سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة
الملخّص
تعالج هذه الدراس ة سياسة الغموض النوويّ الإس رائيليّة التي تبلورت في ستينيّات القرن الماض ي، وم ا انفك ت إس رائيل تتبن اه ا حتى الي وم. وتقف هذه الدراس ة على ج ذور تلك السياس ة وعل ى العوام ل الداخليّ ة والخارجيّة التي س اهمت في بلورته ا. وتتابع في هذا السّ ياق تأثير الولايات المت حدة الأميركية في تلك السياسة من خلال متابعة تطوّر الاتصالات والمفاوضات بينها وبين إس رائيل بش أن المش روع الن وويّ الإس رائيليّ والت فاهمات التي جرت بين الدولتين في عقد الس تينيّات والتي تُوِّجت بات فاق غولدا مئير – نيكسون في عام بش أن حيازة إس رائيل السّ ل 1969 حاا النوويّ. كما تتابع الجدل والنقاش الذي دار بين الباحثين والخب راء الإس رائيليّين بش أن هذه السياس ة، من ذ ثمانينيّ ات القرن الماضي، وتس تعرض وتحل ل وجه ات نظ ر أنصار سياس ة الغم وض الن وويّ الإس رائيليّة ومواقفهم م ن ناحية ووجهات نظر دعاة سياس ة الرّدع النوويّ العلنيّة الإسرائيليّة من ناحية أخرى. كما تستعرض ل أهداف سياسة إسرائيل النوويّة الدراسة استعدادات إسرائيل للضربة الثانية النوويّة وتحل.
الخلفيّة والأسباب والأهداف
السرّية وجذور سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة
قام رئيس الحكومة الإسرائيليّة دافيد بن غوريون، منذ بداية تفكيره في المشروع النوويّ الإسرائيليّ في عام 1948 وحتى إلى ما بعد إكمال بناء المفاعل النوويّ في ديمونه في نهاية عام 1963، بإحاطة هذا المشروع بسدٍ منيعٍ من السرّية التامة والغموض المحكم. وقد انسجمت هذه السرّية التامة والتكتّم الكامل على المشروع النوويّ الإسرائيلي والغموض المحكم تجاه أهدافه، مع السرّية التي اتّسمت بها عمليّة صنع قرارات الأمن القوميّ الإسرائيليّ بشكلٍ عام. تلك السرّية مغروسة عميقًا، ليس في صفوف متّخذي قرارات الأمن القوميّ فحسب، وإمنّ ا في قيم المجتمع الإسرائيليّ أيضًا، وفي ثقافته تجاه كل ما يتعلّق بالأمن القوميّ. كما أن هذه السرية محصّنةٌ بعقوباتٍ قانونيّةٍ صارمةٍ ضد كل من يخالفها. إضافةً إلى ذلك، فإن طبيعة عمل بن غوريون في عمليّة صنع القرارات الخاصّة بالأمن القوميّ، تميزت بالانفراد في اتّخاذ هذه القرارات المهمّة خارج المؤسّسات الرسميّة والاكتفاء بعرضها على المؤسّسات الرسميّة للموافقة عليها عند الضرورة. أما في حالة المشروع النووي الإسرائيلي، فقد حرص بن غوريون على السرّية الكاملة والغموض التام، حتى يمضي به قُدُمًا ويستكمله ويوصله إلى الغايات التي أرادها له، من دون إثارة معارضة داخليّة إسرائيليّة أو دوليّة خارجيّة، وخاصّة من جانب الإدارة الأميركية.
بلغت شدّة الحرص على الالتزام المفرط بالسريّة من ناحية والغموض من ناحية أخرى، إلى درجة أنَّ بن غوريون والمجموعة القليلة القائمة على المشروع النوويّ الإسرائيليّ عملوا على عدم كتابة أهداف المشروع على أوراق، وعدم تدوين مبرِّراته وسياسة إسرائيل النوويّة في وثائق. وأكَّد شمعون بيرس، "مهندس" المشروع النوويّ الإسرائيليّ الذي رأس عمليّة بناء المفاعل النوويّ في ديمونه، أنَّ سياسة الغموض تجاه كل ما يتعلق بالمشروع النوويّ كانت في صميم المشروع نفسه. وأضاف أنَّ بن غوريون لم يشأ أن يطرح أو يشرح رؤيته النوويّة لأنَّ ذلك كان يعني "ذكر أهدافٍ محدَّدةٍ في وقتٍ مبكّرٍ جدًا وبسرعةٍ تفوق ما ينبغي." وقد ظلَّت هذه الأهداف طوال فترة حكم بن غوريون غامضةً وغير محدَّدة. وانسجامًا مع سياستي السرّ ية والغموض، لم تُكتب أهمّ القرارات المتّخَذة في بدايات المشروع النوويّ، وصِ يغت القرارات في المرّات التي كانت تُكتب فيها، بعباراتٍ عامّةٍ وغامضةٍ من دون شرحٍ. وقد مكّنت هذه السرّية المُحْكمة إسرائيل من الرشّ وع في بناء المفاعل النوويّ في ديمونه في عام 1958 ومن المضيِّ قدمًا فيه ما يربو على ثلاثة أعوام من دون إثارة معارضةٍ داخليّةٍ أو خارجيّةٍ، ومن دون أن يعلم العالم شيئًا عن هذا المشروع.
تبلوُر سياسة الغموض النووي الإسرائيليّة بالت فاوض مع أميركا
خلال عقد الستينيّات، تبلورت سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة وتأثَّرت - هي وتطوُّر المشروع النوويّ الإسرائيليّ برمّته - بالمفاوضات التي أجراها ثلاثة من رؤساء الحكومات الإسرائيليّة؛ هم بن غوريون وإشكول ومئير، مع ثلاثة من الرؤساء الأميركييّن؛ هم جون كينيدي وليندن جونسون وريتشارد نيكسون. في بداية عام 1961 سعى بن غوريون لعقد اجتماعٍ عاجلٍ مع الرئيس الأميركيّ كينيدي من أجل التوصّل إلى تفاهماتٍ مع الإدارة الأميركيّة بشأن مشروع ديمونه النوويّ. اعتقد بن غوريون أنَّ مرور الوقت من دون التوصّل إلى حدٍ أدنى من التّفاهمات مع الإدارة الأميركيّة لا يخدم إسرائيل، خاصّة أنَّ المعلومات بشأن مشروع ديمونه النوويّ تستمر فيًالوصول إلى الإدارة الأميركيّة وتحملُ معها تفاصيل كثيرةً ومثيرة عنه. وفي سياق السّعي إلى ترتيب الاجتماع بين بن غوريون وكنيدي، طلبت الإدارة الأميركيّة من إسرائيل السمّاح لعالِمين نووييّن أميركييّن زيارة مفاعل ديمونه النوويّ. وقد سافر العالمان إلى إسرائيل في مهمّة استمرّت من 18 إلى 22 أيار/ مايو 1961، وزارا مفاعل ديمونه النووي ومكثا فيه ستّ ساعاتٍ فقط. وعلى الرّغم من أنّهما لم يدخلا جميع المنشآت في مجمع ديمونه، ولم يتفقّدا الأمكنة المهمّة والحسّاسة في المفاعل، فإنّهما قدّما تقريرًا تضمّن ما يدلُّ على تساهلٍ شديدٍ تجاه
