العراق: الاحتجاجات وأزمة النظام السياسي
الملخّص
تناقش هذه الورقة فش ل النخب السياسية العراقيّة في تس وية الإشكالات الأساسية التي فجّره ا احتلال العراق في نيس ان / أبريل، حت ى بعد إقرار الدس 2003 تور العراقيّ في عام.2005 وت رى الورقة أن الدس تور الذي جرى إق راره غير قابل للتطبيق والاس تمرار، لعوامل ذاتيّة بحتة. فه و عاجز عن تقديم أجوبة عن الأس ئلة أو الوقائع المس تحدثة. فالبدائ ل التكتيكية التي أوج دت م ن أجل إنتاج أنظم ةٍ هجينة بداية من ع ام لم تنجح في تج 2006 اوز الأزمة البنيويّة التي يعانيها النظام. ولا سيّما أنّ المحاولات التي وُصفت بالتوافقيّة، من أجل الحفاظ على الوضع السياس ي اله ش اعتمادًا على ميزان الق وى القائم وليس عل -ى مبادئ مرجعيّة لم تتحوّل إلى أعرافٍ سياس ية ملزمة للأطراف السياس يّة الممث حاكمة يقبلها الجميع -لة إلى اتفاقات تحترمها الأطراف جميعًا لمكوّناتٍ إثنيّة ومذهبيّة، ولم تتحوّل على الأقل.
مقدمة
فشلت النخب السياسية العراقيّة في تسوية الإشكالات الأساسية التي فجّرها احتلال العراق في نيسان / أبريل 2003، حتّى بعد إقرار الدستور العراقيّ في عام 2005. وقد استمرّت هذه الإشكالات في إعادة إنتاج نفسها من خلال تمظهرات مختلفة عبر ما يمكن تسميته بسياسة "تدوير الأزمات." ويشهد العراق حاليًّا أزمة جديدة متمثّلة في الحراك الجماهيري في الجغرافيا السنّية (الأنبار، نينوى، صلاح الدين، ديالى، كركوك، بغداد)، والذي حدث على إثر مداهمة قوّة من وزارة الداخلية مكاتب وزير الماليّة رافع العيساوي (أحد قادة القائمة العراقيّة)، الرسمية والشخصية، واعتقال ما بين 150 و 200 من أفراد حمايته في يوم 20 كانون الأوّل / ديسمبر 2012. وهذه الأزمة هي تمظهر آخر من تمظهرات الأزمة الرئيسة المتمثّلة في طبيعة النظام السياسي الذي أنتجه دستور عام 2005، فهو دستور غير قابل للتطبيق والاستمرار لعواملَ ذاتيّة بحتة، وعاجز عن تقديم أجوبة عن الأسئلة أو الوقائع المستحدثة. ولم تنجح البدائل التكتيكية التي أوجدت من أجل إنتاج أنظمةٍ هجينة بدايةً من عام 2006 في تجاوز الأزمة البنيويّة التي يعاني منها هذا النظام. ولا سيمّا أنّ المحاولات التي وُصفت بالتوافقيّة، من أجل الحفاظ على الوضع السياسي الهشّ اعتمادًا على ميزان القوى القائم - وليس على مبادئ مرجعيّة حاكمة يقبلها الجميع - لم تتحوّل إلى أعرافٍ سياسية ملزمة للأطراف السياسيّة الممثِّلة لمكوّناتٍ إثنيّة ومذهبيّة، ولم تتحوّل على الأقلّ إلى اتفاقات تحترمها الأطراف جميعًا. وكان الطرف الأميركي أساسًا، والدولي بصورةٍ أقلّ، العامل المساعد في الوصول إليها، انطلاقًا من رؤيةٍ أميركيّة تأسّست بعد الحرب الأهليّة عامَي 2006 و 2007، تقوم على أنّ التدخّل الأميركيّ يجب أن يبقى في حدهّ الأدنى، من دون أيّ محاولةٍ لفرض رؤى محدّدة، معتمدة على أنّ العمليّة Process Teh، وهو ما لم يحدث نفسها ستنتج نموذجها الخاصّ.
الطائفية السياسية وصعود الهويّات الفرعيّة
قامت الجماعات السياسيّة الرئيسة التي هيمنت على المشهد السياسي في العراق منذ نيسان / أبريل 2003، ومنذ لحظة نشأتها الأولى، على مقولات طائفية بحتة بوصفها مقولات سياسيّة، ومن ثم،ّ فهي بطبيعتها أحزاب "طائفية"، أي أنّها لا يمكن أن تكون إالّ أحزابا كردية أو شيعية أو سنّية. فقد أ سّس الحزب الديمقراطي الكردستاني على المقولة "القوميّة"، ولم يكن الخلاف اللاحق بين المؤسّسين، والذي أنتج حزب الاتّحاد الوطني الكردستاني، سوى صراعٍ حكمته العوامل السوسيو- ثقافية المرتبطة بالانقسام السوراني البهديناني، أكثر من كونه صراعًا بشأن المقولة القوميّة التي تمسّك بها المنشقّون أيضًا. ولم تكن المقولات الأيديولوجية التي سيقت لتسويغ هذا الانشقاق سوى تمويهٍ على هذه الحقيقة. وتأسّس حزب الدعوة الإسلاميّة منذ الاجتماع التأسيسي الأوّل على مقولة "المذهبية." وكان الخلافان الرئيسان بين المؤسّسين في هذا الاجتماع هما: طبيعة الحزب وهويّته، هل هي وطنية عابرة للهويّة المذهبية، أم أنّها مذهبيّة، وكان الخلاف الثاني بشأن العلاقة مع إيران. وقد انتهى المجتمعون إلى التأكيد على الهويّة المذهبيّة للحزب. وهو خلافٌ تكرّر مرّةً ثانية في عام 1963، عندما تسلّم محمد هادي السبيتي (وهو لبناني وكان عضوًا في حزب التحرير) الموقع الأوّل للحزب، "فقد كان السبيتي يدعو إلى اللامذهبية في فكر الدعوة بينما كانت أطراف أخرى في الحزب تؤكّد على الهويّة العقيدية والفكريّة الشيعية للحزب". أمّا المجلس الأعلى الذي شكِّل في بدايته بوصفه تجمّعًا للقوى "الشيعيّة" المعارضة، فقد ظلّ محكومًا بلحظة التأسيس هذه، وظلّت الهويّة "الشيعيّة" تطغى على كلّ ما عداها. ومثّله التيّار الصدري الذي نشأ تنظيميًّا بعد عام 2003، وكانت المقولة "الشيعيّة" عموده الرئيس، ليس فقط بسبب طبيعة النشأة التاريخية لهذا التيّار في تسعينيات القرن الماضي، وإمنّ ا أيضًا بسبب طبيعة الصراع الذي استحكم بعد 2003. عزّزت المساهمات التنظيرية لمقولة "الهويّة السياسية الشيعيّة" من خلال المنفييّن، سواء في إيران أو في المنافي الأخرى، هذا الاتّجاه، بخاصّة بعد عام 1991؛ إذ كان لهؤلاء دور مركزي في صوغ هذه الهويّة، والتنظير لها في كتابات مثل: "الشيعة والدولة القومية" لحسن العلوي (البعثي السابق)، و"مشكلة الحكم
في العراق" لعبد الكريم الأزري (العضو السابق في الحزب الوطني الديمقراطي الليبرالي)، وربمّ ا كان صدور إعلان شيعة العراق في عام 2002، تتويجًا لهذا التوجّه. فمع هذه الكتابات ظهر خطابُ هويّة ذو رؤية سياسية تتعلّق بالتمييز الذي مارسته الدولة العراقيّة منذ تأسيسها في عام 1921 ضدّ "الشيعة"، وبضرورة إعادة توزيع السلطة فيما يتعلّق بنظام الحكم في العراق.
أمّا الأطراف السنّية، جميعها بلا استثناء، فقد تأسّست بدايةً على مقولة الهويّة "السنّية." ويشمل ذلك القائمة العراقيّة التي لا يمكن أن تصنّف في النهاية إلا بأنّها ائتلاف سنّي، أي أنّها دخلت بالضرورة في قائمة التصنيف الهويّاتي. وإذا كان الحزب الإسلامي لم يفكّر في لحظة التأسيس 1960() في هذه المسألة بسبب طبيعة الدولة السنّية في العراق حينها، فإنه اعتمد هذه المقولة بعد نيسان / أبريل 2003 بطريقةٍ عمليّة. وهنا لا بدّ من التنبيه إلى أنّ المقولة الطائفية ليست حكرًا على الأحزاب الدينيّة، فهي مقولة أيديولوجية/هوياتيّة يمكن أن تجد حاضنتها في أحزاب علمانيّة أيضًا. يكشف هذا الانقسام الهويّاتي ثلاث رؤى متقاطعة بشأن ثلاث قضايا أساسيّة: الموقف من إرث الدولة العراقيّة الحديثة منذ عام 1921 إلى لحظة سقوطها عام 2003. ويشمل ذلك الموقف من عقيدة الدولة، والجيش، وحزب البعث. رؤيتها لنظام العراق السياسيّ. ويشمل ذلك بالأساس الموقف من الدستور. رؤيتها لمستقبل الدولة العراقيّة. لسنا هنا أمÓ ام خلافاتٍ سياسيّة، بين كياناتٍ سياسيّة، تتعلّق بالأيديولوجيا أو ببرامج العمل في حال الوصول إلى السلطة، وإمنّ ا نحن بصدد خلافات أكثر عمقًا تعكس انقسام الذاكرة وانقسام الرؤى، بين كيانات سياسيّة تستمدّ وجودها وديمومتها من الولاءات الأوّلية، وربمّ ا استطاعت احتكار تمثيلها. ومن ثمّ، تبرز مطالب يراد لها أن تعكس المطالب الأثنية والمذهبيّة، بل وحتّى التاريخيّة والشخصية. في ظلّ هذه الوقائع، لم يجر التعامل مع أيّ معارضة "مفترضة"، في مجلس النوّاب العراقيّ على سبيل المثال، إالّ وفق التصنيف الهويّاتي البحت. ويجري اتّهام "المعارضين" مقدمًا - أيًّا كانوا - بصفتهم الهوياتيّة، لا السياسية، وتسويق معارضتهم بوصفها سنّية أو شيعيّة أو كرديّة، ليسهل إهمالها وتجاوزها. وهذا يعني في النهاية أنّ دور المعارضة المفترضة، سيظلّ في حدود "الظاهرة الصوتيّة." ولا يمكن أن يكون له أيّ تأثير حقيقي في مسار العملية السياسية أو بناء الدولة.
