اتجاهات الرأي العام في المنطقة العربية نحو الثورات العربية
الملخّص
المؤشِّ ر العربيّ هو اس تطلاعٌ س نويٌّ ينف ذه المركز العربيّ للأبحاث ودراس ة السياس ات ف ي البل دان العربيّة؛ به دف الوقوف على ات جاهات ال رّأيّ العامّ العربيّ نح و مجموعةٍ من المواضيع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياس يّة. وقد أنجز المركز اس تطلاع المؤش ر العربي لع ام خلال الفت رة الممتدّة من تمّ وز / يولي 2012 / 2013 و إلى كان ون الث 2012 اني / يناير 2013، وكان موضوع ه قي اس اتجاه ات الرأي العام ف ي المنطق ة العربية نحو الث ورات العربية. وق د نُِّف ذ ه ذا الاس تطلاع ميدانيًّا، من خ ل ل إج راء مقاب ل تٍ وجاهيّةٍ م ع مس 19546 تجيبًا، موزعي ن على عيّن اتٍ ممث ل ة لمجتمعات بل دًا عربيًّا ه ي: موريتانيا، والمغ 13 رب، والجزائر، وتون س، ومص ر، والسّ ودان، وفلس طين، ولبن ان، والأردن، والع راق، والس عوديّة، واليمن، والكويت. وقد نف ذته فرق بحثيّة مؤهَّ لة ومدرَّبة، تابعة لمراكز ومؤسّ ساتٍ بحثيّةٍ في البلدان المذكورة، تحت الإش راف الميدانيّ لفريق المؤش ر العربيّ بالمركز. يعتمد المؤشر العربي العيّنة العنقوديّة الطبقيّة (في المس تويات) متع دّدة المراحل، المنتظمة والموزونة ذاتيًّا والمتناس بة م ع الحجم، في جميع الاس تطلاعات التي نُِّف ذت في تل ك البلدان. وجرى الأخذ ف ي الاعتبار المس تويات (الطبقات) الت الي ة: الحضر والرِّيف، والت قس يمات الإداريّة الرّئيس ة في كل بلدٍ بحس ب الوزن الن سبيّ الخاصّ بكل مستوى من مستويات جميع سك ان البلد؛ بحيث يكون لكل فردٍ في كلَ بلدٍ مستطل ع احتماليّة متساوية في أنْ يكون واحدًا من أفراد العيِّنة، وبهامش خطأ يتراوح بين ± %3-2 في جميع البلدان.
مقدمة
لقد كان عام 2011 عامًا مفصليًا في مسيرة الشعوب العربية؛ إذ شهدت المنطقة العربية نجاح الثورة التونسية وسقوط نظام بن علي، لتفتح الطريق إلى توالي الثورات في المنطقة العربية، ومن ثمّ توالي سقوط أنظمة حكم فيها، وشهدت الأغلبية العظمى من البلدان العربية حركات شعبية واسعة تراوحت ما بين انتفاضات واحتجاجات، وكانت جميع هذه الاحتجاجات مهيئةً في بعض مراحلها إلى أن تتحول إلى ثورات يمكن أن تهدد أركان الحكم في تلك البلدان. ودخل العديد من البلدان العربية في مراحل انتقالية، وبخاصة في تلك التي شهدت سقوط أنظمة الحكم فيها، وبدأ التأسيس لحكم ديمقراطي. وحتى تلك الدول التي اعتمدت أنظمتها برامج إصلاحية واسعة، غريّ ت من السياسات العامّة أو البرامج إلى أخرى ذات طبيعة إصلاحية. ومما لا شك فيه أنّ المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية، مثلها مثل المراحل الانتقالية الأخرى، تتسم بسمات عدم الاستقرار السياسي، والاستقطاب بين قوى شاركت في الثورة وقوى الثورة المضادة، والاستقطاب بين القوى الثورية نفسها، وبخاصة في ظل فوز الحركات الإسلامية في انتخابات أكثر من بلد عربي. كما تتسم هذه المرحلة بضعف الأداء الاقتصادي، وتراجع فاعلية الدولة، ما فتح النقاش لتقييم الثورات وما أنجزته، ولتوقعات مساراتها المستقبلية. وفي سياق هذا النقاش، هدَف المؤشر العربيّ لعام 2012 / 2013 إلى قياس اتجاهات الرأي في المنطقة العربية تجاه الثورات فيها، وتطورات الربيع العربي؛ وذلك من خلال مجموعة من المؤشرات التي تسعى للتعرّف على تقييم الرأي العام لهذه الثورات بصفة عامة، وتقييمه لمدى نجاحها في تحقيق مطالبها وأهدافها. تعرض هذه الورقة أهم النتائج التي تتضمن اتجاهات الرأي العام نحو الثورات العربية من خلال ثلاثة أجزاء، هي: أاول: تقييم الرأي العامّ لواقع مجموعة من الموضوعات التي اعتبرها المواطنون العرب أسبابًا وعوامل أدت إلى اندلاع الثورات العربية. ثانيًا: أثر الربيع العربيّ على مجموعة من الموضوعات التي تمسّ حياة المواطنين اليومية. ثالثًا: تقييم المواطنين لمدى نجاح الثورات العربية في تحقيق مجموعة من أهدافها. ويستخدم المؤشر العربي مصطلح "الرّأي العامّ" في المنطقة العربية، كمعدّلٍ لآراء المواطنين في كلّ الدّول المستطلعة آراء مواطنيها، وذلك للاعتبارات المنهجية التالية: أنّ عدد سكان المجتمعات التي نُفِّذ فيها الاستطلاع تعادل %87 من العدد الإجماليّ لسكان المنطقة العربيّة، وأن المجتمعات المشمولة بهذا الاستطلاع، كانت مُمثِّلة للمنطقة العربيّة، سواء كان ذلك على صعيد الوزن السكّاني بالنّسبة إلى مجمل سكّان المنطقة العربيّة، أم بتمثيلها لأقاليم المنطقة العربيّة كافّة (المغرب العربي، وشبه الجزيرة العربيّة، والمشرق العربيّ، ووادي النّيل.) لقد جرى احتساب نتائج اتّجاهات الرّأي العامّ لمجموع المنطقة العربيّة، كمعدّلٍ من نتائج البلدان الثلّاثة عشر المشمولة بالاستطلاع؛ بحيث يأخذ معدل الرأي العامّ في كل دولة من الدول المستطلعة الوزن نفسه من دون تمييز بين دولةٍ وأخرى. ويصبح المعدل للرأي العامّ في المنطقة العربية هو مجموع معدلات كل الدول مقسومًا على عدد الدول. وبهذا، لم يُؤخذ بالوزن النسبيّ للرأي العامّ في كل بلد من البلدان بحسب عدد سكّانه إلى مجموع سكان العالم العربيّ، وإمنّ ا جرى التّعامل مع كلّ البلدان المستطلعة وكأنّها وحداتٌ متطابقة في عدد السكّان. اتُّبِع هذا الأسلوب؛ لتفادي طغيان آراء مواطني البلدان الأكثر سكّانًا على غيرها، في تحديد الرّأي العامّ الشّامل، ولأنّ رأي المواطن في الدولة قليلة السكان يعادل رأي المواطن في الدولة الأكثر سكانًا ويوازيه.
