ورة السوريّة الث:

فواز حداد

الأيّام الأولى من يوم الغضب إلى يوم الحسم

إرهاصات الانتفاضة

يؤرِّخ بعض متابعي الشأن السوريّ يوم الخامس عشر من آذار / مارس 2011 على أنّه بداية الثّورة السوريّة. في حينها أطلق عليه الناشطون "يوم الغضب السوريّ." كانت الاستجابة له في دمشق، بتجمّع من خمسة أشخاص أمام بوابة الجامع الأمويّ، والتحق بهم أثناء سيرهم عشرات الأشخاص. تشكّلت تظاهرة اتجهت إلى منطقة الحريقة مرورًا بسوق الحميديّة. هتف المتظاهرون: "الله سورية حريّة وبس" و"الشعب السوريّ ما بينذل" و"وينك يا سوري وينك"، و"سلميّة سلميّة." قابلهم مؤيّدون للنظام، وحاولوا مع رجال الشرطة الموجودين في المنطقة الاعتداء عليهم. بعد قليل، دعموا بتعزيزات أمنيّة، لكنّ المتظاهرين كانوا قد تفرّقوا في الشوارع الجانبيّة للسوق. وما أعطى لهذا الحدث أهميّته، هو إرادة الداعين إليه لتسجيله كواقعةٍ تعلن بداية الانتفاضة السوريّة. ففي الشريط الذي نشر على موقع "يوتيوب"، يُسمع صوت المصوّر المشارك في التظاهرة، وهو يقول: "هذه الشرارة الأولى للانتفاضة السوريّة... هذه أول انتفاضة صريحة ضدّ النّظام السوري... علويّة وسنيّة ومن كل الأطياف بدنا نوقع هالنّظام." ومع أنّ حراكًا لم يحصل تحت تأثيرها، لكن رسلت، فالسوريّون لن يتخلّفوا عن الرّبيع العربي الرسالة كانت قد أ،ّ وبدأوا معركتهم السلميّة ضدّ النّظام بعنوان "انتفاضة" جامعة لكل الأطياف. أعقبها في اليوم التالي، وبشكلٍ منفصلٍ عن ما جرى في الليلة السابقة، اعتصام ناشطي الحريّات وحقوق الإنسان وأهÓ الي المعتقلين في ساحة المرجة، أمام وزارة الداخليّة؛ إذ احتشد المُتظاهرون الذين بلغ عددهم ما يزيد على مئة شخص، وطالبوا بالإفراج عن معتقلين سياس نيّ، وسرعان ما تصدّت لهم تظاهرة موالية للنظام، وقام الأمن باعتقال 37 شخصًا من المُشاركين بها، أفرج عن خمسة منهم، ووُجِّهت إلى الباقين تهمة النيل من هيبة الدولة. لم تُخفِ التظاهرة ولا الاعتصام، تحريض المنظمين لهما على التمهيد لحراكٍ شعبيٍّ يحاكي النموذجين التونسيّ والمصريّ، متأثِّرا بمجريات الثّورتين في البلدين، وما حقّقتاه من نجاحٍ سجّل بجدارة عدم جدوى أيّ تغيير مستقبليّ إالّ بإسقاط النّظام. لقد كانتا ردًا على ما قاله الرئيس بشار الأسد في مقابلةٍ مع صحيفة وول ستريت جورنال الأميركيّة في 31 كانون الثاني / يناير 2011، ففي إجابته عن السؤال الأول، لم تتخلّ عن الرئيس قريحته في الإحالات العلميّة سواء في التشخيص أو العلاج، وهو ما سوف يعتمده في خطاباته اللاحقة أيضًا، مُذكرًا بأنّه طبيبٌ قبل أن يكون رئيسًا، والتشخيص الجيّد أساس الشفاء. قال إنّ ما يحدث في تونس ومصر يشير إلى أنّه "كانت هناك مياه راكدة، والمياه الراكدة تتكون فيها الميكروبات... وبسبب هذا الجمود أصبحنا عرضة للميكروبات." لكن العلاج مؤجّل. إن الحاجة إلى تغييرات اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة، تشترط أن يسبقها تطوير المجتمع. واستبعد تكرار سيناريو تونس ومصر، وبرّر ذلك بأنّ سورية مستقرة، وفي وضعٍ أفضل من مصر، فهي لا تقيم علاقات مع إسرائيل، وهو السبب المباشر لاندلاع الثّورة المصريّة. كما استبعد تبنّي إصلاحاتٍ سريعةٍ وجذريّةٍ، معلِاّلً ذلك بحاجة البلاد إلى بناء مؤسّسات، وتحسين التعليم قبل انفتاح النّظام السياسيّ، وأن سورية بدأت - ولا تزال - في مسيرة الإصلاحات السياسيّة. وحذّر من أنّ المطالبة بالإسراع بها، قد تكون لها ردّة فعل سلبيّة "في حال لم تكن المجتمعات العربيّة جاهزة." وتساءل: لماذا سورية مستقرة؟ وكانت إجابته أن النّظام السياسيّ قريبٌ في مواقفه من معتقدات الناس وقناعاتهم؛ أيّ أنّ على الناس الاهتمام بسياسة سورية الخارجيّة وليس الداخليّة.

تجاهل الرئيس، أنّ السّياسة الخارجيّة نفسها لم تحرز أيّ تقدّم طوال أربعين عامًا، صحيحٌ أنّها نجحت في إخراج سورية من عزلتها، بالانفتاح على تركيّا، وتحسين العلاقة بأوروبا، وخفض مستوى التوتّر مع أميركا، وفي الطموح إلى استشراف الآفاق البعيدة المدى بطرح مشروع "ربط البحور" كرؤية إستراتيجيّة لمستقبل المنطقة، بالربط بين البحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود والخليج العربيّ، لتصبح العقدة الإجباريّة للعالم في الاستثمار والنقل... مام

يرشح سورية لتؤدّي دورًا أكبر من حجمها وقدراتها الحقيقيّة. كان هذا مترافقًا مع إبراز صورة عصريّة للرئيس وزوجته في الصحافة العالميّة، تُجاري الحداثة الغربيّة، بالإشارة إلى قضاء الرئيس فترة تدريبه كطبيب في بريطانيا، إضافة إلى التنشئة الإنكليزيّة لزوجته التي لُقِّبت ب "وردة الصحراء." أسهم الغرب في تصدير هذه الصورة للرئيس الشاب، وكانت الحفاوة التي قوبل بها قد أكّدت موقعًا مؤثِّرا سيحتله في متغريّ ات المنطقة. بالإحالة إلى الواقع السوريّ، ما برحت الأزمات قائمة؛ فالجولان أرض محتلة، والعلاقات مع لبنان متعرثّة، والسوريّون يرزحون تحت ضغوطٍ اقتصاديّةٍ تزداد تفاقامً، والفساد المعمّم في الدولة والمجتمع. باتت النجاحات المتحقّقة في الخارج، وتبدِّدها إخفاقات الداخل. ولم يعد الذهاب بعيدًا في السّ ياسة الخارجيّة إلا تهرّبًا من تقديم تنازلاتٍ لشعب مضى على مصادرة حريّاته السياسيّة نحو أكثر من أربعة عقود.