الطائفيّة السياسية: منتصرون ومهزومون
لقد ضمّ الÓ رصاع في العراق بعد نيسان / أبريل 2003 طرفين؛ طرف "المنتصرين" أو من يعتقدون أنّهم منتصرون، ومن ثمّ فهذه هي اللحظة التاريخيّة التي لن تتكرّر لتثبيت مطالبهم القومية والمذهبية، بل وحتّى التاريخية (الشيعة والكرد)، وطرف "المهزومين" الذين وجبت معاقبتهم لتماهيهم مع "الدولة المنهارة" (السنّة العرب.) وقد كرّست طريقة تعامل الأميركييّن مع السنّة بوصفهم "أقلّية"، شكل هذا الصراع ليتحوّل إلى أمرٍ واقع. ومن ثمّ، فإنّ عملية بناء الدولة ككلّ كانت نتاجًا لتوازن قوى "مختلّ "، في لحظة هيمنة "المنتصرين"، وتهميش "المهزومين." وكانت النتيجة أنّ "المهزومين" ظلّوا ينظرون إلى السلطة القائمة بوصفها غلبة "رؤى" معيّنة تبرز تأويالً محدّدًا لتاريخ العراق الحديث، وليس بوصفها "سلطةً" ذات مشروعيّة يعترف بها الجميع، وممثّلة للجميع، وأنّها في النهاية سلطة مستمدّة من الشعب بجميع مكوّناته وطوائفه. لقد كانت مقولة "الأقلّية السنّية" جزءًا من محاولة رسميّة أميركيّة من أجل تكريس فكرة أنّ النظام الحاكم في بغداد ليس شموليًّا، ودكتاتوريًّا، وعدائيًّا وحسب، ولكنّه يمثّل الطائفة السنّية حصرًا، وهي أقلّية ديمغرافية تحكم الأكثرية الديمغرافية الممثّلة في الشيعة. على
سبيل المثال لا الحصر، تحدّث تقريرٌ نشرته الجامعة الأميركيّة في واشنطن قبيل الحرب، عامّ أسماه "تكريس السلطة العربيّة السنّية" في العراق. وتحدّث بريمر في مذكّراته عن توزيع العراقييّن، شيعة يشكّلون %60 من مجموع السكّان، وكرد يشكّلون %20، و"أقلّية سنّية عراقيّة تشكّل نحو %19 من مجموع المواطنين العراقييّن وقد ظلّت تسيطر على المجتمع العراقيّ." وتحدّث عن الجيش العراقي بوصفه مكوّنًا من ضبّاطٍ سنّة يمثّلون الأقلّية، وجنودٍ شيعة يمثّلون الأغلبية. وتحدّث تقرير بيكر - هاميلتون الذي صدر في عام 2007 صراحةً عن أغلبيّة شيعيّة وأقلّية سنّية.
وهذه الصورة النمطيّة كانت إلى حدٍّ ما نتيجة عاملين؛ الأوّل هو ضعف المعرفة الأميركيّة بالكثير من الحقائق الاجتماعيّة والسياسيّة في العراق، والثاني هو المعلومات المضلّلة التي كانت تقدّمها المعارضة العراقيّة لصانع القرار الأميركيّ. على سبيل المثال لا الحصر، يمثّل "إعلان شيعة العراق" الذي صدر في 2002 المانفستو الأساسي لمقولة "الأكثريّة الشيعيّة المحكومة من النزعة الطائفيّة المهيمنة للسلطة السنّية المعادية للشيعة منذ عام 1921." وربمّ ا كان هذا الإعلان من المصادر الرئيسة لمقولة "الأقلّية السنّية"، وقد وردت في الإعلان بصورةٍ صريحة، إذ نقرأ: "صار رفض الوجود الشيعي في الدولة هو الخطّ العامّ لسياسات الحكم، فالأقلّية السنّية يجب أن تحكم وتمسك بعوامل القوّة المدنيّة والعسكرية والاجتماعية، في حين تبقى الأغلبيّة الشيعية محاصرة معزولة". وقد وجدنا النسخة الأولى للدستور العراقيّ التي قدّمت مسودتها إلى الجمعية الوطنية في 15 آب / أغسطس 2005 تعيد إنتاج ما جاء في هذا الإعلان تمامًا، فقد كان هناك نصّ خطير على اتّهام مكوّن رئيس من مكوّنات المجتمع العراقيّ، يقول: "مستذكرين مواجع القمع الطائفي من قبل الطغمة المستبدّة ضدّ الأغلبية." وقد عدّل هذا النصّ في النسخة الأخيرة إلى "مستذكرين مواجع القمع الطائفي من قبل الطغمة المستبدّة." فالنصّ الأوّل "يماهي" بين "الطغمة المستبدّة" و"الأقلّية" التي "يمثّلها" بحسب واضعي الدستور، ومن ثم نكون أمام "أقلّية مستبدّة" و "أغلبيّة مقموعة." وبما أنّ الاختلاف بين المجموعتين يتركّز على "الهويّة القائمة على المذهب"، سنكون أمام "أقلّية سنّية مستبدّة" و"أغلبية شيعيّة مقموعة." لسنا هنا بصدد صوغٍ لغويٍّ غير دقيق، وإمنّ ا أمام خطابٍ طائفيّ بامتياز أواّل، وأمام منطقٍ يقوم على افتراض "اختلافات هوياتيّة"، و"اختلافات ديمغرافية" تحكم "الصراع"، وليس "اختلافات سياسية." ولكن الرؤية الأميركيّة للوضع الديمغرافي في العراق لم تنعكس في قانون إدارة الدولة، فقد جرى التعامل مع الكرد حصرًا بوصفهم أقلّية يجب أن تحظى بحقّ الفيتو فيما يتعلّق بإقرار الدستور. فحرصوا على تضمين قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية فقرة تنصّ على أنّه: "يكون الاستفتاء العامّ ناجحًا، ومسودة الدستور مصادقًا عليها، عند موافقة أكثريّة الناخبين في العراق، وإذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر" (المادّة 61/ج.) وأيضًا من خلال المادّة 36(/ج) التي نصّت على أنّ قرارات مجلس الرئاسة تُتّخذ بالإجماع، وبما أنّ المجلس يشمل المكوّنات الرئيسة الثلاثة، فهذا يعني الفيتو المتبادل؛ أي امتلاك كلّ مكوّن من مكوّنات المجتمعات التعددية حقّ النقض الذي يُستعمل حمايةً إضافية لمصالح الأقلّيات الحيويّة. فهذا الفيتو هو وحده ما يمنح كلّ مكوّن ضمانةً كاملةً للحماية الأساسيّة. ولكنها كانت مصمّمةً للكرد حصرًا، لأنّ التوزيع الجغرافي
للسنّة العرب لم يتح لهم الإفادة من هذا الفيتو المفترض على الرغم من أنّهم ديمغرافيًّا أكثر من الكرد. وهذا يعني أنّ الأميركييّن إمنّ ا نظروا عمليًّا إلى الكرد وحدهم بوصفهم "أقلّية" لا بدّ من حماية مصالحها، ولم ينظروا كذلك إلى السنّة العرب وإن كانوا يعدّونهم "أقلّية." في المقابل، لم ينظر "السنّة العرب" في العراق إلى أنفسهم مطلقًا على أنّهم "أقلّية"، فقبل قيام الدولة العراقيّة في عام 1921، كان السنّة العرب جزءًا من الأغلبيّة السنّية في الدولة العثمانيّة. ولم ينظر العرب السنّة إلى أنفسهم بوصفهم أقلّية بعد قيام الدولة لسببين: الأوّل هيمنتهم على الدولة الناشئة، والثاني احتساب الكرد على أنّهم في صفّهم طائفيًّا في مقابل الشيعة العرب. ولا يزال البعض يستخدم هذه المعادلة عند الحديث عن الديمغرافيا الطائفيّة في العراق. ولكن المعادلة كانت قد تغريّ ت على نحوٍ جذريّ، فقد كان للأحزاب الكرديّة منذ ستينيّات القرن الماضي دورٌ حاسم في صوغ "هويّة قوميّة كرديّة" في مواجهة "العرب" بعيدًا عن المسألة المذهبيّة. وقد تكرّس هذا الواقع سياسيًّا بعد الاحتلال عبر ما سُمّي "التحالف الإستراتيجي الرباعي" الذي جمع "الحزب الديمقراطي" و "الاتّحاد الوطني" الكردييّن، مع كلّ من "المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة" و"حزب الدعوة" الشيعييّن. وهكذا، كانت المعادلة السياسيّة في العراق بداية من لحظة الاحتلال تأخذ شكل مثلّثٍ قائم الزاوية، يقف السنّة والشيعة في قاعدته، ويقف الكرد في قمّته. ومن ثمّ، فإنّ تحرّك الكرد باتّجاه أيّ من الطرفين يطيح بأيّ إمكانية لقيام توازنٍ ما بين الطرفين الأوّلين. لقد ظلّ الكرد في إطار تحالفهم الرباعيّ الإستراتيجيّ المعلن يمثّلون الضلع القائم الذي يعيد إنتاج ا الّ توازن القائم بعد الاحتلال منذ نيسان / أبريل 2003. وكانت لحظة كتابة الدستور هي التطبيق العملي لذلك، فمقاطعة العرب السنّة انتخابات الجمعيّة الوطنيّة في عام 2005، والتي تولّت كتابة الدستور العراقيّ، اضطرّت الأميركييّن إلى محاولة إدخال بعض الشخصيات السنّية إلى لجنة كتابة الدستور من أجل استكمال "الشكل الديمقراطي والتعدّدي" للعملية وليس قناعة من الآخرين بضرورة ذلك. ولكن وجود هؤلاء الأفراد كان شكليًّا وهامشيًّا بسبب موازين القوى الفاعلة (سواء في الجمعية الوطنيّة أو في لجنة كتابة الدستور) من جهة، وبسبب غياب إستراتيجية واضحة، فكان دورهم أقرب إلى دور المعارضة العبثية منها إلى دور الفاعل الحقيقي. وقد نجح الأميركيّون مرّةً ثانية في إقناع الحزب الإسلامي حينها بتمرير الدستور مقابل تضمينه مادّة بتشكيل لجنة توصي خلال مدّةٍ لا تتجاوز أربعة أشهر بالتعديلات الضروريّة التي يمكن إجراؤها على الدستور (المادّة 142.) وعلى الرغم من رفض الأغلبيّة الساحقة من العرب السنّة للدستور، فنتيجة الاستفتاء كانت إيجابية من خلال تصويت الأغلبية الساحقة من الشيعة والكرد بالإيجاب، وهو أمر كرّس الإحساس بالتهميش، في ظلّ شعورٍ عامّ تقريبًا بتعمّد إقصائهم، من دون أن ينتبه "الآخرون" إلى ما سيعنيه ذلك من رفض مضاد.ّ بعد ذلك، شارك السنّة العرب في أوّل انتخابات نيابيّة بعد إقرار الدستور، ليس إيمانًا بما سُمّي "العملية السياسيّة"، ولكن بسبب حاجتهم إلى قوى سياسيّة قادرة على الدفاع عنهم لما كانوا يتعرّضون له من ممارساتٍ يعدّونها تمييزية ضدّهم. ولكن جبهة التوافق التي اضطلعت بهذا الدور فشلت في إقناع جمهورها بقدرتها على الدفاع عنهم، فتخلّوا عنها في انتخابات مجلس النوّاب في عام 2010، واندفعوا إلى تأييد القائمة العراقيّة التي شُكّلت قبيل الانتخابات. ولكن النتيجة النهائيّة أعادت إنتاج لحظة "المنتصرين والمهزومين" ثانية، مع كلّ ما ترتّب عليها من هيمنةٍ واحتكارٍ للسلطة من جهة، وتهميش وإقصاء من جهةٍ أخرى. فتصدّر القائمة العراقيّة نتائج الانتخابات (حصلت على 91 مقعدًا) لم يسعفها في تشكيل الحكومة بسبب قرار المحكمة الاتحادية الذي فسرّ عبارة "الكتلة النيابيّة الأكثر عددًا" التي تتوىلّ ترشيح رئيس لمجلس الوزراء، بأنّها لا تعني الكتلة الفائزة بأكبر عددٍ من المقاعد في الانتخابات، وإمنّ ا الكتلة الأكبر التي تشكّل من التحالفات داخل مجلس النوّاب بعد
الانتخابات. وهكذا، حظي التحالف الوطني الشيعيّ الذي شُكّل بعد الانتخابات، والذي حظي بدعم الكرد، بمنصب رئاسة مجلس الوزراء ثانية. وشعر العرب السنّة مرّةً أخرى بأنّ فوزهم، حتّى لو كان من خلال قائمة "وطنية" يقودها شيعيّ ليبراليّ هو إياد علاوي، لم يغري شيئًا في معادلة التهميش والإقصاء القائمة.
