديني الأرثوذكسي، حركتان في الانتخابات: حركة "يهدوت هتوراه"، وهي حركة دينيّة أرثوذكسيّة غير صهيونيّة تحظى بدعمٍ من القواعد الدينيّة الأرثوذكسيّة الأشكنازيّة، وتتميَّز قواعدها الاجتماعيّة بالثبات، مما ينعكس على استقرار نسبة تأييدها في الانتخابات؛ إذ تصوِّت هذه القواعد للحركة لعواملَ دينيّة مجرَّدة. وهي قواعد يزداد ثقلها الانتخابي بسبب الزيادة السكانيّة الطبيعيّة في صفوفها. تتركّز قواعدها في التجمّعات الدينيّة الأرثوذكسيّة ذات الطابع الأشكنازي، مثل مدينة القدس، وموديعين، وبيت شيمش، إذ تحصل الحركة فيها على أعلى نسبةِ تأييد، نظرًا لطابعها الديني الأرثوذكسي. وقد مرَّت الحركة بعمليّة صَهيَنة ضعيفة مقارنةً بحركة شاس الدينيّة الشرقيّة. أُسِّست حركة "شÓ اس" في بداية الثمانينيّات. وهي حركة دينيّة أرثوذكسيّة يتزعّمها رجال دين من أصولٍ شرقيّة، وتقوم باستعمال مكثَّف لسياسات الهُويّة في صفوف اليهود الشرقييّن. وتتوزّع قواعدها بين القواعد الدينيّة الأرثوذكسيّة الشرقيّة، والقواعد الاجتماعيّة الضّ عيفة اقتصاديًّا من اليهود ذوي الأصول الشرقيّة. وعلى عكس حركة يهدوت هتوراه، فإنَّ قواعدها الاجتماعيّة غير ثابتة، فهي تنافس حزب الليكود على القواعد الاجتماعيّة الشرقيّة الضّ عيفة، وتحاول مواجهة الليكود من خلال استعمالٍ مكثَّف لسياسات الهُويّة أمام الليكود الأشكنازي. مرَّت الحركة بعمليّة صَهيَنة كبيرة؛ فهي تصنِّف نفسها حركة يمينيّة في القضايا السياسيّة والأمنيّة. ومن الصعوبة الادّعاء أن هذه الحركة هي حركةٌ دينيّة أرثوذكسيّة غير صهيونيّة. توقَّعت الحركة أن تعزِّز قوَّتها في انتخابات الكنيست التاسعة عشرة. وتزيد تمثيلها في البرلمان، وذلك بسبب ثلاثة عوامل: أوّلها، الحضور القويُّ للقضيّة الاجتماعيّة - الاقتصاديّة في النقاش العام،ّ وتصنيفها أولويّة متقدّمة بالنّسبة إلى المجتمع الإسرائيليّ على القضيّة السياسيّة - الأمنيّة. وثانيها، تراجع الليكود بسبب سياساته الاقتصاديّة، وهذا سيسهِّل مهمّة الحركة في اقتطاع جزء من قواعده الاجتماعيّة في الطبقات الدنيا. أمّا العامل الثالث، فهو عودة الزّعيم السياسي التاريخي للحركة، ارييه درعي، إلى صفوف الحزب بعد أن أمضى فترةً في السجن بسبب قضايا فسادٍ مالي، والتي وُصفت بأنَّها ملاحقةٌ سياسيّة له بسبب انتمائه الشرقي.
أمّا الحزب الأخير الذي نتطرّق إليه في هذا المبحث، فهو حزب "يش عتيد" (يوجد مستقبل) الذي أسَّسه الإعلاميّ يائير لبيد، وهو ابن الصحفي يوسف تومي لبيد 2008-1931(.) انضمّ أبوه من قبْله إلى حزب "شينوي" (التّغيير)، وهو حزبٌ عرّف نفسه بأنَّه حزب المركز. وانطلق من خطابٍ معادٍ للمتديّنين اليهود الأرثوذكس. وقد حقَّق الحزب نجاحاتٍ انتخابيّةً كبيرة. لكن، لم تكن حال حزب "شينوي" مختلفة عن حال كلِّ الأحزاب التي أطلقت على نفسها أحزاب المركز؛ إذ ظهرت كلّها في الحياة السياسيّة الإسرائيليّة واختفت منها، بعد نجاحاتٍ مرحليّةٍ حقَّقتها في الانتخابات. أنشأ لبيد الابن حزب "يش عتيد"، كحزب مركز. وتوجَّه بخطابه إلى الطبقة الوسطى الإسرائيليّة، مركِّزًا على موضوع المساواة في العبء، أي فرض الأعباء الاقتصاديّة والعسكريّة على كلِّ قطاعات المجتمع الإسرائيليّ، وذلك بادّعاء أنَّ الطبقة الوسطى الإسرائيليّة العلمانيّة هي التي تتحمّل الأعباء وحدها، بينما هناك قطاعاتٌ، خاصّةًالمتديّنين اليهود، لا يشاركون في هذه الأعباء. كلمة "عبء" هي المصطلح المتداول إسرائيليًّا للإشارة إلى أنَّ هناك من يقوم بواجبات، وهناك من يأخذ حقوقًا فحسب من دون أن يقوم بأيّ واجبات. وهذا الخطاب، وإن أظهره لبيد خطابَ مركز الخريطة السياسيّة، هو في الحقيقة خطاب اليمين؛ فحزب "يسرائيل بيتينو" الرّوسيّ الذي قاده ليبرمان، حصل على 15 مقعدًا في انتخابات 2009، بسبب رفعه شعار "لا حقوق من دون واجبات." وكان موجّهًا أساسًا ضدّ الفلسطينييّن
