تأملّات في التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي في الحكم

رشيد مقتدر

الملخّص

تناقش هذه الورقة قواعد اللعبة السياسية في المغرب والدور المركزي ال ذي تضطلع به المؤسسة الملكية وفق ا لنهج يسعى للحفاظ على التوازنات السياسية الكبرى، عبر التوجيه السلس للعملية السياسية. تستخدم المؤسسة الملكية إستراتيجيات متعددة مثل الإدماج التدريجي، أو التضييق والمحاصرة، أو التجاهل واللامبالاة، أو القمع والتنكيل، إلى جانب تكتيكات متباينة، من دون الانزلاق إلى ش رَك التدخل المباشر الذي قد يُظهر النظام بأنّه تسلطي. ويفضي هذا النهج في معظم الحالات إلى حل الإشكالات العالقة بأكثر مما يقود إلى التنفيذ العملي للتهديدات. وترى الورقة أن النتائج السياسية للتركيبة السياسية والاجتماعية القائمة مك نت حزب العدالة والتنمية من الاحتكاك العملي بميدان السياسة. وقد أفضت معايشة الإسلاميين اليومية بالواقع المركب بمختلف أصناف مشاكله وتعقيداته، إلى اضطراراهم للبحث عن حلول عبر آليات التوافق والتنسيق مع المسؤولين السياسيين، أو من خ ل  ل عرضها في البرلمان كمعارضة عبر آليات الأسئلة الشفهية أو الكتابية وغيرها، وهو ما أسهم بقدر كبير في إنضاج تجربتهم السياسية وتطويرها، على الرغم من تحديات اللعبة السياسية وضيق هامش المناورة فيها.

مقدمات أولية للتأطير العلمي لواقع شائك

مكنت التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي، وهو يضطلع بدور المعارضة السياسية طوال خمسة عشر عامًا، من تطوير رؤاه الأيديولوجية، وإنضاج تصوراته السياسية والاجتماعية. وهو ما تؤكده النظرة السريعة على مختلف البرامج الانتخابية للحزب وأطروحاته الأيديولوجية ومشاريعه السياسية في السنوات 1997 و 2002 و 2007 و 2011. ويمكن أن يعود سير الحزب في منحى الواقعية السياسية إلى عدة عوامل أبرزها: احتكاك حزب العدالة والتنمية المباشر بمعترك الصراع الأيديولوجي والمنافسة الانتخابية، واعتماده رؤية سياسية إصلاحية راهنت على العمل من داخل المؤسسات السياسية الرسمية، وترتب على ذلك وعيه لمنطق الحكم والدولة والسياسة. اتسمت تجربة الإدماج السياسي للإسلاميين الإصلاحيين (حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح) بنوع من الدينامية السياسية والاجتماعية؛ من حيث علاقتهم، أوالً، بنظام الحكم التي مرت بمراحل متباينة تتراوح ما بين التوافق العابر والتساكن الحذر، وما بين التأزم الظرفي والمواجهة المستمرة وصوالً إلى الانسداد والجمود، أو من حيث علاقتهم، ثانيًا، بالقوى السياسية العاملة داخل النظام سواء كانت أغلبية حكومية أو معارضة سياسية. ومن النتائج السياسية لمجموع هذه التحولات السياسية والاجتماعية، تمكّن حزب العدالة والتنمية من الاحتكاك العملي بميدان السياسة، من خلال سعيه لفهم السياسات العمومية المنتهجة من لدن الحكومات السابقة، وتقييمها وانتقادها من موقع المعارضة السياسية. وقد أفضت معايشة الإسلاميين اليومية للواقع المركب بمختلف أصناف مشاكله وتعقيداته، إلى اضطرارهم للبحث عن حلول عاجلة لها، عبر آليات التوافق والتنسيق مع المسؤولين السياسيين، أو من خلال عرضها كمعارضة عبر آليات الأسئلة الشفهية أو الكتابية وغيرها، وهو ما أسهم بقدر كبير في إنضاج تجربتهم السياسية وتطويرها رغم تحديات اللعبة السياسية وضيق هامش المناورة فيها. تميزت قواعد اللعبة السياسية في المغرب بالدور المركزي الذي تضطلع به المؤسسة الملكية وفقًا لمنطق يسعى للحفاظ على التوازنات السياسية الكبرى، وذلك عبر التوجيه السلس للعملية السياسية باعتماد إستراتيجيات متعددة مثل: الإدماج التدريجي، أو التضييق والمحاصرة، أو التجاهل واللامبالاة، أو القمع والتنكيل، إلى جانب تكتيكات متباينة، من دون الانô زلاق إلى رشَ ك التدخل المباشر الذي قد يُظهِر النظام بمظهر المتسلط. وهذا ما يميز خطوات النظام السياسي المغربي في علاقته مع المعارضة السياسية بمختلف أصنافها (الإسلامية، واليسارية، والليبرالية)؛ إذ إنّ إستراتيجيات وتكتيكات ممارسة الضغوطات متنوعة، والتلويح باتخاذ إجراءات معينة في حالة التوتر والصدام، قد تفضي في معظم الحالات إلى حل الإشكالات العالقة أكثر من التنفيذ العملي للتهديدات، وهذا ما يخوِّل النظام السياسي إمكانية مراقبة المجال السياسي وتوجيهه والتحكم في آلياته القانونية والسياسية. وقد أدى ما شهده الشارع العربي من حركات احتجاجية أثناء ما سمي ب "الربيع العربي" والإطاحة بعدد من الأنظمة التسلطية التي شاخت قياداتها وأصيبت بالترهل السياسي، إلى تسريع خطوات الإصلاح في المغرب؛ لاحتواء الشارع والحيلولة دون انفجاره، فقد أقدم الملك محمد السادس في خطاب 9 آذار/ مارس 2011 على خطوة استباقية عبر الدعوة إلى تعديل الوثيقة الدستورية، على الرغم من معارضة حركة 20 فبراير بمختلف مكوناتها، وكذلك جماعة العدل والإحسان التي تعد من أبرز التنظيمات الإسلامية المعارضة في المغرب. وقد شكلت هذه الظرفية السياسية فرصة استفاد منها حزب العدالة والتنمية، وعمل خلالها على بلورة مقترحاته الدستورية والسياسية التي ضمَّنها النص على إمارة المؤمنين والمؤسسة الملكية ودفاعه عنهما، إلى جانب تأكيده السير قدمًا في مساره السياسي من داخل النظام السياسي وفقًا لمنطق إصلاحي تدريجي. ويمكن اعتبار هذه الخطوات السياسية رسائل طمأنة ما فتئ الإسلاميون يبثونها، والتي ساهمت خلال هذا الظرف الخاص في التخفيف من عناصر عدم الثقة والتوجس الذي كان سائدًا بينهم والمؤسسة الملكية.