النظام السياسي العراقي
استند النظام السياسي الذي أنتجه الأميركيّون في العراق من خلال "مجلس الحكم" (شُكِّل في 12 تمّوز / يوليو 2002) و"قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقاليّة" (الصادر في 8 آذار / مارس 2004)، إلى فكرة أن العراق بلد تعدّدي لا يمكن أن يُحكَم إالّ من خلال الشراكة، تحديدًا بين المكوّنات الرئيسة الثلاثة: الشيعة والسنّة والأكراد. لذا عمدوا إلى نقل النموذج الذي يُعرف في مجال العلوم السياسيّة ب"الديمقراطية التوافقية"، أو على الأقلّ بعض مبادئه الرئيسة، إلى العراق. هكذا تَشكّل مجلس الحكم بناءً على التصوّر الأميركيّ للنسب السكانيّة في العراق، وفق صيغة: الشيعة نصف + واحد 13(عضوًا)، والسنّة والأكراد بوصفهم يمثّلون %20 5(أعضاء لكلٍّ منهما)، وعضو واحد لكل من المسيحيين والتركمان. وقد حاول الأميركيّون تكريس هذا النموذج في الممارسة السياسية (الحكم من خلال ائتلافٍ واسعٍ يضمّ القطاعات المهمّة في المجتمع التعدّدي، والتمثيل النسبيّ في التعيينات في مجالات الخدمة المدنيّة) من خلال قانون إدارة الدولة الذي منح أيضًا الأقلّيات المفترضة حقّ الفيتو في رفض الدستور، في المادّة 142(/ذ رابعا)، من خلال تصويت ثلثي ثلاث محافظات أو أكثر ضدّه. وقد جرى الالتزام بهذا النموذج في مرحلة الحكومة الانتقاليّة والجمعية الوطنية، على الرغم من المقاطعة شبه التامّة للقوى السنّية الرئيسة لما سُمّي "العملية السياسيّة." وجرى اختيار بعض الشخصيات السنّية للمشاركة في الحكومة: رئيس سنّي ونائبان شيعيّ وكردي، ووزارة تتكوّن من 33 عضوًا يرأسها شيعي 17(وزيرًا شيعيًّا في مقابل 7 وزراء لكلٍّ من السنّة والأكراد مع وزيرين مسيحي وتركماني)، ومجلس وطني مؤقّت يرأسه كرديّ ونائبان، واحد شيعي وآخر سنّي. ولكن، شهدت عملية كتابة الدستور محاولات منهجية لرفض هذا النموذج، على الرغم من نصّ الدستور على أنّ العراق بلد تعدّدي (المادّة 3)، وعلى وجوب مراعاة "التوازن" بين مكوّنات المجتمع العراقيّ في بناء القوّات المسلّحة (المادّة 9/أولا)، وإدارة كلّ مكوّن لشؤونه الخاصّة فيما يتعلّق بالأحوال الشخصية (المادّة 41)، وإدارة الأوقاف والشؤون الدينية (المادّة 43/ب.) فالقراءة الدقيقة للدستور وتحليل موادهّ يكشفان عن نظامٍ سياسي قائمٍ على أساس نموذج "أكثروي" (نسبةً إلى الأكثريّة بالكامل.) وبما أنّنا أمام تماهٍ تامٍّ بين الأكثرية السياسية والأكثرية الديمغرافية، بسبب طبيعة القوى السياسية الرئيسة في العراق، وبسبب طبيعة الاستقطاب الطائفي (الإثني والمذهبي) القائم، فهذا يعني أنّ "الأكثرية الديمغرافية"، من خلال تمثيلها النسبي في البرلمان، لديها القدرة - ولو نظريًّا - على احتكار السلطة. فقد نصّت المادّة 49(/ثانيا) على ما يلي: "تتخذ القرارات في جلسات مجلس النوّاب بالأغلبية البسيطة بعد تحقّق النصاب ما لم ينصّ على خلاف ذلك." وهذا يعني أنّ العنصر الأوّل والأهمّ في الديمقراطية التوافقية لا يتحقّق، فالأغلبية البسيطة تطيح تمامًا بمبدأ الحكم بائتلافٍ واسع. وقد شهدنا بين عامي 2007 و 2009 ثمّ في عام 2012 على سبيل المثال، انسحابًا لجبهة التوافق ثمّ القائمة العراقيّة من الحكومة، من دون أن يفضي ذلك إلى تعطيلها، مام يعني عدم تحقّق فكرة الحكم بائتلافٍ واسع.
كما أنّ الدستور أغفل تمامًا الحديث عن "الفيتو المتبادل"، ما عدا الجملة التي نُقلت من "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية"، التي تتحدّث عن رفض ثلثي ثلاث محافظات أو أكثر. ولا يمكن عد صلاحية (مجلس الرئاسة) في عدم التصديق على القوانين (المادّة /73 ثانيا) نوعًا من الفيتو الرئاسيّ يمكن الدفع به، لأنّ بإمكان مجلس النوّاب تجاوز صلاحية الرئيس هذه (المادّة 138/ج)، فضالً عن أن رئيس الجمهورية لم يعد يمتلك هذه الصلاحية، ومن ثمّ لا يمكن أن يعكس ذلك مبدأ الفيتو المتبادل المقصود هنا. وقد أغفل الدستور تمامًا الإشÓ ارة إلى قضيّة التمثيل النسبي في التعيينات في الإدارة المدنيّة العامّة، ولا سيمّا أنّه لا وجود لإحصائيّة دقيقة تُظهر الحجم الحقيقي لكلّ مكوّن. ومن الواضح من النماذج
الخاصّة بالتعداد السكّاني المفترض أنّه لا توجد آليّات لمعرفة الوزن الديمغرافي للمكوّنات جميعها، إذ لم يشتمل نموذج التعداد على سؤال يتعلّق بالمذهب. ومن هنا، فإنّ الادّعاءات المتعلقة بهذا الأمر ستبقى قائمةً ما يمنع الوصول إلى تمثيلٍ نسبيٍّ حقيقيّ حتّى في القوّات المسلّحة مثلما تحدّث عنه الدستور، وهو ما وجدناه في السجالات المتعلّقة بالتوازن التي أقرّها اتّفاق أربيل. أمّا بالنسبة إلى الخاصية الرابعة للديمقراطية التوافقية والمتعلّقة بالإدارة الذاتيّة، فهي متحقّقة فيما يخصّ إقليم كردستان حصرًا، بخاصّ ة في ظلّ رفض رئيس مجلس الوزراء طلبات تشكيل الأقاليم التي قدّمتها محافظتا صلاح الدين وديالى في مخالفةٍ صريحة للدستور والقانون النافذ، وهو الأمر الذي يجعلنا – على نحوٍ واضح - بعيدين تمامًا عن فكرة الإدارة الذاتيّة للمكوّنات. لقد جرت الإطاحة إذًا بنموذج الديمقراطية التوافقية في نصّ الدستور العراقيّ. وما شهدناه من ممارساتٍ سياسيّة طوال السنوات السبع الماضية، كان ممارسات براغماتية فحسب، مفروضة أميركيًّا، ولا تستند إلى أيّ إطار دستوري أو قانوني. يبنيّ استقصاء آليّات التصويت في مجلس النوّاب أنّنا عمليًّا أمام خمسة أشكال للتصويت: أاوّل - التصويت بأغلبية الثلثين، ويرد في المواد:ّ 52(/أ) البتّ في صلاحية عضوية مجلس النوّاب،61(/ تاسعا) الموافقة على إعلان الحرب،)65(إنشاء مجلس الاتّحاد، 70(/أولا) انتخاب رئيس الجمهورية،)92(تشكيل المحكمة الاتحاديّة، 136() حلّ هيئة دعاوى الملكية،)138(انتخاب مجلس الرئاسة الانتقالي. ثانيًا- التصويت بالأغلبية المطلقة، ويرد في المواد:ّ 75() انتخاب رئيس مجلس النوّاب، 61(/خامسا) الموافقة على تعيين قضاة بناءً على اقتراحٍ من مجلس القضاء الأعلى، 61(/سادسا) مساءلة رئيس الجمهورية، 61(/ثامنا) سحب الثقة من أحد الوزراء، /61(ثامنا/ب 3/-) سحب الثقة من رئيس الوزراء، 61(/ثامنا/ه) إعفاء مسؤولي الهيئات المستقلّة، 64(/أولا) حلّ مجلس النوّاب، 76()/رابعا المصادقة على الوزارة ومنهجها، 135() حلّ هيئة اجتثاث البعث (بعد انتهاء مهمّتها.) ثالثًا- التصويت بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائه، ويرد في المادّة /138(ثانيا/ج) إقالة عضو من أعضاء مجلس الرئاسة. رابعًا- التصويت بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه، ويرد في المادّة /138(خامسا/ج) في حالة عدم تصديق مجلس الرئاسة على القوانين للمرّة الثانية لإقرارها من مجلس النوّاب. خامسًا - التصويت بالأغلبية البسيطة، ويرد في مادّةٍ عامّة عن طريقة اتّخاذ القرارات في مجلس النوّاب، إذ تنصّ المادّة 59() على: "تُتّخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بعد تحقّق النّصاب، ما لم ينصّ على خلاف ذلك." وتبنيّ القراءة الدقيقة للآليّات السابقة بوضوح أنّ بعضها انتهى عمليًّا، لأنّه يتعلّق بمجلس الرئاسة الذي لم يعد قائمًا. وبعضها الآخر جرى تجاوزه في الدستور نفسه، كما في حالة انتخاب رئيس الجمهورية، إذ إنّ شرط الثلثين ينتفي في حال عدم حصول أيّ من المرشّحين عليه، ويجري انتخاب الرئيس في الاقتراع الثاني بالأغلبية البسيطة من الأصوات. وهذا يعني أنّ الأغلبية البسيطة يمكنها أن تّمرّر غالبية القرارات في مجلس النوّاب من دون الالتفات إلى أي معارضة محتملة، حتّى لو كان تعداد هذه المعارضة 162 صوتًا في مقابل أغلبية 163 صوتًا. ويحدّد الدستور آليّات اختيار الرئاسات الثلاث كما يلي: رئيس مجلس النوّاب: يجري انتخابه بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، أي أكثر من 163 صوتًا (المادّة.)55 رئيس الجمهورية: يجري انتخابه بأغلبيّة ثلثي عدد أعضاء مجلس النوّاب، أي 217 صوتًا، وفي حالة عدم حصول أيّ من المرشّحين على هذا العدد، يجري التنافس بين المرشّحيَن الحاصليَن على أعلى الأصوات، ويعلن رئيسًا من يفوز بأكثريّة الأصوات من دون تحديد أيّ رقم (المادّة 70/ أولا وثانيا.) رئيس مجلس الوزراء: يحوز الثقة بالأغلبيّة المطلقة، أي 163 صوتًا (المادة 76.)/رابعا وهذا يعني عمليًّا أنّ بإمكان أيّ كتلة برلمانيّة يزيد عدد أعضائها على 163 عضوًا، أن تحوز الرئاسات الثلاث معًا، ولو نظريًّا. وهذا يعني أيضا أنّ بإمكان هذه الكتلة المفترضة تمرير أيّ قانون بالأغلبية البسيطة أو المطلقة من دون الالتفات إلى موقف الآخرين.