إسرائيل، إذ ذكرا فيه عدم وجود أيّ دلائل تشير إلى أنّ في المفاعل النوويّ عمليّاتٍ تهدف إلى تطوير قدرةٍ نوويّةٍ إسرائيليّةٍ، وأنَّ المفاعل معدٌّ فعالً لأغراض سلميّة. ولكن عندما سئلا لدى تقديمهما تقريرهما إلى السلطات الأميركيّة عن إمكان صنع سلاح نوويّ في المفاعل، أقرّا بأنَّ في إمكان إسرائيل تطوير القدرة على إنتاج سلاحٍ نوويٍّ صغير من هذا المفاعل. ويعقّب زكي شلوم على هذا التقرير وعلى كيفيّة تعامل الإدارة الأميركيّة معه بتأكيده أنَّ هذا الأمر يطرح علامات استفهامٍ واستغرابٍ كثيرةً. فالمسألة لا تتعلّق بحجم السلّاح النووي الذي في قدرة إسرائيل تطويره، إذ مهما بلغ هذا الحجم من الصغر، فإنَّ له تأثيراتٍ ونتائجَ إستراتيجيّة في غاية الأهميّة. ويتساءل زكي شلوم في ضوء ذلك: "إذا كان العالمِان اللذان زارا المفاعل يعتقدان، حتى من الناحية النظريّة فحسب، أنَّ إسرائيل تمتلك إمكانيّة إنتاج "سلاحٍ نوويٍّ صغير الحجم"، فلماذا اقترحا إجراء الزيارة التالية بعد مرور عامٍ كاملٍ على تلك الزيارة الأولى؟ ألم يكونا متنبِّهين إلى إمكانيّة خلق وقائع جديدة في مشروع ديمونه، لا يمكن التراجع عنها بعد مضي عام؟" ويضيف: "إنَّ السؤال الأهم هو لماذا لم يشعل ذلك ضوءًا أحمر لدى الإدارة الأميركيّة؟". يبدو أنَّ الرئيس الأميركيّ كينيدي قرّر التعامل مع بن غوريون في اجتماعٍ ضمّهما في 30 أيار/ مايو 1961، بمرونةٍ ونعومةٍ، وعدم الاختلاف علنًا معه بشأن مشروع ديمونه في هذه المرحلة، بل كان الاجتماع مريحًا للغاية بالنسبة إلى بن غوريون. هذا مع أنَّ مشروع ديمونه النوويّ احتلَّ الجزء الأهمَّ من الاجتماع، الذي قال كينيدي في بدايته إنَّ تقرير العالِمين الأميركييّن "مفيد" و"جيد"، وطلب إلى بن غوريون أن يشرح له طبيعة المشروع النوويّ وأهدافه في مجمّع ديمونه. وكان بن غوريون ينتظر هذا السؤال، فأعدَّ نفسه له جيدًا، فقدَّم شرحًا مطوَاّلً للأهميّة الكبيرة في إيجاد مصادر للطاقة بالنسبة إلى إسرائيل التي من شأنها أن تجد حالً لمشكلة مركزيّة في إسرائيل تتمثل في نقص المياه، وأن الطريق الوحيد لحل هذه المشكلة تكمن في تحلية مياه البحر. ومن أجل تحقيق هذا الغرض، يجب إيجاد مصادر طاقة رخيصة، وهو ما يحقِّقه مشروع ديمونه النووي.ّ إلى جانب تبرير مشروع ديمونه النوويّ بأنَّه ذو "طابع علميّ – بحثي – صناعيّ "، شدَّد بن غوريون على قلق إسرائيل الأمنيّ في ضوء ازدياد قوّة العالم العربيّ، وخاصّة تعاظم قوّة مصر. وبناءً على ذلك، أوضح أن هدف إسرائيل في هذه المرحلة هو تخصيص المشروع لأغراضٍ سلميّة،ٍ ولكنَّه أوضح أيضًا أنَّ إسرائيل ربما ستقوم بعد ثلاثة أو أربعة أعوام بتطوير المشروع النوويّ ليكون قادرًا على فصل البلوتونيوم الضرَّوري للطاقة النوويّة، ولكن ليس ثمّة قصدٌ لتطوير قدرة لإنتاج الأسلحة الآن. وكانت هذه إشارةً واضحةً من بن غوريون إلى أنه لا يلتزم أال تسعى إسرائيل في المستقبل إلى تغيير هدف المفاعل النوويّ في ديمونه ولى كنيدي، في ردهّ على ما قاله بن غوريون إلى حاجاتٍ أمنيّةٍ. وأ، أهميّة لضرورة الشفافيّة بشأن النشاط الذي يجري في مجمّع ديمونه النوويّ، موضحًا له ذلك باستعانته بمثالٍ من عالم النساء قائالً إنَّه ينبغي للمرأة أالّ تكون شريفةً فحسب، وإنمّا ينبغي لها أيضًا أن تبدو شريفةً. ويبدو أنَّ كينيدي كان معنيًا في هذه المرحلة بالحصول من بن غوريون على التزامٍ بأنَّ إسرائيل لن تسعى في المستقبل المنظور إلى تطوير خيارٍ نوويٍّ عسكريٍّ، وكذلك الحصول على موافقته على زيارة علماء أميركييّن مفاعل ديمونه سنويًا، وليس وقف المشروع الإسرائيليّ النوويّ الذي كان من الواضح لكنيدي أنَّه يحمل بين ثناياه توجّهًا إسرائيليًّا نوويًّا عسكريًّا. بعد عام ونيف من اجتماع بن غوريون وكنيدي، ساهمت مجموعة من العوامل في تغيير سياسة إدارة كينيدي تجاه المشروع النووي الإسرائيليّ من التساهل والمرونة إلى سياسة الحسم والشدّة. فقد ازدادت المعلومات المتنوّعة والمثيرة التي وردت إلى الإدارة الأميركيّة التي تشير إلى أنَّ مشروع ديمونه النوويّ يسير نحو تطوير قدرة نوويّةٍ عسكريّةٍ، وأنَّ إسرائيل تبذل أقصى جهدها لإخفاء ذلك عن الإدارة الأميركيّة، هذا بخلاف ما التزمه بن غوريون للرئيس كينيدي في اجتماعهما عام 1961، تجاه مسألتين اعتبرهما كينيدي مهمّتين، وهما "الشفافيّة" وعدم تطوير القدرة النوويّة الإسرائيليّة العسكريّة في المستقبل المنظور. لكنَّ إسرائيل استمرّت في إحاطة مجمّع ديمونه النوويّ بجدارٍ من السرّية، واتّبعت سياسةً بعيدةً جدًا عن "الشفافيّة"
تجاه الإدارة الأميركيّة، واعتمدت أسلوب التّسويف بخصوص زيارة علماء أميركييّن للمفاعل. وعندما سمحت إسرائيل، بعد كثير من المماطلة، لعالِمين أميركييّن بزيارة المفاعل، في أيلول/ سبتمبر 1962، فإنَّها لم تسمح لهما بالمكوث في مفاعل ديمونه أكثر من 40 دقيقة فقط، ومنعتهما من زيارة أيّ منشأةٍ أخرى في المجمّع. في بداية عام 1963، غريّ الرئيس كينيدي سياسته تجاه مشروع إسرائيل النوويّ، وأخذ يصعِّد من ضغط الإدارة الأميركيّة على إسرائيل في هذا الشأن. وفي النصف الأول من عام 1963، وصل ضغط الإدارة الأميركيّة على إسرائيل إلى أوجه. وفي سياق هذا الضغط، أصدر الرئيس كينيدي تعليماته إلى مستشار الأمن القوميّ ماك جورج باندي باتّخاذ كل وسيلةٍ ممكنةٍ، وبأسرع وقتٍ ممكنٍ، من أجل تحسين الحصول على المعلومات بشأن نشاط إسرائيل النوويّ، وكذلك إجراء تقويم لوزن المشروع النوويّ الإسرائيليّ وأهميّته في نظر صنّاع القرار في إسرائيل. وطلب الرئيس في الوقت نفسه من وزارة الخارجيّة الأميركيّة إعداد خططٍ لوقف المشروع.