الرأي العام وأسباب الثورات العربيّة: هل من تغيير؟
لقد شهدت المنطقة العربية نقاشًا موسعًا بشأن الأسباب والعوامل التي أدت إلى اندلاع الثورات فيها، وقد ساهم في هذا النقاش مثقفون وأكاديميون وسياسيون وإعلاميون من المنطقة العربية، وحللوا في نقاشهم أسباب الثورات، وحالة البلدان العربية خلال السنوات السابقة على الثورات، والتغريّ ات في هيكل الأنظمة السياسية التي حكمت تلك البلدان وأصبحت هدف الثوار والمحتجين. وتضمّن هذا النقاش أيضًا تحليل المكونات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قادت حركات الاحتجاج في المنطقة العربية، وتلك التي أدت دورًا في اندلاع الثورات العربية. وعلى الرغم من أهمية هذا النقاش وجدية بعضه وعمق تحليله، فإنّ أسباب اندلاع الثورات من وجهة نظر الرأي العام في المنطقة العربية لم تجرِ دراسته. ولذلك، اهتمّ المؤشرُ العربيُّ في عام 2011 في الوقوف على اتجاهات الرأي العام نحو أسباب وعوامل اندلاع الثورات العربية؛ لأهميّة معرفة ذلك من وجهة نظره، فذلك يعكس مفاهيم المواطنين وانطباعاتهم تجاه تلك الأسباب، كما يعكس
آراء المواطنين في ما إن كانوا يعتقدون أنّ العوامل التي أدت إلى هذه الثورات ما زالت قائمة أم أنّها تغريّ ت. في سياق استطلاع المؤشر العربيّ الذي نُفِّذ ميدانيًًا خلال عام 2011، وشمل 12 دولة عربية، طُرح سؤالان مفتوحان على المستجيبين من دون خيارات مسبّقة؛ الأول حول أسباب الثورة التونسية، والثاني حول أسباب الثورة المصرية. أورد المستجيبون العديد من الأسباب التي اعتبروها عوامل أدت إلى قيام الثورتين التونسية والمصرية. وكان من الجليّ أنّ المستجيبين ذكروا عوامل متطابقة أو متشابهة أدت لاندلاع الثورتين. لقد ركزت أكثرية الرأي العام في المنطقة العربية على أربعة عوامل رئيسة أدت الى اندلاع الثورتين التونسية والمصرية، هي: سوء الأوضاع الاقتصادية في البلدين، كتفشي نسب البطالة، وزيادة الفقر وأعداد الفقراء، وارتفاع الأسعار، وسوء الأوضاع المعيشية للشعبين. انتشار الفساد، وفساد الأنظمة الحاكمة. غياب العدل والمساواة، وانتشار الظلم والقهر. الطبيعة السلطوية والاستبدادية لنظاميّ حكم بن علي ومبارك، وغياب الحريات السياسية والمدنية والتعددية السياسية. وبناء على الأسباب والعوامل التي ذكرها المستجيبون لاندلاع الثورتين التونسية والمصرية، فقد عرض المؤشرُ العربيُّ لعام 2012 / 2013 على المستجيبين مجموعة من العوامل التي أدت إلى اندلاع الثورات، وطلب منهم اختيار أهم سبب، وثاني أهم سبب. وتظهر النتائج أن أعلى نسبة من المستجيبين قد اختارت انتشار الفساد المالي والإداري كأهم سبب لاندلاع الثورات العربية، يليه غياب الحريات العامة والهيمنة على السلطة، فسوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ثم غياب العدل والمساواة بين المواطنين (انظر الجدول 1 للتعرف على النسب التي حصل عليها كل عامل.) أما على صعيد أكثر العوامل ذكرا كثاني أهم سبب للثورات، فكان هو سوء الأوضاع الاقتصادية، فغياب العدل والمساواة، وغياب الحريات المدنية والسياسية، والهيمنة على السلطة. ولقد جرى احتساب معدل ما حصل عليه كل عامل من العوامل (بغض النظر عن كونه أهم سبب أو ثاني أهم سبب)، فظهر أن الرأي العام في المنطقة العربية يركز على أربعة عوامل رئيسة لاندلاع الثورات، هي: نمط أنظمة الحكم التسلطية، والذي يتجلى في غياب الحريات المدنية والسياسية والهيمنة على السلطة والتوريث السياسي وغياب التعددية السياسية. ويحظى هذا السبب، والذي يعتبر الأهم، بموافقة أكثر من ثلث المستجيبين. انتشار الفساد المالي والإداري، وهو ثاني أهم سبب لاندلاع الثورات، وتمثله كتلة تتكون من أكثر من ربع المستجيبين. أما الكتلة الثالثة من الرأي العام (وتمثل %22 من المستجيبين)، فقد أفÓادت بÓأنّ سبب انÓدلاع الثورات كان سوء الأوضÓ اع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين. أما الكتلة الرابعة وتمثل %14 من المستجيبين، فهي التي قالت إن سبب اندلاع الثورات العربية هو غياب العدل والمساواة بين المواطنين. إذا كان الرأي العام في المنطقة العربية يرى أنّ أسباب اندلاع الثورات العربية تتركز في سلطوية أنظمة الحكم، وغياب الحريات المدنية والسياسية، وانتشار الفساد المالي والإداري، وسوء الأوضاع المعيشية وغياب العدل والمساواة؛ فمن المفيد التعرّف على اتجاهات الرأي العام نحو مجموعة من المؤشرات التي تقيس مدى ضمان الحريات العامة في