هيمنة السلطة التنفيذية
اعتمد الدستور العراقيّ مبدأ الفصل بين السلطات؛ فقد نصّت المادّة 47() من الدستور على أنّ السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية) "تمارس اختصاصاتها ومهامّ تها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات". ولكن الممارسة السياسية على مدى السنوات الماضية كشفت بصورةٍ جليّة تداخالً حقيقيًّا في السلطات، أعاد عمليًّا إنتاج العلاقة التي حكمت مؤسّسات الدولة العراقيّة منذ بداية تأسيسها في عام 1921، بعيدًا عن النصوص الدستورية والقانونية التي يفترض أنّها الوحيدة الحاكمة. وقد حصر الدستور العراقيّ الصلاحيات التنفيذيّة في يد "مجلس الÓÓوزراء"، ولم يحصرها في شخص رئيس مجلس الÓوزراء. والمÓ ادّة الوحيدة التي وصفت مهامّ رئيس الوزراء كانت المادّة 78() التي نصّت على أنّ "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامّة للدولة، والقائد العامّ للقوّات المسلّحة، يقوم س اجتماعاته، وله الحقّ في إقالة الوزراء بإدارة مجلس الوزراء، ويترأ، بموافقة مجلس النوّاب." لكن الممارسة السياسية كانت مختلفة تمامًا، فقد استطاع رئيس مجلس الوزراء احتكار السلطة التنفيذية بالكامل، ولا سيمّا في ظل عدم وجود نظامٍ داخلي لمجلس الوزراء يحدّد آلية اتّخاذ القرار فيه. ولكن المسألة الأكثر خطورةً كانت في تأويل عبارة "القائد العام للقوّات المسلّحة" على أنّها تعطي لرئيس مجلس الوزراء سلطة. وهو التأويل الذي أنتج أغلب الأزمات مطلقة في إدارة هذا الملفّ. بل توسّ عت هذه الصلاحية المطلقة لتشمل القوّات الأمنيّة بالكامل، القانونية منها (القوّات التابعة لوزارة الداخلية، جهاز المخابرات)، وغير القانونية (جهاز مكافحة الإرهاب، القوّات التابعة لمكتب القائد العامّ للقوّات المسلّحة)، فضالً عن تشكيل ما سُمّي "قيادة العمليات" التي تتبع رئيس مجلس الوزراء مباشرة.ً لقد أنتجت هذه "السلطة المطلقة" واحدًا من أهمّ أسباب الحراك الجماهيري القائم اليوم، وتحديدًا فيما يتعلّق بعمليات الاعتقال العشوائي، والاحتجاز لمدد طويلة من دون محاكمة، واعتقال النساء من أقارب المطلوبين لغرض الضغط عليهم لتسليم أنفسهم. فعلى الرغم من أنّ الدستور العراقيّ يحظر الحجز، ولا يجيز الحبس أو التوقيف في غير الأماكن المخصّصة لذلك وفقًا لقوانين السجون المشمولة بالرعاية الصحّية والاجتماعية والخاضعة لسلطات الدولة (المادّة 19/الثاني عشر)؛ وعلى الرغم من أنّ قانون "إدارة مراكز الاحتجاز والتوقيف والسجون" يقضي بوجوب إخضاع جميع السجون لإشراف وزارة العدل وسلطتها حصرًا (أمر سلطة الائتلاف رقم 10 الصادر في 2003/8/6 النافذ)، وهو ما تؤكّد عليه (المادّة /2 الحادي عشر) من قانون وزارة العدل رقم 18() لسنة 2005، هناك جهاتٌ أخرى تنازع - بصورةٍ منهجية - وزارة العدل في هذه السلطة الحصريّة. فوزارتا الدفاع والداخلية، وجهاز مكافحة الإرهاب، ومكتب القائد العامّ للقوّات المسلّحة - وهي جميعها تخضع للسلطة الحصريّة لرئيس مجلس الوزراء نوري المالكي، وعلى مدى سبع سنوات من تولّيه هذا المنصب - تقوم باحتجاز متّهمين لمدد طويلة، وهو ما أثبتته وزارة حقوق الإنسان في تقاريرها السنويّة (تقارير الأعوام 2007، و 2008، و 2009، و 2010، و)2011. بل إن هذه التقارير أثبتت أنّ هذا الاحتجاز، غير القانوني، كان يأخذ مسارًا تصاعديًّا على مستوى عدد أماكن الاحتجاز، وأعداد المحتجزين. ففي التقرير السنوي لأوضاع السجون ومراكز الاحتجاز لعام 2010 الصادر عن وزارة حقوق الإنسان، نقرأ ما يلي: "إنّ واقع الحال في بغداد كان قد تطوّر في هذا العام تطوّرًا سلبيًّا حيث برزت مرافق التوقيف الاحتياطي التابعة للواء 56 و 54 كمرافق توقيف احتياطي تخضع لسلطة عسكرية تحت إشراف مكتب القائد العامّ للقوّات المسلّحة." وعلى الرغم من أنّ التقرير يشير إلى تسلّم وزارة العدل الموقع الأوّل (معسكر الشرف) في شهر أيار / مايو من عام 2010 وإلغاء الموقع الثاني (مركز سور نينوى)، فالتقرير يؤكّد أنّ "إشكالية
الإدارة لموقع الشرف لم تنته بتسليم الإدارة لوزارة العدل فقد برزت تدخلّات إدارة اللواء [المقصود هنا اللواء 56] ومكتب القائد العام للقوّات المسلّحة عائقًا أمام قيام وزارة العدل وكادرها بالمهامّ الموكلة إليها قانونًا؛ إذ فرضت إجراءات عسكرية منعت بموجبها الزيارات العائلية ومقابلات المحامين والنقل والتسفير، فضْ الً عن عرقلة أعمال التفتيش من خلال وزارة حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر... وقد انتهى عام 2010 ولم تتمكّن وزارة حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الموقع المذكور بل على العكس فإنّ إدارة مرافق الاحتجاز العسكرية قد نقلت أكثر من 200 محتجز ممّن أودعوا مرفق التوقيف الاحتياطي لمعسكر الشرف إلى موقع العدالة 2 التابع لوزارة العدل في معسكر العدالة في الكاظمية ووضعوا تحت سيطرة قوّة الحماية التابعة للواء 56 والتي كرّست ذات السلوكيات الخاصّة بالعرقلة والمنع للزيارات". وقد بلغ عدد مرافق الاحتجاز المخالفة للدستور وللقوانين النافذة وفقًا لتقرير وزارة حقوق الإنسان لعام 2010 ما مجموعه 40 مركزًا، بينها 18 مركزًا في بغداد، و 22 مركزًا موزّعةً على المحافظات (لم يتجاوز عدد هذه المراكز 21 مركزًا في عام 2008 بحسب تقرير وزارة حقوق الإنسان للعام المذكور، وتحدّث تقرير الوزارة لعام 2009 عن وجود 38 مرفق توقيف)تسفيرات(في عموم العراق لا تتبع وزارة العدل، وإمنّ ا تتبع وزارتي الداخلية والدفاع، في مخالفةٍ صريحة ومنهجية لأحكام الدستور والقوانين النافذة، ما يعني أنّنا أمام سياسة منهجية لانتهاك الدستور والقوانين النافذة في هذا الشأن.) وقد بلغ عدد المحتجزين المودعين في هذه المراكز ما مجموعه 7925 محتجزًا بحسب تقرير وزارة حقوق الإنسان لعام 2010. كما يسجّل التقرير أنّ "مدد الحجز الطويلة كإجراء سابق للمحاكمة في غياب حقّ المحتجز في الاتّصال بالأهل والعالم الخارجي والتمتّع بخدمات محامي الدفاع، يعتبر نوعا من التعذيب وإساءة المعاملة ناهيك [فضالً] عن اعتباره تغييبا قسريًّا للمحتجزين [ولا] سيمّا أنّ حكومة جمهورية العراق قد أصبحت عضوًا أساسيًّا بانضمامها للاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من التغييب والإخفاء القسري،ّ ونخصّ بذلك مراكز التوقيف الاحتياطي في معسكر الشرف (لواء بغداد - 56/) ومعسكر مطار المثنى (الهيئة التحقيقية لسور نينوى) لواء 54، وقاطع لواء 56 ضمن قسم العدالة 2 في معسكر العدالة في الكاظمية، ومرافق توقيف جهاز مكافحة الإرهاب، ومديريات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة التابعة لوزارة الداخلية". وفي التقرير السنوي لأوضاع السجون ومراكز الاحتجاز لعام 2011، يتكرّر الحديث عن الانتهاكات المنهجيّة نفسها، إذ يشير التقرير إلى أنّه "لم يطرأ تغيير في العام ١١٠٢ فيما يتعلق بالخريطة السجنية والتوزيع الجغرافي لمرافق التوقيف الاحتياطي في بغداد والمحافظات، فعلى صعيد الإدارة غير الشرعية لمرافق التوقيف الاحتياطي من قبل الÓ وزارات الأمنية فقد استمرّت وزارة الدفاع بإدارة السجن الخاص بمديرية الاستخبارات العسكرية الذي يضمّ مئات المحتجزين المدنييّن بقضايا جنائية وكذا الحال بالنسبة للفرق العسكرية المنتشرة في محافظات العراق". كما يشير التقرير إلى أنّ وزارة الداخلية قد استمرّت في انتهاكها الدستور والقوانين النافذة من خلال زيادة عدد مراكز الاحتجاز غير الشرعية "فقد شهد العام ١١٠٢ زيادة في عدد مديريات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة المرتبطة بوكالة الوزارة للمعلومات والتحقيقات الوطنية حيث تم استحداث العديد من مرافق التوقيف الاحتياطي نوضّ حها في الجداول المرفقة وهي مرافق احتجاز غير شرعية بمقتضى أحكام القسم (١) من قانون إدارة السجون مشيرين في هذا الجانب إلى حرمان المحتجزين من العديد من الضمانات القانونية بسبب خضوع إدارة تلك المديريات لوزارة الداخلية أو الدفاع أو قيادات العمليات." إضافة - كما يشير التقرير – إلى ما ينتج من ذلك من "المخالفة الصريحة لروح القانون في جمع جهتي التحقيق والاحتجاز بيد جهة واحدة الأمر الذي يؤدّي إلى حرمان المحتجزين من مزيّة إمكانية التحرّر من الإدارة في تقديم الشكاوى والتظلمّات إلى الجهات الرقابيّة فضالً عن الضغوط التي يمكن أن تمارس بحقّ المحتجزين لحملهم على الاعتراف والإقرار بارتكاب الجرائم والتهم المنسوبة إليهم." وقد تحدّث التقرير عن 37 موقعًا، منها 12 في بغداد و 25 في المحافظات، و 6916 محتجزًا في هذه المرافق المخالفة للدستور والقوانين النافذة.
إنّ الوقائع التي تؤرشّ عليها تقارير وزارة حقوق الإنسان تكشف عمليًّا انتهاكات دستورية وقانونية فشل النظام السياسي العراقي - بسلطاته المختلفة - في إيقافها؛ فقد فشل رئيس الجمهورية الذي عهد إليه الدستور أن "يسهر على ضمان الالتزام بالدستور" (المادّة 67) في القيام بواجبه تجاه هذا الانتهاك الدستوري الصريح، فضال عن انتهاكاتٍ عديدة أخرى. كما فشل مجلس النوّاب في إيقاف هذه الانتهاكات الصريحة والمنهجية للدستور والقانون، ومثله فشلت السلطة القضائية في القيام بالتزاماتها بضمان محاكمةٍ عادلة للمتّهمين بسبب خضوعها لشروط السلطة التنفيذية، من خلال قبولها القيام بالتحقيق القضائي في أماكن الاحتجاز غير القانونية، فضالً عن الأخذ بنتائج التحقيقات الابتدائية التي تقوم بها جهة الاحتجاز غير القانونية في مخالفةٍ صريحةٍ لما استقرّ عليه فقه القانون بعدم جواز الجمع بين جهتي الاحتجاز والتحقيق بيد جهة واحدة.