داخل إسرائيل. وقد استبدل هذا الشعار في الانتخابات الأخيرة بشعار "المساواة في العبء." اختار لبيد قائمته الانتخابيّة بصفة شخصيّة؛ فالحزب لم يُجرِ انتخابات تمهيديّة داخليّة لاختيار أعضاء القائمة، سالكًا طريق الأحزاب الدينية مثل "شاس" و"يهدوت هتوراه"، إذ يختار مجلس رجال الدين أعضاء القائمة، وطريق الأحزاب الشخصيّة مثل حزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة ليبرمان. تألَّفت قائمة لبيد من شخصيّات ذات توجّهات متباينة، جمعتها قضيّة "المساواة في الأعباء" بصورة رئيسة. اتّخذ لبيد نهجًا مختلفًا عن أبيه؛ فلم يُظهر حزبه معاديًا للمتديّنين بصورة كاملة، بل بوصفه منتصرًا للطبقة الوسطى. وقد أدرج في قائمته رجال دينٍ يتبنّون مواقفَ متقدّمة في قضايا الاقتصاد والمجتمع. في موقع الحزب، يظهر الأساس الأيديولوجي للحزب بصيغة "من نحن." ويعدِّد الحزب المحاور الأساسيّة لتوجّهه الأيديولوجي في القضايا السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة. يحدِّد الحزب أواّلً رؤيته لهُويّة الدولة: "نحن نؤمن بكون إسرائيل دولة يهوديّةً ديمقراطيّة بروح تصوّر أنبياء إسرائيل، نحن نؤمن بحقّنا في العيش في دولة مع أغلبيّة يهوديّة تعيش في حدودٍ آمنة وقابلة للدفاع." ويشير إلى رؤيته للعلاقة بين دولة إسرائيل ويهود العالم: "نحن نؤمن أنَّ من واجب الدولة أن تعمل كمركزٍ للشعب اليهوديّ، الاهتمام بكلِّ يهوديٍّ ملاحق بسبب يهوديّته على وجه الأرض". يشير الأساس الأيديولوجي إلى أنَّ الحزب انطلق من داخل الإجماع الصهيوني - اليهوديّ على هُويّة الدولة؛ فالدولة بالنّسبة إليه لا تكون يهوديّة في هُويَّتها وتوجّهاتها الثقافيّة فحسب، بل عليها أن تكون ذات أغلبيّة يهوديّة، ودولة الشعب اليهوديّ في كلِّ مكان. وفي الجانب الاقتصاديّ، ينادي الحزب بزيادة المشاركة في سوق العمل لدى قطاعات غير فاعلة في المجتمع الإسرائيلي. وعلى الدولة الاهتمام بالطبقة الوسطى، لأنَّها الطبقة المنتجة في السوق. تظهر يمينيّة الحزب في الجانب السياسي من برنامجه، إذ جاء فيه: "لا يوافق حزب "يش عتيد" على الاتّهامات الذاتيّة التي يطلقها جزء من الجمهور الإسرائيليّ واليهوديّ في مسألة السلّام، نحن نعتقد أن الفلسطينييّن... رفضوا مرّةً بعد مرّة يد إسرائيل الممدودة للسلام، هكذا في الانتفاضة الأولى والثانية، وهكذا بعد انفصال أحادي الجانب عن غزّة، فبدالً من أن يبنوا مستشفياتٍ ومدارسَ مكان مستوطنات غوش قطيف في غزّة، فضّ لوا إطلاق آلاف الصواريخ على المدنييّن، وهكذا برفضهم اقتراح إيهود أولمرت الحل ". يقترح الحزب تبنّي حلّ الدولتين. ولكن، ليس بدافع الاعتراف بحقوق الفلسطينييّن الوطنيّة، بل بدافع الحفاظ على إسرائيل دولة يهوديّة مع أغلبيّة يهوديّة. ويَعدّ المستوطنين صهاينة حقيقييّن، إذ يشير البرنامج إلى أنَّ "السلّام هو الحلّ المعقول الوحيد للتهديد الديموغرافي ولأفكار مثل دولة كلّ مواطنيها ودولة ثنائيّة القوميّة." أمّا بالنسبة إلى شكل الحلّ النهائي الذي يقترحه الحزب، فيتمثَّل في حلّ الدولتين، من دون العودة إلى حدود السادس من حزيران / يونيو 1967، والإبقاء على الكتل الاستيطانيّة في الضفّة الغربيّة، والإبقاء على القدس عاصمة موحّدة وأبديّة لإسرائيل، حلّ مشكلة اللاجئين في الدولة الفلسطينيّة فحسب، تملك إسرائيل الحقّ في محاربة "الإرهاب" حتّى داخل الدولة الفلسطينيّة التي ستقام. يُوضّ ح برنامج الحزب السياسيّ أنَّه لا يقدِّم تصوّرًا مختلفا عن تصوّر نتنياهو في خطاب بار ايلان، غير أنَّ نتنياهو يريد من الفلسطينييّن الاعتراف بإسرائيل دولة يهوديّة. أمّا لبيد، فيريد انتزاع ذلك على أرض الواقع. إلى جانب هذه الأحزاب، شاركت في الانتخابات الأحزاب العربيّة الثلاثة: التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ الذي يمثِّل التيّار القوميّ الديمقراطيّ في صفوف الفلسطينييّن في إسرائيل، وقد تعرّض لحملة تحريضٍ كبيرة خلال الدّورة الماضية. وكانت هناك محاولة لجنة الانتخابات المركزيّة إلغاء مشاركة عضو الكنيست حنين زعبي في الانتخابات بسبب وجوده على سفينة مرمرة التي حاولت كسر الحصار على قطاع غزّة. وكذلك القائمة العربيّة الموحّدة، وهي تحالفٌ يضمّ الحركة الإسلاميّة التي تشارك في الانتخابات وبعض الحركات السياسيّة الأخرى. وأخيرًا الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة، وهي حركةٌ تعرِّف نفسها بأنّها حركة عربيّة يهوديّة، ويشكِّل الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ عمودها الفقري. كما شارك في الانتخابات حزب كاديما الذي تراجعت شعبيّته تراجعًا كبيرًا في الدّورة الأخيرة، ومرَّ بسلسلة انشقاقات كان أبرزها خروج رئيسته السابقة تسيبي ليفني التي شكَّلت حركة "هتنوعا" (حركة الحركة) التي ركَّزت في خطابها على موضوع التسوية السياسيّة مع الفلسطينييّن. كما تنافست حركة ميرتس اليساريّة التي أعلنت مسبقًا