بلدانهم، ومدى انتشار الفساد المالي والإداري، وتقييم مدى العدل والمساواة بين المواطنين. أما على صعيد ضمان الحريات، فقد طُرح على المستجيبين مجموعة من الحريات، بعضها مرتبط بحرية التجمع والتنظيم مثل حرية الانتساب إلى الأحزاب السياسية والانتساب إلى منظمات المجتمع المدني وحرية التجمع والتظاهر، ومبادئ مرتبطة بديمقراطية أنظمة الحكم وهي حرية مقاضاة الحكومة ومؤسساتها، ومبدأ إجراء انتخابات نيابية دورية حرة نزيهة واحترام مبدأ تداول السلطة، إضافة إلى حرية الرأي (حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة.) تُظهر النتائج أنّ نحو ثلث الرأي العامّ يرى أنّ هذه الحريات غير مضمونة إلى حد ما أو غير مضمونة على الإطلاق، في حين أن %60 أفادوا بأنّ هذه الحريات مضمونة بشكل كامل أو مضمونة إلى حد ما، على الرغم من أنّه ليس هنالك إجماع في الرأي العام لضمان الحريات بمجملها، بما في ذلك المبادئ الأساسية لإنشاء نظام ديمقراطي.
| المعدل % | السبب الثاني % | السبب الأول % | لاسباب |
|---|---|---|---|
| 26 | 10 | 42 | انتشار الفساد المالي والإداري |
| 22 | 22 | 21 | سوء الأوضاع لاقتصادية والمعيشية لمواطني الدول |
| 18 | 20 | 15 | غياب الحريات (قمع الحريات السياسية/ والمدنية/ والعامّة) |
| 14 | 21 | 6 | غياب العدل والمساواة بين المواطنين |
| 7 | 9 | 5 | الهيمنة على السلطة (غياب تداول السلطة) |
| 6 | 8 | 3 | التوريث السياسي للمناصب السياسية العليا |
| 3 | 3 | 3 | غياب التعددية السياسية |
| 4 | 5 | 2 | السياسات الخارجية المحابية للغرب |
| 0 | 0.1 | 0.2 | مؤامرة على العالم العربي |
| 0 | 0.1 | 0.1 | أخرى |
| 2 | 1 | 3 | لا أعرف + رفض الإجابة |
| 100 | 100 | 100 | المجموع |
تتباين اتجاهات الرأي العام نحو مدى ضمان الحريات على اختلافها؛ فقد وافق نحو ثلثي المستجيبين على أنّ حريات التجمع والتنظيم (الانتساب للأحزاب، الانتساب لمنظمات المجتمع المدني، وحرية التظاهر) مضمونة في بلدانهم، كما أفاد نحو ثلثي المستجيبين بأن حريات التعبير هي مضمونة في بلدانهم. بالمقابل، فإنّ أقل الحريات ضمانًا بحسب وجهة نظر المستجيبين هي حرية مبادئ إنشاء نظام ديمقراطي مثل حرية مقاضاة الحكومة، ومبدأ إجراء انتخابات دورية حرة ونزيهة، ومبدأ تداول السلطة. وتجدر الملاحظة أنّ حرية مقاضاة الحكومة ومؤسساتها هي الأقل ضمانًا، إذ انقسم الرأي العام حول مدى ضمانها. إنّ تقييم المستجيبين لمدى ضمان الحريات في بلدانهم لا يعكس أنّ هنالك توافقًا على غياب الحريات، بل على العكس من ذلك، فإنّ الأكثرية تشير إلى أنّ هذه الحريات مضمونة خاصة تلك المتعلقة بحريات الرأي وحريات التجمع والتنظيم. وهو يعني أن المواطنين لا يقيّمون حالة الحريات في وضع حرج. إنّ هذا التقييم لا يعني أنّ مستوى ضمان الحريات هو مصدر شرعية لأنظمة الحكم في البلدان العربية، أو أنّه معيار لمدى الثقة بين المواطنين والحكومات. بالمقابل، لا يعني أنّ مستوى الحريات بوضعها الحالي يمثل مصدر تهديد أو أحد عوامل دفع المواطنين للاحتجاج أو الثورة ضد أنظمة الحكم. خلافًا للتقييم الإيجابي نسبيًا لواقع الحريات في المنطقة العربية، فإن تقييم الرأي العام نحو حالة الفساد كان سلبيًا، إذ إنّ أكثرية مواطني المنطقة العربية، وبنسبة %91 ترى أنّ الفساد المالي والإداري منتشر في بلدانها وبدرجات متفاوتة، في حين أنّ الذين أفادوا بأنّ الفساد المالي والإداري غير منتشر على الإطلاق كانت نسبتهم %4، بل إنّ أكثرية المستجيبين، وبنسبة تفوق النصف، ترى أنّ الفساد منتشر جدًا في بلدانهم. وبذلك، فإنّ انتشار الفساد يبقى واحدًا من الأسباب الرئيسة التي أكد المستجيبون على أنّها كانت عامالً رئيسًا في اندلاع الثورات العربية، وما زال الرأي العامّ يعتقد بقوة أنّ هذه ظاهرة تتفشى في البلدان العربية. أما على صعيد تطبيق الدولة للقانون بين الناس، فتشير النتائج إلى أنّ أقل من ربع المواطنين يقولون إنّ الدولة تقوم بتطبيق القانون بالتساوي بين الناس إلى حدٍ كبير، فيما يتوافق نصف الرأي العام على أنّ الدولة تقوم بتطبيق القانون بين الناس لكنّها تحابي بعض الفئات، ويرى %22 أنّ الدولة لا تطبق القانون بالتساوي على الإطلاق. وبذلك، فإنّ كتلة تمثل نحو ربع الرأي العامّ في المنطقة العربية تعتقد أنّ الدولة تفقد شرعيتها الكاملة عندما يتعلق الأمر بتطبيق القانون بالتساوي بين المواطنين. إنّ أسباب الثورتين المصرية والتونسية كما عكسها الرأي العام في استطلاع المؤشر العربي لعام 2011 تمحورت حول أربعة عوامل أساسية، هي: الاستبداد والهيمنة على السلطة وغياب الحريات العامة والسياسية، وانتشار الفساد المالي والإداري، وغياب العدل والمساواة، وسوء الأوضاع الاقتصادية. فضالً عن ذلك، فإنّ الرأي العام أكّد مرة أخرى بعد مرور أكثر من عام أنّ أهم سبب وثاني أهم سبب للثورات العربية هي العوامل نفسها من سلطوية واستبداد الأنظمة، إضافة إلى غياب الحريات العامة والسياسية، وانتشار الفساد المالي والإداري وغياب العدل والمساواة بين المواطنين، وسوء الأوضاع الاقتصادية.