شباط / فبراير 2011: شهر من المحاولات المخفقة

ثمّة ما سبق يوم الغضب في دمشق؛ إذ كان في حلب، بدعوة ناشطين إلى الاعتصام يوم 5 شباط / فبراير في ساحة سعد الله الجابريّ، ليكون "أول أيام غضب الشعب السوريّ والعصيان المدنيّ في كلّ المدن." أحبطته السلطة بالتفاهم مع قوى المعارضة السوريّة العربيّة والكرديّة في الداخل، والإيعاز لهم بعدم المشاركة، مقابل العمل على الإصلاح بواسطة الحوار، فلم تدعم الأحزاب المعارضة الاعتصام. وحالت المخاوف من الرّد الأمنيّ دون تلبيتها. إذا كانت دعوة حلب أخفقت على الرّغم من تنظيمها، فلن يطول الوقت، وتسجِّل دمشق في تظاهرة الحريقة حدثًا سيكون مؤشرًا بالغ الدلالة على الرّغم من أنّه لم يسبقه أيّ تنظيم. ففي يوم 17 شباط / فبراير، وفي نحو السّاعة الحادية عشرة والنصف صباحًا في سوق الحريقة التجاريّ، نشبت مشادّة بين شابٍ، ابن لأحد أصحاب المحالّ، ورجال من شرطة المرور، تطوّرت إلى اعتداء عليه بالضرب المبرّح من قبل ثلاثة عناصر قبل اقتياده إلى المخفر. أدّى سماع صراخ الشاب واستغاثته إلى إغلاق الدكاكين وتجمّع المئات من أصحاب المحال التجاريّة والمارة العابرين بالسوق في مدخل الحريقة والدرويشيّة. زاد عدد المتجمعين على 1500 شخص تألّفت منهم تظاهرة، طالبت بالإفراج عن الشاب بنداءات "اتركوه اتركوه"، رافقتها صيحات "لا إله إلا الله"، كان الهتاف الرئيس فيها "الشعب السوريّ ما بينذل." توافدت عناصر الأمن والشرطة للسيطرة على الموقف، وحاولت منع الناس من التصوير، مع المحافظة على سوية تعامل جيّدة وغير عنيفة مع المواطنين. لحق بهم عدّة ضبّاطٍ برتبٍ كبيرةٍ، حاولوا إخافة المتظاهرين باستنكار التجمّع. وكان الرّد عليهم بالهتاف "حرامية حرامية." لدى حضور وزير الداخليّة، بادر البعض بالهتاف "بالروح والدّم نفديك يا بشار"، بينما ذهب آخرون إلى هتافات قاسية ضد النّظام، إالّ أنّ الجموع لم تنسِّق مع أيّ من تلك الهتافات "الموالية أو المعارضة"، واستمرت في هتافاتها الخاصّة مطالبةً بإطلاق سراح الشاب. تدارك الوزير الموقف بالتحاور مع المحتجيّن وسؤالهم عن مطالبهم، فندَّدوا بمعاملة الشرطة للشعب، واتهموها بالفساد. وعد الوزير بالتحقيق. أ طلق سراح الشاب، وانفضَّ ت التظاهرة بعد ثلاث ساعات.

دلالة تظاهرة "الحريقة" تكمن في عفويتها. التحق بها بشر عاديّون غير مرتبطين بمعارضة ولا أحزاب، وتحريض شبان استفزهم الموقف المهين، وتأييد تجارٍ مليئي ومتوسطي الحال، وتعاطف مارةٍ عابرين استوقفتهم المشاجرة. كان الحدثان المصريّ والتونسيّ قد لفتا أنظار السورييّن، وكانا التعبير عن مصائر سلطاتٍ غاشمةٍ سقطت بفعل قوّة الشارع لا السلاح، مع أنّ النّظامين بلغا من القوّة والشراسة ما بدا وكأنهما عصيّان على الزوال، وإذ بهما ينفرطان تحت ضغط تظاهرات سلميّة. كما تابعوا الهروب الجبان للرئيس زين العابدين بن علي، ورأوا بأمّ أعينهم التنحّي القسري للرئيس حسني مبارك بعد عقود من الاستخفاف بشعوبهم. إذا كان هذا ما جرى في مصر وتونس،

فالسوريّون قاسوا أكثر تحت حكمٍ أكثر شموليّة، وأشدّ عنفًا، لم يسمح لهم بالحدّ الأدنى من حريّة الرّأي والتعبير. كانت سورية الأحقّ بالثّورة. تشير حادثة الحريقة إلى أجواء محتقنة وحذرة. ففي ذلك اليوم لم يخطئ الناس رؤية ملامح الخوف على وجوه رجال الشرطة الذين اضطُرّوا إلى استرضاء الشعب ذلك المجهول، الذي يبدو دائمًا بصورة المستسلم المقموع، المنصاع للأوامر؛ لكن الكتلة الغامضة هذه المرة، رفعت أصواتها عاليًا وأفصحت عن غضبها. الكتلة الغامضة لم تعد غامضة ولا صامتة إزاء موقفٍ أخذتها فيه الحميّة ووجدت من دون اتّفاق متنفسًا لها في الاحتجاج على ضرب شابٍ لا يعرفونه، هذا في زمن ما برح التشدّد هو السائد، على الرّغم من معرفة الناس بطغيان سلطةٍ، لا يجهلون بطشها، تحاسب على زالّ ت الكلام، ولا تقبل المحاسبة، لا رقيب عليها ولا حسيب. سلطةٌ مغرورةٌ معتدّةٌ بنفسها. في اليوم نفسه، اندلعت الثّورة في ليبيا. فدعا ناشطون إلى اعتصام أمام السفارة الليبيّة الواقعة في قلب دمشق في حيّ أبي رمّانة؛ حي السفارات، احتجاجًا على مجازر نفّذتها القوّات الليبيّة ضدّ المحتجيّن في طرابلس وبنغازي والبيضاء. كان الهتاف "خاين يللي بيقتل شعبه." ولم يكن الاعتصام الأول، فقد سبقته سلسلة من الاعتصامات، إضافة إلى اعتصام وزارة الداخليّة، تضامنًا مع ثورة 25 يناير المصريّة. لم تحاول السلطات قمعها، وإن اعترضته واعتقلت بعض المشاركين فيه، بعد أن تعرّضوا للضرب على أيدي رجالٍ يرتدون ثيابًا مدنيّة، في ما يعرف ب "الشبّيحة"، والذين سيؤدون أدوارًا رئيسة في قمع التظاهرات بمنتهى الشراسة، ويشاركون القوى الأمنيّة في المداهمات والاعتقالات، وفي ما بعد بالقتل. اعتبرت السلطة أنّ ما يجري لا يزيد على عدوى جاءت بها رياح الرّبيع العربيّ، استغلها الناشطون بشكلٍ دعائيّ واستعراضيّ على المواقع الإلكترونيّة، وهوّلوا من حراكهم، بتصوير التظاهرات الطيّارة، وبثّها في القنوات المعادية. لم تشكِّل خشيةً حقيقيّةً، فهي لو توسعت وامتدّت بالإمكان تطويقها، وإيقافها عند حدودٍ لا تتجاوزها، من دون أن تثير ضجّةً كبيرةً. لم ينتبه النّظام إلى أنّ الجسد السوريّ كان مريضًا وجاهزًا ليس للعدوى فحسب، بل لاستشراء حمّى كامنة، ستؤدي لا محالة إلى الانفجار في حال توافر حامل حقيقي. وللإيحاء بأنّ السلطة متحكِّمةٌ بالبلد من أقصاها إلى أقصاها، استبقت تداعيات ما قد يحصل بقرارٍ رئاسيٍّ اعتبر بادرة حسن نيّة، صدر بحسب الشّكل المألوف الذي يصوِّر الرئيس على أنّه المانح والمنعم، وذلك بإصدار مرسومٍ للعفو في 7 آذار / مارس، رُوِّج له على أنّه يشمل الجرائم السياسيّة، ومعتقلي الرّأي وحريّة التعبير، جرى التراجع عنه بعد ساعاتٍ قليلةٍ، واقتصر على مرتكبي الجرائم الصغرى، وإن نص على الإفراج على كل من تجاوز عمره السبعين عامًا. كانت توقّعات السلطة أن يبدأ الشّغب من حلب، فاحتاطوا من الشمّال، إذ كانت الأنظار متركِّزة على المدن الكبرى. لكنّ الثّورة هبت من الجنوب، فقد تفجّرت في درعا، على الرّغم من دقة حسابات السلطة المسبقة. مقارنةً بما اعتمل من غضبٍ في دمشق، بدا من الممكن السَّيطرة على حدث درعا وإخماده بقدرٍ زائدٍ من القسوة، قبل أن يلفت الأنظار، غير أنّه تفاعل بسرعة غير متوقّعة، وهيّأ للناشطين فرصةً يمكن انتهازها بتحويل التظاهرات المطلبيّة الخاصّة بدرعا إلى مطالب تعني السورييّن جميعًا، واستدرّاجها لتنتشر في أرجاء سورية، قبل أن تجهض في مهدها. على خلاف توقّعات الناشطين أيضًا، كانت النّار قد سبقتهم، وبات عليهم اللهاث وراءها. ما اشتعل خلال أيام قليلةٍ، حافظ على جذوته وانتشر في المدن السوريّة، وسيقتفي أثره الناس من جميع المشارب، الرجال والنساء، المتديّنون والعلمانيّون، التجار والموظّفون والعامّ ل والفلاّحون والعاطلون من العمل، وجيل من الشباب التوّاق إلى الحريّة. كان الغبن والاحتجاج معًا كامنين في الوعي واللاوعي الجمعيّ؛ لم يأتِ عليهما الزمن، سيمتحان مفرداتهما من مخزون القهر القديم والمتجدّد على الدوام. عمومًا، الثّورة وجدت حامالً لها؛ الشعب.