وكان من نتائج هذا الحراك المجتمعي والسياسي صوغ دستور جديد حظي بقبول الشعب، وترتب عنه تنظيم انتخابات برلمانية سابقة لأوانها في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، أدت إلى فوز حزب العدالة والتنمية ب 107 مقاعد في البرلمان، تلاه وصول الحزب إلى قيادة العمل الحكومي. وقد اعتبرت تلك خطوة مهمّة في مسار الفاعل الإسلامي الذي راهن على الاندماج السياسي من داخل النظام، وتمكّن من الوصول إلى السلطة بطريقة سلمية من دون أي تشنجات أو توترات سياسية أو اجتماعية، بحكم خصوصية النظام السياسي المغربي الذي تحتل فيه المؤسسة الملكية مكانة مركزية. وإذا كانت الحكومة في النظام السياسي المغربي عبارة عن جهاز تنفيذي تابع للملك تساعده في تنفيذ السياسات العمومية، فإنّ التعديل الدستوري لفاتح تموز/ يوليو 2011 الذي عنّون الباب الخامس ب "السلطة التنفيذية"، وهي إشارة صريحة تتم لأول مرة في الدستور، اعتبر أنّ الحكومة سلطة تنفيذية (الفصول 87 و 89 و 90) تعمل على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، وأنّ الحكومة مَن يمارس السلطة التنظيمية (الفصل 89 و)90. من الناحية المنهجية، من المهم الإشارة السريعة لمسار علاقة حزب العدالة والتنمية بنظام الحكم الملكي بالمغرب، وذلك للإحاطة بالموضوع من مختلف أبعاده التاريخية والسياسية والاجتماعية. فلا يمكن التعامل مع التجربة الحالية لهذا الحزب في الحكم بمعزل عن مسار إدماجه السياسي، وتاريخ علاقته بباقي القوى السياسية؛ ذلك أنّ العديد من السلوكات السياسية للحكومة قد نجد تفسيرها في التأثر بالتجربة السياسية طوال سنوات الإدماج، فلا يزال "الطريق إلى الديمقراطية طويالً جدًا ووعرًا في هذه البلدان، وليست الأحزاب الإسلامية هي من زرع كل العقبات في مساره." إنّ "النخبة الحاكمة والأحزاب العلمانية في الشرق الأوسط لم تلتزم بالديمقراطية أيضًا. إذ لم تكن الأنظمة الناصرية والبعثية والقومية والملكية في المنطقة ديمقراطية، ولم يتجاوز حضور المرأة في الأحزاب السياسية العلمانية في العالم العربي حضورها في الأحزاب الإسلامية. وما من شكّ في أنّه من دون الالتزام بالتعدّدية، لا يمكن للمجتمعات في الشرق الأوسط أن تأمل بالتّجديد المتواصل، والتنمية المستدامة، وحقوق الفرد والجماعة. ومع ذلك، ينبغي توقُّع هذا الالتزام من الجميع على قدم المساواة، سواء أكانوا إسلاميين أو علمانيين". إن الانتقال من دور المعارضة السياسية إلى السلطة وقيادة العمل الحكومي، تعد تجربة سياسية جديدة انتقل خلالها حزب العدالة والتنمية إلى موقع الفاعل الذي يمتلك القرار السياسي، وهو ما يشكّل محكًّا لقدرة الإسلاميين على تنزيل مشاريعهم ورؤاهم وتطبيقها على أرض الواقع. نسعى في هذه الدراسة لرصد التجربة الحكومية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، في ظل الائتلاف الحكومي المشكل من أربعة أحزاب هي: حزب العدالة والتنمية (الإسلامي)، وحزب الاستقلال (اليميني المحافظ)، وحزب التقدم والاشتراكية (اليساري)، وحزب الحركة الشعبية (الأغلبي الذي يوصف بكونه حزب الإدارة.) إنّ العمل على استقصاء تجربة حزب العدالة والتنمية داخل نظام الحكم في سياق ظرفية سياسية شديدة الحساسيّة، تتجسّد في تدبير ما يسمى في الخطاب السياسي للحكومة بالتنزيل الديمقراطي للدستور، وهو ما يستلزم تفصيل هذه الإشكالية إلى مجموعة من الأسئلة الأساسية: ما هي طبيعة تصورات حزب العدالة والتنمية وباقي مكونات التحالف الحكومي للمرحلة الانتقالية؟ وما هي الآليات المعتمدة لتدبير هذه المرحلة السياسية الانتقالية الصعبة؟ وكيف سيضطلعون بالمسؤوليات والسلطات الحكومية المخولة إليهم في الدستور؟ وما مدى قدرتهم على إرساء آليات مؤسساتية جديدة لإعادة توزيع السلطة بينهم والمؤسسة الملكية من دون الوصول لمرحلة التأزم والصدام؟ وهل أسهمت موجة ما سمي بالربيع العربي في المغرب في تغيير قواعد اللعبة السياسية خاصة بعد إقرار دستور فاتح تموز/ يوليو 2011؟ أم أنّ تغيير الإطار الدستوري والقانوني للبلاد لم يترتب عليه أي تبدّل في موازين القوى وتغيير في الواقع السياسي الذي ما زال مستمرًا وفقًا لما يسميه العديد من الباحثين بالسلطوية الناعمة أو المرنة؟ ويجعلنا هذا نتوقف أمام أطروحتين متناقضتين: تعتبر الأطروحة الأولى أنّ المغرب خرج من عنق الزجاجة، وأنّ مبادرة الملك محمد السادس وما تلاها من خطوات سياسية، كتعديل الدستور

وإجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها تجسّد نوعًا من الوعي المبكر للمؤسسة الملكية، وقدرتها على معرفة مآلات الأمور واتخاذ القرارات الإصلاحية في الزمن المناسب. فكانت نتيجة هذه التغييرات المؤسساتية والسياسية التمكّن من التغيير الجوهري في قواعد اللعبة السياسية، فدخل معها المغرب إلى مرحلة سياسية ودستورية جديدة جنّبته التوترات السياسية والقلاقل الاجتماعية التي عرفتها العديد من البلدان العربية. بينما ترى الأطروحة الثانية أنّ مجمل ما قام به نظام الحكم من مبادرات سياسية ما هي إلا مناورات تمرّس في إتقانها، وأنّ هذه الخطوات الإصلاحية لا تعدو كونها مساحيق للتجميل، ومحاولات للالتفاف على المطالب الشعبية الداعية للديمقراطية والعدالة ومحاربة الفساد؛ بحكم أنّ بنية السلطة ظلت جامدة لصالح نظام الحكم الملكي الممسك بزمام السلطات والصلاحيات.