ومقابل التقييم الإيجابي نسبيًا لواقع الحريات العامة والسياسية، فإن المواطنين لم يقيّموا أوضاع بلدانهم على صعيد محاربة الفساد بشكل إيجابي، بل على العكس، فإنّ الرأي العام يرسم صورة قاتمة وسلبية لمدى انتشار الفساد، كما أنّ مواطني المنطقة العربية غير متوافقين على أنّ دولهم تعامل مواطنيها بالتساوي، وأنّ الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم لم تشهد تحسنًا ملحوظًا، بل إنّ سوء الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسب البطالة والفقر، وغلاء الأسعار، كانت المشكلة الأهم التي أوردها المستجيبون، والتي تواجه بلدانهم؛ أي أنّ العوامل التي أدت إلى اندلاع الثورات ما زالت قائمة على الرغم من تفاوت تأكيد المواطنين على استمرار كل واحدة منها، ومع التقييم الإيجابي نسبيًا على صعيد حالة الحقوق والحريات.
تقييم ثورات الربيع العربي وتطوراته
في الجزء السابق، جرى التعامل مع اتجاهات الرأي العام انطلاقًا من تحليل العوامل التي أوردها كأسباب لاندلاع الثورات العربية وتقييم مدى استمرار هذه العوامل. وكما أظهرت النتائج، فإنّ بعض هذه العوامل ما زال موجودًا وبقوة، فيما بعض العوامل الأخرى هي أقل إلحاحًا حسب الرأي العام. أما هذا الجزء فيهدف إلى التعرّف على اتجاهات الرأي العام نحو ثورات الربيع العربي وتطوراته التي جرت في عام 2011، بشكل مباشر، فقد سُ ئل مواطنو المنطقة العربية إذا ما كانوا يعتبرون أنّ ثورات الربيع العربي وتطوراته هي إيجابية أم سلبية؟ أظهرت نتائج الاستطلاع بأنّ أكثرية المواطنين في المنطقة العربية وبنسبة %59 يعتبرون أنّ ثورات الربيع العربي وتطوراته إيجابية (إيجابية جدًا أو إيجابية إلى حد ما.) بالمقابل، فإنّ نسبة الذين قالوا إنّ ثورات الربيع العربي وتطوراته سلبية إلى حد ما أو سلبية جدًا كانت.%23 على صعيد اتجاهات الرأي العام في كل بلد من البلدان المستطلعة نحو تقييم الثورات والربيع العربي، فقد أظهرت النتائج أنّ أكثرية المستجيبين في جميع البلدان العربية، باستثناء الجزائر ولبنان، ترى أنّ الثورات والربيع العربي هي تطورات إيجابية، وكانت نسبة الذين اعتبروها إيجابية تتراوح ما بين %54 و%76 في كل من اليمن، وموريتانيا، وتونس، والكويت، والسودان، والمغرب وفلسطين،، والعراق، والسعودية، وبنسب أقل في كلٍ من الجزائر %37() ولبنان %47()، اعتبروا أنّ الثورات العربية والربيع العربي هي تطورات إيجابية. ولعل تحليل اتجاهات الرأي العام في البلدان المستطلعة التي أفادت بأنّ الثورات والربيع العربي هي تطور سلبي ذو فائدة أكبر في إظهار التباين بين المجتمعات العربية؛ إذ إنّ أكثر مستجيبي البلدان المستطلعة الذين قيّموا الثورات العربية والربيع العربي تقييام سلبيًا تركزوا في لبنان والجزائر وإلى حد ما في الأردن، فنصف الرأي العام اللبناني أفادوا بأنّ ثورات الربيع العربي وتطوراته كانت بالمجمل سلبية، فيما كانت النسبة نحو %45 بين مستجيبي الجزائر، و%38 من الرأي العام الأردني. ويبدو أنّ تطورات الثورة السورية وتحولها إلى ثورة مسلحة إضافة إلى تأثيرها في بلدان الجوار مثل لبنان والأردن يؤدي دورًا مهامً في تقييم الرأي العام في هذين البلدين نحو الثورات العربية والربيع العربي. كما أنّ تطورات الثورات العربية في البلدان المجاورة مثل ليبيا تؤدي دورًا في التقييم السلبي للثورات عند الرأي العام الجزائري. ويبقى المشترك بين البلدان الثلاثة هو أنّها لم تدخل مرحلة الربيع العربي بطريقة مماثلة لمجتمعات عربية أخرى، فهي لم تشهد تغيرات بحجم تلك التي طرأت في بلدان حصلت فيها ثورات غريّ ت أنظمة الحكم أو بحجم التغيرات التي نتجت من عملية إصلاحات واسعة في بعض البلدان أدت إلى تغيير مساراتها السياسية مثل المغرب على سبيل المثال. وفي حين أنّ الانقسامات في لبنان عميقة بين قوى سياسية