شرارة درعا، أو في الطريق إلى الثّورة

إذا كان "يوم الغضب" قد أخفق، فإن الناشطين سيعوِّضون عنه في 18 آذار / مارس ويفتتحون به أيام الجمع ب "جمعة الكرامة"، بعد أن تلقَّفوا حدث درعا واتخذوه حافزًا رئيسًا للتظاهر. انطلقت التظاهرات في دمشق ودرعÓ ا وبانياس وجبلة وحمص. خرجت تظاهرة دمشق من الجامع الأموي، فرقتها قوّات الأمن المحتشدة في سوق الحميديّة. وكان نصيب التظاهرات الأخرى المعاملة بالمثل. تظاهرة درعا كانت الأكبر، شارك فيها الألوف، تجمّعوا أمام مقر المحافظة، وطالبوا بإقالة رئيس الأمن السياسيّ والمحافظ، وندَّدوا

ببعض من لهم علاقات وطيدة بالسلطة. اتّخذت تظاهرة درعا المسار الأكثر عنفًا ودمويّة، ولم يتجنّب المتظاهرون الاصطدام مع رجال الشرطة والأمن، بقدر ما سعوا إليه. جرى استنفار رجال الأمن الذين استخدموا الرصاص الحيّ في تفريق الأهالي، مع أنّ التظاهرة كانت سلميّة وخضعت للمراقبة والتضييق والحصار، لكنّ ما واجهته من عنفٍ وتهديداتٍ، حوّلها عن سلميّتها. خُوطب المتظاهرون بالعبارة التي أصبحت تقليديّة على أفواه الشبّيحة وعسكر النّظام "بدكم حريّة يا كلاب"، دفعت بعض المحتجيّن إلى تحطيم سيّارة الأمن. أعقبها استدعاءٌ للمزيد من القوّات الخاصّة جاءت على متن طائرات مروحيّة. كانت حصيلة يوم "جمعة الكرامة" مقتل شابيّن درعاوييّن، برصاص قنّاص محترف، فكانا أول ضحيتين في الثّورة السوريّة، وهكذا أصبح للحراك شهداؤه.

كان من المستغرب أن يتعامل النّظام مع درعا على هذا النحو؛ إذ طوال العقود الماضية، كانت مدينةً مؤيّدةً للنظام البعثيّ. وضعها الخاص منحها حصةً مرموقةً في وظائف الدولة، ففاروق الشرع كان أحد مهندسي سياسة سورية الخارجيّة، وحاليًا هو نائبٌ لرئيس الجمهوريّة، ومحمود الزعبي كان رئيسًا للوزراء لسنواتٍ طويلة،ٍ وفيصل المقداد مساعدًا لوزير الخارجيّة، وسميرة المسالمة رئيسة تحرير جريدة تشرين اليوميّة، عدا عن الكثير من الوظائف المهمّة. لكن على الرّغم من مكانتها، انطبق عليها ما ينطبق على غيرها من تعسّفٍ وامتهانٍ وفساد. إذا استحضرنا حادثة "الحريقة" في دمشق التي كشفت عن المزاج الشعبيّ الحارّ، المتحفِّز والمتوتِّر المؤهّل للاحتجاج في مُناخٍ محتقن،ٍ نجد أنّها كشفت أيضًا عن عدم كفاية تلمح بارقة لاغتنامها فرصة للتظاهر، فهي مهما امتدّت تبقى محدودة، تشتدّ اليوم، وتتلاشى في الغد، لافتقارها إلى حوافز طويلة الأمد، تساعد في سريانها على المستوى الشعبيّ العريض. بينما شكّلت تظاهرات درعا اندفاعة ذات أساسٍ متينٍ وقودها مظالم قائمة، آنيّة ومستفحلة، أفلح النّظام بتعدّياته في إبقائها مستعرة. وريثما تعم الاحتجاجات البلاد كلّها، سيتركز ثقل الانتفاضة الأكبر خلال الأيّام القادمة في مدينة درعا. هذا التصاعد السريع، كان بفعل حادثةٍ وقعت قبل نحو أكثر من شهر باعتقال رجال الأمن لعددٍ من طلبة المدارس كتبوا على الجُدُر، متأثِّرين بوقائع ساحة التحرير في القاهرة، شعاراتٍ مناهضةً للنظام: "الله، سورية، حريّة وبس" و"جاك الدَّور يا دكتور" و" الشعب يريد إسقاط النّظام." لم يكن حدثًا عابرًا، يمكن التّغطية عليه. تولّدت عنه تداعياتٌ وضعته في مصافّ حدثٍ هائلٍ ذي أثرٍ كبيرٍ على أهالي درعا بشكلٍ خاص، جعل صبرهم ينفد، ومن ثمّ على سورية بشكلٍ عام، وأطلق احتجاجاتهم في المدن والبلدات والأرياف، تحت تأثير توافر عناصر استفزت كرامة السورييّن: اعتقال أولادٍ لا يزيد عمر أكبرهم على خمسة عشر عامًا. إخضاعهم للتعذيب باقتلاع أظفارهم. جواب رئيس فرع الأمن السياسيّ عن توسّل الأمّهات الإفراج عن أبنائهنّ، قوله لهنّ: "انسوا أولادكم" وأتبعها بعباراتٍ وقحة. لدى قيام وفد من وجهاء ومشايخ درعا بمراجعته، لم يكتف بالرّفض، بل رمى بعقالاتهم في سلّة المهملات وأهان بذلك عاداتهم العشائريّة، وخرجوا مطرودين من مكتبه. عندما راجعوا المحافظ لم يكن أقلّ منه غطرسة. بدايةً، لم يتعدّ سقف مطالبات أهل درعا أكثر من العفو عن أولادهم الصّغار في السن، لكنّ رئيس فرع الأمن السياسيّ، رفض النظر إلى رجاءاتهم بعين الرأفة، واعتبر التوسّط لهم تجروءًا على الدولة، ولا سيمّا أنَّ الأولاد ارتكبوا جريمةً لا يصحّ غفرانها ولا تجاوزها، وهي السخرية من رأس الدولة. كان التأديب ركنًا أساسيًّا في التعامل مع العابثين بمقام يفوق القداسة، سواء كان الفاعل عدوًا أو صديقًا، كبيرًا أو صغيرًا؛ وبشكلٍ أكثر شموالً، لا استثناءات، وبمعنىً أكثر دقة، لا رحمة. لم يثنِ عنف المجابهة المحتجيّن الغاضبين عن مواصلة التظاهر، على الرّغم من القتلى والجرحى. ولم تقتصر على أهالي درعا الذين استصرخوا نخوة البلدات المجاورة والعشائر: "وينكم يا أهل الفزعة"، فاستجابوا للنداء وتدفّقت الجموع من الصّنمين وداعل والبلدات القريبة، شاركوا بالتظاهر والتشييع. كان في خروجهم وهتافاتهم

كسرٌ لقاعدة الخضوع المطلق للدولة التي أنعمت عليهم من قبل بالمناصب والخيرات، والآن تغمرهم بالرصاص والدّماء. كل يوم يسقط شهداء، فتتجدّد التظاهرات في اليوم الذي يليه في مواكب التشييع، وتزايد المشاركين؛ ففي يوم 20 آذار / مارس تجاوزت أعداد المتظاهرين العشرة آلاف. اضطرّ الرئيس إلى تهدئتهم بإقالة مُحافظ درعا ورئيس الأمن السياسيّ، وكانا قد هربا من المدينة، ولا سيمّا المحافظ الذي ذهب إلى جامع المسالمة للاستماع لمطالب الناس، أجابهم عنها بعنجهية، فضربوه أثناء خروجه، فنقله شخصٌ على درّاجة نارية حافيًا من دون حذاء. تصاعدت التظاهرات بإحراق مقرّ حزب البعث ومبنيين آخرين لشركتي اتصالات؛ سيرياتل وإم. تي. إن جروب. وكمُحاولة أخرى لتخفيف السخط الشعبيّ، أفرج عن الطلبة الصّغار الذين كتبوا شعاراتٍ ضدّ النّظام على الجُدُر، لكن من دون جدوى بعد تساقط الشهداء. امتدّت الاحتجاجات إلى بلدات المحافظة: جاسم ونوى والشيخ مسكين وانخل وطفس وغيرها، مع أنّ السلطة احتاطت وأرسلت أرتاالً من المدرّعات والدبّابات لمحاصرتها، وقطعت مُعظم الاتصالات عنها، وأقامت نقاط تفتيش مشدّدة الحراسة. اعتصم محتجو درعا الذين بلغت أعدادهم نحو خمسمئة في المسجد العمري. اعتبرت السلطة تجمعهم فيه بؤرة تمرّد وغرفة عمليّات، وبذلك اختلقت سببًا لاقتحامه. قامت قوّات الأمن بمداهمته في يوم الأربعاء 23 آذار / مارس، وتحديدًا في السّ اعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وأطلقت النّار من دون تمييز، ما أدّى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى. كما منعت سيّارات الإسعاف من الدخول إلى مركز المدينة. انتشر الخبر مع الفجر ليتوافد الآلاف من شمال درعا نحو المسجد، وُوجهوا بالرصاص، فارتفع عدد القتلى إلى 15 شهيدًا. في مساء اليوم ذاته، اعترض رجال الأمن عربة طبيّة كانت متوجِّهة إلى المسجد، فسقط أربعة قتلى بينهم طبيب ومسعف. صباحًا تبنيّ أنّ عدد القتلى أعلى بكثير مما قيل، فالمستشفى الرئيس جثة، وأفÓ تلقّى وحده 25 ادت مصادر أخرى عن تجاوز العدد لمئة شخص. هذا اليوم الذي سالت فيه الكثير من الدّماء سيطلق عليه وصف "الأربعاء الدّامي"، لتعود التظاهرات أشدّ عنادًا وأكثر جسارةً وجرأةً. كان النّظام الذي ردّ بدمويّة قد استدرج ردودًا غير متوقّعة، وصلت إلى درجة إحراق تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد وتمزيق صورة كبيرة لبشار الأسد، مما أسقط المزيد من الشهداء، بلغ عددهم 20 قتيالً على الأقل، ما دفع المتظاهرين للعودة إلى ميادين درعا مساء.ً