أدرك الرئيس كينيدي في هذه المرحلة أنَّ بن غوريون يماطل ويسوِّف من أجل كسب الوقت والمضيّ في مشروع ديمونه النوويّ، من أجل وضع أميركا والعالم تحت الأمر الواقع. لذلك، كثَّف الرئيس كينيدي ضغوطه على بن غوريون من أجل تحقيق هدفين أساسييّن: الأول، انتزاع التزام إسرائيليّ منه بأنَّ مشروع ديمونه النوويّ معدٌّ لأغراض سلميّةٍ فحسب. والثاني، فتح المجمّع بكل منشآته المختلفة أمام الرقابة الأميركيّة الفاعلة. ونتيجة لهذه الضغوط، التزم بن غوريون في رسالةٍ إلى الرئيس كينيدي في 27 أيار/ مايو 1963، أنَّ المفاعل النوويّ في ديمونه معدٌّ لأغراض سلميّة فحسب، بيد أنَّ بن غوريون ماطل بشأن إخضاع المجمّع للرقابة الأميركيّة الفاعلة. ونتيجةً لإصرار الرئيس كينيدي على إخضاع مفاعل ديمونه للرقابة الأميركيّة الصارمة بأسرع وقت، ومن دون تأجيل، واستمرار بن غوريون في المراوغة، وصل التوتّر والخلاف بينهما درجةًاعتقد فيها بن غوريون والنّخبة السياسيّة – الأمنيّة الإسرائيليّة، التي كانت على اطلّاع على ما يدور بين القيادتين الأميركيّة والإسرائيليّة، أنَّ الرئيس جون كينيدي يعمل على وضع حدٍّ للمشروع النوويّ الإسرائيليّ في ديمونه. في 15 حزيران / يونيو 1963، أرسل الرئيس كينيدي إلى بن غوريون رسالةً شديدة اللهجة تناولت بشكلٍ أساسيّ موضوع إخضاع مجمّع ديمونه النوويّ للرقابة الأميركيّة الفعّالة بأسرع وقتٍ ممكنٍ. وقد طلب إلى بن غوريون تحدّيد موعدٍ لزيارة علماء أميركييّن للمجمّع في صيف ذلك العام وبأسرع وقتٍ ممكنٍ، والسمّاح لهم بزيارة جميع المنشآت ومراقبتها والمكوث فيها وقتًا كافيًا للقيام بمهمَّتهم، وأن تكون زيارتهم للمجمّع دوريّة. وحذّر كينيدي من تعرّض التزام الولايات المتّحدة تجاه إسرائيل وتأييدها لها لأضرارٍ كبيرةٍ إذا كان هناك اعتقاد بأنَّ الولايات المتّحدة لا تستطيع الحصول على معلوماتٍ موثوقٍ بها في شأن موضوع مهمِّ للغاية بالنسبة إلى السلام، مثل جهد إسرائيل في المجال النوويّ. واختتم كينيدي رسالته بتهديدٍ قال فيه إنَّه إذا رفضت إسرائيل الاستجابة لمطالبه، فإنَّ ذلك سيُلحق الأذى بمستقبل إسرائيل ورفاهيَّتها. وصلت رسالة الرئيس كينيدي إلى السّفير الأميركيّ في تل أبيب يوم الأحد الموافق 16 حزيران/ يونيو 1963، وقبل أن يتوجَّه السّفير لإيصال الرسالة إلى بن غوريون، علم أنَّ الأخير يعتزم تقديم استقالته من رئاسة الحكومة في ذلك اليوم، ومن ثم أحجم السّفير عن تسليم الرسالة إلى بن غوريون. بعد أن حلَّ إشكول محل بن غوريون وألّف الحكومة الإسرائيليّة، محتفظًا لنفسه أيضًا بوزارة الدّفاع، أرسل الرئيس كينيدي في 5 تموز/ يوليو 1963 إليه الرسالة التي سبق أن وجّهها إلى بن غوريون. ويتبنيّ من المراسلات والاتصالات التي جرت بين إشكول والرئيس كينيدي أنَّ الأوّل لم يكن أقلَّ من سلفه تمسّكًا بمشروع ديمونه النووي،ّ
ولا أقلَّ منه تعنّتًا بشأن زيارة العلماء الأميركييّن للمجمّع، ولكنَّه كان أكثر منه دبلوماسيّة وأقلَّ صداميّةً؛ ففي الوقت الذي كرَّر إشكول في هذه المراسلات والاتصالات التي دارت بينه وبين الرئيس كينيدي ما كان قد ادّعاه بن غوريون في مراسلاته الأخيرة مع الرئيس الأميركي،ّ أنَّ المفاعل النوويّ في ديمونه معدٌّ لأغراضٍ سلميّةٍ، فإنَّه رفض الطلب الذي ما برح الرئيس كينيدي يصرُّ بقوّةٍ عليه، وهو أن يقوم علماء أميركيّون فورًا بزيارة مجمّع ديمونه النوويّ في ذلك الصيف، واقترح أن تكون هذه الزيارة في نهاية عام.1963 كان من الواضح للإدارة الأميركيّة في تموز/ يوليو 1963 أنَّ مجمّع ديمونه النوويّ يسير نحو امتلاك القدرة على إنتاج سلاحٍ نووي، وأنَّه سيجري تشغيل مفاعل ديمونه النوويّ في نهاية عام 1963 أو في بداية عام 1964. وعلى الرغم من ذلك، لم يتمكّن الرئيس كينيدي من تحقيق مطلب إخضاع المجمّع الإسرائيليّ للمراقبة الأميركيّة ولم يستطع تحديد موعدٍ لزيارة العلماء الأميركييّن في صيف 1963 كما ألحَّ في طلب ذلك من كلّ من بن غوريون وإشكول. فّي هذه المرحلة الحسّاسة للغاية من تطوّر مشروع إسرائيل النووي واقÓ رتاب موعد تشغيل المفاعل النوويّ في مجمّع ديمونه، وتعرث المفاوضات بين الرئيس كينيدي ورئيس الحكومة الإسرائيليّة إشكول بسبب مماطلة الأخير بشأن تحدّيد موعد لزيارة العلماء الأميركييّن مجمّع ديمونة النوويّ، اغتيل الرئيس جون كينيدي في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963. تنفّست النّخبة الإسرائيليّة السياسيّة والأمنيّة الصعداء لحدوث هذه "المعجزة" في أنسب الأوقات بالنسبة إلى إسرائيل. فقد زال عن مسرح الحوادث رئيسٌ أميركيٌّ كانت تخشى إسرائيل ليس من سعيه الدؤوب في عام 1963 إلى مراقبة مشروعها النوويّ فحسب، وإمنّ ا من ضغطه الشديد عليها لتجميد المشروع وربما إلغائه أيضًا. ومّا زاد النخب الإسرائيليّة ارتياحًا أنَّ نائب كنيدي، ليندن جونسون، الذي حلَّ مكانه في رئاسة الولايات المتّحدة، كان معروفًا بتأييده الشّديد لإسرائيل وبتعاطفه معها وبارتباطه القويِّ بالّلوبي الصهيونيّ في الولايات المتّحدة.
مذكرة التّفاهم بين إشكول وجونسون
أتاحت المرحلة الانتقاليّة وفترة تكيّف الرئيس جونسون مع منصبه الجديد والزمن اللازم ليتعرّف إلى الملف النوويّ الإسرائيليّ، فسحة مهمّةً من الوقت مكَّنت رئيس الحكومة إشكول من السيّر في مشروع ديمونه النوويّ من ناحية وإعادة ترتيب أوراقه مع الرئيس الجديد من ناحيةٍ أخرى. وقد تبادل الرئيسان الرسائل والاتصالات قبل أن يوجّه جونسون إلى إشكول أوّل دعوةٍ رسميّةٍ أميركيّةٍ لرئيس حكومة إسرائيل لزيارة واشنطن. اتّسمت رسائل جونسون هذه ومواقفه تجاه المÓ رشوع النووي الإسرائيليّ بالمرونة والتفهّم، واختلفت اختلافًا كبيرًا عن رسائل الرئيس كينيدي ومواقفه في هذا الشأن. وقد أبدى في اجتماعه الأوّل مع إشكول في واشنطن، في 1 حزيران/ يونيو 1963، مرونةً بشأن المشروع النوويّ الإسرائيليّ، ولم يمارس على ضيفه أيّ ضغطٍ في ما يتعلَّق بالمشروع. استمرَّت المفاوضات بين الإدارة الأميركيّة والحكومة الإسرائيليّة بشأن المشروع ومسألة إخضاع مجمّع ديمونه النووي للرقابة الأميركيّة، وتمكين علماء أميركييّن من زيارته ومراقبة ما يدور فيه بشكلٍ دوريٍّ. وقد تمسّك إشكول في هذه المفاوضات بمواقف إسرائيل، وأوضح أنَّ أقصى ما يمكنه أن يلتزم به هو أنَّ إسرائيل لن تكون الدولة الأولى التي تُدخل السلّاح النوويّ إلى المنطقة. وفي 10 آذار/ مارس 1965، وقّعت إسرائيل والولايات المتّحدة مذكّرة تفاهم، والتزمتا الحفاظ عليها بسرّية تامّة. تناولت المذكرة العلاقات بين الولايات المتّحدة وإسرائيل، والتزامات الولايات المتّحدة الأمنيّة تجاه إسرائيل، غير أنَّ أهمّ ما جاء فيها هو صيغة التّفاهم بشأن مشروع
إسرائيل النوويّ. وقد التزمت إسرائيل في مذكرة التّفاهم هذه بأنَّها لن تكون الدولة البادئة بإدخال سلاح نوويّ إلى المنطقة. كانت هذه الصيغة مريحة لإسرائيل وأقصى ما كان يمكنها أن تتطلّع إليه في تلك المرحلة، ولا سيما أنَّ إسرائيل أرفقتها برسالة إلى الإدارة الأميركيّة اتّسمت بالعموميّات غير الملزمة بشأن مشروعها النوويّ. فقد سمحت هذه الصيغة لإسرائيل الاستمرار في تطوير مشروعها النوويّ في الوقت الذي رفضت إخضاع مجمّع ديمونه النوويّ للرقابة الأميركيّة أو للرقابة الدوليّة، وظلَّت تسمح لعلماء أميركييّن بزيارة المجمّع بين فترةٍ وأخرى، ولكن من دون أن تفسح لهم الحريّة الكاملة في المكوث في مختلف منشآت المجّمع وقتًا كافيًا للقيام بعملهم، ومن دون أن تسمح لهم بزيارة جميع المواقع في المجمّع.