وسياسية طائفية تحول دون تحولات عميقة في المشهد السياسي اللبناني، وهو مشهد مرتهن الآن بتطورات الثورة السورية والتوازن الإقليمي، فإنّ تعاطي الأنظمة السياسية في الجزائر والأردن مع تطورات الربيع العربي كان تعاطيًا نقديًا على الرغم من إقبالهما على إجراء تغييرات وإصلاحات، إلا أنّ القصد منهما كان احتواء موجة الربيع العربي وإبقاء الأمور على ما هي عليه أكثر من أي شيء آخر. خلافًا لما أظهره الرأي العام في كل من لبنان، والجزائر، والأردن من انحيازه النسبي للتقييم السلبي للثورات والربيع العربي، فإنّ نسب الذين قيّموا الثورات سلبيًا في البلدان الأخرى هي نسب محدودة ولا تتجاوز خُمس المستجيبين في كل من الكويت، واليمن، والسودان،
ومصر، وفلسطين، والعراق، والمغرب. بل إنّ نسبة الذين قيّموا الثورات العربية والربيع العربي بشكل سلبي في كل من الكويت والسعودية كانت %6 و%10 على التوالي. ويبقى من المهم الإشارة إلى أنّ نسب المستجيبين في البلدان التي شهدت ثورات وإزاحة أنظمة حكم (تونس ومصر واليمن) التي قيّمت الثورات وتطورات الربيع العربي بشكل سلبي تراوحت ما بين %30 في تونس و%18 في اليمن. ولعل الأسباب التي أوردها المستجيبون لتفسير تقييمهم للثورات العربية يلقي الضوء على مواقفهم منها؛ إذ إنّ الذين قيموا الثورات والربيع العربي بسلبية لم ينطلقوا جميعهم من موقف مناوئ للثورات، فأغلبهم عزا هذا التقييم إلى حالة عدم الاستقرار السياسي والركود الاقتصادي والبطء في التحول الديمقراطي وفي تحقيق أهداف الثورات. كما عزا بعض الذي قيّموا الثورات بشكل سلبي إلى أسباب من أهمها تفرد قوة سياسية في مقاليد الأمور أو صعود الحركات الإسلامية. ومن أجل الخروج من إطار تقييم المستجيبين بصفة عامة للثورات العربية، فقد طُرحت مجموعة من الأسئلة التي تتضمن تقييم المواطنين لمجموعة من القضايا الرئيسة في مجتمعاتهم، والتي من المفترض أن الثورات العربية والربيع العربي قد أثّر في حالتها تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر، خاصة أنّ الثورات العربية وحركات الاحتجاج قد دفعت شعارات تمسها أو ذات علاقة بها، إذ تم سؤال المستجيبين عن تقييم واقع كل قضية من هذه القضايا مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011، ومن خلال ثلاثة خيارات: إذا ما كانت حالة أو واقع هذا الموضوع أفضل مما كان عليه، أو مثلما كانت عليه، أو أسوء مما كانت عليه. وكانت هذه القضايا: الحريات العامة وحقوق الإنسان: وتضمنت أسئلة لتقييم واقع احترام حقوق الإنسان، وقدرة المواطنين على التعبير عن آرائهم، وقدرة المواطنين في الاحتجاج دفاعًا عن مصالحهم. أداء الدولة وتعاملها مع المواطنين: وتضمنت أسئلة لتقييم مستوى الخدمات العامة، ومعاملة موظفي الحكومة مع المواطنين، وتعامل الشرطة مع المواطنين. محاربة الفساد المالي والإداري. تشير نتائج تقييم حالة كلٍ من هذه المحاور السابقة الذكر إلى أن هنالك انقسامًا في الرأي العام نحو مدى تغريّ حالتها أو واقعها؛ فعلى صعيد حالة الحريات العامة وحقوق الإنسان في بلدانهم بعد الربيع العربي، مقارنة بحالته قبل الربيع العربي، أفاد %42 بأنّها أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل الربيع العربي، بينما أفادت النسبة نفسها من المستجيبين بأنّها بقيت كما كانت عليه قبل الربيع العربي. فيما كانت نسبة الذين أفادوا بأنّ حالة الحريات أصبحت أسوء مما كانت عليه بعد الربيع العربي هي %10 من المستجيبين. وتجدر الإشارة إلى أنّ نحو نصف المستجيبين أفادوا بأنّ قدرة المواطنين على التعبير عن آرائهم وقدرتهم في الاحتجاج دفاعًا عن مصالحهم أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل الربيع العربي. أما على صعيد تقييم أداء الدولة من خلال ثلاثة مؤشرات هي: كيفية تعامل الشرطة مع المواطنين، وكيفية تعامل موظفي الحكومة مع المواطنين، ومستوى الخدمات العامة، فتشير النتائج إلى أنّ نحو ثلث المستجيبين أفادوا بأنّ أداء الدولة من خلال هذه المؤشرات الثلاثة قد أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل الربيع العربي، بينما انحازت أغلبية المستجيبين %51 إلى أنّ أداء الدولة بقي كما هو، فيما عرب %13 عن أنّ أداء الدولة أصبح أسوء مما كان قبل الربيع العربي. وتجدر الإشارة إلى أنّ الرأي العام قيّم تحسّن معاملة الشرطة مع المواطنين بعد الربيع العربي بنسب أكبر من تقييمهم لتحسّن معاملة موظفي الحكومة مع المواطنين أو