لم يكن القمع بالقوّة الأسلوب الوحيد الذي عالج به النّظام الموقف المتأزِّم، كان قد لجأ في وقتٍ مبكرٍ إلى التفاوض مع الوجهاء بإرسال الوفود إلى درعا مستفيدًا من روابط الدّم بين الأهالي ورجالات النّظام من الضبّاط والمسؤولين أبناء حوران لتهدئة الأوضاع المتأجِّجة. فأوفد بعد التظاهرة الأولى اللواء رستم غزالة مدير فرع دمشق للأمن العسكريّ معزّيًا ومفاوضًا، وبعدها أرسل فاروق الشرع نائب الرئيس لإيقاف الوضع المتدهور. ثمّ مساعد وزير الخارجيّة فيصل المقداد، قدّم التعازي لأهالي الشهداء، وأبلغهم عدم رضى الرئيس عما أصابهم. إضافةً إلى وزير العدل الذي وصل إلى مقرّ البلدية وفتح حوارًا مع المحتجيّن، كذلك وفد أمنيّ برئاسة هشام اختيار رئيس الأمن القوميّ. كان لدى أهل درعا الكثير من الشكاوى؛ كاعتقال أيّ شخص من دون تهمة، واقتياده من الفراش بالبيجاما إلى فرع الأمن، وفقدان أثره، بين درعا والسويداء ودمشق، يتخفّون عليه في الفروع الأمنيّة ولا يحيلونه إلى القضاء. استيلاء المسؤولين على الأراضي من أصحابها، فيبنون عليها جمعيّات يبيعونها بالملايين بموجب القانون 26، كما لا يمكن تسيير المعاملات الرسميّة في إدارات الدولة ومؤسّساتها إلا مقابل رشى، وبعضها لا يتمّ إلا بموافقة أمنيّة يكلِّف الحصول عليها مبالغ كبيرة؛ كفتح دكان، أو استئجار عقار وتأجيره، أو بناء شقّة أو استخراج ورقة "طابو." كانت تسعيرة حفر بئر تزيد على المليون ليرة سورية! لم تكن هذه مظالم أهل درعا فحسب؛ إذ كانت مظالم أغلبيّة السورييّن. هذا فضالً عن محاربة مظاهر التديّن في بيئةٍ يغلب عليها المحافظة، فكانت الشّكوى من التضييق على ممارسة الشّعائر الدينيّة، ومنع المنقّبات من التدريس. اتّفق رئيس الأمن القوميّ هشام اختيار مع وجهاء درعا على 13 نقطة، تناولت بنودًا كثيرة توافقوا عليها، كان من بينها، الإفراج عن السجناء السياسييّن، وتفكيك فرع الأمن في درعا، وعزل المحافظ،

وإجراء محاكمة علنيّة للمسؤولين عن القتل، والغاء الّلوائح التي تتطلّب الحصول على تصريح أمنيّ لبيع ممتلكاتٍ أو شرائها، وطرد شركات مخلوف، وإعادة المعلِمّات المنقّبات، وخفض أسعار المحروقات، والسمّاح بحريّة التعبير، والكشف عن مصير الآلاف من الذين اختفوا في الثمانينيّات من القرن الماضي. كما بادرت السلطة، بهدف نزع فتيل التوتّر في درعا وقبل أن تنتشر في باقي المحافظات، إلى مخاطبة الشعب عبر وسائل الإعلام، فسارعت المستشارة السياسيّة والإعلاميّة في رئاسة الجمهوريّة بثينة شعبان إلى عقد مؤتمرٍ صحفيٍّ، وعدت فيه ب "تشكيل لجنة قياديّة عليا مهمتها الاتصال بالأخوة المواطنين في درعا والإصغاء إليهم ين لمعرفة واقع الحوادث وملابساتها ومحاسبة المتسبِّبين والمقصرِّ"، كذلك زيادة رواتب العاملين في الدولة بصورة فوريّة، مع إيجاد التمويل اللازم لتأمين الضّ مان الصحيّ لهم، عدا عن الوعود الأخرى. لم يتأخّر التعقيب عليها في اليوم التالي المصادف يوم الجمعة 25 آذار /  مÓ ارس بعد صلاة الظهر، بتظاهراتٍ عارمةٍ عمّت مُعظم أنحاء سورية أول مرة تحت شعار "جمعة العزة." تجلّت في حمص بتظاهرة شارك فيها 500 شخص، واللاذقية بتظاهرة سقط فيها 5 قتلى، وتظاهرات في حلب وحماة، وفي بلدة التل وضاحية المعضمية المجاورتين للعاصمة دمشق. في درعا كان ردّ المتظاهرين "يا بثينة يا شعبان شعب درعا مش جوعان"، و"يا بشار اسماع اسماع دم الشهدا ما بينباع." تكشف وقائع درعا أسلوب معالجة الدولة للاحتجاجات، فخلال 12 يومًا، شكّلت المدينة بؤرة اختبار للنظام وللمحتجيّن معًا. كانت فروع المخابرات مفوّضة أصالً بمعالجة هكذا أزمات. في الأزمة الحاليّة تحدّدت المهمّة بكسر إرادة المتظاهرين السلمييّن. لم يستطع الأمن قمع الاحتجاجات بكفاءة سواء بالاشتباكات والاعتقالات والتنكيل، أم باستعمال الرصاص الحي. فاستعان بالجيش، واستقدم رئيس الفرع قوّاتٍ عسكريّة خاصّة جاءت بالمروحيّات. الإجراءات الأخيرة كلّها تمّت بتعاون السلطة في دمشق، وليس بمعزلٍ عنها، وكانت موافقةً عليها. تلخِّص هذه المعالجة، الأسباب التي أدّت إلى تحوّل الاحتجاج إلى انتفاضة، ثمّ إلى ثورة، وتشير إلى العقليّة الأمنيّة التي كانت وراء القرار بعدم التعامل مع الاحتجاجات بتفهّمٍ ومرونةٍ، وإمنّ ا على أنّها تظاهرات قابلة للاحتواء بمزيدٍ من العنف مع فتح قنوات للحوار ستصل حتامً إلى حلولٍ قد تكون قسريّةً، كان الأمن قادرًا على فرضها على المحتجيّن، لا يهم إن كانت سترضيهم، لكنّها ستنهي التظاهرات وتحدّ من انتقالها إلى خارج درعا خشية تسليط أضواء وسائل الإعلام عليها والمبالغة فيها، ما يحضّ المحتجيّن على استمراء التظاهر اليوميّ. كان المثال المصريّ حاضرًا بقوّة، أيّ تهاون في إخمادها يجعل من الصّعب تطويقها، ولا سيمّا أنّ التوتّر يسود المدن والبلدات السوريّة والتي كان لها مطالبها أيضًا، وهي المطالب نفسها، ما يحفّزها على الخروج ويشجِّعها على إشهارها، بينما الأوضاع لا تحتمل هذا الأخذ والرد. كانت الأوامر عدم معاملة المتظاهرين بالحسنى، وسيطرت المخاوف من لعنة التظاهرات على رجال الأمن الذين لم يألفوها، فهم لم يستعملوا القنابل الدخانيّة والرصاص المطّاطي وخراطيم المياه، كان التورّط فيها أشبه بالخوض في متاهة من الكرّ والفرّ، وتتناقض مع وسائلهم المتّبعة التي أثبتت نجاعتها على مدى أربعة عقود. كان لديهم أسلوب واحد ووحيد، نموذجه، الناجح والأقوى؛ قمع انتفاضة حماة عام 1982. أسلوب السحق المجرّب هو الأسهل والأجدى، ويغني عن تنازلات لا داعي لها أثبتت فشلها في تونس ومصر، فكان لا بدّ من قرار؛ لم يكن إلا القضاء على التظاهرات في مهدها. اعتمدت السلطة بحسب المراقبين، أسلوبًا مزدوجًا في إدارة أزمة درعا؛ فمن جانب أوحت أنّها قدّمت للمتظاهرين أكثر مما هو متوقّع أو مطلوب منها، وإن كانت مجرّد وعود، وأبطلت بذلك دعاواهم وقطعت الطريق على انتقادات المعارضة والمراقبين الغربييّن. ومن جانبٍ آخر، حافظت على هيبة النّظام، بإمطار المتظاهرين بالرصاص الحي لتجرؤهم على تحطيم تمثال الرئيس الخالد وتمزيق صور الرئيس الإبن. لكن ما أثار استغراب المراقبين هو أنّ فشل الخطّة المزدوجة كان ذريعًا، ولا سيمّا أنّ النّظام كان صادقًا في محاولات التهدئة، وعُزي السبب إلى خطئه بعدم ضبط تصرفات قوّات الأمن، التي ارتكبت جرائم أفقدت الوعود صدقيّتها، وأحدثت عكس التّأثير المفترض، فتفاقم الغضب وانتشر في أنحاء سورية، وتضخّم حجم الأزمة، وبات من الصّعب السَّيطرة عليه. مع مرور الوقت، سوف يدرك أصحاب هذا الرأي، أنّ النّظام أخطأ عن قصد، فقد انتهج خطّة الوساطات غير المجدية مترافقةً مع القمع المجدي، ولم يكن لدى النّظام توجّهٌ لتقديم أيّ تنازلات كي لا يعتقد المتظاهرون والمعارضة أنّه يترصّف عن خوف، أو سيسقط