التّفاهم بين غولدا مئير ونيكسون
بعد استكمال بناء مجمّع ديمونه النوويّ، لم يعُد السؤال الذي عالجته القيادة الإسرائيليّة في منتصف ستينيّات القرن الماضي هل ستنتج إسرائيل السلّاح النوويّ، وإمنّ ا متى ستقوم بذلك. وقد ارتبط هذا السؤال ارتباطًا وثيقًا بالمفاوضات التي كان رئيس الحكومة الإسرائيليّة إشكول يجريها مع الإدارة الأميركيّة وبالتّفاهمات السريّة التي كانت تتمّ بين قيادة البلدين. وقد درج إشكول في عام 1965 على التأكيد للمقرّبين منه أنَّ هناك ثلاثة إمكانات في شأن وضع إسرائيل النووي حينئذ: الأوّل، "قنبلة نوويّة في المخزن" جاهزة للاستعمال؛ الثّانية، أن تكون مكوّنات القنبلة النوويّة معدّةً وجاهزةً للتركيب؛ الثّالثة، الاستمرار في تطوير المشروع النوويّ في مجال البحث تمهيدًا لأي قرارٍ مستقبليٍّ. ويبدو أنَّ المفاوضات التي أجراها إشكول مع الرئيس جونسون أفضت إلى تأجيل قرار إسرائيل صناعة السلّاح النووي لقاء قيام الولايات المتّحدة بتزويد إسرائيل بأسلحةٍ أميركيّةٍ تقليديّة هجوميّةٍ حديثةٍ. وفي هذا السّياق، زُوّدت إسرائيل ب 48 طائرة "سكاي هوك" أميركيّة يمكنها حمل قنابل نوويّة. عند تلبّد المنطقة بغيوم الحرب عشية حرب حزيران/ يونيو 1967، ركّبت إسرائيل قنبلتين نوويّتين بدائيّتين لاستعمالها كملاذٍ أخيرٍ في حال تعرَّضت إسرائيل لهزيمة عسكريّة في تلك الحرب. وبعد انتصارها في الحرب وتعزيز مكانتها الإقليميّة والدوليّة، وما رافق ذلك من تلاشي الخطر المزعوم على وجود إسرائيل، باشرت في بداية عام 1968 تشغيل مجمّع ديمونه بطاقته القصوى لصنع السلّاح النوويّ، وبدأت في ذلك العام صنع 4 – 5 قنابل نوويّة. في العشرين من كانون الثاني/ يناير 1969، انتُخب نيكسون رئيسًا للولايات المتّحدة خلفًا للرئيس جونسون، وعنُيّ هنري كيسنجر مستشارًا للأمن القوميّ. وبعد ذلك بشهرين، حلّت مئير مكان إشكول في منصب رئاسة الحكومة. وفي أواسط العام نفسه، قدّم كيسنجر الذي كان يتمتّع بنفوذٍ واسعٍ، عدّة مذكّرات مهمّة إلى الرئيس نيكسون، بلور فيها موقف الولايات المتّحدة من مسألة حيازة إسرائيل للسلاح النوويّ التي وافق الرئيس نيكسون عليها. وكان سبق لكيسنجر أن أبدى دعمه لحيازة إسرائيل السلّاح النوويّ قبل تولّيه منصب مستشار الأمن القوميّ، حين كان يزور إسرائيل ويلقي محاضراتٍ في كليّة الأمن القوميّ العسكريّة الإسرائيليّة. وكان موقفه المؤيِّد والمشجِّع حينئذ معروفًا للنخبة الأمنيّة – السياسيّة الإسرائيليّة، كما عربّ عن ذلك كثير من الإسرائيلييّن في أكثر من مناسبة. أشار كيسنجر في إحدى مذكّراته للرئيس إلى أنَّه في أثناء المفاوضات بين إسرائيل وإدارة جونسون، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1968، في شأن بيع طائرات "فانتوم" إلى إسرائيل، أكَّد سفير إسرائيل في واشنطن يتسحاق رابين التزام إسرائيل بأنَّها لن تكون الدولة الأولى التي تُدخل السلّاح النوويّ إلى الشرق الأوسط. وأضاف أنَّ المشروع النوويّ الإسرائيلي تجاوز، وفق المعلومات الموجودة لدى الإدارة الأميركيّة، التزام إسرائيل عدم إدخال السلّاح النوويّ إلى الشرق الأوسط، لذلك على الولايات المتّحدة أن تقرّر ما إذا كانت تريد إلغاء صفقة "الفانتوم" أو المضي بها وفق شروط معيّنة، على الرّغم من أنَّ إسرائيل نقضت التزامها بأنَّها لن تكون الدولة الأولى التي تدخل السلّاح النوويّ إلى الشرق الأوسط.
في حقيقة الأمر كان القرار الأمÓ ريكيّ المطلوب اتّخاذه أوسع من صفقة "الفانتوم" وأهمّ كثيرًا؛ فقد كان مطلوبًا من الإدارة الأميركيّة أن تبتّ بسياستها تجاه إسرائيل النوويّة، وهذا بالضبط ما بلورته مذكرة كيسنجر للرئيس نيكسون؛ فقد حاجج كيسنجر في مذكرته بأنَّ الولايات المتّحدة لا تستطيع إرغام إسرائيل على تجميد مشروعها النوويّ، كما أنَّها لا تستطيع إجبارها على تفكيك قنابلها النوويّة. وبناء على ذلك، اقترح كيسنجر أن تستند سياسة الولايات المتّحدة تجاه هذه المسألة إلى التمييز بين امتلاك إسرائيل السلّاح النوويّ علانيّة وامتلاكه سرًّا. وأشار إلى أنَّ امتلاك إسرائيل للسلاح النوويّ يزيد في الأخطار في الرشّق الأوسط، بيد أنَّه قال إنَّ خطورة علنيّة امتلاك إسرائيل للسلاح تكاد تساوي خطورة امتلاكها له. لذلك، وبما أنَّه لا يمكن للولايات المتّحدة تجريد إسرائيل من سلاحها النوويّ أو تجميد مشروعها النوويّ، ينبغي أن تكون سياسة الولايات المتّحدة تجاه هذه المسألة الحفاظ على سرّية امتلاك إسرائيل لهذا السلاح. وهذا التمييز الذي جاء به كيسنجر بين الامتلاك العلنيّ للسلاح النوويّ والامتلاك السريّ له شكل الأرضيّة الصّلبة للتفاهم التاريخيّ الذي جرى بين الرئيس نيكسون ورئيسة الحكومة الإسرائيليّة مئير.
اجتمعÓÓت غولÓÓدا مئÓ ري إلى الرئيس نيكسÓÓون في البيÓÓ ت الأبيض في أيلول / سÓÓ 25 – 26 بتمبر المÓ، واحتلَّ 1969 رشوع النوويّ الإسرائيلي جانبًا مه من مداولاتهما. أوضحت مئير خلال الاجتماع عوامل تطوير إسرائيل تمتلك السّÓ الح النووي إسرائيل لمشروعها النوويّ، وقالت إنَّ،ّ وعرضت أسÓÓ باب رفض إسرائيل توقيع معاهدة حظر انتشار الأسلحة. وقد تمخَّ ض الاجتماع عن تفاهمٍ سرّيٍّ شÓÓ النوويّة NPT فويٍّ في غاية الأهميّة، إذ التزم الرئيس نيكسون وقف الضّ غط على إسرائيل لحضّ ها عÓ ىل توقيع معاهدة الحظر، وكذلك وقف زيÓÓ ارات الرقابة التي كان يقÓÓوم بها العلماء الأميركيّون لمجمّÓÓ ع ديمونه، في حين التزمت إسرائيل عدم إعلان حيازتها أسلحة نوويّة وعدم إجراء تجارب نوويّة.