تحسّن مستوى الخدمات العامة. ويبدو أنّ مستوى حالة الخدمات العامة كانت الأكثر سلبية من حيث التقييم؛ إذ إنّ ربع المستجيبين فقط أفادوا بأنّ مستوى الخدمات العامة أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل الربيع العربي، مقارنة مع %30 بالنسبة إلى تعامل موظفي الحكومة و%35 بالنسبة إلى تعامل الشرطة. إن تقييم المستجيبين لمحاربة الفساد المالي والإداري كان الأكثر سلبية؛ إذ إنّ ربع المستجيبين أفادوا بأنّ محاربة الفساد أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل الربيع العربي، فيما أفاد نحو خُمس المستجيبين بأنّه أصبح أسوء مما كانت عليه، وانحاز نصف المستجيبين إلى أنّ محاربة الفساد بقيت كما كانت عليه قبل الربيع العربي. بالمجمل، فإنّ تقييم المستجيبين لهذه المحاور الثلاثة تفيد أنّ أقل من %20 من الرأي العام في المنطقة العربية تفيد أنّ حالة هذه القضايا تراجع بعد الربيع العربي مقابل نحو ثلث أو أكثر عربّ وا عن تحسّن في هذه المحاور، ما يعني أنّ مواطني المنطقة العربية يعتقدون أن
هنالك أثرًا إيجابيًا للثورات والربيع العربي خاصة في موضوعات ذات أهمية بالنسبة لهم ولحياتهم اليومية.
نجاح الثورات العربية في تحقيق أهدافها
لقد رفعت الثورات العربية في البلدان التي شهدت ثورات وكذلك الاحتجاجات الشعبية في البلدان الأخرى العديد من الشعارات كمطالب لها. بعض هذه الشعارات والأهÓ داف كانت تتركز حول إطلاق الحريات العامة والمدنية واحترام حقوق الإنسان وتحقيق المساواة بين المواطنين واستعادة كرامة المواطن، وبعضها الآخر ركز على إنهاء الأنظمة الفاسدة أو محاربة الفساد في بلدانها ومحاسبة الفاسدين من أركان أنظمة الحكم، كما تضمنت هذه الأهداف والمطالب الخروج من حالة الاستبداد التي تعيشها بلدان المنطقة العربية وإسقاط الأنظمة السلطوية وإجراء إصلاحات سياسية تؤدي إلى التأسيس للحكم الديمقراطي. وذهبت بعض الشعارات والأهداف إلى أبعد من ذلك لتطالب بتحقيق تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية في البلدان العربية واستعادة هذه البلدان لدورها على الصعيدين الإقليمي والدولي. بناءً على المطالب والشعارات التي طرحتها الثورات والحراك الشعبي في بلدان المنطقة العربية، وبناءً على اتجاهات الرأي العام في المؤشر العربي عام 2011 نحو الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورتين التونسية والمصرية، فقد طوّر استطلاع المؤشر العربي لعام 2012 / 2013 ثلاثة عشر مؤشرًا لقياس مدى نجاح الثورات العربية في تحقيق أهدافها ومطالبها. أما المؤشرات التي استخدمها هذا الاستطلاع لقياس مدى نجاح الثورات العربية في تحقيق أهدافها، فقد تنوعت لتشمل الأهداف والمطالب الرئيسة التي طرحتها الثورات. ويمكن تصنيف الأسئلة الثلاثة عشر التي طرحت على المستجيبين إلى خمسة محاور: المحور الأول: الحقوق والحريات السياسية: وتضمّن هذا المحور خمسة أسئلة تطلب من المستجيبين تقييم مدى نجاح الثورات العربية في تحقيق احترام حقوق الإنسان، وضمان حرية التعبير عن الرأي، وضمان حرية التظاهر السلمي، وإنهاء التمييز بين المواطنين، وضمان مشاركة المواطنين في نقاش سياسات بلدانهم. المحور الثاني: إنجاز تغييرات للانتقال الديمقراطي: وتضمّن هذا المحور أربعة أسئلة عن مدى نجاح الثورات العربية في ضمان التعددية السياسية، واستقلال القضاء، ومدى نجاحها في تطبيق مبدأ المساءلة على المسؤولين السياسيين، وترسيخ أسس تداول السلطة سلميًا. المحور الثالث: تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية: وتضمّن هذا المحور سؤالين، يقيّم الأول مدى نجاح الثورات العربية في تحقيق تنمية اقتصادية، ويقيّم الثاني نجاحها في تجسير الفجوة بين الأغنياء والفقراء. المحور الرابع: محاربة الفساد: وتضمّن هذا المحور سؤاالً واحدًا يقيس مدى نجاح الثورات العربية في تحقيق محاربة الفساد. المحور الخامس: السياسة الخارجية للبلدان العربية: وتضمّن هذا المحور سؤاالً واحدًا يقيس ما إذا نجحت الثورات في زيادة تأثير الدول العربية على الصعيد الدولي. وانطلاقًا من الاعتقاد بأنّ مطالب الربيع العربي لا يمكن تحقيقها بين ليلة وضحاها، وأنّ بعض هذه المطالب تحتاج إلى فترة زمنية تمتد إلى عدة سنوات، فقد صيغت الأسئلة بإتاحة عدة خيارات للمستجيبين في تقييم مدى نجاح الثورات العربية، بحيث يمكن للمستجيب أن يجيب بأنّ الثورات العربية قد نجحت في تحقيق كل واحد من الأهداف، أو أنّها