صريع الضربة الأولى. فلم تكن جرائم الأمن، وهي بالأحرى جرائم القيادة بالتّضامن مع الأمن، مجرّد تجاوزات، كانت متعمّدة؛ فقد استخدموا القنّاصة وسلّطوا الشبّيحة على المتظاهرين، وأرسلوا الملثّمين المسلّحين راكبي الدرّاجات النّارية لإطلاق الرصاص عليهم، إرهابًا لهم، وافتعلوا فوضى سمحت لهم باختراع مندسيّن يحرِّضون على التظاهرات ويقودونها، وأدرجتهم في قائمة المحتجيّن الذين أصبحوا خليطًا من العصابات الإرهابيّة والسلفييّن والأصولييّن وتنظيم القاعدة. وبذلك أصبح المتظاهرون مستهدفين دونما تمييز، أ لصقت بهم الجرائم التي يرتكبها الشبّيحة. كل هذا كان لزوم تأليف رواية روّجتها القنوات المحليّة والفضائيّة، الرسميّة والخاصّة. من طرف آخر، وهو المقصود، لم يغب عن النّظام أنّ أحدًا من خصومه ليس بغافلٍ عن هذه الأكاذيب، كان عدم الغفلة مطلوبًا، لتصل الرسالة بشكلٍ واضح؛ العقاب هو الموت.

قبل خطاب الرئيس: الآمال الكبيرة

شيع أنّ القرار النهائيّ بشأن الأزمة مؤجّل بانتظار خطاب الرئيس أ، الذي تأخّر عن الظهور، في حين أنّ التظاهرات لم تنقطع، وإن خضعت للكثير من المدّ والقليل من الجزر. سبقت الخطاب تطمينات بقرب إيجاد حلٍّ للأزمة صدرت عن جهة موثوقة على أعلى المستويات، نقلتها الصحافة على لسان نائب الرئيس فاروق الشرع الذي برش السورييّن بأنّ الرئيس بشار الأسد سيلقي كلمةً مهمّةً خلال اليومين القادمين تطمئن أبناء الشعب إلى المستقبل، إشارة إلى أنّه جاد في العمل على طرح حلول للمشكلات المتراكمة، والتمهيد لرسم خطّة لتنفيذ إصلاحات ترضي الجميع، مؤكِّدًا أنّ الرئيس لا يمكن أن يكون ضدّ أيّ مواطنٍ سوريٍّ، وهو ملتزمٌ بمواصلة طريق الإصلاح والتحدّيث. وكانت المستشارة الدكتورة بثينة شعبان قبل أيّام، قد أعلنت في مؤتمرها الصحفيّ، أن القيادة برئاسة الأسد اتّخذت سلّة من القرارات تتضمن إجراءاتٍ على المستوى السياسيّ، تشمل وضع آليّات جديدة وفعّالة لمحاربة الفساد، ودراسة إنهاء العمل بقانون الطوارئ بالسرعة الكليّة وإصÓ دار تشريعات تضمن أمن الوطن والمواطن، وإعداد مشروع لقانون الأحزاب في سورية، وإصدار قانونٍ جديدٍ للإعلام يلبّي تطلّعات المواطنين إلى مزيدٍ من الحريّة والشفافيّة، وتعديل المرسوم 49 حول المناطق الحدوديّة بما يخدم تسهيل معاملات المواطنين وإزالة أسباب الشّكوى من تطبيقه، وتعزيز سلطة القضاء ومنع التوقيف العشوائيّ والبتّ بقضايا المواطنين بأقصى سرعةٍ ممكنة، إضافة إلى توفير الإمكانات والموارد اللّازمة لزيادة فرص العمل، سواء لخلق وظائف جديدة للشباب العاطلين من العمل أم لتثبيت العمال المؤقّتين، وإجراء تقويمٍ واسعٍ للأداء الحكوميّ والقيادة الإداريّة والمحليّة واتّخاذ القرارات بشأنها بصورةٍ عاجلة. وأكّدت المستشارة شعبان، أنّ تنفيذ القرارات سيبدأ فور صدورها. كذلك، ما رسُ بِّ إلى الإعلام السوريّ والعربيّ، كان متفائالً جدًا، أ خذ عن مصادر رسميّة وأمنيّة مقرّبة من الرّئاسة، حتى إنّ سلّة القرارات بدت حقائق برسم التنفيذ، ريثما تعلن صراحة على لسان الرئيس، الذي سيخاطب شعبه في يومٍ تاريخيٍّ. وبحسب التسريبات، سيرسم الرئيس مسارًا مختلفًا لمستقبل سورية، ينهي مرحلةً ويفتتح أخرى على قاعدة تفهّم التحولّات العاصفة بشعوب المنطقة، تلاقي طموحات الشعب السوريّ إلى التغيير والإصلاح وحريّة الرّأي والتعبير، لا تعالج بمسكنات ووعÓ ود، أو بالترقيع والمراسيم الغامضة التي يستفيد منها ذوو الحظوة. وسوف يتّخذ قرارًا جريئًا، يصالح النّظام مع الشعب بإنهاء العمل بقانون الطوارئ، وتقييد سلطات الأجهزة الأمنيّة، وتعزيز حكم القانون، والإفراج عن آلاف السجناء السياسييّن، ضمن برنامجٍ زمني تدريجيّ، يعمل فيه على تحرير الإعلام والقضاء والعمل السياسي والحزبيّ، تمهيدًا لطيّ صفحة حكم الحزب الواحد والرئيس الخالد. سوَّقت التحليلات الأكثر جذريّة صورة للأسد الإبن على أنّه ابن عصره، لا عصر أبيه، وسوف يُقدِم على خطواتٍ لن يتراجع عنها؛ فزمن الأقبية والسّجون والمعتقلات والمحاكم الاستثنائيّة قد وىلّ، الرئيس يريد أن يعيش مع شعبه في هذا الزمن، زمن الديمقراطيّة والتعدّديّة. بدأت المنطقة تعيد تشكيل أنظمتها وتطيح رؤساءها، ومهما كان شكل الأنظمة القادمة، فلا معنى لها من دون سورية. أما الذين زعموا أنّهم مطّلعون على نيّاته، فأكَّدوا أنّه عازمٌ على البدء فورًا بإجراءاتٍ إصلاحيّة، تمنح الحريّة للمواطنين وتحدّ من فساد أجهزة الدولة الرسميّة والخاصّة في مختلف القطّاعات. وذهب بهم التنبّؤ إلى حدّ التأكيد على أنّ أسماءً كبيرةً ستحاسب، مشيرين إلى أن لدى رأس النّظام كامل الثقة بأنّ محاسبته لكبار الفاسدين ستضع حدًا لاستشراء الفساد في مفاصل الدول، ما شكَّل القناعة بأنّ الأسد قرّر عدم الرّهان على الأجهزة الأمنيّة، وتقديم تنازلاتٍ للخارج، بل

السعي إلى وحدة المجتمع السوريّ، بالاستجابة لمطالب الشعب؛ تنازلات لا بدّ منها، كان قد استعدّ لها. على هذا الأساس سيأتي خطاب الأسد، يطلّ فيه من موقع قوّة لا موقع ضعف بعد السَّيطرة على الشارع. وحسب تقديرات المقرّبين، فإنّه إذا كانت الولايات المتّحدة نجحت في ركوب موجة التغيير من تونس إلى ليبيا، مرورًا بمصر نتيجة غياب القائد العربيّ الذي يستوعب جديًا وبعمق المرحلة التي تمرّ بها الشعوب العربيّة، فالأسد عازمٌ على أن يقودها بعيدًا من المخطّطات الأميركيّة، ولديه القدرة على أداء دور تاريخيٍّ يتجاوز حدود بلاده. كانت التطمينات والتسريبات والتحليلات تقول: إنّ الرئيس التقط اللحظة التاريخيّة وعزم على أالّ يتخلّف عنها، وهو حريصٌ على أن يقدِّم لشعبه شيئًا مؤثِّرا وملموسًا. هذا الشعب الذي وقف معه في الأزمة مع لبنان عقب اغتيال رفيق الحريري، وقبلها في العراق خلال الغزو الأميركي.