وتواجه الباحث والدارس الطامح إلى المعالجة العلمية الموضوعية للظواهر السياسية داخل المجتمعات التي تجتاز مراحل انتقالية، عدة عقبات موضوعية تشكّل تحديات مركزية أمام تخصص العلوم السياسية والاجتماعية؛ فالمجتمعات والدول موضوع الدراسة تعيش فترات انتقالية تجسّد مرحلة مخاضٍ وتحولٍ مستمرٍ، وفقًا لديناميةٍ صراعيةٍ يصعب توقع تطوراتها ونزاعاتها وتوافقاتها وانتكاساتها. إنّ المرور من مرحلة الاستبداد والتسلط بمختلف نماذجه كالسلطوية التقليدية، أو الديمقراطية الموجّهة والمتحكّم بها، أو السلطوية المرنة، وهي نماذج سياسية تمنح هوامش سياسية وفقًا لخطوط حمراء محدِّدة لقواعد اللعبة السياسية، تفسح مجالات معينة للفاعلين السياسيين للتحرك والمنافسة من دون التأثير في طريقة اشتغال النظام أو تغيير القواعد الناظمة للعمل السياسي. أما السلطوية الجامدة (الأنظمة الشمولية والعسكرية) فتمثل نماذج سياسية مغلقة تطغى فيها إرادة الحاكم الفرد وسلطته، وتتضمن أشكاالً وقوالب تفتقد وجود فاعلين سياسيين مستقلين مقابل وجود طبقة سياسية تعمل عبر حزب وحيد أو أحزاب سياسية مصطنعة يقتصر دورها على مساعدة الحاكم والاستفادة مما يمنحه لها من عطايا مادية ورمزية، وذلك على الرغم من وجود بنيات سياسية يصطلح عليها مؤسسات سياسية، وهي في الحقيقة هياكل أو منشآت سياسية ذات طابع صوري ولا تضطلع بأدوار حقيقية. إنّ الوصول لمرحلة المأسسة تستلزم تطورًا مؤسساتيًا وتمرسًا سياسيًا ونضجًا اجتماعيًا ووعيًا ثقافيًا، وهي مرحلة تسبقها مرحلة الشخصنة التي تجري خلالها ممارسة السياسة بشكل شخصي خارج إطار المؤسسات السياسية.

العقبات المنهجية والنظرية

لا شك أنّ السعي لاستكشاف هذه الظواهر والوقائع المركبة تعترضه جملة من التحديات النظرية والمنهجية، بحكم أنّ الأطر المعرفية والعلمية التي كانت تدرس بها مجتمعاتنا العربية أضحت شبه متجاوزة بحكم دخول بلداننا لمرحلة سياسية انتقالية يصعب معالجتها بنوع من الموضوعية والعلمية، وهي سمة المراحل الانتقالية التي تتسم بالهشاشة والسعي للخروج من شخصانية السلطة ونزعاتها الفردية والتسلطية إلى الطموح للمزيد من المأسسة والتقنين لقواعد اللعب السياسي. وإذا كانت المجتمعات التي شهدت ثورات مثل تونس ومصر وليبيا تنطبق عليها ما بسطناه، فإنّ إمكانية التأزم والصدام أو الانتكاسة تبقى واردة، بينما يتسم النموذج السياسي المغربي باعتماده على تجربة إصلاحية سياسية قام بها ملك البلاد، وهي في طور التبلور، على الرغم من كونها مسبوقة بتجربة ما كان يسمى "بالتناوب التوافقي" الذي عقده الملك الراحل الحسن الثاني مع المعارضة اليسارية. ومن بين الأسئلة التي سنطرحها: كيف يمكننا تقييم أداء الحكومة تقييامً موضوعيًا بعيدًا عن سمة الذاتية التي تطبع شخصية الإنسان، والمصلحيّة التي تجسّد مكونًا من مكوناته، والتموقع السياسي والاجتماعي بالنسبة إلى الفاعل السياسي والاجتماعي؟ وما المقصود بالسياسات العمومية؟ وإلى ماذا يعزى التباين في الحكم عليها وتقييمها؟ وعلى الرغم من كثرة التعريفات وتعددها، فيمكن تعريف السياسات العمومية بأنّها "برنامج للعمل الخاص بسلطة عمومية أو عدة

سلطات حكومية"، وهي آلية مؤسساتية تسعى لإيجاد حلول لمجموعة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، في سياق رؤية معينة تحمل اسم خطة حكومية وفقًا لأهداف معينة وتسعى لتحقيق رهانات محددة، عبر سلطة حكومية لها القدرة على تحقيق أهدافها بالاعتماد على موارد مادية ووسائل إكراه، تسمى في أدبيات علم السياسة بالعنف المشروع، وتؤثر هذه السياسات في وضعيات الفئات الاجتماعية والاقتصادية، فلا يمكن للمطالب أن تكون فعالة ما لم تتحول إلى قوانين من قبل مؤسسات صنع السياسة وأن تنتقد من قبل مسؤولين حكوميين. ينبني مفهوم السياسات العمومية على اعتبارات براغماتية صرفة تتعلق بضرورة تحقيق التنمية وتجاوز معضلات الركود والتخلف، كما تحكمه في الآن نفسه أبعاد نظرية لا يمكن إغفالها؛ فمعرفة السياسات العمومية ومنطقها يمكّن الفاعل الحكومي من تحسين أدائه والرفع من حجم توقعاته، ومقارنة مخططاته مع ما حققه على الأرض من نتائج ملموسة. إلا أنّ هذا المجال تعترضه جملة من الصعوبات والعوائق، كتعدد مستوى الفاعلين في مجال السياسات العمومية، وتعقّد الواقع، وتباين الأهداف، واختلاف الرهانات والمصالح، وهو ما يسم حقل السياسات العمومية ونظرياتها بنوع من النسبية. وإذا كان الفاعل الحكومي الذي يضع سياساته العمومية يتموقع ضمن خانة الفاعلين السياسيين أصحاب القرار السياسي، وهو ما يجعله يدافع عن سياساته العمومية بمقولات أيديولوجية وسياسية للدفاع والتبرير، بينما يتمحور دور المعارضة السياسية في خلق تبريرات وحجج أيديولوجية مضادة، وهو ما يزيد من تعقيد مجال السياسات العمومية ويصعب من إمكانيات فهمها وتقييمها تقييامً موضوعيًا. يمكن أن يتخذ تقييم حصيلة أداء الحكومة عدة أشكال ونماذج، فقد يأخذ صبغة انتقاد سياسي لحصيلة أداء الحكومة تبعًا لموقع الفاعل السياسي ومكانته السياسية إذا كان موقعه ضمن المعارضة السياسية، فلا شك أن نقده سيكون معارضًا للسياسات الحكومية منقبًا عن أخطائها وهفواتها، كاشفًا للرأي العام تناقضاتها وتعارض خطاباتها ومشاريعها مع سياساتها العمومية المطبقة. أما إذا كان الفاعل السياسي يتموقع ضمن الأغلبية الحكومية، فإنّه سيدافع عنها ويبرز إيجابياتها. إن العمل على تقييم هذه السياسات لا يجب أن ينطلق من معادلة الدفاع عن هذه السياسات أو الحكم عليها سلبيًا، بقدر ما يجب أن تقارب مدى تطابق إستراتيجية الفاعل وأهدافه مع ما حققته هذه السياسات من نتائج ملموسة، فهل تمكن من تحقيق مجمل أهدافه أم بعضها؟ إنّ ما يفسر هذا التباين في المواقف والاختلاف في تقييم السياسات العمومية ما بين مدافع ومعارض يعزى إلى اختلاف المواقع السياسية من الحكومة إلى المعارضة وتضارب المشاريع السياسية المتنافسة، وتناقض المصالح السياسية الصريحة أو الضمنية.