تجديد الت فاهم النووي مع كل رئيس أميركيّ منتخ ب
كانت إسرائيل تخشى دومًا أالّ تلتزم أيّ إدارةٍ أميركيّةٍ جديدةٍ تأتي عقب إدارة نيكسون بتفاهم مئير - نيكسون بشأن وضع إسرائيل النوويّ، خاصّة أنَّ هذا التّفاهم ليس ملزِمًا من الناحية القانونيّة للإدارة التالية. علاوةً على ذلك، كان لكثيرٍ من الرؤساء الأميركييّن اللاحقين برامج وطموحات للحدّ من انتشار الأسلحة النوويّة في العالم، وهو ما كان يحمل بين ثناياه إمكانيّة فتح موضوع وضع إسرائيل النوويّ مجدّدًا. لذلك دأب رؤساء الحكومات الإسرائيليّة على تجديد هذا التّفاهم مع كلِّ رئيسٍ أميركيٍّ جديدٍ، والاستمرار في تبنّي سياسة الغموض النوويّ. وقد كشف عوزي أراد، رئيس "مجلس الأمن القومي" الإسرائيليّ الأسبق والمستشار السّابق لرئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، في مقابلة صحافيّة له، كيف دأبت إسرائيل على تجديد هذا التّفاهم مع كلِّ رئيسٍ أميركيٍّ جديدٍ منذ عهد الرئيس جيرالد فورد وحتى عهد الرئيس باراك أوباما. وقد ذكر عوزي أراد أيضًا أنَّه عندما خلف الرئيس فورد الرئيس نيكسون، لم تكن هناك مشكلةٌ تُذكر في استمرار هذا التّفاهم. ولكن عندما خلف الرئيس جيمي كارتر الرئيس فورد، وعنيّ زبيغنيو بريجينسكي مستشارًا للأمن القومي، ازدادت الشكوك في إسرائيل في شأن مسألة الحفاظ على هذا التّفاهم، بيد أنَّ شكوكها لم تكن في محلّها. ولم تكن هناك أيّ مشكلةٍ في هذا الشّأن أيضًا مع عهد الرئيس رونالد ريغان. ولكنَّ الشكوك الإسرائيليّة عادت عند انتخاب الرئيس جورج بوش الأب، وذلك بسبب إعلانه عن مبادرةٍ لنزع السلّاح النوويّ من الشرق الأوسط. ومن أجل مواجهة هذا الأمر، ألَّفت الحكومة الإسرائيليّة لجنةً وزاريّةً برئاسة الجنرال دافيد عفري، شملت بين صفوفها ممثلّي الأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة. وقد نجحت هذه اللجنة، بعد جهدٍ ليس
بالقليل، في إحباط مبادرة الرئيس بوش الأب بشأن نزع السلّاح النووي من الشرق الأوسط. ولكن بقيت المشكلة قائمةً لأنَّ هذا التّفاهم كان شفويًا. وفي أثناء مؤتمر واي بلانتيشن في تشرين الأول/ أكتوبر 1998، استغلَّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو مفاوضاته ومساوماته مع الرئيس الأميركيّ كلينتون، وموافقته على توقيع اتّفاق مع الفلسطينييّن، من أجل الحصول على إنجازٍ في مصلحة إسرائيل غير ذي صلةٍ بالموضوع الفلسطينيّ مباشرةً، وإمنّ ا في شأن الملف النووي الإسرائيليّ. فقد حصل نتنياهو على تعهدٍ أميركيٍّ مكتوبٍ ينصّ على أن الولايات المتّحدة "لن تضعف قدرة الرّدع الإسرائيليّ" في أيّ مبادرة تتعلَّق بنزع الأسلحة النوويّة من الشرق الأوسط. وكان واضحًا من السّياق أنَّ المقصود في "قدرة الرّدع الإسرائيليّ" هو السلّاح النووي الإسرائيليّ. وعند انتخاب جورج بوش الابن، كانت إسرائيل مطمئنة،ً ولكن شكوكها ثارت مجددًا، وبقوّة، عند انتخاب الرئيس أوباما في عام 2008، خاصّةً أنَّه كانت لديه مبادرةٌ بخصوص نزع السلّاح النووي.ّ وقد جرت اتصالات في شأن التّفاهم بين رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو والرئيس أوباما منذ أيار/ مايو 2009، بعد تويلّ كل منهما السلطة بفترةٍ وجيزةٍ. وتمخَّضت هذه الاتصالات والمفاوضات، التي استمرت أشهرًا طويلة، عن توقيع الرئيس أوباما لوثيقةٍ مكتوبة عام 2010، بأنَّ الولايات المتّحدة لن تخطو أيّ خطوةٍ سياسيّةٍ من شأنها الإضرار ب "قدرة الرّدع الإسرائيلي"ّ.
النقاش الداخلي في سياسة الغموض النووي
ما انفكّت الحكومات الإسرائيليّة تتمسّك بسياسة الغموض النووي منذ ما يربو على خمسة عقودٍ. ولا يزال هناك شبه إجماعٍ في صفوف المؤسّستين السياسيّة والعسكريّة في إسرائيل على ضرورة الاستمرار في تبنّي هذه السّياسة في المستقبل المنظور، ما دامت إسرائيل تحتكر السلّاح النوويّ في المنطقة. وعلى الرّغم من ذلك، جرى، ويجري نقاش في إسرائيل، منذ عدّة عقود، بين كثيرٍ من الأكاديمييّن والخبراء والباحثين وكبار الصحافييّن الإسرائيلييّن بشأن السّياسة المشار إليها. وبرزت في هذا النقاش وجهتا نظر أساسيّتان: تبنّت أ ولاهما سياسة الغموض النوويّ ودافعت عنها ودعت إلى استمرارها أطول فترةٍ ممكنةٍ. وهي وجهة نظر المؤسّستين السياسيّة والعسكريّة في إسرائيل، وهي تحظى بدعمهما وبدعم الأغلبيّة الواسعة للمحلِّلين الإسرائيلييّن. وانتقدت الأخرى، وهي تحظى بتأييد عددٍ محدودٍ من الباحثين والمحلِّلين الإسرائيلييّن، سياسة الغموض من منطلقاتٍ مختلفةٍ، ودعا عددٌ كبير من أنصارها إلى إحلال سياسة ردعٍ نوويٍّ علنيّةٍ محل سياسة الغموض.
-1 موقف أنصار سياسة الرّدع النووي الإسرائيليّة العلنيّة
كان أفضل من عربّ عن وجهة النظر التي تدعو إلى تبنّي إسرائيل سياسة ردع نوويّ علنيّة، الباحث الإسرائيليّ شاي فيلدمان في كتابه الرّدع النوويّ الإسرائيلي.
فقد دعا فيلدمان في كتابه هذا إلى أمرين أساسييّن: الأول، التخيلّ عن سياسة الغموض النوويّ واعتماد سياسة الرّدع النوويّ العلنيّة. والثاني، أن تشكّل سياسة الرّدع النوويّ العلنيّة الإسرائيليّة المركّب المركزي في نظريّة الأمن الإسرائيليّة، بدالً من الأسلحة العسكريّة التقليديّة الإسرائيليّة. واقترح فيلدمان أن تستند سياسة الرّدع النوويّ العلنيّة إلى التّهديد بضرب أهدافٍ ذات "قيمة عليا"، أيّ التّهديد بتدمير المدن العربيّة الكبرى في الدول العربيّة، علاوةً على السدود الكبرى فيها، وذلك بهدف ردع الدول العربيّة عن شنِّ حربٍ على إسرائيل، أو ردعها عن القيام بعمليّاتٍ حربيّةٍ واسعةٍ ضدّ إسرائيل. فإذا ما أقدمت دولةٌ عربيّةٌ واحدةٌ أو عدّةُ دولٍ عربيّةٍ على شنِّ حربٍ على إسرائيل، أو قامت بعمليّاتٍ واسعةٍ ضدّها، فإنّها تدرك مسبقًا أنّها بذلك تعرّض نفسها لأشدّ أنواع العقوبة النوويّة. وحاجج فيلدمان بأن في إمكان القنابل النوويّة الإسرائيليّة، التي كانت بحوزة إسرائيل في
نهاية السبعينيّات والتي كانت تقدَّر بنحو 40 قنبلة نوويّة، أن تدمِّر أهدافًا مدنيّةً ذات قيمة عليا في الدول العربيّة؛ ففي كل دولة من الدول العربيّة 3 – 5 مدن كبرى ذات قيمة إستراتيجيّة عليا. وستقود إبادة هذه المدن إلى إبادة ما يقارب 30 بالمئة من مجموع سكان كلِّ دولةٍ من هذه الدول. وحدَّد فيلدمان المدن المعرّضة للضربات النوويّة الإسرائيليّة كالتالي: في مصر: القاهرة والإسكندريّة والجيزة وأسوان؛ في سورية: دمشق وحلب وحمص؛ في العراق: بغداد والبصرة والموصل؛ في السعوديّة: الرياض وجدّة ومكة والطائف؛ في الأردن: عامّ ن والزرقاء وإربد؛ في ليبيا: طرابلس وبنغازي. ثمّ يستطرد فيلدمان في عرضه الأولويّات التي يجب على إسرائيل وضعها قائالً إنَّ هذه المدن تشكِّل أهميّةً قصوى في دولها؛ ففيها النخب التجاريّة والصناعيّة والتقنيّة والفكريّة والعسكريّة والسياسيّة، التي تقطن في أحياء خاصّة بها في المدن الكبرى، وفي الإمكان تحدّيد هذه الأحياء بسهولة، ووضعها في قمّة الأهداف الأساسيّة للقنابل النوويّة الإسرائيليّة لإبادتها بالكامل. لذلك سيؤدّي تدميرها ليس إلى إبادة ما يربو على 30 في المئة من مجموع سكان هذه الدول فحسب، وإمنّ ا إلى تدمير كلِّ ما له علاقةٌ بالتطوّر والعالم الحديث أيضًا. حاجج فيلدمان في كتابه بأنَّ سياسة الرّدع النوويّ العلنيّة أفضل من سياسة الغموض النوويّ للأسباب التالية: أوالً، إنَّها أكثر من سياسة. ه الغموض صدقيّةً ووضوحًا وفاعليّةً؛ ثانيًا، إنَّها توجب إيجاد عقيدة لاستخدام السلّاح النوويّ، وبذلك تقلِّص استخدام السلّاح النووي بشكلٍ غير ملائمٍ وغير محسوبٍ؛ ثالثًا، إنَّها تشجِّع النّخب الحاكمة في الدول العربيّة على إجراء "حوارٍ إستراتيجيٍّ " مع إسرائيل، وهو ما من شأنه أن يؤدِّي إلى التوصّل إلى تفاهماتٍ بخصوص الخطوات التي على هذه النخب الحاكمة الامتناع من القيام بها، لكي تتجنَّب التعرّض لضربةٍ نوويّةٍ؛ رابعًا، يساهم الرّدع النوويّ العلنيّ في تثقيف النخب في الشرق الأوسط على العيش في بيئةٍ نوويّةٍ، ويساعدها في إدراك وتذويت القيود التي يفرضها السلّاح النوويّ على الأهداف السياسيّة للخصم وعلى إمكان تحقيقها. إلى جانب فيلدمان، دعا، ولا يزال يدعو، العديد من الباحثين والمحلِّلين الإسرائيلييّن إلى تغيير سياسة الغموض النوويّ وإحلال سياسةٍ نوويّة علنيّةٍ محلها من منطلقاتٍ مختلفةٍ. ويعود بعض هذه المنطلقات إلى أسبابٍ اقتصاديّةٍ، وأخرى متعلّقة ببرنامج إيران النوويّ وإمكان حصولها على السلّاح النوويّ في الزمن المنظور، بينما يعود بعضها الآخر إلى مسألة إخضاع المشروع النوويّ الإسرائيليّ لحدٍّ أدنى من الشفافيّة والرقابة، وتوضيح المسؤوليّة عنه وعن عمليّة صنع القرارات في شأنه. ويمكن إيجاز الأسباب التي يعرضها هؤلاء بالنقاط التالية:. أ على الرّغم من سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة، تنظر دول الشرق الأوسط والعالم لإسرائيل كدولةٍ نوويّةٍ، وبالتالي لا يغريّ تبنّي إسرائيل السياسة النوويّة العلنيّة انطباع هذه الدول في شأن وضع إسرائيل النووي.ّ. ب يقود تبنّي إسرائيل السياسة النوويّة العلنيّة إلى تعزيز المناعة الداخليّة في إسرائيل، وإلى تخفيف القلق الإسرائيليّ المزمن أنَّ العرب سيشنّون في يوم من الأيّام حربًا على إسرائيل بالأسلحة التقليديّة.. ج لم تفلح سياسة الغموض النوويّ في منع كثيرٍ من الدول في الشرق الأوسط من السّعي للحصول على السلّاح النووي.ّ. د تخفف السّياسة النوويّة العلنيّة الإسرائيليّة من أعباء ميزانيّة الأمن الباهظة الموجّهة لتعزيز القوّة العسكريّة الإسرائيليّة بالأسلحة التقليديّة. يقود خفض ميزانيّة الأمن إلى تخفيف اعتماد إسرائيل على السلّاح والتمويل الأميركييّن.. و يقود تبنّي سياسة نوويّة علنيّة إلى سنّ قوانين ووضع أنظمة علنيّةٍ في إسرائيل تتعلّق بالمسألة النوويّة الإسرائيليّة في مختلف جوانبها، وخاصّة في ما يرتبط بعمليّة صنع القرارات بشأن استخدام السلّاح النووي.