ستنجح خلال المستقبل القريب 3-1(سنوات)، أو أنّها ستنجح خلال المدى المتوسط 7-4(سنوات)، أو أنّها ستنجح خلال المدى البعيد 8(سنوات فأكثر)، أو أنّ الثورات لن تنجح على الإطلاق في تحقيق هذا الهدف. تظهر النتائج أنّ تقييم الرأي العام لمدى نجاح الثورات العربية في تحقيق الأهداف الثلاثة عشر مجتمعة (معدل إجاباتهم في كل سؤال من الأسئلة الثلاثة عشر) هو تقييم إيجابي في أنّ الثورات العربية قد نجحت في تحقيق أهدافها، أو أنّه تقييم يحبوه الأمل في أن الثورات العربية سوف تحقق أهدافها. إنّ نسبة الذين أفادوا بأنّ الثورات العربية قد نجحت في تحقيق هذه الأهداف كانت %20()، فيما أفاد ما نسبته %26()، بأنّها سوف تحقق هذه الأهداف في المستقبل القريب، وكان رأي %18() بأنّها سوف تنجح في تحقيق هذه الأهداف بالمدى المتوسط، فيما كانت نسبة الذين أفادوا بأنّها ستنجح في المدى البعيد %13(.) بالمقابل، فإنّ الذين يعتقدون أنّ الثورات العربية لم تنجح في تحقيق هذه الأهداف، ولن تنجح في المستقبل في تحقيقها، كانت نسبتهم تمثل %12 من المستجيبين. يتباين تقييم الرأي العام في المنطقة العربية نحو مدى نجاح الثورات العربية في تحقيق أهدافها ومطالبها حسب محاور هذه الأهداف والمطالب؛ إذ إنّ نحو ثلث المستجيبين يرون أنّ الثورات العربية قد نجحت في تحقيق مطالبها في محور الحقوق والحريات، فيما يعتقد
ربع المستجيبين بأنّها سوف تنجح في تحقيق هذه المطالب في المدى القريب 3-1(سنوات.) وفي المقابل، فإن %10 قالوا إنّها لن تنجح في تحقيق أهدافها على صعيد الحقوق والحريات. وتركّز النسب الأكبر التي قيّمت الثورات بإيجابية في تحقيق مطالبها على صعيد الحقوق والحريات على أنّ الثورات قد نجحت بالفعل في تحقيق ضمان حرية التظاهر السلمي وضمان حرية التعبير واحترام حقوق الإنسان. أما تقييم إنهاء التمييز بين المواطنين فكان هو الأكثر سلبية؛ إذ إن %13 فقط من المستجيبين قالوا إنّ الثورات نجحت في تحقيق هذا الهدف. إنّ تقييم الرأي العام لمدى نجاح الثورات في تحقيق أهدافها بإنجاز تغييرات تضمن الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية كان غير سلبي بالمجمل؛ إذ إنّ الذين أفادوا بأنّها لن تنجح في تحقيق هذه الأهداف يمثلون %11 من مجمل المستجيبين. ومع ذلك، فإنّ الذين أفادوا بنجاح الثورات في تحقيق هذه الأهداف كانت %18 وهي نسبة أقل، مقارنة بتقييمهم للنجاح على صعيد الحقوق والحريات. ويظهر جليًا أنّ الرأي العام يحبوه الأمل بأنّ إجراء تغييرات هيكلية في أنظمة الحكم تقود إلى الانتقال الديمقراطي يمكن تحقيقه في المدى القريب أو المتوسط. كما أنّ تقييم نجاح الثورات في هذا المحور يعكس أن الرأي العام يقيّم نجاح الثورات بشكل أكبر في تحقيق ضمان التعددية السياسية وترسيخ أسس تداول السلطة سلميًا، مقارنة مع ما يتعلق باستقلال القضاء وتطبيق مبدأ المسألة بين المسؤولين السياسيين. أما على صعيد تقييم الرأي العام لمدى نجاح الثورات في تحقيق تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية، فإنّ الرأي العام متفائل في أنّ الثورات العربية سوف تنجح في المستقبل في تحقيق تنمية اقتصادية وتجسير الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ إذ إنّ الذين أفادوا بأنّ الثورات العربية لن تنجح على الإطلاق كانت نسبتهم %15. وكانت نسبة الذين أفادوا أنّها نجحت في تحقيق هذه الأهداف %8 من المستجيبين. وعمومًا، أفاد 66٪ بأن الثورات سوف تنجح في تحقيق هذا الهدف في المستقبل. متسقًا مع تقييم الرأي العام نحو التنمية والعدالة الاجتماعية، فإن الرأي العام منحاز إلى الثقة بأنّ الثورات العربية سوف تنجح في محاربة الفساد في المستقبل، إذ إن %45 من المستجيبين يعتقدون أن الثورات ستنجح في المديين القريب والمتوسط في محاربة الفساد. فيما كانت نسبة الذين قالوا إنّها لا تنجح على الإطلاق %13، مقابل %15 أفادوا بأنّها قد نجحت في تحقيق هذا الهدف. وبنمط مشابه، فإنّ الرأي العام يحبوه الأمل بأن الثورات العربية سوف تنجح في زيادة تأثير الدول العربية على الصعيد الدولي في المستقبل، إذ إن %15 من المستجيبين أفادوا بأن الثورات لن تنجح في زيادة تأثير الدول العربية على الصعيد الدولي، فيما كانت نسبة الذين أفادوا بأنها قد نجحت في زيادة تأثير الدول العربية على الصعيد الدولي %13 من المستجيبين، وتبقى أكثرية الرأي العام على ثقة بأن الثورات العربية سوف تنجح في زيادة تأثيرها على الصعيد العربي.