لماذا "تأملات" في التجربة السياسية لحكومة العدالة والتنمية في الحكم؟

يجابهنا على المستوى النظري اعتراض منهجي أساسي، ذلك أنّ الرصد العلمي لحصيلة عمل الحكومة خلال مدة سنة ونيف غير كاف لتقييم موضوعي لحصيلة عملها، فنحو خُمس مدة ولاية الحكومة لن يفضي سوى إلى محاكمة النوايا والرؤى، وهي مسألة غير ممكنة من الناحية العلمية. وبالمقابل، يمكن دراسة التجربة السياسية للحكومة بالتركيز على بعض الإشكالات المركزية ومحاولة ملامسة منهج تعامل الحكومة معها بغية الخروج ببعض النتائج الأولية لمعالم هذه التجربة الحكومية ومساراتها في مجال السياسات العمومية. إلا أن ما بسطناه من ملاحظات منهجية في طريقة التعامل مع هذا الموضوع الإشكالي ومحاولة تأطيره العلمي تأطيرًا سليامً، لا ينفي إمكانية التعامل السياسي مع الحكومة وهو مجال فعل الفاعلين

السياسيين خاصة المعارضة السياسية، فالحكم السياسي على الأداء الحكومي يندرج في صميم العمل السياسي للقوى السياسية، وهو ما يجعل منه ميدانًا خصبًا للمنافسة السياسية والصراع الأيديولوجي بين الفاعلين السياسيين، إمّا لدعم حصيلة الحكومة والعمل على التباهي بحصيلتها، وإمّا لنقد السياسات الحكومية والقول بفشلها بالنسبة إلى القوى السياسية المعارضة. لقد اخترنا لهذا الموضوع عنوان "تأملات في التجربة السياسية لحكومة العدالة والتنمية في الحكم"، إذ ندرك أنّ المدة التي قضاها الحزب حتى الآن في الحكم غير كافية لإصدار نتائج نهائية حول حصيلة عمل الحكومة وتقييم نتائجها، وهو ما جعلنا نفضل استعمال كلمة "تأملات"، من دون أن يعني ذلك التقيّد بتقييم حصيلة العمل السنويّ للقطاعات الحكومية بمختلف أصنافها، وذلك بالتركيز على المعطيات الكمية المستندة إلى الإحصائيات، وهي على أهميتها التجميعية للمعطيات والمعلومات المتناثرة والمتفرقة، وجمعها في مؤلف واحد واقتراح تحليلات بغرض الوصول إلى حكم نهائي يقيّم نتيجتها إيجابيًا أو سلبيًا، فإننا نفضل الاشتغال بمنهج مختلف يركز على مقاربة كيفية سوسيوسياسية تسعى لاستجلاء الظواهر والسياسات والخلفيات والأبعاد الكامنة وراء انتهاجها. فمن المتعارف عليه داخل حقل الدراسات القانونية الدستورية التي تنهل من النموذج الفرنسي، تناول الأداء السياسي للتجارب البرلمانية ورصد حصيلتها في شموليتها، من خلال المزج بين المقاربة القانونية والمنهج الإحصائي، وهو ما ولد قدرًا كبيرًا من الدراسات التي يغلب عليها الطابع القانوني الشكلاني وهي على الرغم من أهميتها، فإنّ من أبرز مساوئها المعرفية سقوطها في نزعة وصفية جامدة، تعوزها الوسائل المنهجية والمقاربات النظرية لتطوير رؤاها الوصفية للوصول لاقتراح فرضيات تحليلية ونتائج فهمية، تمكّن من تفسير ما غمض من الوقائع والظواهر والبحث عن دواعيها وخلفياتها، أو تفسح آفاقًا معرفية وعلمية رحبة تغري الباحثين والدارسين المهتمين، وهي مسألة ليست سهلة. يجب الإقرار أوالً بأنّ موضوع حصيلة العمل الحكومي من المواضيع التقليدية، التي دأب الباحثون على رصدها وتتبعها بالبحث والتنقيب في الحقل المعرفي للعلوم السياسية والقانون الدستوري، ولا سيما موضوع السياسات العمومية، لكنّ جديد هذا الموضوع اتسامه بالخصائص الآتية: أوالً: تشكلت حكومة السيد عبد الإله بن كيران في مرحلة سياسية دقيقة ومحرجة، جسّ دت تداعيات مرحلة ما سمي بالربيع العربي بزخمها وصراعاتها وتناقضاتها، وهو ما يفِّ الإقدام على هذه النوعية من الدراسات حول التجربة السياسية لحكومة العدالة والتنمية في الحكم في ظل المرحلة الانتقالية. ثانيًا: إنّ الحكومة الحالية تتشكل من ائتلاف يقوده حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية، وهو ما يستدعي معرفة مآل هذه التجربة، ورصد حصيلتها على مستوى العمل الحكومي. ثالثًا: تجري هذه التجربة السياسية من داخل إطار دستوري جديد ما زال ينتظر التفعيل، وهو ما يسِمها بخصوصية احتكامها لقواعد دستورية رفعت من مستوى صلاحياتها وسلطاتها.

معالم الإستراتيجية الحكومية وأهدافها العامة

معالم البرنامج الحكومي

ما هي خصائص البرنامج الحكومي؟ وكيف شخَّص الوضعية السياسية التي اجتازتها البلاد؟ وما هي أبرز الإضافات التي قدمها؟ بعد تعيين الحكومة من قبل الملك محمد السادس، سعت للحصول على ثقة مجلس النواب، فطرحت برنامجها الحكومي. وينطلق البرنامج الحكومي - الذي يجسد وجهة النظر الرسمية للحكومة - من اقتناع أساسي لازم مضامينه مند بدايته إلى نهايته، وهو أنّ الحكومة وبرنامجها أتى في مرحلة سياسية انتقالية جديدة، جسّ دت ما أسمته بالخيار الثالث للنموذج المغربي في التعامل مع الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم العربي. وأنّه بفضل خطاب العاهل المغربي في 9 آذار/ مارس 2011، جرى إرساء نهج إصلاحي مكّن من إقرار تحوّل سياسي مستمر وهادئ، تلته مجموعة من الإجراءات السياسية التي وصفها البرنامج الحكومي بالشجاعة والإيجابية من قبيل استفتاء فاتح تموز/ يوليو وانتخابات 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، التي اعتبرتها الحكومة متميزة في تاريخ

الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب، تلاها تعيين عبد الإله بن كيران رئيسًا للحكومة من الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى، أعقبها تشكيل أغلبية حكومية وفقًا لمنهجية تشاركية واسعة.