المحكمة الاتحاديّة وتكريس السلطة
شكّلت المحكمة الاتحادية بموجب القانون رقم 30 لسنة 2005، الذي لم يمنحها أيّ صلاحيات تتعلّق بالدستور أو تفسيره، إلا أن المحكمة الحاليّة أعطت لنفسها - من دون سندٍ دستوري أو قانوني الصلاحيات المحدّدة في الدستور الذي أُ-قرّ بعد تشكيلها بالقانون السابق (ما قرّرته المادّة 93 من الدستور بشأن صلاحيات المحكمة الاتحاديّة)، من دون تغيير في بنية المحكمة نفسها وطبيعتها. وقد كرّس التواطؤ السياسيّ من جهة، وموازين القوى من جهةٍ ثانية، والاستخدام السياسيّ لقرارات المحكمة من جهةٍ ثالثة، هذه الولاية المشكوك فيها قانونيًّا. ولعلّ من أبرز ما أفرزته المرحلة الماضية مساهمة المحكمة الاتحاديّة العليا في "شرعنة" محاولات تجميع الصلاحيات بيد السلطة التنفيذية، ورئاسة مجلس الوزراء تحديدًا، من خلال بعض قراراتها المثيرة للجدل. ومن بين هذه القرارات قرار المحكمة الاتحادية رقم 44 لسنة 2010 القاضي بسحب سلطة التشريع من مجلس النوّاب ومنحها للسلطة التنفيذية حصرًا، حين نصّ على أنّ مقترحات القوانين التي يقترحها مجلس النوّاب لا تكتسب شرعيّتها إالّ إذا مرّت عبر قناة السلطة التنفيذيّة، بل مجلس الوزراء حصرًا، ثمّ قرار المحكمة الاتحادية رقم 88 لسنة 2011 الذي ربط الهيئات المستقلّة بموجب الدستور بمجلس الوزراء. وهناك أيضًا قرار المحكمة الاتحادية رقم 35 لسنة 2012 الذي عطّل قدرة مجلس النوّاب على استجواب رئيس مجلس الوزراء أو أي من الوزراء، من خلال تفسير المادّة المتعلّقة بالاستجواب بالقول إن الاستجواب "يلزم أن يتضمّن وقائع محددة تتضمّن خرقًا دستوريًّا أو قانونيًّا، وترتّب عن هذا الخرق ضرر فادح، مادي أو معنوي." وقد كان لقدرة السلطة التنفيذية - وتحديدًا السيّد رئيس مجلس الوزراء - على استخدام ورقة اجتثاث البعث ضدّ الكثير من أعضاء المحكمة الاتحادية والسلطة القضائية عمومًا؛ فضالً عن سياسة الامتيازات؛ وعدم وجود تراثٍ حقيقي لاستقلالية القضاء في العراق، دورٌ كبير في تمكّن رئيس مجلس الوزراء من فرض هيمنته الكاملة على السلطة القضائيّة، وهو ما يُظهر أيضًا عجز النظام السياسيّ العراقيّ عن احترام مبدأ الفصل بين السلطات.
في توصيف التظاهرات
افتقر العراقيّون إلى ثقافة الاحتجاج والتظاهر والاعتصام المدني السلمي على مدى عقود، فللمرّة الثانية منذ نيسان / أبريل 2003، يمكننا الحديث عن بداية تحوّل نوعيّ في وعي المواطنين بقدرتهم على التغيير من خلال الاحتجاج المدنيّ والسلميّ. حدث الحراك الأوّل في يوم 25 شباط / فبراير 2011. وقد جرى إجهاضه مبكرًا عبر القمع المباشر، وعبر خطابات التشكيك والتحريض. ويشهد العراق حاليًّا، تحديدًا في الجغرافيا السنّية (بعض المناطق في محافظات بغداد، والأنبار، وصلاح الدين، ونينوى، وديالى، وكركوك)، تظاهرات مدنيّة أخرى، تطوّرت سريعًا إلى حركة "اعتصام"، ودعوات إلى "عصيان مدني." استطاع الحراك هذه المرّة الحفاظ على زخْمه على مدى أكثر من مئة يوم 21(كانون الأوّل / ديسمبر 2012 – 3 آذار/ مارس 2013.) وقد أفاد منظّمو التظاهرات والاعتصامات في المدن المختلفة – بالضرورة - من الأساليب التي اعتمدتها الثورات العربيّة، خاصّة
أنه ليس ثمّة تراثٌ حقيقيّ من وسائل الاحتجاج السلمي والمدني في العراق، على الأقلّ خلال السنوات الأربعين الماضية. ففكرة تسمية أيّام الجمعة اقتُبست من ثورات مصر واليمن وسورية، وكذلك اقتُبست فكرة ساحات الاعتصام "(ساحة العزّ والكرامة" في الرمادي، و"ساحة الاعتصام" في الفلوجة، و"ساحة الأحرار" في الموصل، و"ساحة الحق " في سامراء) التي أصبحت رموزًا من خلال تسميتها على الرغم من أن أمكنة الاعتصامات في الحراك العراقيّ ليست ساحاتٍ حقيقية، إمنّ ا هي خطوط المرور السريع كما في الرمادي والفلوجة مثلا. لا يمكن إنكار أنّ حركة التظاهرات الأخيرة بدأت منظّمة، وأدارتها جهة سياسية محدّدة هي كتلة "متّحدون" التي يتزعّمها الدكتور رافع العيساوي (وزير الماليّة) وأسامة النجيفي (رئيس مجلس النوّاب)، وهي تكتّل شكّلته بعض أطراف "القائمة العراقية" لدخول انتخابات مجالس المحافظات في نيسان / أبريل 2013، ولكن هذه التظاهرات سرعان ما تحوّلت إلى حركة جماهيرية. وقد أنتج هذا التحوّل حركة احتجاج لا يمكن أن تنسب إلى جهةٍ سياسيّة أو اجتماعية أو دينية أو مدنيّة محدّدة. وعلى الرغم من الحضور الواضح لرجال الدين وشيوخ العشائر على المنصّات، تحديدًا في أيّام الجمع التي تشهد أكبر عددٍ من المتظاهرين، فهذا الحضور يتعلّق بما تواضعت عليه المجتمعات المحلّية في المحافظات التي شهدت هذا الحراك أكثر مام يبرز سلطةً ما لهذه الشخصيات على التظاهرات. ومن ثمّ، يجب التمييز بين لحظة بداية الاحتجاجات التي كانت ردّة فعلٍ مباشرة على اعتقال أفراد حماية العيساوي، وتطوّر هذا الاحتجاج الذاتي وتحوّله إلى حراكٍ جماهيري. ومن أجل توضيح الصورة، يمكن أن نقارن ما جرى بما حدث في مصر بين تظاهرة يوم الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2011 التي بدأها نشطاء الفيسبوك، وتظاهرة يوم الجمعة 28 كانون الثاني / يناير المختلفة تمامًا. لذلك، من الصعب تحديد القوى الفاعلة على الأرض في هذا الحراك الجماهيري، ولا سيمّا أنّ ثمّة أفرادًا أساسييّن فيه لا يمكن نسبتهم إلى جهةٍ محدّدة، ومن هؤلاء - على سبيل المثال لا الحصر - الناطق الرسميّ باسم متظاهري الرمادي، وهو الشيخ سعيد محمود اللافي، والناطق الرسمي باسم متظاهري ومعتصمي سامراء ناجح عباس الميزان، والناشط الحقوقي غانم العابد المتحدّث الرسمي لمعتصمي ساحة الأحرار في الموصل. وبسبب جماهيرية الحراك، لا يمكن الوقوف على أيّ مؤرشّ ات تتعلّق بالتكوين الطبقي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، وحتّى السياسي، للمتظاهرين. فنحن أمام حÓ راكٍ جماهيري، شارك فيه الجميع، من نخب سياسيّة، ورجال دين، وشيوخ عشائر، وشباب، وفئات اجتماعية مختلفة. وتؤكّد مقارنة سريعة بين أعداد المتظاهرين في أيّام الجمع المتتالية، وأعداد سكّان كلّ من هذه المدن، - فيما عدا الموصل - هذه الحقيقة (عدد سكّان محافظة الأنبار بحسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء وتقنية المعلومات يبلغ 1.598.822 نسمة، ولا يتجاوز عدد سكّان مدينتي الفلوجة والرمادي 450 ألف نسمة وفق أعلى التقديرات. ويبلغ عدد سكّان محافظة صلاح الدين 1.441.266 نسمة، ويبلغ عدد سكّان سامراء 350 ألف نسمة وفق أعلى التقديرات.)