-2 موقف أنصار التمسّ ك بسياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة
نادى مؤيّدو سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة بالتمسّك بهذه السّياسة، ما دامت إسرائيل تحتكر السلّاح النوويّ في الشرق الأوسط.
ويمكن إيجاز الأسباب التي ذكرها أنصار وجهة النظر هذه بالنقاط التالية:. أ تمنح سياسة الغموض النوويّ إسرائيل مكانةً خاصّةً على الصعيد الدوليّ؛ فما دامت إسرائيل تتمسّك بهذه السّياسة، ولا تعلن نفسها دولةً نوويّةً، ولا تجري تجربةً نوويّةً علنيّةً، فإنّها لا تُعدُّ دولةً نوويّة.ً أمّا إذا تبنّت سياسةً نوويّةً علنيّةً من دون التنسيق الكامل مع الولايات المتّحدة، ومن دون نيل موافقتها، فإنَّ ذلك يضرُّ بعلاقات إسرائيل بالولايات المتّحدة، ويُظهر استخفاف إسرائيل بسياسة الولايات المتّحدة في شأن منع انتشار الأسلحة النوويّة، وكذلك يلحق الأذى بالجهد الدوليّ للحدّ من انتشار الأسلحة النوويّة، وخاصّة في الشرق الأوسط.. ب إنَّ حفاظ إسرائيل على سياسة الغموض النوويّ يمكّنها من الادّعاء أنَّها تعارض انتشار الأسلحة النوويّة في الشرق الأوسط. ولكن فّي اللحظة التي تتخىلّ فيها إسرائيل عن سياسة الغموض النووي وتتبنّى سياسة نوويّة علنيّة، فإنَّها تفتح الباب واسعًا للشروع في سباق التسلح النوويّ في الشرق الأوسط.. ج تعزِّز سياسة الغموض النوويّ قدرة إسرائيل على الوقوف ضد الدول في الشرق الأوسط التي تسعى للحصول على السلّاح النووي،ّ والعمل ضدّها بوسائل عدّة، بما في ذلك الوسائل العسكريّة. ولكن في حالة تبنّي إسرائيل السياسة النوويّة العلنيّة، فإنَّ ذلك يسحب الشرعيّة الدوليّة من تحت أقدامها للقيام بنشاطٍ سياسيٍّ وعسكري ضدّ هذه الدول.. د ساهمت سياسة الغموض النوويّ في إضعاف دوافع كثير من الدول في المنطقة للتوجه نحو الحصول على السلّاح النوويّ، وسهّلت على متّخذي القرارات في دول عربيّة كثيرة، وخاصّة في مصر، عدم السير نحو تطوير سلاح نووي. وبذلك أثّرت سياسة الغموض النووي في النقاش العربيّ الداخليّ في شأن تطوير العرب سلاحٍ نوويٍّ، لمصلحة النخب العربيّة الحاكمة التي تعارض التوجه نحو تطوير سلاحٍ نووي.ٍّ ولكن إذا ما أقدمت إسرائيل على تبنّي السّياسة النوويّة العلنيّة، فإن ذلك يؤدِّي إلى إضعاف موقف النخب العربيّة الحاكمة التي تعارض التوجّه نحو الحصول على السلّاح النوويّ، وإلى تعزيز الضّ غط الداخلي العربيّ، وخاصّة في مصر، للحصول على السلّاح النوويّ بشكلٍ لا يمكن للنخب الحاكمة تحمّله.. ه لن تشكّل سياسة الرّدع النوويّ العلنيّة بديالً من ضرورة الحفاظ على التفوّق العسكريّ الإسرائيليّ في الأسلحة التقليديّة، ومن ثم لن تقود إلى خفض أعباء النفقات الماليّة على الأسلحة التقليديّة؛ فالرّدع النوويّ لا يمنع نشوب حرب تقليديّة ولا يمنع العمليّات العسكريّة المحدودة ولا أعمال "الإرهÓ اب." لذلك ستحتاج إسرائيل دومًا إلى تفوّقها العسكريّ في الأسلحة التقليديّة على الدول العربيّة، والحفاظ على جهوزيّتها واستعدادها للحرب بالأسلحة التقليديّة.. و إذا تبنّت إسرائيل سياسة الرّدع النوويّ العلنيّة، فإنَّها ستبقى في حاجةٍ إلى مساعدات الولايات المتّحدة العسكريّة والماليّة، لأنَّ على إسرائيل في الأحوال كلّها الحفاظ على تفوّقها العسكريّ بالأسلحة التقليديّة، وهو الأمر الذي لا يمكنها تحقيقه من دون استمرار المساعدات الأميركيّة السخيّة في المجالين الاقتصاديّ والعسكري.ّ. ز قد يقود تبنّي سياسة الرّدع النوويّ العلنيّة إلى الضّ غط باتجاه تخصيص مزيدٍ من الموارد والميزانيّات للاستمرار في تطوير الأسلحة النوويّة وتحدّيثها وزيادتها، خاصّةً إذا ما حصلت إحدى دول المنطقة على السلّاح النوويّ؛ فسياسة الرّدع النوويّ العلنيّة، التي قد تفتح سباق تسلّحٍ نوويٍّ في المنطقة، توجب - من أجل الحفاظ على تأثيرها - الاستمرار في تطوير مختلف متطلّباتها التي تشمل متابعة التطوّرات التكنولوجيّة، وتطوير وسائل الرّدع النوويّ، وتطوير قدرات "الضربة الثانية" وتعزيزها.. ح تدرك جميع الدول العربيّة في المنطقة، على الرّغم من سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة، أنَّ إسرائيل تمتلك ترسانةً كبيرةً من السلّاح النوويّ. وقد قاد ذلك الدول العربيّة إلى الاستنتاج أنَّه لا يمكنها، حتى وإن تكن قادرة، الإقدام وإلحاق هزيمةٍ ماحقةٍ بإسرائيل بالأسلحة التقليديّة؛ إذ إنَّ مثل هذه الهزيمة ربما تقود إسرائيل إلى اللجوء إلى استعمال سلاحها النوويّ. وقد ساهم هذا الأمر في تحفيز الدول العربيّة على البحث عن طرقٍ غير عسكريّة للتوصّل إلى تسوية سلميّةٍ مع إسرائيل.