وبهذا، فقد كان تقييم البرنامج الحكومي إيجابيًا لطريقة تدبير المؤسسة الملكية لتداعيات الحراك السياسي الذي شهده المغرب، بل إنّه اعتبر التجربة المغربية حظيت باهتمام إعلامي واسع وترقب دولي. فما هي أبرز رهانات البرنامج الحكومي وأولوياته؟ يهدف البرنامج الحكومي إلى "الانتقال إلى مرحلة جديدة من البناء الديمقراطي، عبر التقدم في تنزيل مقتضيات الدستور الجديد، وتعزيز الثقة في غد أفضل للأمة المغربية وتوفير شروط التنافس والعمل الجماعي من أجل نهضة الوطن وقوته وسيادته ووحدته، والاجتهاد في إرساء مغرب الكرامة والحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية لكافة مواطناته ومواطنيه". وإذا كان هذا البرنامج يجسّد رؤى البرامج الانتخابية لأحزاب التحالف الحكومي، فإنّه حدد رهانه الأساسي في "تجسيد الالتزام بتنزيل الدستور ومتطلباته التشريعية والمؤسساتية، والاستجابة للانتظارات الجوهرية والملحة للشعب المغربي بفئاته وشرائحه داخل الوطن وفي الخارج ولعموم الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ومؤسسات المجتمع المدني، والوفاء بالالتزامات الدولية لبلادنا". وهو ما جعله يعتبر هذه الولاية التشريعية استثنائية بامتياز لما يتطلبه الدستور من ضرورة تنزيل مقتضياته في سياق مسلسل "إصلاح عميق للدولة وتجديد لوظائفها وتطوير بنيتها وتأهيل أدوراها وإرساء قواعد التلاؤم والتكامل والتعاون بين مؤسساتها، لكسب تحديات الحكامة الجيدة والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، مما يعزز إشعاع النموذج المغربي وجاذبيته". ويتضح أنّ أولوية الحكومة ترسيخ مسار البناء الديمقراطي للبلاد ومواصلة بناء الدولة الديمقراطية، ومحاربة الاختلالات وأوجه الفساد من خلال ما أسمته "التنزيل التشاركي والديمقراطي لمقتضيات الدستور"، وما يترتب على ذلك من جهوية متقدمة وإصلاح للإدارة وتكريس لاستقلالية السلطة القضائية. ويستلزم والقيام بهذا الجهد الاستثنائي الذي يهم الدولة والمجتمع استحضار البعد التشاركي في عملية تنزيل الدستور، فهي قضية مصيرية تهم المجتمع برمته وليس فاعالً أو فردًا؛ فهو تحد وطني يتطلب تضافر جهود الأغلبية والمعارضة عبر اعتماد آلية التأويل الديمقراطي للدستور. وقد حدد البرنامج الحكومي ثلاثة مرتكزات في وضع السياسات أو تنفيذها: العمل المندمج والمتكامل. المقاربة التشاركية. ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تستند المنهجية المعتمدة في تفعيل الدستور إلى أربعة خطوات أساسية: إعطاء أولوية للقوانين ذات الطبيعة المُهيّكلة كالقوانين التنظيمية الخاصة بعمل الحكومة والتعيينات والقضاء والأمازيغية والمالية ولجان تقصي الحقائق. بُعد مؤسساتي يتجلى في إرسô اء مجموعة مؤسسات الحكامة والنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية وحماية حقوق الإنسان.

ملاءمة المؤسسات القائمة مع مقتضيات الدستور الجديد ذات العلاقة بتوسيع اختصاصاتها أو مراجعة تركيبتها وأدوارها وعلاقاتها. السياسات العمومية والقطاعية اللازم اعتمادها وإطلاقها أو تطويرها لتنزيل ما جاء به الدستور من حقوق وحريات ومقتضيات المواطنة الفعالة. فما الفائدة من تنزيل الدستور؟ يعيد البرنامج الحكومي التركيز في طريقة تنزيل الدستور بمنطق ديمقراطي على المقاربة التشاركية والديمقراطية وعيًا منه بحساسية المرحلة، وضرورة الحفاظ على التوافق وإشراك الآخرين قصد إنجاح تدبير المرحلة الانتقالية والتحوّل إلى طور جديد في نظام الحكامة الجيدة، "وإرساء سلوك جديد قائم على الشفافية وتحديد المسؤوليات وسيادة القانون وتثمين الموارد البشرية والصرامة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها أساسًا لنجاعة وفعالية مختلف السياسات العمومية والقطاعية، وضمان استدامتها والتوزيع العادل لثمارها على عموم المغاربة، حيث إنّ مصداقية السياسات والبرامج تتحدد بما ينجم عنها من أثر إيجابي مباشر على الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين". أما الهدف العام للبرنامج الحكومي فهو "توطيد مسلسل بناء مجتمع متوازن ومتماسك ومستقر ومتضامن ومزدهر يضمن العيش الكريم للمواطنات والمواطنين والرعاية الخاصة للمغاربة المقيمين في الخارج، وقائم على تنمية الطبقة الوسطى بتوفير الشروط اللازمة لإنتاج الثروة وتحقيق التضامن بين مختلف شرائحه". وقد اعتمد في تفعيل هذا الهدف على خمسة توجهات كبرى: أوالً: تعزيز الهوية الوطنية الموحدة وصيانة تلاحم وتنوع مكوناتها والانفتاح على الثقافات والحضارات. ثانيًا: ترسيخ دولة القانون والجهوية المتقدمة والحكامة الرشيدة الضامنة للكرامة والحقوق والحريات والقائمة على المواطنة الحقة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحقوق بالواجبات. ثالثًا: مواصلة بناء اقتصاد وطني قوي متنوع الروافد القطاعية والجهوية وتنافسي ومنتج للثروة وللشغل اللائق وسياسة اقتصادية ضامنة للتوزيع العادل لثمار النمو. رابعًا: تطوير وتفعيل البرامج الاجتماعية بما يضمن الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية وخصوصًا التعليم والصحة والسكن، ويكرّس التضامن وتكافؤ الفرص بين الأفراد والفئات والأجيال والجهات. خامسًا: تعزيز التفاعل الإيجابي مع المحيط الجهوي والعالمي وتقوية الأداء العمومي لخدمة المغاربة المقيمين في الخارج.