ات جليّة على وجود تنسيق عبر ثمّة مؤرشّ - جهوي بين متظاهري الجغرافيا السنّية، من خلال توحيد تسمية أيّام الجمع في المحافظات جميعًا، ويجري ذلك عبر لجان التنسيق في المدن الرئيسة (الفلوجة، الرمادي، الموصل، سامراء)، إذ تعلن التسميات مسبقًا، ويجري تبنّيها بصورةٍ تامّة في جميع التظاهرات في المدن المختلفة الأخرى، بما فيها بغداد العاصمة. ولا يمكن لأيّ جهة سياسية أن تدّعي تحكّمها في هذا الأمر مطلقًا. فعلى الرغم من محاولة هيئة علماء المسلمين، على سبيل المثال، إعلان تسمياتها الخاصّة لبعض الجمع التي تشهد العدد الأكبر من التظاهرات بعد ما أطلق عليه "الصلاة الموحّدة"، فقد فشلت عمليًّا في فرض تسمياتها الخاصّة. وثمّة مؤرشّ آخر على هذا التنسيق عبر- الجهوي من خلال الشعارات الرئيسة التي تُعتمد. ات أخرى على وجود مطالبَ ذات طبيعة جهويّة ولكن، ثمّة مؤرشّ، تبعًا لحال كلّ مدينة أو محافظة على حدة. على سبيل المثال لا
الحصر، كان أحد المطالب الثلاثة عشر التي قُدّمت لمجلس النوّاب هو: "إعادة جميع المساجد ودور العبادة وأملاك الوقف وأملاك المواطنين الخاصّ ة المغتصبة تحت مفهوم المصادرة، وإلغاء القانون رقم 19 لعام 2005." وهو مطلب يتعلّق بمدينة سامراء حصرًا، فالقانون المذكور والمعنْون "قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعيّة الشريفة" نصّ على أن يدير ديوان الوقف الشيعيّ "مراقد أئمّة أهل البيت عليهم السلام والبنايات التابعة لها في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء." كما جرى استملاك العديد من أملاك المواطنين المحيطة بمرقد الإمامين العسكريين في سامراء ضمن خطّة الوقف الشيعي لتوسعة المرقد وتطويره، خصوصًا بعد حادث التفجير الذي تعرّض له المزار في عام 2006. وكان هذا الموضوع مثار خلافٍ دائمٍ بين الوقفين السني والشيعيّ، وبين جبهة التوافق - ثم القائمة العراقيّة - والتحالف الوطني طوال السنوات الماضية، وبرز آخر هذه الخلافات في حزيران / يونيو 2011، عندما جرى تسجيل المرقد المذكور باسم الوقف الشيعيّ وعدم الاكتفاء بالإدارة التي نصّ عليها القانون. وفي حين كان مطلب سحب الجيش من المدن مطلبًا أساسيًّا للمتظاهرين في نينوى من الأيّام الأولى للتظاهرات، لم يرتفع هذا الطلب في الأنبار إالّ بعد حادثة إطلاق الجيش النار على المتظاهرين في الفلوجة في يوم الجمعة.2013/1/25
لكن في الوقت نفسه، توجد بعض المؤرشّ ات على وجود تقاطعات في الرؤى بين المتظاهرين، يمكن ملاحظة ذلك من خلال طبيعة الشعارات التي تُرفع، وطبيعة التجمّعات داخل الاعتصامات نفسها. بل وُجد في مدينة الفلوجة مكانان مختلفان للاعتصام والتظاهرات. صحيح أنّ أحد هذين التجمّعين يبقى صغيرًا من حيث الحجم، وهو التجمّع الذي يقوده رجل الدين الشيخ خالد حمود الجميلي (كان أحد رؤساء وفد أهالي الفلوجة للمفاوضات مع الحكومة العراقية المؤقّتة في عام 2004)، إلا أنّه يبرز انقسامًا واضحًا بين الفاعلنَي الرئيسنَيْ في هذا الحراك، فضالً عن انقسام الجمهور نفسه. وبسبب جماهيرية الحراك، لا يمكن التعامل مع الشعارات التي يرفعها بعض المتظاهرين على أنّها تمثّل اتّجاهًا عامًّا لدى المتظاهرين جميعًا، ويمكن مقارنة هذا الأمÓ ر بم سألة الأعÓ الم التي يرفعها المتظاهرون، فبعضهم رفع العلمَ العراقيّ ذا النجوم الثلاث السابق لعمليّة تعديل شكل العلم التي جرت في كانون الثاني / يناير 2008، والبعض الآخر رفع العلم المعدّل بعد حذف النجوم الثلاث والإبقاء على عبارة "الله أكبر" فقط، بما يؤكّد أنّه ليس ثمّة قرار برفع علم، وإمنّ ا الجمهور هو الذي رفع العلم الذي يريد. كما لا يمكن معنيّ، بأيّ حال من الأحوال التعاطي مع الخطابات التي تلقى من على المنصّات، على أنّها "مطالب" متّفق عليها بين جموع المحتجيّن، ولا سيمّا أنّ بعض هذه الخطابات كانت تكرارا لمقولات ذات طبيعة راديكالية، وقد تردّدت في بعضها عبارات "شعبوية" تحاول توصيف الصراع القائم في العراق اليوم بأنه ذو طبيعة طائفية بحت. ومن الشعارات التي تردّدت في بعض التظاهرات، شعار الربيع العربي "الشعب يريد إسقاط النظام"، ولكن لا أحدَ من المتحدّثين الرسمييّن قال بهذا الشعار، وإمنّ ا تحدّثوا، ومعهم الخطباء، عن "إسقاط المالكي." وهذا يعني أنّ ثمّة تشذيبًا للشعارات التي يطرحها الجمهور يتوالّ ه الفاعلون الرئيسون في تنسيق هذا الحراك. ولعلّ الدليل الأوضح على هذا "التشذيب" ما ورد على لسان الشيخ عبد الملك السعدي عند زيارته متظاهري الرمادي يوم 30 كانون الأوّل / ديسمبر 2012 قائالً: ""إنّ المطالب التي خرجتم بها مشروعة، فتجنّبوا أيّ عنف أو شعارات تؤذي الآخرين." لذا يجب أن يكون التركيز على "المطالب" المتّفق عليها التي يطرحها المتظاهرون. إنّ قراءة المطالب التي تقدّم بها المتظاهرون، وهي حزمة المطالب الثلاثة عشر التي قُرئت في مجلس النوّاب، تدلّ على وعي واضح بطبيعة الانقسام المجتمعيّ في العراق، والمنعكس سياسيًّا في بنية النظام السياسي القائم، والتي لا تتيح رفع سقف المطالب للحديث عن "إسقاط النظام"، لأنّ هذه الدعوة كفيلة بتحشيد الأطراف المقابلة (الشيعة والكرد) التي أنتجت هذا النظام وما زالت حريصة عليه. خاصّةً وأنّنا أمام "نظام" كان نتاج خيارات الجمهور نفسه من خلال انتخابات ديمقراطية. لذا هناك رئيس مجلس الوزراء ومن خلفه "دولة القانون" والقائمتان الصغيرتان المنشقّتان عن القائمة العراقيّة "(العراقية البيضاء" و"العراقية الحرّة)"، وحدهم يتحدّثون عن "استهداف النظام والانقضاض عليه" في محاولة مكشوفة للّعب على الانقسام المجتمعيّ الذي تحدّثنا عنه. وقد كان لموقف
الصدرييّن، ومقتدى الصدر شخصيًّا، دورٌ حاسم في تحييد السّمة الطائفيّة عن حراك الجغرافيا السنّية. صحيح أنّ الاحتجاجات ما زالت محصورة في هذه الجغرافيا السنّية ولم تمتدّ إلى مناطقَ أخرى، ولكن هذا لا يعني مطلقًا أنّنا أمام حركة ذات طبيعة "طائفية"، ببساطة لأنّ طبيعة المطالب التي رفعها المحتجّون والمعتصمون لا يمكن اتّهامها بأنّها "طائفية" بأيّ حالٍ من الأحوال. ولكن هذه المطالب "الفئوية" تظهر، في الوقت نفسه، مطلبًا رئيسًا يتوارى خلفها، وهو مطلب إعادة صوغ النظام السياسي الذي لم يعد مقبوالً من السنّة العرب، فوضعية "المهزومين" لم تعد قابلة للاستمرار. صحيح أنّ الوثيقة الوحيدة المعلنة المتعلّقة بالمطالب الثلاثة عشر ما زالت بعد مرور أكثر من مئة يوم هي نفسها، ولكن طبيعة الخطاب السياسي الذي تتردّد أصداؤه في ساحات الاعتصام وصلاة الجمع الموحّدة، الراديكالية والعقلانية على حدٍّ سواء، تكشف عن رفض قاطع لاستمرار معادلة المنتصرين والمهزومين. إنّ هذه المطالب بطبيعتها الفئوية، لا تتيح في الوقت نفسه إمكانية حقيقيّة لانضمام محافظات أخÓ رى إلى الاحتجاجات، فالمطالب المرفوعة تتعلّق بالجغرافيا السنّية حصرًا، خاصّةً في ظل قصر استخدام مصطلح "الإرهÓ اب" على متّهمي هذه الجغرافيا، إذ لا يجري تجريم الأفعال من حيث طبيعتها، وإمنّ ا تجرّم من خلال القائمين بها، فالقائمون بأعمال "عنفية" من الشيعة يطلق عليهم مصطلحات مثل "المليشيات"، و"فرق الموت"، و"الخارجين عن القانون"، وليس "الإرهابيون"، مع كلّ ما يترتّب على ذلك من توصيفٍ قانونيّ لا يربطهم بقانون الإرهاب. وهذا ما دفع الجمهور السنّي منذ مدّة ليست بالقصيرة إلى إطلاق عبارة "المادة 4 سنّة" على "المادة 4 إرهاب" التي طالبوا بإلغائها. أمّا فيما يتعلّق بقانون المساءلة والعدالة، فثّمة إجماع شيعي على "شيطنة" البعثييّن، بمن فيهم البعثيّون الشيعة، ومن ثمّ فلا إمكانية للحديث عن مطلب "وطني" بمعنى عابر للهويّات الأوّلية. وعكْس هذا الواقع كان الأمر في تظاهرات 25 شباط / فبراير 2011 التي كانت نتيجة تأثُّرٍ مباشر بالثورات العربية، وامتدّت من السليمانية إلى البصرة مرورًا بالأنبار، لأنّ حزمة المطالب التي اشتملت على أربعة موضوعات أساسيّة: الخدمات والبنى التحتية، قضيّة الفساد، موضوع البطالة والتشغيل، ثمّ مسألة الحرّيات العامّة وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وهي مطالب جامعة لا تتعلّق بفئةٍ دون أخرى مثلما هو الأمر مع التظاهرات الحاليّة. وقد ساهم الإعلام العراقيّ، نتيجة لعدم وجود وسائل إعلام مستقلّة في العراق، وطبيعة تغطية هذا الإعلام، الرسمي منه (ممثاّلً في شبكة الإعلام العراقيّ المسؤولة عن قناة العراقيّة وصحيفة الصباح)، وغير الرسمي (التابع مباشرةً لأحزابٍ سياسية، أو للقطاع الخاصّ من حيث الشكل على الأقلّ)؛ في عدم التعاطي مع التظاهرات القائمة بوصفها حراكًا جماهيريًّا لمواطنين عراقييّن يشعرون بالاستهداف، ويعتقدون أنّ ثمّة انتهاكاتٍ منهجية يتعرّضون لها. فقد انقسم هذا الإعلام، تحديدًا القنوات الفضائية التي تزيد على الستيّن قناة، وتبعًا لمصادر تمويله، وتحيّزاته، إلى إعلام "داعم" للتظاهرات ومطالبها، وإعلام "مضادّ" يكرّر الاتّهامات الحكوميّة، خاصّةً وأنّ لكلٍّ من هذه القنوات فئة مستهدفة محدّدة طائفيًّا توجّه إليها خطابها. أمّا وسائل الاتصالات الجماهيرية الأخرى، فإنّ تحليلها يكشف ظهور الانقسام المجتمعي، الشيعي السنّي، على نحوٍ صارخ، على موقفها الاستقطابي من هذه التظاهرات.