أما الذين يعرفون النّظام، فكانت توقّعاتهم مختلفة وخافتة، لكن متشائمة ومتشنِّجة؛ فالرئيس لن يستطيع شيئًا، ولن ينقلب على النّظام، والرئيس والنّظام شيءٌ واحدٌ لا انفصال بينهما، والنّظام يصنع الرئيس، وأيّ تنازل يقدِّمه واحد منهما، يخسر كلاهما، يسقط أحدهما فيسقط الآخر معه. في اليوم الذي سبق إلقاء الرئيس خطابه، عمَّت التظاهرات المؤيّدة المحافظات السوريّة، وتدفّق آلاف المواطنين صباحًا إلى السّاحات الكبيرة والشوارع الممتدّة منها. كانت على نمط المسيرات المليونيّة التي اعتادتها سورية كلمّا ألمَّ بها حدثٌ جللٌ، يعبرِّ ون فيها، عن قناعة أو من دون قناعة، مجبرين أو غير مجبرين، عن الوفاء للرئيس والوطن ورفض محاولات بثّ الفتنة التي تستهدف نموذج العيش المشترك بين أبناء سورية. شارك في التظاهرات جميع فئات الشعب، وممثِّلون عن المنظمّات الشعبيّة والنقابات، وموظّفون وعمال، وطلبة مدارس وجامعات، ونساء سافرات ومحجبات، غصَّت السّاحات بهم، تحت شعار: الوحدة الوطنيّة وإفشال المشروع الطائفي. احتلّت التظاهرة الكبرى في العاصمة دمشق ساحة "السبع بحرات" والشوارع المؤدِّية إليها. رُفعت فيها صور الرئيس والأعلام السوريّة، لوَّح بها المشاركون وهتفوا "الله، سورية، بشار وبس"، وقد اعتلى بعضهم الأشجار وتسلَّق أعمدة الكهرباء. لافتات كتب عليها "استقرار سورية مصلحة وطنيّة وقوميّة" و"سورية وطن للجميع" و"لا للفساد نعم لمشروع الإصلاح" و"الله معك الشعب معك." كما ارتفعت صورة للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله تأييدًا للمشروع المقاوم. كان احتفاالً جماهيريًا أكثر منه تظاهرة. مكبرِّ ات الصوت تصدح في السّاحة "أنا سوري، آه يا نيالي." "الزلاغيط" تتصاعد من حلقات الدبكة، السيّارات ذات الزجاج الداكن توزِّع الإعلام والملصقات، الأرز يرشق من الشرفات والنوافذ. المحامون بأروابهم السوداء، والأطباء بالبيضاء. وعشرة رجال دين يمثِّلون مختلف الطوائف، يقفون فوق شرفة مطلّة على السّاحة، شبكوا أيديهم للتدليل على الوحدة الوطنيّة. لافتات كتب عليها باللغة الإنكليزيّة "سوري، أنا سوري" و"أينما تدوس نحن نركع ونقيم الصلاة" و"خلقنا لنموت في سبيلك." بينما رفرفت في العالي كلمة "منحبّك" التي أصبحت شعارًا للشبان والشابات، يعربون من خلالها عن ولائهم المطلق للرئيس. أكَّد التأييد الجماهيريّ الكاسح أنّ الانفراج قريب، وما كان محنة هدَّدت وحدة البلد، ستنجلي غدًا عندما يلقي الرئيس خطابه في مجلس الشعب.

خطاب الرئيس: الكارثة التي لا عودة عنها

بعد نحو أسبوعين على اندلاع الاحتجاجات المعارضة، ألقى الرئيس آذار /  مÓ في يوم الأربعاء 30 ارس، خطابًا قوميًّا وطنيًّا جامعًا، كان مفاجأةً للجميع. الموالون أيضًا، الذين بنوا عليه توقّعاتهم المتفائلة، أصابهم الخطاب بالإحباط. فضح فيه المؤامرة الكبرى التي تستهدف الوطن! تحدَّث الرئيس بصورة ارتجاليّة عن الأزمة الداخليّة التي تهدِّد البلد ووجَّه الاتهام لمتآمرين في الخارج والداخل، وأشار إلى التحولّات

الحاصلة، متوقّعًا أن تترك تداعياتها على كل المنطقة من دون استثناء، وربما أبعد من ذلك، وتؤدي إلى تغيير مسار القضيّة الفلسطينيّة من التمسّك بالحقوق إلى التنازل عنها؛ الغرض من المؤامرة على سورية هو أن تسقط وتزال آخر عقبة من وجه المخطّط الإسرائيلي. وسخر الرئيس مما سماه "صرعة جديدة" أيّ "الموضة التي يسمونها ثورات"، وقال: "نحن لا نسميها كذلك"، وأنّ "المتآمرين قاموا بالخلط بين ثلاثة عناصر: الفتنة، والإصلاح، والحاجات اليوميّة." ووصفهم بأنّهم قلّة، بدأوا أوالً بالتحريض في الفضائيّات والإنترنت ولم يحقِّقوا شيئًا، وانتقلوا بعد الفتنة إلى التزوير؛ زوروا المعلومات والصوت والصورة وكلّ شيء. وأضاف: "لذلك أخذوا المحور الآخر، المحور الطائفي "، لكن تمّ التمكّن من درء الفتنة، مع أنّ المتآمرين تدخلوا بالسلاح وبدأوا بالقتل العشوائيّ لكي يكون هناك دم. واستدرك قائالً، إنّه لم يتم الكشف بعد عن "بنية المؤامرة كلّها." وقال إنّ هناك "مجموعات دعم لها أشخاص في أكثر من محافظة وفي الخارج، ومجموعات إعلام، ومجموعات تزوير، ومجموعات شهود العيان"، وهي مجموعات منظّمة مسبقًا. وفي ما يتعلق بالحوادث التي جرت في درعا، أعفى أهالي درعا من "أي مسؤوليّة في ما حصل"، وقال إنّهم "يحملون معنا المسؤوليّة في وأد الفتن." ووصفهم ب "أهل الوطنيّة الصّادقة والعروبة الأصيلة والنّخوة والشّهامة والكرامة"، وقال: "هم من سيقومون بتطويق القلّة القليلة التي أرادت إثارة الفوضى وتخريب اللحمة الوطنيّة." وأضاف: "الدّماء التي نزفت هي دماء سوريّة، وكلنا معنيّون بها، لأنّها دماؤنا؛ فالضحايا هم إخوتنا وأهلهم هم أهلنا، ومن الضروري أن نقف على الأسباب والمسبّبين ونحقِّق ونحاسب، وإذا كان الجرح قد نزف، فليكن ذلك من أجل أبناء الوطن وليس من أجل تفريقهم ... من أجل قوّة الوطن، وليس من أجل ضعفه ... من أجل ضرب الفتنة، وليس من أجل تأجيجها. ولنعمل بأقصى سرعة على رأب الجرح لنعيد الوئام لعائلتنا الكبيرة." ودعا إلى "وأد الفتنة" باعتبارها "واجب وطنيّ وأخلاقي وشرعيّ." وقال: "كل من يستطيع أن يساهم في وأدها ولا يفعل، فهو جزءٌ منها، وكل من يتورّط فيها عن قصد أو من غير قصد، فهو يعمل على قتل وطنه، ولا مكان لمن يقف في الوسط، فالقضيّة ليست الدولة، بل الوطن." وبالنسبة لبرنامج الإصلاحات القائم أصالً، فليس من جدول زمني لتطبيقه، لكنّه جاد فيه: "البقاء دون إصلاح هو مدمّر للبلد. التحدّي الأساسيّ، أيّ إصلاح نريد؟" وفي تحدٍ واضحٍ، أشار إلى أنّه لن يذعن لمطالب المتظاهرين، معلنًا استعداده للمواجهة: "لم نتردَّد يومًا في الدّفاع عن قضايانا ومصالحنا ومبادئنا ... وإذا فرضت علينا المعركة اليوم فأهالً وسهالً بها." وأنهى الرئيس خطابه من دون أن يعلن عن القيام بأيّ خطواتٍ إصلاحيّة جديدة.