إستراتيجية تفعيل البرنامج الحكومي: المخطط التشريعي

ما هي طبيعة المخطط التشريعي للحكومة؟ وما الجديد الذي أتى به؟ يأتي المخطط التشريعي في سياق تفعيل بنود البرنامج الحكومي، ويتضمن جملة من الإجراءات والمخططات التشريعية المزمع تطبيقها إما لتنفيذ بعض أحكام الدستور أو لتفعيل مشاريع قوانين. ويعتبر هذا المخطط " أداة لتأطير عمل الحكومة على الصعيد التشريعي، وخارطة طريق مساعدة لمختلف السلطات الحكومية في تنفيذ برنامج عمل الحكومة". وينقسم المخطط التشريعي إلى مستويين: المستوى الأول ذو طبيعة إستراتيجية، ويتعلق بالقوانين التي تسعى لتنزيل الدستور، وسيجري التركيز عليه نظرًا لأهميته المركزية في سياق المرحلة الانتقالية الحالية. أما المستوى الثاني، فيتضمن مشاريع القوانين العادية التي تسعى الحكومة لتطبيقها إمّا بحكم الفراغ القانوني في إحداث قطاع أو مؤسسة جديدة وإمّا لتغريّ الأوضاع والظروف التي تستلزم تغيير الإطار القانوني حتى يواكب التحولات. وتعتبر مشاريع القوانين مسألة روتينية عادية لا جديد فيها، وتندرج بحكم العادة في سياق السياسات العمومية لجميع الحكومات المتعاقبة والتي تسعى لتغيير منظومة القوانين والمراسيم وغيرها. وقد أحصى المخطط عدد مشاريع النصوص القانونية المقترحة في 243 نصًا تشريعيًا، جرى تقسيمها إلى جزأين: يرتبط الأول بالنصوص التشريعية المزمع إعدادها لتنفيذ بعض أحكام الدستور وتتضمن 40

نصًا. ويتضمن الثاني عددًا من مشاريع القوانين المقترح إعدادها من قبل السلطات الحكومية وعددها 203 نصوص. أما النصوص التي صô ادق عليها مجلس الحكومة خلال الولاية التشريعية الحالية حتى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2012، فقد أدرجت ضمن الحصيلة التشريعية للحكومة والتي بلغت 100 نص تشريعي موزعة كالآتي: 18 قانونًا صادق عليها البرلمان، ونشرت بالجريدة الرسمية، و 67 مشروعًا معروضًا على البرلمان، و 15 مشروع قانون ستعرض أمام البرلمان. وبما أنّ رهان الحكومة خلال هذه المرحلة تطبيق ما أسمته بالتنزيل الديمقراطي والتشاركي للدستور، فإننا سنركز على الجزء الأول من مشاريع القوانين الساعية لتفعيل مقتضيات الدستور. لقد بلغ عدد مشاريع النصوص القانونية الساعية لتفعيل الدستور 04 نصًا قانونيًا، والتي يقسمها المخطط التشريعي كالآتي:

المحور الأول

ويتضمن 13 قانونًا تنظيميًا، تتضمن سبعة قوانين تنظيمية جديدة تهم: تنظيم العمل الحكومي. المجلس الأعلى للسلطة القضائية. الجماعات الترابية. تنظيم حق الإضراب. شروط تقديم ملتمسات المواطنات والمواطنين في مجال التشريع وتقديم العرائض إلى السلطات العمومية. تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. كما تتضمن ستة قوانين تنظيمية ترمي إلى مراجعة خمسة قوانين تنظيمية حالية وقانون عادي واحد، وتهم هذه القوانين: المحكمة الدستورية. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. القانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية. النظام الأساسي للقضاة. لجان تقصي الحقائق. مجلس الوصاية على العرش.

المحور الثاني

يتضمن 10 قوانين عادية تخص مؤسسات الحكامة، منها سبعة قوانين لمراجعة النصوص القانونية الحالية وتهم: المجلس الوطني لحقوق الإنسان. مؤسسة الوسيط. مجلس الجالية المغربية بالخارج. الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. مجلس المنافسة. الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. وثلاثة قوانين لمؤسسات جديدة، هي: هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة. المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.

المحور الثالث

يتضمن 16 تدبيرًا تشريعيًا، ثلاثة منها تهم: حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات وحماية مصادرها. قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها. شروط كيفيات مساهمة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وتفعيلها وتقييمها. واتخاذ 13 تدبيرًا تشريعيًا من خلال مراجعة التشريعات الحالية من أجل ملاءمتها مع أحكام الدستور، وتهم مجالات:

الحقوق والحريات. تخليق الحياة العامة. إقرار مبادئ المنافسة والشفافية. القضاء المالي. مراجعة التشريعات الجنائية. حقوق المتقاضين. قواعد سير العدالة. يضاف إلى هذه التدابير التشريعية المتعلقة بهذه المجالات ميثاق المرافق العمومية المنصوص عليه في الفصل 157 من الدستور. وقد أكد المخطط التشريعي ضرورة إعطاء الأولوية في مسطرة الإعداد والمصادقة على النصوص المرتبطة بتفعيل الدستور، مع ضرورة التقيد بالآجال الدستورية في إعداد القوانين التنظيمية، وفقًا للفصل 86 من الدستور، ووجوب عرض جميع القوانين التنظيمية على المصادقة خلال الولاية التشريعية الحالية. وبعد عرض أبôرز معالم البرنامج الحكومي وأولôويô ات المخطط التشريعي يبقى الإشكال المطروح: إذا كان دستور 1996 قد اتسم على مستوى تطبيقه بالتبعية المطلقة لمؤسسة الوزير الأول للمؤسسة الملكية في ظل سلطة تنفيذية محدودة، فإنّ دستور 2011 قد كرّس دستوريًا وقانونيًا لمؤسسة رئيس الحكومة صلاحيات مهمة في سياق تدبير مرحلة الانتقال الديمقراطي الثانية، بغية إرساء نوع من التوازن الدستوري والسياسي السلس للسلطة التنفيذية التي يترأسها الملك ورئاسة الحكومة. فإلى أي حد يمكن تأسيس مؤسسة رئاسة الحكومة كفاعل، ومضطلعة بأدوارها، في انسجام تام مع المؤسسة الملكية في سياق المرحلة الانتقالية؟ ويمكن الإجابة عن ذلك بالآتي: من خصائص هذه المرحلة الانتقالية تطوير طريقة التعامل مع وسائل الإعلام بمختلف أنواعه، والدخول إلى مساحات إعلامية جديدة لرئيس الحكومة كانت فارغة في التجارب السابقة. فتح ملفات العديد من المؤسسات العمومية التي تشوبها اتهامات بالفساد كالقرض العقاري والسياحي الذي تمت المتابعة القضائية لمديره العام السابق. أفضى النص الدستوري الصريح على مؤسسة رئاسة الحكومة والصلاحيات الدستورية التي أعطيت لها، واضطلاع مجلس الحكومة بأدواره شرعية دستورية جديدة، منح رئيس الحكومة مسؤولية قيادة العمل الحكومي وتفعيله، بعد أن كان مجلس الحكومة في ظل دستور 1996 غير دستوري ويمارس أدوار سياسية شكلية أكثر منها فاعلة؛ إذ إنّ القرارات السياسية الكبرى كانت تتخذ في المجلس الوزاري، في حين أنّ اجتماعات مجالس الحكومة كانت شكلية تتحدد في عرض مشاريع القوانين وتنظيمها بغرض عرضها على مجلس الوزراء. تمكّن البرنامج الحكومي من إرساء مجال سياسي واجتماعي خاص به ومستقل نسبيًا عن مجال تحرك المؤسسة الملكية، فبدأنا نلاحظ بعض المؤشرات النسبية لتمايز الأدوار بين المؤسسة الملكية ورئاسة الحكومة على الرغم من واقع الانسجام بين المكونين. فتح الحكومة لملفات مهمة، فاتسمت بنوع من الجرأة السياسية؛ كملف الفساد ومأذونيات النقل ومقالع الرمال ورخص الصيد، إلا أنّها لم تذهب بهذه الملفات بعيدًا. انحصار البرنامج الحكومي في تحديات التدبير اليومي للقضايا المطروحة والمشاكل البارزة التي لا تنتهي، وهو ما أفقد الرؤية الحكومية البعد الإستراتيجي في تدبير السياسات الحكومية على الرغم من النص عليه في البرنامج، لكنّ التطبيق أفضى إلى السقوط في تتبع مشاكل الهمّ اليومي.