الحراك الجماهيري وإعادة رسم الخريطة السياسية السنّية
لقد أدخلت التظاهرات الأخيرة الجمهور السنّي على خطّ إدارة الصراع على السلطة بصورةٍ مباشرة أوّل مرّة، بعد أن كان الصراع محصورًا بين القوى السياسية طوال السنوات العشر الماضية. لقد عمد الأميركيّون بعد الاحتلال إلى "اختيار" الشخصيات التي تمثّل السنّة العرب من دون أيّ عودة إلى الجمهور. وتكشف مراجعة الأسماء "السنّية" التي "مثّلت" السنّة العرب، بداية من مجلس الحكم، عن اتّساع الهوّة بين "الممثِّلين" و "الممثَّلين"، على عكس ما كان عليه الأمر بالنسبة إلى الكرد والشيعة الذين يمثّلون عبر أحزابٍ وقوى سياسيّة تاريخيّة. ولم يتغريّ هذا الأمر إلا في نهاية عام 2005 عندما "اختار" السنّة العرب ممثّليهم لأوّل مرّة في انتخابات مجلس النوّاب. ولكنّ الممثّلين الجدد "فشلوا" في تحقيق مطالب جمهورهم، فعاقبهم هذا الجمهور في انتخابات عام 2010 بانتخاب القائمة العراقيّة. لكن القائمة العراقيّة، وبسبب الأزمة البنيويّة الحقيقيّة التي عانت منها، لم تستطع الإفادة من هذا الفوز الرمزي والواقعي في آن، بل
انتهى بها الأمر إلى أن تكون المنهزم الأكبر، من خلال اللّحاق باتفاق أربيل لتشكيل الحكومة مضطرّة غير مخريّ ة، ومن خلال فشلها أيضًا في إلزام وزرائها بمقاطعة جلسات مجلس الوزراء عقب استهداف صالح المطلك وطارق الهاشمي، امّ اضطرّ القائمة في النهاية للتراجع عن هذا القرار، ثمّ تأكّد فشلها في جمع الأصوات اللازمة لسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء حين امتنع العديد من نوّاب القائمة عن تأييد طلب سحب الثقة، امّ أفشل هذه العملية التي كان بإمكانها إعادة شيء من التوازن إلى العمليّة السياسية برمّتها. هذا الفشل المتكرّر الذي أنتج سخطًا واضحًا لدى جمهور القائمة، السنّي بمجمله، انتهى إلى تفتيت القائمة إلى ثلاث تشكيلات أساسية: كتلة تضمّ رئيس القائمة إيّاد عالّ وي وأعضاء الوفاق الوطني، وكتلة تضم أسامة النجيفي ورافع العيساوي ومجموعة طارق الهاشمي إضافة إلى المنشقيّن عن جمال الكربولي، وأخيرًا كتلة تضمّ صالح المطلك ومجموعة جمال الكربولي. من جانبٍ آخÓرَ، كانت هناك شخصيات سنّية أخÓ رى، سياسية وعشائرية ورجال دين، يجري "تصنيعها"، ودعمها بالمال السياسي وتقديم المكرمات والتسهيلات (توظيف، إطلاق سراح معتقلين، مقاولات،..إلخ)، من أجل الدخول في انتخابات مجلس النوّاب القادم في عام 2014 على أمل الحصول على بعض المقاعد النيابية. فقد عمد رئيس مجلس الوزراء منذ بداية عام 2011 إلى دعم مجموعة من شيوخ العشائر وبعض السياسييّن الذين فشلوا في الوصول إلى مجلس النوّاب، فضالً عن شخصياتٍ أخرى كانت متّهمة بالإرهاب، أو بالفساد، أو مشمولة بالاجتثاث. فقد أعيد إنتاج هذه الشخصيات سياسيًّا لتدخل إلى المنافسة. دعا هذا التشتّت داخل القوى السنّية نوري المالكي إلى اعتماد إستراتيجية جديدة للعودة مرّة ثالثة رئيسًا للوزراء، فمحاولة سحب الثقة التي دفعت العديد من نوّاب القائمة العراقية، وبصورةٍ خاصّة بعض نوّاب محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى التي تضمّ مناطق متنازع عليها مع إقليم كردستان، إلى رفض توقيع طلب سحب الثقة. ويرجع موقفهم إلى أنّهم وجدوا أنّ مواقف المالكي ذات النزعة الشديدة المركزيّة في مواجهة إقليم كردستان، وخطابه "القومي" المستحدث، يمكن أن تعيد صوغ العلاقة غير المتوازنة بين محافظاتهم والإقليم، وأنّ أيّ تصعيد محتمل لحدّة هذه المواجهة يمكن له أن يدفع جمهور هذه المحافظات إلى تعديل خياراته باتّجاه هؤلاء النوّاب القريبين من المالكي. وتضاف إلى ذلك التفاهمات الصريحة والضمنيّة التي كانت تتطوّر ببطء بين جمال الكربولي والسيد المالكي، وتمكّن الأوّل من إقناع صالح المطلك بالانضمام إليه، مع الشخصيات التي جرى تصنيعها. كلّ ذلك جعل السيد المالكي يعتقد أنّ بإمكان هذه المجموعة أن تحصل على أصواتٍ سنّية تتيح لها الدخول إلى مجلس النوّاب المقبل، وتتيح له أن يستغني عن أصوات التحالف الكردستاني في العودة إلى ولاية ثالثة من جهة، وفي تشكيل حكومة "أغلبية سياسيّة" تكون فيها هذه القوى السنّية ممثّلة للمكوّن السنّي. ولكن الحراك الحالي أطاح بهذه الإستراتيجية تمامًا، فاضطرّ البعض من المجموعات المتقدمة ممّن اعترض على هذا الحراك في البداية وشكّك فيه، إلى أن يصمت أو أن يختفي من الصورة، واضطرّ آخرون إلى المزايدة على مواقف الأطراف المؤيّدة لهذا الحراك. ولكن أغلب هؤلاء بات يشعر بأنّه أصبح خارج اللعبة تمامًا، وكانت طريقة طرد المتظاهرين في الرمادي لنائب رئيس مجلس الوزراء صورةً رمزية لنهاية هذه الإستراتيجية. ومن هنا، بات واضحًا أنّ المحصّلة الأبرز لهذا الحراك، بعيدًا عن مسألة تحقّق المطالب من عدمه، إمنّ ا تتركّز في إعادة رسم الخريطة السياسية السنّية باتّجاه قائمة رئيسة هي قائمة "متحدون"، إضافةً إلى شخصيات أخرى أكثر راديكالية، ستنتجها التظاهرات نفسها. وهذه الخريطة الجديدة سيكون لها تأثيرها اللاحق في طبيعة العلاقة مع "الآخرين" بالضرورة. هذه الحقيقة فضالً عن استمرار الاحتجاجات لمدّة طويلة اضطرّت هذه القوى "المصنعة" إلى اللجوء إلى حلَيّن، الأوّل طرح أنفسهم بوصفهم ممثّلين للمحتجيّن، وتبرير "تقرّبهم" من المالكي إمنّ ا هو لغرض العمل على تنفيذ مطالب المحتجيّن، وهو الشعار الذي استخدمه الوزراء المنتمون لتيّار المطلك الكربولي لتسويغ عودتهم إلى اجتماعات مجلس الوزراء، مخالفين، بذلك، قرار القائمة العراقيّة بمقاطعة اجتماعات المجلس. وهو الأمر الذي جعل الصراع بينهم وبين قائمة "متحدون" التي تضمّ أعضاء في القائمة العراقيّة نفسها، صراعًا علنيًّا وصريحًا. والحلّ الثاني كان الطلب من المالكي تأجيل انتخابات مجالس المحافظات في محافظتَي الأنبار ونينوى، لعلمهم بأنّ أيّ انتخابات في هاتين المحافظتين، في هذه الظروف، ستفضي إلى انتصارٍ عريض لقائمة "متحدون" بسبب موقفها الداعم للحركة الاحتجاجيّة.
إنّ دخول الجمهور على خطّ الصراع هو المانفيستو الأخير لتفكّك القائمة العراقيّة تمامًا، فقائمة متّحدون (أسامة النجيفي، رافع العيساوي) تحوّلت، بشكلٍ أو بآخر، إلى العنوان السياسي للحركة الاحتجاجية مع استقالة وزرائها (رافع العيساوي وزير المالية، وعز الدين الدولة وزير الزراعة) واستمرار مقاطعة اجتماعات مجلس الوزراء (عبد الكريم السامرائي وزير العلوم والتكنولوجيا)، فيما التزمت القائمة العراقية العربية (صالح المطلك، جمال الكربولي) جانب المالكي؛ من خلال عودة وزرائها الأربعة (صالح المطلك، ومحمد تميم، وأحمد الكربولي، وعبد الكريم عفتان) إلى اجتماعات مجلس الوزراء، فيما ظلّت القائمة العراقيّة الوطنية الموحّدة (إياد علاوي) نفسها، لأسبابٍ موضوعية، خارج إطار هذا الاستقطاب، وإن بقيت مؤيّدة للحركة الاحتجاجية (ليس لحركة الوفاق التي يرأسها إياد علاوي أيّ وزارة حاليًّا بعد استقالة وزير الاتّصالات محمد علاوي، وعدم تسلّمها وزارة الدفاع المخصّصة لها ضمن ائتلاف العراقيّة.)
التظاهرات وما بعدها
إنّ أزمة النظام السياسي العراقيّ التي حاولنا توضيحها فيما تقدّم، لن تتيح بأيّ حالٍ من الأحوال تنفيذ مطالب المتظاهرين، فمنطق الصراع الذي لا يزال يحكم العملية السياسية في العراق، سيجعل القابضين على السلطة حريصين على الحفاظ على مكاسبهم مهما كانت التكلفة. لذلك، لم نجد أيّ إرادة سياسية للتعاطي بعقلانية مع المطالب المطروحة. وما جرى حتّى اللحظة اقتصر على تشكيل لجنة وزاريّة خماسية، أعضاؤها جميعًا من دولة القانون (كتلة رئيس مجلس الوزراء)، قامت بمعالجة بعض النتائج، وليس الأسباب الحقيقية التي أدّت إليها، فإطلاق سراح معتقلين، والعفو الخاصّ عن المعتقلات، وسجنهم كان أصالً نتاجًا مباشرًا لخضوع القضاء للضغط السياسي، وإحالة المشمولين بإجراءات المساءلة والعدالة (اجتثاث البعث) على التقاعد، أو رفع الحجز عن ممتلكاتهم، في حين كان منع الإحالة على التقاعد عن هؤلاء فضالً عن حجز ممتلكاتهم مخالفًا لقانون المساءلة والعدالة نفسه، من دون معالجة الأسباب التي أتاحت للسلطة التنفيذية القيام بهذه الممارسات؛ كلّ هذا لن يضمن عدم العودة إليها في أيّ لحظة، خاصّةً وأنّ إجراءات التهدئة هذه جاءت على شكل مكرمة من رئيس مجلس الوزراء الذي كثيرًا ما ذكّر أنّ هذه المسائل ليست بيده وإمنّ ا هي بيد القضاء. إنّ دخول الجمهور السنّي بصورةٍ مباشرة في إدارة الصراع لن يتيح للحكومة استخدام مناوراتها التي نجحت على مدى السنوات الماضية. ويصعب التنبؤ بالخطوات التي يمكن أن يقدم عليها هذا الحراك، في ظل عدم وجود قوةٍ سياسيةٍ، أو دينيّةٍ أو عشائريّةٍ أو مدنيّة،ٍ قادرة على التحكم فيه بشكل عقلاني. وكانت الدعوة لصلاةٍ موحدة في جامع أبي حنيفة النعمان في الأعظمية، أي نقل ثقل التظاهرات إلى بغداد، مثاالً واضحًا على هذا الأمر. على الجانب الآخر، نشهد غياب إرادة سياسيّة حقيقيّة للتعاطي مع مطالب المتظاهرين، والمراهنة على فقدان زخْمها مع الوقت، خاصة وأنّ الأطراف الفاعلة في الحكومة لم تر في هذه التظاهرات تهديدًا حقيقيًّا لسلطتها، وكانت مستعدة للتعامل مع "هايد بارك" سنّي مُسيطَر عليه أمنيًّا. ولكن الدعوة للصلاة في بغداد جعلت هذه الأطراف تشعر بالتهديد الصريح أول مرة منذ اندلاع التظاهرات، وهو ما يفسر ردود فعلها المبالغ فيها لمواجهة هذا الحراك. لقد كانت المعركة على "هوّية بغداد" جزءًا مركزيًّا في الصراع السنّي - الشيعيّ بعد الاحتلال. ونتج من هذه المعركة عملية تصنيع خطوط تماس أديرت ببشاعة مفرطة - على نحو منهجي - بعد أحداث سامراء في شباط / فبراير 2006، ورافقتها تصريحات سياسية على أعلى المستويات عن هوية "محددة" لبغداد أفرزتها نتائج الاستفتاء على الدستور في عام 2005، ومقترح فيدرالية "الجنوب والوسط وبغداد" الذي طرحه عبد العزيز الحكيم حينها. وقد ظهر هذا الصراع جليًا في متن الدستور نفسه في المادة المتعلقة بالعاصمة (المادة 124) التي ميّزت بين العاصمة "بغداد" بحدودها البلدية التي يجب أن تُنظّم بقانون لا يجيز لها أن تنضمّ لأي إقليم، ومحافظة بغداد بحدودها الإدارية القائمة التي منحت حق الانضمام إلى إقليم. ومن ثم يجب تحليل الدعوة "السنية" للصلاة في بغداد والرفض "الشيعي" لها في إطار هذه المعركة، بعيدا عن أيّ تمويهات يلجأ إليها المتصارعون لتوصيف هذه المسألة. أطاح الدخول المباشر للجمهور السنّي فاعالً رئيسًا في المواجهة المناورات التي اعتمدها بعض السياسيين للخلاص من هيمنة المركز
"المُهيمَن عليه شيعيًّا" عبر الدعوة إلى الفيدرالية سواء فيدرالية المحافظات السنّية منفردة، أو الحديث عن "إقليمٍ سنّي" يضم المحافظات السنّية ككل، خاصة مع الخلاف الصريح بين المتظاهرين حول هذه المسألة. فقد أفتى الشيخ عبد الملك السعدي في 2013/1/24 بتحريم الدعوة إلى الأقاليم، وهي تأكيد فتوى سابقة له بالمعنى نفسه، وذلك ما أعاد إنتاج المواجهة المتعلّقة بالأقاليم بين النخب السنّية الدينيّة والسياسية مرّةً أخرى.