لم يكن الخطاب أقلَّ من التوقّعات، كان مضادًا للتوقّعات كلّها، وصادمًا لبعض الموالين للنظام الذين برشّوا بالكثير، فلم يظفروا حتى بالقليل، وبات عليهم الدّفاع عامّ وصفه بالمؤامرة. وكان طبيعيًا أن يكون مخيبًا لآمال الذين توقّعوا إلغاء حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1963، وإعلان قانونٍ جديدٍ للأحزاب السياسيّة. صحيح أنّه تناولهما في خطابه، لكنّه أصر على أنّه لن يتصرف تحت الضغط، بدعوى أنّ التسرّع يأتي على حساب نوعيّة الإصلاحات اللّازمة التي سمعها السوريّون من قبل. كانت تلك صورة نظام متحجِّر، لا يسمح للرئيس بإعطاء أيّ بارقة أمل في ما كان منتظرًا منه، كلّ شيء على حاله، الّلهم إلاّ تشكيل لجانٍ للتحقيق في حوادث القتل ومنح الجنسيّة للأكراد، ولا يُستبعد التلاعب بهما، إن لم يذهب بهما التقادم. أما بخصوص دراسة إلغاء قانون الطوارئ، كما تبنيّ في ما بعد، فسوف يحل محلّه الأسوأ؛ قانون "مكافحة الإرهاب"، على اعتبار أنّ المرحلة المقبلة تقضي باستبدال ارلشّكل لا المضمون. لم يقدِّم أيّ تنازلٍ ملموسٍ أو جديٍّ، لئلا يفس على أنّه أمارة ضعفٍ تشجِّع على المطالبة بالمزيد. لقد كانت تلميحات فارغة وكلامًا في الهواء، ليس لأنّه لا يريد أن يقدم شيئًا فحسب، بل لا أيضًا يريد الالتزام بشيء. أثار الخطاب الكثير من التكهّنات، كان الزمن الفاصل بين وعود ع وبين خطاب الرئيس بضعة أيّام المستشارة شعبان وتطمينات الرشّ، ولا يفصله عن تسريبات الصحافة وآراء المحلِّلين السياسييّن سوى يوم أو يومين فقط. الكثيرون اعتقدوا أنّ الظهور الموعود للرئيس

في مجلس الشعب سيكون لإعلان الإصلاحات على ممثلي الأمّة، لا اكتشاف المؤامرة والتبشير بالفتنة والطائفيّة والتّهديد بشنّ الحرب على المحتجيّن! ما الذي جرى خلال السّاعات الأخيرة حتى تغري مضمون الخطاب إلى النقيض؟ يفسرِّه البعض بوجود تيّارين داخل النّظام، تيّار مرن براغماتي يقبل بالتفاوض والمساومة والحلول الوسط، ويجد في الإصلاحات ضرورةً لا بدّ منها. وتيّار آخر متشدّد يعتقد أن تقديم أيّ تنازلٍ، سوف يقود إلى سلسلة من التنازلات، مآلها إسقاط النّظام. أرضى الرئيس التيّارين؛ فمن جهة أرضى البراغماتييّن بلقاءاته مع وفود أهالي درعا ودوما، واستجابته لطلباتهم وتطييب خواطرهم، وانتقاده لتصرفات الأمن وزعمه عدم علمه بها، حتى إنّ الذين قابلوه حسبوا أنه مثل المتظاهرين يريد تغيير النّظام. وفي الوقت نفسه، أرضى المتشدّدين عندما ترك أجهزة الأمن تتصرف بحسب تقديراتها، ولم تكن غير مواجهة المتظاهرين بالرصاص، مع أنّه أصدر أكثر من مرة أوامره بعدم استعمال السلاح، لكنّها لم تنفّذ، وبالمقابل لم يعاقِب أحدًا، ما أحرج الحكومة التي لم تستطع التقيّد بقراراتٍ أصدرتها ولا لساعاتٍ قليلة. وهناك رأي آخر، يقول إن تأخّر ظهور الرئيس، كان لأن الأزمة تدار بالتشاور مع جهات أخرى، ليس مع الحكومة ولا الحزب، بل في تلك الحلقات الضيقة، الأولى عائليّة، والثانية أمنيّة، والثالثة تضمّ رجال الأعمال والمستفيدين من النّظام، والرابعة عسكريّة بمشاركة خبراء من إيران وربما روسيا أيضًا. ومن ثمّ، إذا كانت هناك حلقات أربع حول الرئيس وربما أكثر، فهي تصبّ عنده، والقرار له، غير أنّ القرار بات محكومًا أيضًا بالدول التي تدعمه، وليس بوسعه التراجع عامّ اتّخذ إلا بالتوافق معهم. مع تعدّد إغراءات النزوع إلى التفسير، بدأ الاعتقاد ينمو بأنّ الرئيس يعيش في عالمٍ وهميٍّ، مغتربًا عن الواقع، عالم مطواع لنزوات تخيلّاته، أكثر إقناعًا من ما يدور على الأرض، احتوى العديد من المتناقضات، والتحم فيه الواقع مع ما يتمناه، فلم يجد في ما ادّعاه أهالي درعا عن الظلم الذي تعرّضوا له سوى أنّهم أدواتٌ لمؤامرةٍ تحاك ضده، فأصبح متآمرًا كلُّ من يطالب بالحريّة أو يعارض، سواء كان يدري أو لا يدري، إضافةً إلى المندسّ ين الذين يريدون تخريب معجزات إنجازات سياساته الخارجيّة. عالم يعيش فيه، كان أكثر انسجامًا مع سيناريو يصلح لتفسير أسباب الانتفاضة وبواعثها، ويقود إلى أسلوب معالجتها بقسوةٍ وعنفٍ، لكن بأمانة وإخلاص، ما دامت الحقيقة إلى صفّه. لم يكن الرئيس يعيش في عالمٍ توهّمه. كان يعيش في هذا العالم الواقعيّ العنيف والدّامي لا غيره، يهيب به الذود عن سلطةٍ ورثها، وعليه التشبّث بها، وعدم التخيلّ عنها لدى أول أزمة. كان الدّفاع عن ما أصبح ملكًا لسلالةٍ حاكمة، إنما تقع على عاتقه، كان ممثلها وعليه مسؤوليّة توريثها لابنه. فهو لم يسكت على سيناريو العالم الوهمي ويتبناه، إلا لأنّه يتستر على ملحمة التوريث وحقائق سلطة لا بدّ من ارتكاب جرائم للمحافظة عليها. كما أنّ المؤامرة تتّسع لأميركا وأوروبا وتركيّا ودول الخليج والعصابات الإرهابيّة ومنظّمة القاعدة، ما يسمح بالقضاء على التظاهرات بجميع الوسائل، وتجنيد المؤيّدين المهووسين وراءه للتصدي لظاهرةٍ فضفاضة تسمح لهم بالتقولّات والإشاعات مهما كانت غريبةً، وتمنحهم الحقَّ بالبطش. ويجد فيها المحايدون والمشكِّكون عزاءً تلخصه مقولة: الرئيس لا يعرف. تحدَّد أسلوب تعامل الرئيس مع الاضطرابات بشكلٍ مبكّر جدًا، بالحلّ الأمنيّ، وتأخّره كان في إعلانه فحسب. لم يكن انحيازه للأجهزة اضطراريًا، بل عن سابق تصوّر وتصميم. وجودها سابق لوجوده، فهي أقدمُ منه عمرًا وخبرةً وتجربةً. كان هذا الحلّ لا غيره، مطروحًا منذ زمن بعيد، منذ اختار قمع ربيع دمشق عام 2001، واستعد له مع اندلاع الثّورات التونسيّة والمصريّة، ولو كانت لديه النيّة في تغيير صورة النّظام، لاستبق بوادر الثّورة بالمبادرة إلى إصلاحاتٍ تأخّرت عقدًا كامالً من الزمن. لم يكن لجوؤه إلى الأجهزة والاستعانة بها إال لأنها أكثر ضمانةً وأمانًا من الرضوخ للشعب. كما لم يكن بوسع الأمن الاستهانة بخبراته القمعيّة، والتصرّف عكسها، بل حسب ما اعتادوا، ليس لديهم خطط للحوار والجدال، لديهم خطط للإكراه والإجبار، غير مهيّئين للسياسة وإمنّ ا للعنف. علاقتهم مع الناس، علاقة تحقيق وتعذيب واحتقار وانتهاك للكرامة. ولقد ربطتهما معًا علاقة انسجام وتكامل. في تلك الفترة، لم يقرصّ الرئيس بالوعود، أصغى لشكاوى وفود المتضرِّرين، واستمع إلى نصائح مبعوثي الدول التي كانت صديقة؛ تركيّا وقطر والسعوديّة. ومن جانب آخر، كان التواطؤ مع الأجهزة ساريًا، بالتصرّف على الضدّ مما كان يعد به، بموجب آليّةٍ لا غموض فيها. إذا كانوا لا يتغاضون عن كلمة احتجاج أو اعتراض، فكيف يسمحون بحريّة الرّأي والتعبير؟ هي ببسيط العبارة، دعوة لإسقاط للنظام. المنطق الثابت أالّ يباح الشارع للمتظاهرين. ومع هذا كانوا على حذر، هاجموهم بالهراوات وأطلقوا عليهم النّار، فاستُشهد العشرات، هذا لشهود العيان والإعلام. أما في مراكزهم الرهيبة، فهناك العيار الفائض من التعذيب لانتزاع معلومات ربما لا يعرفها المعتقل، والتوقيع على أوراقٍ يجهل مضمونها، وقد يصل التعذيب بالموقوف إلى الموت، هذا في الأحوال النادرة من قبل. أما بعد الثّورة، فأصبح التعذيب حتى الموت من الأمور العاديّة، ثمّ ازداد العيار، لم يعودوا