أنَّها لن تشارك في أيّ حكومة يؤلِّفها نتنياهو. والحقيقة أنَّ هذه الحركة بقيت في المعارضة منذ عام.2001
قراءة سياسيّة في نتائج الانتخابات
وصلت نسبة التّصويت في الانتخابات الأخيرة إلى %66.6، مقارنةً مع %65 في الانتخابات السابقة. عمومًا، لم يحدث تغييرٌ جوهري على نسب التّصويت في العقد الأخير؛ فقد تراجعت نسبة التّصويت تراجعًا كبيرًا منذ انتخابات رئاسة الحكومة في عام 2001، ومنذ ذلك الوقت وهي في حالة استقرار. استطاعت اثنتا عشرة قائمة تجاوز نسبة الحسم %2() من بين اثنتين وثلاثين قائمة تنافست في الانتخابات. أغلبيّة القوائم التي لم تجتز نسبة الحسم كانت قوائم صغيرة في معسكر اليسار. وتشير النتائج أنَّ اليسار يفقد في كلِّ دورة انتخابيّة خمسة مقاعدَ بسبب عدم نجاح قوائم صغيرة في تجاوز نسبة الحسم. بيّنت النتائج إخفاق تحالف الليكود - بيتنا. توقَّع كلٌّ من نتنياهو وليبرمان أن يحصل تحالفهما على أربعين مقعدًا على الأقل. إال أنَّ النتائج جاءت أقلَّ من نتائج الاستطلاعات التي توقَّعت حصول التحالف على 35 مقعدًا. حصل التحالف على 31 مقعدًا، بنسبة %23.3. بينما حصل الحزبان معًا في انتخابات 2009 على 42 مقعدًا، بنسبة %33 من الأصوات، وذلك عندما خاضا الانتخابات منفردين؛ بمعنى أنَّهما خسرا ربع مقاعدهما في الانتخابات الحاليّة. توقَّع نتنياهو وليبرمان أن يؤدّي تحالفهما إلى تكاتف قواعدهما الاجتماعيّة، علاوة على أنَّه سيجذب قواعدَ جديدة من اليمين. إالّ أنَّ التحالف أبعد الكثير من قواعدهما التقليديّة، بسبب تحالفهما. يحظى حزب ليبرمان، "يسرائيل بيتينو" (إسرائيل بيتنا)، بدعم اليهود الرّوس بالأساس، فهو حزب قطاعي، %75 من الذين صوّتوا للحزب في انتخابات 2009 كانوا من اليهود الرّوس. حقَّق الحزب منذ تأسيسه عام 1999 نجاحاتٍ انتخابية كبيرة وصلت ذروتها في الانتخابات السابقة بحصوله على 15 مقعدًا. وظهر زعيمه أفيغدور ليبرمان زعيامً مقبالً لليمين. تتميَّز قواعد الحزب بعلمانيّة معادية للدين، إذ خاض الحزب صراعاتٍ مع الأحزاب الدينيّة على قضايا الدين والدولة. فة من الÓّصرّاع العربي كما تتبنّى قواعده مواقفَ يمينيّة متطرِّ - الإسرائيليّ، ومن مكانة الأقليّة الفلسطينيّة داخل إسرائيل. تبني نتائج الانتخابات في المدن ذات الأغلبيّة الرّوسيّة، أنَّ الرّوس امتنعوا عن التّصويت في هذه الانتخابات؛ فقد تراجعت نسبة تصويتهم ب %10، مع العلم أنَّ القوّة الانتخابيّة للقطاع الرّوسيّ تصل إلى عشرين مقعدًا. تراجعت نسبة مشاركة الرّوس في الانتخابات بسبب خيبة أملهم في حزب "يسرائيل بيتينو" الذي لم يعمل بصورة كافية على تحقيق مطالبهم من خلال الحكومة. تشير المعطيات إلى أنَّ الرّوس ينتمون إلى الطبقة الوسطى الدنيا في المجتمع الإسرائيليّ، ومع ذلك لم تعمل حكومة نتنياهو - ليبرمان على دعمهم، بل زادت أعباءَهم الاقتصاديّة. كما أنَّ التحالف مع الليكود أفقد الحزب هُويَّته القطاعية بوصفه حزبًا للمهاجرين الÓ رّوس الذين يصل عددهم إلى مليون روسيّ، لهم احتياجاتهم الخاصّة في المجالات الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. كما أنَّ التحالف بين قواعد الحزب العلمانيّة المعادية للدين والقواعد المحافظة والمتديّنة في الليكود قد أدَّى إلى عزوف الكثير من الرّوس عن التّصويت للتحالف الجديد، خاصّةً بعد صعود النّخبة الجديدة في الليكود التي تضمّ الكثير من المتديّنين أو المحافظين. أمّا الليكود، فقد تنبّأت استطلاعات الرأي بحصوله على أكثر من 30 مقعدًا قبل التحالف مع حزب ليبرمان، إالّ أنَّ التحالف أفقده قواعدَ اجتماعيّة كثيرة، ولا سيمّا قواعده الليبراليّة التي ترى في حزب ليبرمان يمينًا متطرِّفا بينما تنظر إلى الّليكود على أنّه يمين ليبرالي قريب