القوى السياسية المعارضة لحكومة حزب العدالة والتنمية

تتكون المعارضة السياسية للحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية من ثلاثة اتجاهات معارضة متباينة، هي:

أولا: معارضة مؤسساتية

برزت هذه المعارضة إثر نتائج استحقاقات انتخابات 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، ووصول حزب العدالة والتنمية لرئاسة الحكومة. ويعد أبرز مكوناتها حزب الأصالة والمعاصرة الذي أفضت تداعيات ما يسمى بالربيع العربي إلى إقبار مشروعه السياسي، وتكبده هزيمة سياسية في الاستحقاقات التشريعية، أرجعته إلى الوراء لصالح حزب

العدالة والتنمية. وقد اضطر كنتيجة لذلك إلى التموقع في خانة المعارضة السياسية للحكومة "المرتقبة"، ولا شك أنّه سيكون في معارضة وجودية شرسة، سيسعى خلالها لإبراز قدرته على البقاء والاستمرارية بعد خروج مؤسسه فؤاد عالي الهمة منه. إن الفشل السياسي الذي مُني به الحزب قد يشكِّل دافعًا قويًا للإصرار على القيام بمعارضة قوية كشرط لاستمراريته، وكتعويض عن الرأسمال الرمزي الذي فقده بعد انسحاب مؤسسه الذي عنُيّ مستشارًا للملك. وهناك حزب الاتحاد الاشô رت اكي للقوات الشعبية الô ذي اختار المعارضة السياسية لأول مرة منذ حكومة عبد الرحمن اليوسفي عام 1997. وقد يعود اتخاذ الحزب هذا القرار إلى عدم رضاه عن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة. وبذلك ستكون معارضة الاتحاد الاشتراكي تستلهم شرعيتها من تاريخ الحزب الطويل في معارضة النظام منذ السبعينيات من القرن الماضي، وسيسعى الحزب من خلالها إلى إعô ادة المصالحة مع قواعده الشعبية التي أفضت مشاركته الحكومية إلى توسيع الهوة بينهما، وسيعمل الحزب من جهة ثانية على بلورة خطاب سياسي احتجاجي يركز على الحداثة والدمقرطة والمحاسبة في محاولة لاستقطاب بعض الفئات من حركة 20 فبراير. وهناك حزب التجمع الوطني للأحرار الذي اضطر إلى التموقع كمعارضة بعد هزيمته المدوية في الانتخابات الأخيرة. فإذا حافظ على تماسكه، فقد يشكل معارضة سياسية لحكومة بن كيران، لكنّها ستبقى محدودة نظرًا لبنية الحزب الذي تكوّن ليشارك في الائتلافات الحكومية، وأعتقد أن تموقعه في المعارضة قد يزيد من فرص إضعافه. وهناك أحزاب أخرى ستضاف للمعارضة، إلا أنّ دورها سيبقى محدودًا وتابعًا.

ثانيًا: معارضة احتجاجية

يمثل هذه المعارضة الشارع بزعامة حركة 20 فبراير بمختلف مكوناتها المدنية، والإسلامية (جماعة العدل والإحسان التي انسحبت مؤخرًا) والسلفية، واليسارية (كالنهج الديمقراطي واليسار الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة.) وهي تشكل حتامً معارضة شرسة للحكومة وما ستقوم به من برامج ومشاريع. ويشكل هذا تحديًا للإسلاميين، فنجاحهم في تنفيذ برنامجهم وقدرتهم على استثمار ما خوّله لهم الدستور الجديد من صلاحيات وسلطات، قد يفضي إلى إضعاف معارضة الشارع، بينما سيؤدي كل إخفاق أو تعثر أو فشل للحكومة في إنجاز مشاريعها إلى تقوية الحركة الاحتجاجية. إن الاختلاف الجذري بين القوى السياسية المشتغلة داخل الحقل السياسي الرسمي، والمتمثلة في المعارضة المؤسساتية (الاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني وغيرها) وبين القوى السياسية الاحتجاجية التي تعمل خارج ذلك الحقل، يتمثل في أنّ المعارضة المؤسساتية ستشتغل بمنطق سياسي إصلاحي وستسعى لاستثمار ما تخوله اللعبة السياسية من صلاحيات جديدة للقيام بدور المعارضة من داخل النظام، بغية خلق دينامية سياسية جديدة قد تستميل الجماهير التي أبدت عزوفًا عن العمل السياسي، وهي بذلك لا تؤثر في طريقة اشتغال النظام، بل تعمل على خلق التوافق حوله وشرعنته كآلية سلمية للتناوب على السلطة. أما القوى السياسية الاحتجاجية فتهدف إلى معارضة مجمل العملية السياسية، تأثرًا بمنطق الثورات التي يشهدها العالم العربي، إذ ستستمر في المطالبة بتغيير جوهري وجذري لقواعد اللعبة السياسية وإعادة صوغ مفاهيمها وقواعدها ومضامينها، بالرجوع إلى ضغط الشارع، وهي من أبرز التحديات المطروحة التي ستواجه الحكومة المقبلة وستصعب من مهامها المرتقبة. وقد دخلت جماعة العدل والإحسان في خط معارضة الحكومة بعد خروجها من حركة 20 فبراير، وإن كانت تؤكد بأنّ مشكلتها هي مع نظام الحكم وليس مع الحكومات التي تعتبرها شكلية ومن دون صلاحيات.