الخاتمة
إنّ اتجاهات الرأي العام نحو الثورات العربية بعد أكثر من عام على اندلاعها هو تقييم إيجابي؛ إذ إنّ مواطني المنطقة العربية منحازون إلى اعتبار الثورات والربيع العربي تطورات إيجابية. ويفسرّ المواطنون هذا التقييم الإيجابي بأنّ تلك الثورات متُ ثِّل حالة يقظة للشعوب العربية، وبداية تحوّلٍ نحو الأفضل للبلدان العربية، وأنّها أزاحت أنظمة الاستبداد والفساد، وأعادت للمواطنين حقوقهم، وهي تؤسس لقواعد الديمقراطية. إنّ أقل من ربع المستجيبين قيّموا الثورات والربيع العربي على أنّها تطورات سلبية، إلا إنّ أقل من %10 ممن قيّموا هذا الثورات بالسلبية، وهو ما يمثل نحو %5 من المستجيبين، انطلقوا من تقييمهم السلبي للثورات من موقف معادي للثورات ورافض لها، مقابل أغلبيتهم عزت تقييمها السلبي إلى عدم تحقيق الثورات لأهدافها أو تدهور الأوضاع الاقتصادية وحالة عدم الاستقرار السياسي. بالإضافة إلى التقييم العام الإيجابي للثورات العربية، فإن الرأي العامّ أفاد بأنّ الربيع العربي كان له أثر إيجابي نسبيًا على صعيد تعامل الشرطة والموظفين الحكوميين مع المواطنين. إنّ الرأي العام في المنطقة العربية منحاز أيضًا إلى نجاح الثورات العربية في تحقيق أهدافها ومطالبها، وكان تقييمه إيجابيًا بهذا الشأن؛ فنسبة الذين لا يعتقدون أنّ الثورات لم تنجح في تحقيق أهدافها على صعيد الحقوق والحريات أو الانتقال الديمقراطي أو التنمية والعدالة الاجتماعية أو محاربة الفساد أو زيادة تأثير الدول العربية على الصعيد الدولي تتراوح ما بين %10 و%16، وهم يمثلون قطاعًا من المجتمع يتعاطى مع الثورات إما من منطلق رفضها تمامًا والاصطفاف ضدها، أو من منطلق عدم الثقة في المسارات السياسية التي انتهجتها هذه الثورات، أو لأنّ بعض الأهداف التي طرحتها الثورات تعد مهمات جسيمة وكبيرة ولن تكون هناك إمكانية للنجاح في تحقيقها. وبطبيعة الحال، فإنّ هذه النسبة مهيئة للارتفاع أو الانخفاض بمقدار ما تحققه هذه الثورات من إنجازات على الأرض في ما يتعلق بالحقوق والحريات والتحول الديمقراطي ومحاربة الفساد، إضافة إلى مقدار نجاحها في إقناع المواطنين بجديتها في تحقيق تنمية اقتصادية واتخاذ إجراءات تحقق العدالة الاجتماعية، إضافة إلى سياسة خارجية فعالة. بالمقابل، فإنّ الرأي العام متوافق على تقييم ما أنجزته الثورات العربية إلى الآن بإيجابية أو منح هذه الثورات الثقة في إمكانية إنجازها للأهداف التي طرحتها خلال المستقبل، وبخاصة في المديين القريب والمتوسط. إنّ الرأي العام يقيّم الثورات العربية بإيجابية على صعيد تحقيقها الأهداف المتعلقة بالحقوق والحريات وعملية الانتقال الديمقراطي أكثر منها على صعيد التنمية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. لكنّ هذا التقييم الإيجابي والثقة بمستقبل الثورات يفيد بأنّها تحظى برصيد من الشرعية الواسعة لدى مواطني المنطقة العربية. ومع ذلك، فهذا التأييد والشرعية مرتهن بمقدار ما تستطيع أن تقدمه من إنجازات على صعيد هذه الأهÓ داف وغيرها، وفي المحافظة على ثقة المواطنين بجدية أنظمة ما بعد الثورات على إنجاز هذه الأهداف. خاصة أنّ المواطنين يعتقدون أنّ بعض العوامل التي أدت إلى اندلاع الثورات ما زالت قائمة إلى حدٍ ما على صعيد الحريات والمساواة بين المواطنين، وما زالت قائمة بقوة على صعيد الفساد. إن عدم تحقيق إنجازات أو خلق انطباع بأنّ هذه الأنظمة غير جدية، سيؤدي بالضرورة إلى انكماش دائرة التأييد والثقة واهتزاز الشرعية في الأنظمة والثورات.