من مركز الخريطة السياسيّة. عزَّز هذا التوجّه نتائج الانتخابات الداخليّة في الليكود، إذ جرى انتخاب النّخبة اليمينيّة المتطرِّفة في الليكود إلى مواقع متقدّمة في القائمة، وإقصاء النّخبة الليبراليّة إلى مواقع غير مضمونة في القائمة. وهذا دفع قطاعاتٍ يمينيّة ليبراليّة إلى التّصويت لحزب "يش عتيد". كما أنَّ التحالف مع حزب ليبرمان أدّى إلى انتقال الكثير من المصوِّتين، خاصّةً من المتديّنين القومييّن، إلى حزب البيت اليهودي - الديني القومي، ومن المصوِّتين الشرقييّن المحافظين إلى حركة شاس. فهذه القطاعات لا تعادي الدين، وترى في تحالف الليكود مع حزب معادٍ للدين ضربةً لقيمها الدينيّة. فهي مستعدّة للالتقاء معه في القضايا السياسيّة والأمنيّة، لكن ليس في القضايا الاجتماعيّة والدينيّة. علاوةً على ذلك، قامت الأوضاع الاجتماعيّة - الاقتصاديّة الصّعبة التي مرَّت على المجتمع الإسرائيليّ في فترة نتنياهو، بدورٍ في تراجع الحزب، فسياساته الاقتصاديّة أضرَّت بالطبقات الدنيا، وزادت أعباء الطبقة الوسطى، خاصّةً في مجال المسكن. وعندما أصبح الموضوع الاجتماعي ساحة المعركة في الانتخابات، الاقتصادي -خسرها الليكود - بيتنا، خاصّةً بعد نشر معطيات تبينِّ حجم التدهور الاقتصادي والعجز الماليّ الكبير الذي ينتظر إسرائيل في عام 2013، الأمر الذي يتطلَّب إجراء تقليصات كبيرة في الإنفاق الحكومي، وفرض ضرائب جديدة لسدِّ العجز والخروج من الأزمة. وهو ما أدّى إلى انتقال مصوِتّي الليكود من الطبقات الوسطى إلى التّصويت لأحزاب طرحت خطابًا داعامً للطبقة الوسطى، وتوزيع العبء على الجميع، وفي مقدّمهم "يش عتيد." كان فوز حزب "يش عتيد" برئاسة لبيد مفاجأة الانتخابات، إذ حصل الحزب على 19 مقعدًا %14.3(من الأصوات)، في أوّل دورةٍ انتخابيّة يشارك فيها. وتُوِّج الحزب الثاني في الانتخابات. هناك الكثير من العوامل التي أدَّت إلى فوز الحزب؛ منها ما يتعلَّق بشخصيّة لبيد نفسها التي تمثِّل الإسرائيليّ الطامح إلى حياة رغيدة وهادئة، بعيدًا عن ألاعيب السياسة. كما ظهرت خلال حملته الانتخابيّة. وعلى عكس أبيه، لم يكن خطاب لبيد معاديًا للمتديّنين. لكن ذلك لا يعني أنَّ قواعده الاجتماعيّة التي صوَّتت له تحمل المودّة للمتديّنين الأرثوذكس، إنمَّ ا لا تريد حزبًا يؤسِّس خطابه على ذلك فحسب. جاء لبيد بقائمة لم يكن أفرادها أعضاء سابقين في البرلمان، بل أسَّس قائمة تدمج شرائحَ مختلفة من المجتمع الإسرائيليّ التقت على الإجماع الصهيونيّ في القضايا السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. دمج الحزب في خطابه السياسيّ والاقتصاديّ مركّباتٍ من خطاب اليمين الليبرالي ومركّبات من خطاب دولة الرفاه. ركَّز خطابه الاقتصاديّ على دعم الطبقة الوسطى الإسرائيليّة، وهي طبقةٌ تتركّز جغرافيًّا في مركز البلاد وتتكوّن أغلبيتها من اليهود الأشكناز. لكنَّه لم يطالب بأن تكون إسرائيل دولةًاشتراكيّة - ديمقراطيّة في نظامها الاقتصادي. بمعنى أن خطابه الاقتصادي لم يشدِّد على دعم الطبقات المهمّشة، والضّ عيفة في المجتمع الإسرائيليّ، بل أكّد على مساندة الطبقات الوسطى العليا. يمكن تفسير مفاجأة "يش عتيد" أيضًا بغياب الثّقة بالأحزاب التقليديّة، وفي مقدّمها حزب العمل. فقَدَ حزب العمل ومعه اليسار الإسرائيلي الكثير من صدقيّته في العقد الأخÓ ري. وجاء لبيد طارحًا خطابًا استطاع من خلاله التواصل مع قواعد انتخابيّة على يمين الخريطة الحزبيّة ويسارها. علاوةً على ذلك، استطاع الحزب أن يجذب القواعد الاجتماعيّة الوسطى والعليا التي قرّرت التّصويت لحزب العمل في أعقاب الاحتجاج الاجتماعيّ، لكنها بقيت متحفِّظة تجاهه بسبب الرصّاعات الداخليّة في الحزب، فرأت في "يش عتيد" بديالً عن حزب العمل. وهذا ما أكَّدته استطلاعات الرأي خلال الفترة الماضية التي بيّنت تراجع حزب العمل وتقدّم حزب "يش عتيد." وعندما تولَّت شيلي يحيموفيتش رئاسة حزب العمل، قادت خطابًا شدَّد على القضايا الاقتصاديّة والاجتماعيّة، في محاولةٍ لضرب اليمين في نقطة ضعفه الأساسيّة. لكنَّ تركيز الحزب على الخطاب الاقتصادي أدّى إلى عزوف العديد من قواعده الاجتماعيّة التقليديّة عن التّصويت له، فهي تريد للحزب أن يكون بديالً سياسيًّا لحزب الليكود وليس بديال اقتصاديًّا واجتماعيًّا فحسب؛ إذ تعتقد هذه القواعد أنَّ تراجع الحزب السياسيّ في العقد الأخير كان نابعًا من غياب الرؤية السياسيّة البديلة لرؤية اليمين. بينما اعتقدت يحيموفيتش أنَّ تغييب الموضوع السياسيّ سيجعل حزب العمل البديل الاجتماعي - الاقتصادي لليكود.