. ط تمنح سياسة الغموض النوويّ إسرائيل خيار أن تعلن نفسها دولة نوويّةً في الوقت الملائم، إذا رأت أنَّ ميزان القوى العسكريّ في الأسلحة التقليديّة يميل بشكلٍ حادٍّ ضدّها ويصب في مصلحة الدول العربيّة.. ي تبقي سياسة الغموض النوويّ الباب مفتوحًا أمام إسرائيل لإعلان نفسها دولةً نوويّةً إذا أصبحت دولة في المنطقة دولة نوويّة.. ك مكّنت سياسة الغموض النوويّ إسرائيل من تطوير قدرات "الضربة النوويّة الثانية." وفي حال تعرُّض إسرائيل لهجومٍ نوويٍّ من إيران أو من إحدى الدول العربيّة، من الواضح أنَّ إسرائيل ستقْدم في "الضربة الثانية النوويّة" على إبادة الدولة أو الدول التي هاجمتها نوويًّا.
قدرات "الضربة الثانية" النوويّة الإسرائيليّة
ما دامت إسرائيل تحتكر السلّاح النوويّ في المنطقة، ولم يلُح في الأفق إمكانيّة حصول دولة في الشرق الأوسط على السلّاح النووي في المدى المنظور، فإنّها لم تبذل جهدًا كبيرًا لتطوير قدرات ضربتها النوويّة الثانية إلى أقصى مداها. ففي فترة السبعينيّات والثمانينيّات من القرن المنصرم، اهتمَّت إسرائيل بتطوير ترسانتها النوويّة وزيادتها وبتحدّيث وسائل إيصال قنابلها النوويّة إلى أهدافها في الدول العربيّة، من صواريخ بعيدة المدى وطائرات. وقد دأبت إسرائيل على تحصين صواريخها البعيدة المدى القادرة على حمل القنابل النوويّة وطائراتها ومطاراتها، علاوةً على منتوجاتها النوويّة، ضدّ أي هجومٍ مفاجئٍ عليها بالأسلحة التقليديّة. ولكن عندما بدا لها أن هناك إمكانٌ أن تطوّر إحدى دول المنطقة، ولا سيما إيران، أسلحة نوويّةً في الزمن المنظور، بادرت إلى تعزيز جميع مقوِّمات الضربة النوويّة الثانية الإسرائيليّة. وقد افترضت إسرائيل أنَّ مقوِّمات الضربة النوويّة الثانية الإسرائيليّة لا يمكنها أن تعتمد على تحصين منتوجاتها النوويّة وصواريخها النوويّة وطائراتها القادرة على توجيه الضربات النوويّة وحمايتها؛ فهذه جميعها قد تتعرّض لضربةٍ نوويّةٍ واحدةٍ أو لضرباتٍ عدّة يمكنها أن تشلّها وتعطِّل إمكان قيام إسرائيل بالضربة الثانية النوويّة. لذلك سعت إسرائيل للحصول على الغوّاصات المعدّة والملائمة لإطلاق صواريخ ذات رؤوسٍ نوويّةٍ. وفي أواخر تسعينيّات القرن الماضي، حصلت إسرائيل، وبأثمانٍ موّلت ألمانيا أغلبيتها، على ثلاث غوّاصات ألمانيّة من نوع دولفين المعدّة لإطلاق صواريخ تحمل رؤوسًا نوويّة. واتّفقت إسرائيل مع ألمانيا في فترة رئاسة كل من أريئيل شارون وإيهود أولمرت للحكومة الإسرائيليّة، على شراء إسرائيل غوّاصتين ألمانيّتين جديدتين ومتطوّرتين يمكنهما المكوث تحت الماء فترة أطول من تلك الغوّاصات الثلاث. وقد التزمت الحكومة الألمانيّة دفع ثلث سعر هاتين الغوّاصتين. وتسلّمت إسرائيل الغوّاصة الرابعة من ألمانيا في بداية أيار/ مايو 2012. ومن المتوقّع أن تتسلّم الغوّاصة الخامسة عام 2014 . وفي آذار/ مارس 2012، وقّع وزير الدّفاع الإسرائيليّ إيهود باراك اتّفاقيّةً مع نظيره الألمÓ انيّ، التزمت ألمانيا بمقتضاها تزويد إسرائيل بغوّاصةٍ ألمانيّةٍ متطوّرةٍ في عام 2018. كما أنَّها التزمت دفع ثلث سعر هذه الغوّاصة البالغ 400 مليون يورو. وقد أفادت المصادر الإسرائيليّة بأنَّ الغوّاصات الألمانيّة التي حصلت عليها إسرائيل تحتوي على فُوّهاتٍ قطر الواحدة 650 ملم مناسبة لإطلاق صواريخ موجّهة نوويّة من نوع "بوباي" إسرائيليّة الصنع، يصل مداها إلى 1500 كم. وفي تحقيقٍ مطوَّلٍ، أكّدت صحيفة دير شبيغل الألمانيّة الأسبوعيّة في عددها الصادر في 3 حزيران/ يونيو 2012، استنادًا إلى مصادر ألمانيّةٍ موثوقةٍ، أنَّ الغوّاصات التي باعتها ألمانيا إلى إسرائيل معدّة وملائمة لإطلاق صواريخ موجّهة نوويّة، وذلك لتعزيز قدرة "الضربة الثانية" النوويّة الإسرائيليّة. ومن ناحية أخرى، أكَّد تقرير صدر في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 عن مؤسّسةٍ بريطانيةٍ مستقلةٍ متخصّصةٍ بمتابعة التسلح النوويّ في
العالم، أنَّ إسرائيل طوّرت وحسّنت قدرات صواريخها الموجّهة والمعدّة للانطلاق من غوّاصاتها التي اشترتها من ألمانيا، وزادت من مدى المسافة التي تصل إليها هذه الصواريخ. وأضاف التقرير أنَّ إسرائيل زادت كذلك من مدى صاروخ "يريحو 3" ليصبح عابرًا للقارات وليصل مداه إلى 5000 كم.
مركز قيادة حصين محميّ من الأسلحة النوويّة
في سياق استكمال الاستعداد ل "الضربة الثانية" النوويّة، بدأت إسرائيل في أواخر عام 2002 بناء مركز قيادة وسيطرة محصّنٍ ومحمي من الأسلحة النوويّة وأسلحة الدّمار الشّامل الأخرى، في جوف جبل في القدس الغربيّة، بالقرب من مقرّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بتوصية من "مجلس الأمن القوميّ " الإسرائيليّ. وقد استغرق بناء مجمّع طلق عليه "المركز القوميّ لإدارة الأزمات مركز القيادة هذا، الذي أ"، أعوامًا عدّة. ويتّضح من التصريحات التي أدلى بها عددٌ من المختصِيّن والمسؤولين الإسرائيلييّن أنَّ الهدف الأساس من بناء هذا المجمّع الواسع في جوف الجبل هو تزويد رئيس الحكومة والحكومة الإسرائيليّة وقادة الأجهزة الأمنيّة والمؤسّسات الحكوميّة الأخرى بمقرٍّ محصّنٍ في حالات الطوارئ الاستثنائيّة التي تشمل اندلاع حربٍ نوويّةٍ أو بيولوجيّةٍ أو كيماويّةٍ؛ لاستعماله كمركز قيادة وسيطرة يمكّنها من إصدار الأمر بتوجيه "الضربة الثانية" النوويّة، إذا تعرَّضت إسرائيل لهجومٍ بالسلّاح النووي. ويعتقدُ بعض المختصِيّن الإسرائيلييّن أنَّ مجرّد بناء مركز القيادة هذا، الذي في إمكانه الاستمرار في قيادة إسرائيل بعد تعرّضها لضربةٍ أو ضرباتٍ نوويّةٍ، يعطي قوّة الرّدع النوويّ الإسرائيليّة صدقيّة؛ إذ سيكون في وسع الحكومة الإسرائيليّة في هذه الحال الحفاظ على الاتصال مع مكوّنات الضربة الثانية النوويّة، وخاصّة مع الغوّاصات النوويّة، وإصدار الأمر لها بتوجيه ضربات نوويّة ضدّ الدولة التي قامت بالهجوم النوويّ. علاوةً على ذلك، يمكن استعمال هذا المجمّع المحصّن في الحروب التقليديّة التي قد تنشب بين إسرائيل والدول العربيّة. فالحكومة الإسرائيليّة بحاجة إلى مقرّ قيادةٍ تابعٍ لها، تستطيع من خلاله متابعة مجريات الحرب مباشرةً ومن دون حاجة إلى الذهاب إلى مقرّ قيادة الجيش الإسرائيليّة المحصّن في عمق الأرض في "الكرياه" في تل أبيب.