يكتفون بالموت، أصبح القتل يستثمر للإرهاب، وهناك ما بعد الموت: الحرق، سلخ الجلد، التمثيل بالجثث وتشويهها كي لا يتعرف إليها أهالي الشهداء، أو اختطافها واخفائها برميها في أماكن نائية، أو دفنها في حاويات القمامة. تدلُّ مجريات الانتفاضة السوريّة، ومنذ الأيّام الأولى لاندلاعها على أنّ النّظام اتّخذ قراره النهائيّ مسبقًا قبل ظهور الاحتجاجات، بسحق أيّ تحرّكٍ يطالب بالتغيير. لكنّه لم يتوقّع هذا العناد الذي اتصفت به تظاهرات درعا، ولا سيمّا بعد اقتحام المسجد العمري. كما لم يتخيّل أن تمتد إلى الأرجاء القصيّة للبلاد، وأن يشارك بها الشعب بكثافةٍ نادرة، بالعناد نفسه، وبتضحياتٍ منقطعة النظير، وبجرأةٍ غير مسبوقة. الشعب خرج عن الطّوق، وحسب تعبير تردَّد بكثرة، كان في محلّه: كسر جدار الخوف. وإذا كانت تظاهرة الحريقة في دمشق، مقياس احتقان الناس، فدرعا الشرارة التي أدّت إلى الانفجار، لولاها لبقيت الانتفاضة أسيرة الناشطين، تدور في حلقةٍ مفرغةٍ، تظاهرات واعتصامات تقمع بالاعتقالات الدورية. ولقد كان من حظِّ الانتفاضة احتضانها من شبكات تنسيقيّات المدن والبلدات والقرى التي ساعدت على انتشارها بزخمٍ لافت. هذا الإصرار، لا يحيلنا إلى المعارضة ولا الأحزاب، بل إلى الشعب بفئاته كافة وبجميع أطيافه دونما استثناء، ما يؤكِّد أنّها ثورةٌ شعبيّة خالصة شكّل فيها الشباب رأسها ووقودها. ومهما قيل حولها، فهي الثّورة الوحيدة التي ناضلت ضدّ نظام شموليٍّ جائر، فاسد حتى العظم، ودولة أمنيّة في عزّ جبروتها، توافر لها من وسائل القوّة، ما أغراها بإحداث أكبر قدرٍ من القتل والنهب والتدمير. ووفّر لها العجزُ الدولي،ّ شنَّ حربٍ شعواء على شعبها بلا أيّ مساءلة جديّة. لكن، ومن تداعيات ما سبق، كانت ثورة من الممكن تجنبها. طوال أسبوعين، كانت توقّعات أغلب المراقبين أنّ النّظام سوف يستجيب لمطالب المتظاهرين، بدا ذلك من محاولات النّظام تفهم طبيعة الاحتجاجات. كذلك من واقع المفاوضات، كان المتضرِّرون من الأهالي مستعدِّين للقبول بتنازلاتٍ محدودةٍ وبإصلاحاتٍ متواضعة لكن جديّة. كان التفاؤل مرجّحًا، الرئيس الذي صدّر سنوات حكمه برؤية إصلاحيّةٍ، سيستعيدها تحت ضربات الثّورات العربيّة. لكن ما جرى خالف التوقّعات؛ النّظام جعل الثّورة حتميّة. دفعها نحو هذا الاتجاه باعتماده الحلّ الأمني. كان متيقِّنًا، أنّ التنازلات مهما كانت صغيرة ستخلخل آليّة السَّيطرة المطلقة، وتقود إلى نهايته. لم يأمن تداعيات قد لا يمكنه التحكم بها، ولم يثق بشعبه لأنّه يجهله، لا يستطيع النّظام التفكير إلا على هذا النحو. كانت الانتفاضة أمرًا واقعًا، وبرأيهم، لا يجب أن تكون واقعًا يرضخون له، لكنّها تستوجب حالً واقعيًّا لا بديل منه؛ الحل الذي لا يعتقدون بغيره، كانت استعداداتهم الاستخبارية والعسكريّة قد نمت على أساسه طوال أربعين عامًا، وحان استخدامها. عندما ألقى الرئيس خطابه في مجلس الشعب، قُوطع مرارًا بالتّصفيق والهتافات، بلغ تأييد أعضائه تأييدًا منقطع النظير، لم يكن مستغربًا، كان دائمًا منقطع النظير. المفاجئ أنّ أحد النوّاب قاطعه قائالً له: "الوطن العربيّ قليل عليك يا سيدي. يجب أن تقود العالم." اعتبر النائب المعجب بالرئيس الشاب أنه يستحق أن يكون قائد العالم، لسياساته الخارجيّة التي أضاف إليها في خطابه حكمةً نادرةً في معالجة قضايا الوطن الداخليّة، مع ذكاء بوليسي وقّاد في اكتشاف المؤامرة المحدقة بسورية. لكنّه لم يدرِ في تلك اللحظات المصيريّة، بماذا كان الرئيس يفكِّر، الرئيس لم تأخذه النّشوة، وإن وزّع ابتساماته على الحاضرين، كلماته أتت ثمارها بالتّأثير في النوّاب الذين تخلوا عن وقارهم وهلّلوا له على مدار خطابه، ثمّ جاء هذا العرض السريالي، الذي لم يهتم به، يعرف أن هؤلاء يتبارون في المديح. ما استوقفه وأثار اهتمامه تأييدهم لما قاله "لا مكان لمن يقف في الوسط." ليس المهم أن يفهمها جميع من في داخل المجلس، فهؤلاء إلى جانبه، بل من هم خارجه، وأن يعرف العالم أنّ هذا القطيع يؤيِّده، إضافةً إلى الكثير من الناس المخدوعين خارج المجلس. لقد حسم موقفه؛ فمن لا يهتف "الله، سورية، بشار وبس" فهو ضدّه. كان قد حَدَّد العدوّ، ولم يكن غير الشعب. ردّة الفعل الأولى على الخطاب، خروج التظاهرات في اللاذقية التي شارك بها المئات، فرّقها رجال الشرطة بالرصاص، ولم يأتِ المساء حتى انتشرت التظاهرات في البلدات والأحياء، لم تكن بأعدادٍ كبيرةٍ، لكنّها في الأيّام القادمة، ستشمل أغلب المدن السوريّة والأرياف، وتخرج كالموج الهادر، ويسقط فيها مئات القتلى. الشعب حدَّد أيضًا هدفه، النّظام هو العدو. والرئيس هو النّظام، وتحققت التنبّؤات الأكثر تشاؤمًا. في يوم 30 آذار / مارس، أعلن الرئيس في خطابه الحرب على الشعب. وكان يوم 30 آذار / مارس يوم الحسم؛ إذ انتقلت الانتفاضة إلى مرحلة الثّورة، ولم تعد خاضعةً للمفاوضات والمساومات ومراوغة السلطة. أصبحت ثورةً في سبيل الحريّة والكرامة والعدالة، سيسفك الكثير من الدّماء، ويدفع الكثير من الشهداء ثمنًا لانتصارٍ لن يكون سهال. المؤلم أنّ الثّورات تخطّ طريقها بالدّماء، وتتقدَّم فوق جثث الشهداء.