وقد هاجمها الأديب الإسرائيليّ عاموز عوز على هذا التوجّه، إذ قال إنّها "أسوأ من إيهود براك، فالأخير قال إنَّه لا يوجد حلّ، وهي تقول إنَّه لا يوجد مشكلة". أدّى تركيز يحيموفيتش على الخطاب الاقتصادي - الاجتماعي إلى اقترابها من رؤية اليمين السياسي، محاولة مخاطبة قواعد يمينيّة من خلال الاهتمام بالقضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة. اعتقدت يحيموفيتش أنَّها تستطيع أن تكسر التحالف التاريخي بين الليكود وقواعده الاجتماعيّة الضّ عيفة اقتصاديًّا والمحافظة دينيًّا، والتي تصوِّت لليكود لأسباب تاريخيّة وسياسيّة. إالّ أنَّ يحيموفيتش لم تفهم أنَّ هذا التحالف التاريخي لا يمكن كسره بسبب أزمة اقتصاديّة اع العربي عابرة تمرُّ بها إسرائيل، ولا سيمّا أنَّ قضيّة الرصّ - الإسرائيلي لم تصل إلى نهايتها بعد. وأدَّت مغازلة يحيموفيتش هذه القواعد إلى خسارتها قواعدها التقليديّة، وفي الوقت نفسه أخفقت في جذب قواعد الليكود الضّ عيفة اقتصاديًّا التي تفضِّ ل التّصويت لحركة "شاس" الدينيّة الشرقيّة، إذا أرادت تغليب العامل الاقتصادي - الاجتماعي في قرار تصويتها، وليس لحزب العمل. حصل حزب العمل على 15 مقعدًا بزيادة مقعدين فقط عن 2009، وأقلّ بثلاثة مقاعد من انتخابات 2006. أي أنَّ يحيموفيتش أخفقت في إعادة الحزب إلى دوره بوصفه حزبًا قادرًا على تأليف الحكومة، فقد جاء في المرتبة الثالثة بعد الليكود وحزب "يش عتيد." شهد حزب العمل خلال العقد الأخير انشقاق أربعة من قادته الذين تزعّموا الحزب في مراحلَ مختلفة؛ فقد انشقَّ شمعون بيريز عن الحزب وانضمّ إلى حزب "كاديما" برئاسة شارون. وانشقَّ "عمير بيرتس" رئيس الحزب في انتخابات 2006، وانضمّ إلى حركة "هتنوعاه" برئاسة تسيبي ليفني. وانشقَّ عمرام متسناع رئيس الحزب في انتخابات 2003، وانضمّ أيضًا إلى حزب ليفني. وقبْلهما انشقَّ إيهود براك وزير الدّفاع في حكومة نتنياهو، في أعقاب قرار الحزب الخروج من حكومة نتنياهو، وخرج معه عددٌ من أعضاء الكنيست، وهو ما أضعف الحزب. إذًا، من بين ستّ شخصيّات كانت في رئاسة الحزب، بعد مقتل إسحاق رابين عام 1995، انشقَّت أربع منها وانضمّت إلى أحزابٍ ذات توجّهات يمينيّة. انهار حزب "كاديما" في هذه الانتخابات، إذ حصل على مقعدين فقط. ويمكن إرجاع انهياره إلى عوامل تاريخيّة تتعلّق بنشأته، وعوامل داخليّة تتعلَّق بالرصّاعات داخله. عندما أنشأ شارون الحزب عام 2005 كان في ذروة شعبيّته الجماهيريّة. وقد نبعت شعبيّة الحزب من شعبيّة "شارون" بالأساس. كان شارون الصّمغ الذي جمع الكثير من التناقضات داخل الحزب. فضالً عن أنَّ الحزب قد نشأ حزب سلطة، وليس معارضة. لقد خاض الحزب الانتخابات أوّل مرة في عام 2006 من دون شارون الذي أقعده الشّلل الدماغيّ. وقاده أولمرت وحصل على 29 مقعدًا. وقد بينّت نتائج الانتخابات أنَّ قواعد الحزب كانت الشرائح الاجتماعيّة الوسطى والعليا في المجتمع الإسرائيليّ التي انتقلت من حزب العمل والليكود إلى كاديما. قاد حزب كاديما الحكومة الإسرائيليّة خلال الفترة من عام 2006 إلى عام 2009، أخفق خلالها في حربين: تمّوز 2006 في لبنان، وكانون الأوّل 2008 في غزّة. كما أنَّه لم يتقدّم في مسار التسوية السياسيّة مع الفلسطينييّن. وانتهت الحكومة باستقالة أولمرت على خلفيّة قضايا جريت انتخابات فسادٍ ماليّ. وعندما أ 2009، قادت تسيبي ليفني الحزب وحصلت على 28 مقعدًا، بفارق مقعدين عن الليكود، إال أنَّها لم تؤلِّف الحكومة وفضّ لت البقاء في المعارضة. وكان ذلك النقيض الجوهري لفكرة الحزب بوصفه حزب سلطة. بدأت الرصّ اعات الداخليّة تدبّ في جسم الحزب؛ صراعÓ ات على السلطة أساسًا، وصراعٌ على الدخول إلى الحكومة أو البقاء في المعارضة، وصراعٌ على رئاسة الحزب. إنَّ الذين فضَّ لوا البقاء في المعارضة لم يكن خيارهم حبًّا في المعارضة، بل راهنوا على أنَّ حكومة نتنياهو سوف تسقط أمام الضّ غط الدولي والأميركيّ. إالّ أنَّ نتنياهو استطاع أن يتجاوز هذا الضّ غط ببراعةٍ كبيرة مستغ الأوضاع الدوليّة والإقليميّة والانشقاق داخل حزب العمل. أدّى بقاء "كاديما" في المعارضة إلى اندلاع صراعاتٍ داخليّة ساهمت في تفتيت الحزب؛ إذ بعد أن خسرت تسيبي ليفني الانتخابات الداخليّة على رئاسة الحزب أمام شاؤول موفاز، انشقَّت عن الحزب عشيّة
| 2013 | 2009 | 2006 | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|
| المقاعد | %م | المقاعد | %م | المقاعد | %م | |
| 31 | 23.3 | 27 | 21.6 | 12 | 9 | املليكود |
| 2 | 2 | 28 | 22.5 | 29 | 22 | كاديما |
| 15 | 11.3 | 13 | 9.9 | 19 | 15.1 | العمل |
| 19 | 14.3 | يش عتيد | ||||
| 11 | 8.7 | 11 | 8.5 | 12 | 9.5 | شاس |
| 7 | 5.1 | 5 | 4.4 | 6 | 4.7 | يهدوت هتوراه |