خاتمة
لقد تبلورت سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة في سياق سعي إسرائيل لتطوير مشروعها النوويّ من دون إثارة معارضةٍ دوليّةٍ أو داخليّة.ٍ وتطوّرت سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة وترسّخت في سياق المفاوضات التي أجرتها إسرائيل مع الولايات المتّحدة والتّفاهمات التي توصّلت إليها الدولتان في الستينيّات من القرن الماضي، وتُوِّجت باتّفاق مئير– نيكسون عام 1969 بشأن وضع إسرائيل النوويّ. وقد أقرّت الإدارة الأميركيّة بموجب هذا الاتّفاق بحيازة إسرائيل السلّاح النوويّ، وأوقفت إرسال العلماء الأميركييّن لمراقبة مجمّع ديمونه النوويّ، وكفّت عن مطالبة إسرائيل بتوقيع اتّفاقية حظر انتشار الأسلحة النوويّة، في مقابل عدم إعلان إسرائيل نفسها دولةً نوويّة وعدم قيامها بإجراء تجربةٍ نوويّة.ٍ وتحت غطاء سياسة الغموض النوويّ، طوّرت إسرائيل مشروعها النووي وباتت تمتلك، كما تؤكِّد كثيرٌ من المصادر الأجنبيّة، ترسانةً كبيرةً من الأسلحة النوويّة التي تشمل أكثر من 400 قنبلةٍ نوويّةٍ وهيدروجينية ونيوترونيةٍ، علاوةً على أسلحةٍ نوويّةٍ تكتيكيّةٍ، من ضمنها قذائف ورؤوسٌ نوويّةٌ صغيرةٌ يمكن إطلاقها من مدافع وراجمات صواريخ في أثناء الحرب ضدّ تجمّعات دبّاباتٍ ومدرّعاتٍ وجيوشٍ معادية.ٍ باتت سياسة الغموض النوويّ الإسرائيليّة تشكّل جزءًا من الثقافة النوويّة الإسرائيليّة السائدة والمهيمنة في المجتمع الإسرائيليّ، التي تستند إلى فرضيّاتٍ أساسيّةٍ. وتؤكِّد أهمّ هذه الفرضيّات أنَّ على إسرائيل الاستمرار في امتلاك ترسانةٍ من الأسلحة النوويّة، بما في ذلك قدرات الضربة الثانية النوويّة، وذلك من أجل الحفاظ على إسرائيل كأقوى دولة وذات النفوذ الأوسع في المنطقة، ولتعزيز منعتها ومكانتها ودورها في المنطقة. كما تؤكِّد هذه الفرضيّات أنَّ على إسرائيل بذل كل طاقاتها لمنع الدول العربيّة وإيران من امتلاك السلّاح النوويّ كي تبقى هي محتكرةً للسلاح النوويّ في المنطقة أطول فترةٍ ممكنة.ٍ
كانت إسرائيل سادس دولةٍ في العالم طوّرت أسلحةً نوويّةً. وهي تختلف عن سائر الدول النوويّة في العالم، أكانت تلك التي طوَّرت السلّاح النوويّ قبل إسرائيل أم تلك التي طوَّرته بعدها، بنقاط مهمّة للغاية، أبرزها أنَّ إسرائيل: هي الدولة الوحيدة في العالم التي أنتجت ترسانةً من الأسلحة النوويّة من دون أن تعلن نفسها دولةً نوويّة.ً هي الدولة النوويّة الوحيدة التي أقامت نفسها على حساب شعب آخر وهجّرته ودمرت كيانه ثمّ استكملت احتلال وطنه عام 1967، وما انفكّت تعزِّز استيطانها في المناطق الفلسطينيّة والعربيّة التي احتلّتها في عام 1967 وترفض بشدّة الانسحاب منها في مقابل سلام شاملٍ ودائمٍ مع جميع الدول العربيّة. هي الدولة النوويّة الوحيدة التي لم تحدِّد حدودها ولا حدود "وجودها"، علامً أنَّها أكثر الدول النوويّة وغير النوويّة في العالم "متاجرةً" بالخطر المزعوم على وجودها، في حين هي التي قامت بتدمير كيان شعبٍ آخر وعرّضت وجوده للخطر الدائم. هي الدولة النوويّة الوحيدة التي يهدِّد أبرز منظّريها وكتابها في المسألة النوويّة، أنَّها ستستعمل السلّاح النوويّ بشدّة، وبشكلٍ لا يتلاءم مع الضرّر الذي قد يلحق بها، ضدّ أيّ دولةٍ تردّ على عدوان إسرائيليّ عليها، بأسلحةٍ غير نوويّة كالسلاح البيولوجيّ أو الكيماوي. هي أكثر من خاضت، كدولةٍ نوويّةٍ في العالم، حروبًا منذ قيامها وحتى اليوم. ق الأوسط هي الدولة التي أدخلت السلّاح النوويّ إلى منطقة الرشّ، وما انفكّت منذ ذلك الحين تحتكر السلّاح النوويّ في المنطقة، وتعمل بكل قوتها على إطالة أمد هذا الاحتكار أطول فترةٍ ممكنة.ٍ هي الدولة الوحيدة في الرشّق الأوسط التي لم توقّع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النوويّة، وهي في الوقت نفسه أكثر الدول في العالم سعيًا بكل طاقاتها لمنع أيّ دولةٍ من الدول في المنطقة من الحصول على ما تمتلكه هي من سلاحٍ نوويٍّ منذ عقود، بما يشكّل الحافز الأساس لدول المنطقة للعمل على تطوير خيارها النووي.ّ إنَّ عدم إعلان إسرائيل نفسها دولةً نوويّةً، وتبنّيها سياسة الغموض ق الأوسط خالٍ من الأسلحة النوويّة النوويّ لا يعنيان بتاتًا أنَّ الرشّ. فإسرائيل تمتلك "غابةً" من الأسلحة النوويّة التي تزداد عددًا يومًا بعد آخر، داخل حدودها وفي غوّاصاتها النوويّة التي تصول وتجول قبالة شواطئ معظم دول المنطقة. ومن الواضح أنَّ هذه الترسانة النوويّة الإسرائيليّة لا مبرِّر لها إطلاقًا، ولا علاقة لها بالدّفاع عن وجود إسرائيل؛ إذ لم يكن في يوم من الأيّام ولا في الزمن المنظور ثمّة خطرٌ على وجود إسرائيل، والسلاح النوويّ الإسرائيليّ بات منذ فترة يُستعمل لبسط نفوذ إسرائيل في المنطقة، ولردع الدول العربيّة وغيرها عن التصدّي للعدوان والاحتلال الإسرائيلييّن، ولاستمرار الاحتلال والاستيطان الإسرائيليّ في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة. علاوةً على ذلك، زادها احتكارها السلّاح النوويّ وزاد مجتمعها عدوانيّةً وتوسعيّةً وعنصريّة وعدائيّة ضدّ القيم الإنسانيّة، واستخفافًا بحقوق الشعب الفلسطيني، وتنكرًا لها. فإسرائيل التي تحتكر السلّاح النوويّ هي التي رفضت، وما زالت ترفض بشدّة مبادرة السلام العربيّة التي تدعو إلى سلام شاملٍ ودائمٍ مع الدول العربيّة، وهو السلام الذي يقوم على انسحاب إسرائيل الشّامل من المناطق العربيّة المحتلّة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينيّة في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة منذ عام 1967، في مقابل اعتراف جميع الدول العربيّة بها في حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وإقامة علاقاتٍ طبيعيّةٍ وعاديّةٍ معها. إنَّ نزع السلّاح النوويّ من منطقة الشرق الأوسط مسألةٌ في غاية الأهميّة. ولكن لا يمكن اعتبار هذه المنطقة منزوعة السلّاح النوويّ ما لم يجرِ تجريد الدولة الوحيدة التي تمتلكه حتى الآن، وهي إسرائيل، منه. واضحٌ أنَّ إسرائيل ترفض ذلك بشدّة، ويحظى رفضها هذا بتأييد مبطّنٍ من الولايات المتّحدة وكثيرٍ من الدول الغربيّة. ومن المرجّح أن يكون الطريق الوحيد في الأحوال المرئيّة لإمكان نزع الأسلحة النوويّة من الشرق الأوسط هو النديّة والتبادليّة، أيّ من أجل أن توافق إسرائيل على التخيلّ عن أسلحتها النوويّة، يجب أن تتخىلّ دولة واحدةٌ أو دولٌ عدّة في الشرق الأوسط عن أسلحتها النوويّة. ومن أجل أن يكون لدولةٍ واحدةٍ أو عدّة دولٍ هذه القدرة على التخيل عن الأسلحة النوويّة، لا بدّ أن يكون لديها أوالً أسلحةٌ نوويّةٌ. ولذلك، يبدو من المفارقات أنَّه من أجل السيّر نحو نزع الأسلحة النوويّة من الشرق الأوسط، لا بدّ أن تصبح دولةٌ واحدةٌ أو عدّة دولٍ أخرى نوويّة.ً عند ذلك يمكن الحديث بجديّة عن نزع الأسلحة النوويّة من الشرق الأوسط. وكلمّا زاد عدد الدول في الرشّ ق الأوسط المالكة الأسلحة النوويّة، زاد إمكان التوصّل إلى اتّفاقية شاملة لنزع الأسلحة النوويّة ق الأوسط من الرشّ.