لقد عمد المالكي إلى جملةٍ من الإستراتيجيات لمواجهة حركة الاحتجاج، بدأها بسياسة الوسطاء عبر القيادات السنّية القريبة منه، وكان من ضمن هذه الإستراتيجية تشكيل ما أطلق عليه "لجنة الحكماء" التي ضمّت بعض المشايخ السنّة المحسوبين عليه، والتي انتهت إلى تأكيد الرواية الرسميّة عن عدم وجود أيّ عمليات اغتصاب للسجينات في السجون العراقيّة التابعة لوزارة العدل، على الرغم من أنّ معظم ادّعاءات الاغتصاب كانت تتعلّق بالسجون غير القانونية التي تتبع وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز مكافحة الإرهاب ومكتب القائد العام للقوّات المسلّحة. ولكن هذه الإستراتيجية جاءت بنتائج عكسية تمامًا. ثمّ عمد إلى إستراتيجية المواجهة والتهديد من خلال اتّهام التظاهرات بأنّها "فتنة" مدعومة من قوى إقليميّة، وأنّها "ليست تظاهرًا بل هي عصيان وقطع طريق وضرب لمصالح الناس"، وأنّ الشعارات التي رفعها المتظاهرون "نتنة"، والمطالب التي تقدّموا بها هي "عملية انقلاب كاملة"؛ ومن ثمّ هدّد بإنهاء التظاهرات والاعتصامات التي وصفها بال "الفقاعة بالقوّة" أو كما قال: "أقول لهم: انتهوا قبل أن تُنْهَوا بإرادة الحكومة."... ولمّا فشلت هذه السياسة في تخويف المتظاهرين، لجأ المالكي إلى إستراتيجية أخرى تمثّلت في تشكيل لجنة وزاريّة لمتابعة مطالب المحتجيّن يوم 8 كانون الثاني / يناير 2013، أي بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أسابيع على بدء التظاهرات، انسحب منها وزيران محسوبان على التيّار الصدري متّهمنيْ اللجنة بعدم المهنيّة في إصدار القرارات. لينتهي الأمر إلى أن تضمّ اللجنة أعضاء ينتمون إلى كتلة رئيس مجلس الوزراء (نائب رئيس مجلس الوزراء حسين الشهرستاني رئيسا للجنة، ووزراء العدل وحقوق الإنسان والدولة لشؤون مجلس النوّاب والأمين العام لمجلس الوزراء، ووكيل وزارة الداخلية، وجميعهم من كتلة دولة القانون، فضالً عن وزير الدفاع السنّي المحسوب على فريق المالكي.) في موازاة ذلك عمد المالكي إلى "معاقبة" بعض الفاعلين الرئيسين في الحراك الجماهيري، فقد جرى إصدار مذكّرات إلقاء قبض على عددٍ كبير من هؤلاء الفاعلين، وقد شمل هذا الإجراء الكثيرين على رأسهم رافع العيساوي وأحمد أبو ريشة، وعلي حاتم السليمان، وسعيد محمود اللافي. كما عمد إلى إعادة إنتاج الصراع التقليدي على المشيخة داخل البنى العشائرية، من خلال استخدام شيوخ تقليديين، أو "صناعة" شيوخ جدد، يعتمدون في تنفّذهم على قوى العمل، والقدرة على التصرّف فيها عن طريق السيطرة الإداريّة، أي على وظيفتهم بوصفهم "وسطاء" بين السلطة من جهة، وعشائرهم من جهة أخرى. فقد قام المالكي في نهاية شهر شباط / فبراير 2013 بإزاحة الشيخ أحمد أبو ريشة عن رئاسة تنظيم الصحوات، وتعيين الشيخ وسام الحردان بديالً عنه. كما عمد أخيرًا إلى محاولة تصوير الصراع القائم على أنه صراع سنّي - سنّي بالدرجة الأساس، من خلال
التمييز بين سنّة "وطنيون" هم حلفاؤه، وسنّة غير "وطنييّن" يمثّلهم الفاعلون الرئيسون في حركة الاحتجاجات، ومنح الفئة الأولى "حق " تمثيل المتظاهرين عبر إشراكهم في اللجنة الوزاريّة المكلّفة بمتابعة مطالب المتظاهرين، فضالً عن إشراكهم في اللجنة الخماسية المنبثقة عن الملتقى الوطني برئاسة إبراهيم الجعفري رئيس التحالف الوطني العراقيّ (وتضمّ صالح المطلك عن العراقية، وخالد العطية وهادي العامري عن التحالف الوطني، ومحسن السعدون عن التحالف الكردستاني)، على الرغم من رفض المحتجيّن صراحةً هذا التمثيل. إنّ إصرار المتظاهرين من جهة، وتعنّت المالكي من جهةٍ أخرى، قد يؤدّيان إلى تعزيز خطاب دعاة العنف، واستعادة الجماعات المسلّحة ثقة الجمهور مرّةً أخرى بوصفها الوحيدة القادرة على تغيير معادلة "المنتصرين والمهزومين" التي فشل السياسيّون والمتظاهرون السلميّون في تغييرها. إنّ مثل هذا السيناريو كارثيّ، ولا سيمّا أنّنا سنكون هذه المرّة أمام "عنفٍ مشرعن" دفاعًا عن الحقّ في المشاركة في السلطة. إنه عنف آخر يختلف تمامًا عن العنف الذي شهده العراق بعد نيسان / أبريل 2003، إنّه مواجهة باسم "المظلومية" هذه المرّة، وما أسهل التحشيد تحت هذه المقولة. ولكن هذا الخيار سيبقى مرهونًا بعاملين أساسييّن؛ أوّلهما طبيعة الحراك السياسي داخليًّا، والثاني مواقف إيران والولايات المتحدة خارجيًّا. فبقاء كتلة شيعيّة صلدة مؤيّدة للمالكي سيدفع الأزمة نحو التصاعد، ويبدو واضحًا أنّ المالكي نجح حتّى الآن في إعادة رسم خريطة القوى الشيعية بطريقته الخاصّة، فقد انتهى حزب الفضيلة، بعد أن فقد الزخم الذي حصل عليه في السنوات الأولى اللاحقة للاحتلال وصوال إلى انتخابات مجلس النوّاب في عام 2005 التي حصل فيها على 15 مقعدًا، إلى أن يلتحق بكتلة المالكي "دولة القانون." وتمكّن أيضًا، وبتدخّل إيÓ رانيّ مباشر، من تفكيك المجلس الأعلى الإسلامي من خلال التحاق منظّمة بدر بدولة القانون. كما بدا واضحًا عجز عمار الحكيم عن الاستمرار فيما بدأه أثناء أزمة تشكيل الحكومة، ثمّ بعد ذلك مواقفه من القوى السياسية المحلّية والإقليمية، وكانت لحظتا محاولة سحب الثقة عن المالكي ثمّ الموقف من التظاهرات الأخيرة دليالً واضحًا على عدم إمكانية المراهنة على استمرار هذه المواقف، وانتهى المجلس الأعلى ليكون جزءًا من الكتلة الشيعيّة الصلدة المؤيّدة للمالكي. ويبقى التيار الصدري الكتلة الشيعيّة الوحيدة التي تتحرّك، وبإستراتيجية معلنة، ليكون خارج إطار هذه الكتلة الصلدة؛ فقد بدأ منذ أكثر من عامين معارضة صريحة لمحاولات المالكي تكريس هيمنته المطلقة على الدولة في العراق من خلال مواقفه المعارضة في مجلس النوّاب، ثمّ تأكّد الأمر مع اشتراك الصدرييّن الفاعل والمؤثّر في محاولة سحب الثقة، وأخيرًا في مواقفهم المؤيّدة للتظاهرات الأخيرة، وانسحاب وزرائهم الثمانية من مجلس الوزراء. ولكن التيّار يواجه هجمة غير مسبوقة من المالكي إذ وصفت دولة القانون زعيمه بأنّه زعيم ميليشيا قتلت العراقييّن، ثمّ يسعى المالكي في الوقت نفسه إلى استخدام المواقف "العقلانية" التي يبديها التيّار لتسويقها "شعبويًّا" على أنّها مواقف تُضعف "المذهب" من أجل إضعاف فرص التيّار في الانتخابات القادمة. وسيدفع استمرار الدعم الإيرانيّ والصمت الأميركيّ الأزمة أيضًا نحو التصعيد. وليس ثمّة إشارات، حتّى اللحظة، إلى أنّ تغييرًا سيحدث في هذه المواقف، وبدا واضحًا من المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية الأميركيّة جون كيري في زيارته الأخيرة للعراق في 2013/3/24 أن الإدارة الأميركيّة ما زالت غير مستعدّة لإعلان موقف محدّد تجاه هذه الاحتجاجات وعلاقتها بأزمة النظام السياسي ككل. على أعتاب الذكرى العاشرة لاحتلال العراق، يجد العراقيون أنفسهم في مواجهة الأسئلة نفسها التي واجهوها بعد الاحتلال مباشرة، ولكن في ظلّ انقسامٍ مجتمعيّ عموديّ أكثر حدّة امّ كان عليه الأمر في اللحظة الأولى. وإذا كانت المواجهة بين الإقليم والمركز مرشّحة للتراجع؛ خاصّةً إذا فشل المالكي في إستراتيجيته في استبدال أصوات الأكراد بالسنّة الموالين ولجوئه إلى إعادة ترتيب العلاقات الكرديّة - الشيعيّة مرّةً أخرى لأنّها السبيل الوحيد للفوز بولاية ثالثة؛ فإن المواجهة السنّية - الشيعيّة مرشّحة للتصاعد إلى مدى غير مسبوق. وهو ما يعكس عمليًّا فشل النخب السياسيّة العراقيّة في إعادة إنتاج "هوّية وطنيّة" يصوغها الجميع، ويقبل بها الجميع؛ هوية قائمة على الاعتراف بحقيقة المجتمع التعدّدي في العراق، وأنّ العراق لن يُحكم ثانية إلا بنظام سياسيّ يشُرك الجميع في إدارة السلطة والثروة. نظام سياسي يقرّ به الجميع، ويلتزم به الجميع، ويضمن عدم احتكار أي طرف أو فئة السلطة.