| تحالف مع الّليكود | 15 | 11.7 | 11 | 9 | يرسرائيل بيتينو | |
| 6 | 4.5 | 3 | 3 | 5 | 3.8 | مميرتس |
| 1 ي2 | 9 ي.1 | 3 | 2.9 | 9 | 7.1 | المفدال - البيت اليهودي ّ |
| تحالف في إطار البيت اليهودي | 4 | 3.3 | لامتحاد الوطني | |||
| 7 | 5.9 | حزب المتقاعدين | ||||
| 6 | 4.9 | هتنوعاه (الحركة) | ||||
| 3 | 2.5 | 3 | 2.5 | 3 | 2.3 | التجمّع الوطني ّ املديمقراطي ّ |
| 4 | 2.9 | 4 | 3.3 | 3 | 2.7 | املجبهة الديمقراطيّة |
| 4 | 3.6 | 4 | 3.4 | 4 | 3 | القائمة العربيّة الموحّدة |
الانتخابات الأخيرة. أمّا كاديما برئاسة موفاز، فقد دخل الحكومة لمدّة شهر في محاولةٍ لتمرير قانون التجنيد للمتديّنين الأرثوذكس، وبذلك أنقذ موفاز حكومة نتنياهو من السقوط بسبب صراعه مع شركائه من الأحزاب الدينيّة المعارضة بشأن هذا القانون. إالّ أنَّ موفاز فشل في تمرير القانون، ما أدّى إلى خروجه من الحكومة. وخرج الحزب منشقًّا على نفسه؛ فقد انشقَّ قسمٌ من أعضائه في البرلمان وانضمّ إلى الليكود، وانضمّ قسمٌ آخر إلى حزب العمل، وانضمَّ الباقون إلى حزب تسيبي ليفني الجديد "هتنوعاه." إلى جانب تراجع الليكود - بيتنا في معسكر اليمين، ازداد تمثيل البيت اليهوديّ في هذه الانتخابات؛ فقد ضمَّ البيت اليهوديّ حزب المفدال، وهو حزب الصهيونيّة الدينيّة وحزب الاتحاد الوطنيّ، وحصل الحزبان على سبعة مقاعد في الانتخابات السابقة. بينما حصل البيت اليهودي في الانتخابات الحاليّة على 12 مقعدًا. يعود سبب ارتفاع رصيد الحزب اليهوديّ، إلى سياسة زعيمه الجديد نفتالي بينت الذي وجّه خطابه إلى كلِّ القطاعات الاجتماعيّة، وليس إلى قواعد المستوطنين فحسب. وهي قواعد الحزب التقليديّة. ورفع شعار مثل "البيت اليهودي بيت الجميع." كما شدَّد الحزب على مواقفَ تتعلَّق بالقضايا الاقتصاديّة اع والمستوطنات والاجتماعيّة، إلى جانب تركيزه على قضيّة الرصّ. وخاطب الطبقات الوسطى بتبنِّيه خطاب "المساواة في العبء." كما اتّبع تكتيكًا انتخابيًّا جذب من خلاله قواعدَ انتخابيّة من الليكود. وهو تأكيد الحزب أنَّه سيكون ضامنًا لحكومة نتنياهو من اليمين، بمعنى أنَّ من سيصوِّت لحزب البيت اليهوديّ لن يخسر نتنياهو رئيسًا للحكومة.
تحليل سوسيولوجي لأنماط صويت في انتخابات الت 2013
يهدف هذا المبحث إلى تبيان القواعد الاجتماعيّة للأحزاب السياسيّة في إسرائيل، وذلك من خلال تحليل إحصائي يجمع بين بنية المجتمع الإسرائيليّ سوسيولوجيًّا وأنماط التصويت. أثّرت عدّة عوامل في تحديد أنماط التّصويت في المجتمع الإسرائيليّ، إالّ أنَّ أهمّها كان العامل الأمنيّ الذي يتعلَّق بالرصّالسياسي -اع العربيّ الإسرائيليّ والسّياسة الخارجيّة، والعامل الاقتصادي - الاجتماعي الذي يتعلَّق بالسيّاسات الاقتصاديّة للأحزاب السياسيّة. إالّ أنَّ الأبحاث التي أ جريت على أنماط التّصويت في إسرائيل أشارت إلى أنَّ العامل السياسي - الأمني ظل العامل المهيمن على قرار التّصويت لدى الناخب الإسرائيليّ مقارنةً مع العامل الاجتماعي - الاقتصادي. يزعم البحث الحالي أنَّ الانتخابات الأخيرة هيمن عليها العامل الاقتصادي - الاجتماعي على حساب العامل الأمني - السياسي في
| شاس | البيت اليهودي ّ | العمل | الليكود | يش عتيد | عدد البلدات في العنقود | العنقود |
|---|---|---|---|---|---|---|
| %1 | %5.5 | %16 | %20 | %27 | 2 | 10 |
| %2 | %9 | %17 | %19 | %26.5 | 10 | 9 |
| %5 | %7 | %17 | %20 | %23 | 24 | 8 |
| %6 | %8 | %14 | %28 | %20 | 21 | 7 |
| %9 | %10 | %11 | %33 | %17 | 15 | 6 |
| %10 | %9 | %11 | %37 | %13 | 23 | 5 |
| %16 | %11 | %6 | %29 | %8 | 22 | 4 |
| %37 | %12 | %2 | %18 | %2 | 4 | 3 |
| %26 | %3.5 | %1 | %4 | %1 | 3 | 2 |
| %23 | %1 | 0 | %1 | 0 | 2 | 1 |
| %8.1 | %9.1 | %11.3 | %23.3 | %14.3 | النّسبة العامّة | |
| شاس | البيت اليهودي ّ | يش عتيد | العمل | الليكود | |||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 2013 | 2009 | 2013 | 2009 | 2013 | 2013 | 2009 | 2013 | 2009 | |
| 44 | 38 | 11 | 7.5 | 2 | 1 | 2 | 27 | 39 | ن°ت°ي°ف° وت |
| 27 | 20 | 10 | 6 | 4 | 4 | 6 | 27 | 42 | اوف°°ك°°ي°° م |
| 20 | 16.5 | 14 | 5 | 14 | 6 | 5.5 | 32 | 52 | ديم°°°°ون°°°° ا |
| 16 | 13 | 16 | 8 | 5 | 3 | 5 | 37 | 56 | س°°°°° دروت |
| 13 | 11 | 12 | 5 | 11 | 8 | 7 | 38 | 53 | ب° ري السبع |
| 23 | 18 | 16 | 20 | 4 | 5 | 7 | 28 | 36 | ك°°°ري°°° ات م° ل ° خ°°° ي |
| 19 | 18.5 | 16 | 11 | 6 | 6 | 4 | 25 | 21 | ي°°روح°° م |
قرار التّصويت لدى قطاعات اجتماعيّة. هذا لا يعني أنَّ العامل الأمني - السياسي انتهى حضوره، إالّ أنَّ العامل الاجتماعي - الاقتصادي كان أكثر حضورًا في بلورة أنماط التصويت، وذلك كما يشير الجدول رقم.)2(يوضّ ح الجدول 2() العلاقة بين التّصنيف الاجتماعي - الاقتصادي للبلدات اليهوديّة ونمط التّصويت فيها. اعتمد هذا الجدول على التّصنيف الذي تقوم به دائرة الإحصاء المركزيّة الإسرائيليّة للتجمّعات السكنيّة الإسرائيليّة، إذ يجري توزيع التجمّعات على عشرة عناقيد اجتماعيّة واقتصاديّة بناءً على متغريّ ات اجتماعيّة - اقتصاديّة عديدة، منها المستوى التعليمي داخل التجمّع السكنيّ، ونسبة الجامعييّن والأكاديمييّن بين السكّان داخل البلد، والدخل الشهريّ للفرد، والبطالة والتشغيل، والخدمات التعليميّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وغيرها من المتغريّ ات التي تُصنَّف بموجبها التجمّعات السكنيّة في إسرائيل على محور من عشرة عناقيد اجتماعيّة - اقتصاديّة، بحيث يمثِّل العنقود العاشر التجمّعات السكنيّة ذات المستوى الاقتصادي - الاجتماعي الرفيع. بينما يمثِّل العنقود الأوّل التجمّعات السكنيّة الضّ عيفة اقتصاديًّا واجتماعيًّا. وقد استعملنا التّصنيف الذي قامت به دائرة الإحصاء المركزيّة للتجمّعات في إسرائيل. وبعدها قمنا بإجراء تحليل إحصائي للتصويت في كلِّ عنقود؛ إذ جمعنا كلَّ الأصوات الصحيحة في كلِّ عنقود، وعدد النّاخبين لكلِّ حزب على مستوى العنقود، بحيث يكشف الجدول بوضوح مميِّزات التّصويت في كلِّ عنقود اجتماعي – اقتصادي. لا يهدف الجدول رقم 2() إلى فحص القوّة الانتخابيّة للأحزاب في العناقيد المختلفة، بل إلى فهم مؤشرِّ ات التّصويت في هذه العناقيد بحسب العامل الاقتصادي - الاجتماعي. إنَّ تصنيف تجمّع سكاني معينَّ في عنقود مرتفع لا يعني غياب شرائحَ ضعيفة في المجتمع، والعكس صحيح. ولكن مؤشرِّ ات التّصويت واضحةٌ بحسب الترتيب الاقتصادي - الاجتماعي للتجمّعات السكانيّة. وطبعًا، يحتاج الأمر إلى تحليل إحصائي أعمق في أبحاث أخرى. أمّا تحليل النتائج المذكورة بحسب العناقيد الاجتماعيّة - الاقتصاديّة، فهو من تصميم الباحث وتحليله وإعداده. أاوّل: يبينِّ الجدول أنَّ حزب "يش عتيد" العلماني هو حزب الطبقة الوسطى والعليا الإسرائيليّة، فهو الحزب الذي حصل على أعلى نسبة مصوِّتين في البلدات الموجودة في العناقيد العاشر والتاسع والثامن %27(، %26، %23 على التوالي.) بينما حصل على نسبة تأييد في العنقودين السابع والسادس تفوق نسبة تأييده العامّة %20(، %17 على التوالي.) ويبينِّ الجدول بطريقة لا تقبل الشكّ أنَّه كلمّا تراجع تصنيف البلدات اجتماعيًّا واقتصاديًّا تراجعت نسبة التّأييد لحزب "يش عتيد." ويبرز التراجع الواضح من العنقود الخامس حتّى العنقود الأوّل %8(، %2، %1، %0 على التوالي.) وهذا يؤكِّد أنَّ الحزب ليس له حضور في الطبقات الدنيا الإسرائيليّة الموجودة في بلدات الأطراف (انظر الجدول رقم.)3 ثانيًا: في مقابل حزب "يش عتيد" العلماني، يبينِّ الجدول من الجهة الأخرى، أنَّ حركة شاس الدينيّة - الشرقيّة لا تحظى بتأييد في العناقيد العليا للمجتمع الإسرائيليّ، بل نجد أنَّه كلمّا تراجع تصنيف التجمّعات السكنيّة الاقتصادي - نالاجتماعي زادت نسبة التّأييد للحركة. ويبي الجدول أنَّ الحركة تحظى بأعلى تأييد في العناقيد الثلاثة الأخيرة، العاشر والتاسع والثامن %23(، %26، %37 على التوالي.) بينما تنخفض نسبة تأييد الحركة في العناقيد العليا؛ فمثالً وصلت نسبة تأييد الحركة في العناقيد الأربعة الأولى إلى %1، %2، %5، %6 على التوالي. وتبدأ نسبة تأييد الحركة تزيد عن نسبة تأييدها العامّة من العنقود السادس. ويؤكِّد الجدول أيضًا بصورة غير مباشرة أنَّ اليهود الشرقييّن، خاصّةًالمتديّنين الأرثوذكس الذين يؤلِّفون القواعد الاجتماعيّة التقليديّة للحركة، يوجدون في التجمّعات السكنيّة الفقيرة في إسرائيل وفي بلدات الأطراف التي يعيش فيها أغلبيّة اليهود الشرقييّن (انظر الجدول رقم)3. ثالثًا: يبينِّ الجدول أنَّ حزب الليكود - بيتنا يحظى بتأييد في أغلبيّة العناقيد. إالّ أنَّ نسبة تأييده تتراجع بصورة كبيرة في العنقودين الأخيرين. وهما عنقودان تحظى فيهما الأحزاب الدينيّة الأرثوذكسيّة (شاس ويهدوت هتوراة) بتأييد كبير، نظرًا لكونهما مؤلَّفين من بلدات دينيّة أوضاعها الاقتصاديّة مترهِّلة. كما يبينِّ الجدول أنَّ القواعد الاجتماعيّة لحزب الليكود ليست متجانسة كما هي حال القواعد الاجتماعيّة لحزب "يش عتيد"، فحزب الليكود يحظى بتأييد الطبقات الوسطى العليا والطبقات الوسطى الدنيا، ويتمتّع بأعلى نسبة تأييد في العناقيد السابع والسادس والخامس والرابع %28(، %33، %38، %29 على التوالي.) كما يحظى في هذه العناقيد بنسبة تأييد تزيد على نسبة تأييده العامّة. وشهدت هذه الانتخابات تراجعًا لحزب الليكود في
الأطراف لمصلحة حركة شاس الدينيّة، كما يوضّ ح الجدول رقم 4. وتبني نسبة التّصويت لليكود في 27 بلدة تطوير (وهي بلدات في الأطراف تحظى بدعمٍ حكومي بسبب ضائقتها الاقتصاديّة)، أنَّ الليكود تراجع فيها من %47 في انتخابات 2009، إلى %33 في انتخابات 2013. وهذا نابعٌ من السياسات الاقتصاديّة التي اتّبعتها الحكومة الحاليّة. رابعًا: يبينِّ الجدول أنَّ حزب العمل الذي شدّد خلال الانتخابات على القضايا الاجتماعيّة، ظلَّ حاضرًا بصورة رئيسة في الطبقات الوسطى والعليا في المجتمع الإسرائيليّ. ولم يسعفه خطابه الاجتماعي بتعزيز حضوره في القواعد الاجتماعيّة الضّ عيفة. وبقي حزب الطبقة الوسطى العليا. وهذا الأمر ليس بجديد بالنّسبة إلى حزب العمل منذ السبعينيّات. راهن الحزب على أنَّ التشديد على الموضوع الاجتماعيّ والاقتصاديّ سيؤدّي إلى إضافة قواعدَ اجتماعيّة جديدة للحزب، وهو ما لم يحصل. وعلى الرّغم من ذلك، بقي حزب العمل ضعيفًا في صفوف الطبقات الاجتماعيّة الفقيرة. يبينِّ الجدول أنَّ حزب العمل يحظى بتأييد القواعد الاجتماعيّة العليا؛ ففي العناقيد العليا، العاشر والتاسع والثامن والسابع حصل الحزب على نسبة تأييد أعلى من نسبة تأييده العامّة %16(، %17، %17، %14 على التوالي)، إالّ أن تأييده يبدأ في الانخفاض تدريجًا من العنقود السابع إلى الأوّل. وهذا يدلُّ على أنَّ القواعد الاجتماعيّة لحزب العمل في الانتخابات الأخيرة هي قواعده التقليديّة الأشكنازيّة من الطبقة الوسطى العليا (ويؤكِّد ذلك أيضًا الجدول رقم.)3 خامسًا: يُشير الجدول إلى أنَّ حزب البيت اليهودي يحظى بتأييد قواعد اجتماعيّة متنوِّعة في المجتمع الإسرائيليّ. وتتركّز قواعده من العنقود الثالث إلى العنقود التاسع. وهذا يعني أنَّ البيت اليهودي بوصفه حزبًا يمثِّل التيّار الديني - القوميّ لا يوجد مثالً في العنقودين الأخيرين الفقيرين، وهي عناقيدُ تشمل بلداتٍ دينيّة أرثوذكسيّة. وهذا يدلُّ على أنَّ الخلاف الثيولوجي بين التيّار الدينيّ القومي والتيّار الأرثوذكسيّ لا يزال حاضرًا في القطاع الدينيّ اليهوديّ. كما يوجد البيت اليهوديّ في قواعده الطبيعيّة في المستوطنات، فقد هزم منافسه الأساسيّ في هذه القواعد، وهو حزب الليكود - بيتنا الذي حصل على 31 ألف صوت في المستوطنات بنسبة %27 من أصوات المستوطنين. بينما حصل البيت اليهوديّ على 41 ألف صوت.
خلاصة
ناقش البحث نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيليّة التاسعة عشرة. وقد بيَّنت نتائجها النقاط التالية: أاوّل: قام العامل الاقتصادي - الاجتماعي بدورٍ مهمّ في أنماط التّصويت في هذه الانتخابات. وظهر ذلك جليًّا في صعود حزب "يش عتيد"، وتراجع تحالف الليكود - بيتنا. ويمكن أن تسجَّل هذه الانتخابات أوّل انتخابات يهيمن فيها العامل الاجتماعي - الاقتصادي على العامل السياسي - الأمني، وهو ما أضعف الليكود أيضًا. ثانيًا: أكَّدت هذه الانتخابات هيمنة اليمين السياسيّة في إسرائيل، إذ على الرّغم من تراجع الليكود وخسارته ربع مقاعده، فهي المرّة الأولى في تاريخه التي لا يوجد فيها حزبٌ في الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة ينافسه على تأليف الحكومة. كما أنَّ معسكر أحزاب اليمين حافَظ على قوَّته الانتخابيّة؛ فحزب "يش عتيد" هو أقرب إلى اليمين منه إلى المركز أو اليسار. ثالثًا: شكَّلت هذه الانتخابات استمرارًا للتغريّ ات التي حدثت في الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة منذ عقدين. وأهمّها استمرار غياب الحزب الكبير المهيمن، فهناك استمرارٌ في تراجع الأحزاب الكبيرة. وهو ما حاول نتنياهو فعله في تحالفه مع ليبرمان وأخفق فيه. علاوة على ذلك، شهدت الانتخابات استمراريّة أنماط التّصويت التاريخيّة، مثل تصويت اليهود الشرقييّن والمتديّنين الأرثوذكس والمستوطنين والطبقات الوسطى. رابعًا: أوضحت أنماط التّصويت بحسب المكانة الاجتماعيّة - الاقتصاديّة للتجمّعات السكنيّة اليهوديّة، أنَّ منظومة اليسار واليمين لا تصلح لتفسير أنماط التّصويت في المجتمع الإسرائيليّ؛ فحزب الليكود، على سبيل المثال، يحظى بتأييد كلِّ القطاعات الاجتماعيّة في المجتمع الإسرائيليّ؛ من النخب الاقتصاديّة، مرورًا بالطبقة الوسطى، وانتهاء بالطبقات الاجتماعيّة الضّ عيفة. وعلى الرّغم من كونه حزبًا له توجّهات اقتصاديّة ليبراليّة ويدفع باقتصاد السّوق وانسحاب الدولة من الاقتصاد، لم يمنع ذلك قطاعات اجتماعيّة ضعيفة ومهمّشة اقتصاديًّا من التّصويت له. وبخلاف ذلك، فإنَّ حزب العمل الذي ركّز في هذه الانتخابات على خطاب اجتماعي، انحصرت قواعده الداعمة في الطبقات الوسطى العليا في المجتمع الإسرائيليّ، ومن دون حضور يُذكر في الطبقات الدنيا التي كان يُفترض أن تؤيِّده لتوجّهاته الاجتماعيّة الدّاعمة لها.