ثًالث ا: معارضة القوى الخفية

وتقوم بهذه المعارضة القوى الخفية غير الراضية عن صعود الإسلاميين للسلطة، وهي التي يصفها رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران مجازًا بالعفاريت والشياطين والتماسيح؛ وهي تشتغل بشكل خفي، وتسعى للحفاظ على نفوذها السياسي ومصالحها الاقتصادية ومواقعها داخل أجهزة الدولة وفقًا لمنطق اللوبيات.

الأداء الحكومي في تدبير المرحلة الانتقالية: ملاحظات أولوية

إنّ تباين وجهات نظر الحكومة والمعارضة حول طريقة تأويل الدستور توجب طرح السؤال الآتي: ما هي الأسباب الرئيسة التي تكمن في سوء فهم الدستور؟ علينا أن نبدأ بحقيقة أن الدستور نفسه يحوي عددًا من الأمور الغامضة، فالدستور هو أن يفعل الناس ما يسرهم من بنوده، وإذا كان هذا الحكم صحيحًا، فمن الممكن أن يكون ثمة تفسير آخر وراء ارتباكنا واضطرابنا. تتحدد إذن انتقادات المعارضة للبرنامج الحكومي في مجموعة من النقاط التي تراها تتناقض مع ما أتى به البرنامج الحكومي، وهي: بطء وتيرة عمل الحكومة في طريقة تفعيل الدستور من خلال مؤشر ضعف عدد مشاريع القوانين المقترحة. عدم انسجام الحكومة مع ما جاء في الدستور والبرنامج الحكومي من خلال عدم إعطاء المعارضة السياسية المكانة الخاصة بها، وهو ما اعتبرته تراجعًا عما أسمته الحكومة بالتنزيل التشاركي والديمقراطي للدستور. جنوح الحكومة في منهج تفعيلها للدستور إلى تأويل رئاسي لمواد الدستور بدل الاحتكام للتأويل البرلماني، وهو ما اعتبرته المعارضة إفراغًا للدستور من مضمونه وفشل في تفعيل مواده. ويمكن أن نضيف مجموعة من ملاحظات أولوية أخرى في سياق مقارنة ما تضمنه البرنامج الحكومي والمخطط التشريعي مع ما أُنجز في الواقع، وهي: رفô ع الحكومة سقف وعودها - وإن شئنا توقعاتها - في مجال الإصلاح ومحاربة الفساد والاستبداد وتحسين الوضعية الاجتماعية للبلاد بإيجاد مناصب شغل ومحاربة الفقر والتهميش، والعمل على تطوير الاقتصاد المغربي وتحديثه. وقد جعل ذلك المواطنين يعلقون آماالً عريضة على هذه الطموحات الحكومية، التي سرعان ما اصطدمت بواقع معقد وشائك، كان يخفي تركة سياسية واقتصادية واجتماعية ثقيلة (مثل أزمة صندوق المقاصة وصناديق التقاعد، ومعضلة استشراء الفساد، وضعف الاقتصاد الوطني، والبطالة، والمديونية، وآثار الأزمة المالية العالمية على المغرب...إلخ.) وقد أدركت الحكومة الوضع الصعب الذي وجدت نفسها فيه، وهو ما أضحى يشكل امتحانًا ضيّق من هامش مناوراتها، وشكّل فرصة ذهبية لخصومها لاتهامها بالتقصير والعجز. تعد هذه الحكومة تتويجًا لمرحلة الربيع العربي في ظل دستور جديد وسع من صلاحياتها وسلطاتها، مقارنة مع سابقاتها، وخوّلها القدرة على المبادرة، لكن إيقاع عمل الحكومة بدا يعتريه البطء والضعف والتردد الذي يعكس غياب رؤية إستراتيجية في سياق تدبير إشكالية السلطة السياسية. وقد أظهر هذا الوضع الحكومة بمظهر غير القادرة أو المترددة، وهو ما لا يساير المطالب الملحّة للجمهور العريض الذي ينتظر الإنجازات بتلهف. أنّ هناك ثقافة سياسية مستشرية ترى أنّ الإسلاميين غير قادرين على تسلُّم زمام السلطة، وتعتبر شرعيتهم السياسية ناقصة، وأنّهم غير جديرين بالحكم على الرغم من وصولهم إليه عبر صناديق الاقتراع. وهي نزعة غير ديمقراطية، تجد تفسيرها في فشل منافسيهم في تحقيق نتائج سياسية أضعفت من شرعيتهم، إلى جانب احتدام المنافسة بينهم وبين خصومهم الأيديولوجيين، ثم الô رصاع على المواقع السياسية والاجتماعية. إنّ مجموع هذه العوامل يفسر لنا - على الرغم من الأخطاء الحكومية غير المحسوبة - كثرة خصوم الإسلاميين ومنتقديهم. السير في مسار إرسô اء التوافق بين المؤسسة الملكية وحزب العدالة والتنمية خلال مرحلة الربيع العربي قصد تدبير المرحلة الانتقالية الحرجة؛ فإذا كانت بعض المراحل السياسية التاريخية اقتضت إرساء نوع من التحالف بين المؤسسة الملكية وقوى اليسار لمواجهة تحدي الأصولية الإسلامية، فإنّ المرحلة الحالية تشهد مسارًا لإرساء الثقة المتبادلة قصد التعايش بين الإسلاميين والمؤسسة الملكية في المغرب. تباين مكونات الأغلبية الحكومية واستشراء خلافاتها السياسية الخفية والمعلنة، وهو ما أثّر سلبيًا في صورة الحكومة واستدراجها

إلى الدخول في معارك هامشية زاد من حدتها محاولات الخصوم السياسيين للحكومة تصيّد أخطاء مسؤوليها، وعلى رأسهم رئيس الحكومة، وتسليط الضوء على تصريحاتهم ومواقفهم بل حتى على بعض تصرفاتهم الشخصية نقدًا واتهامًا. مصادفة تنصيب الحكومة في سياق التأثيرات المباشرة للأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأ لهيبها يصل إلى المغرب، فإذا كانت سمة الخطاب الرسمي لأسباب متعددة لم يقر سابقًا بتأثيرات هذه الأزمة في البلاد، فإنّ هذه التأثيرات بدت ملموسة في الجاليات المغربية المقيمة في بلدان المهجر، والتي ما فتئت تتقلص مواردها ومن ثم عوائدها المالية على بلدهم، إلى جانب تقلّص عدد السياح والنقص في السيولة.

نتائج أداء حكومة حزب العدالة والتنمية وتحدياتها

لا شك أنّ السعي لاستكشاف التجربة السياسية للحكومة الحالية مسألة ليست سهلة بالنسبة إلى الراغب في التعامل العلمي الموضوعي البعيد عن السياسة والأيديولوجيا والتموقع السياسي. وهو ما أكّدنا أنّها ستواجه جملة من التحديات النظرية والمنهجية بحكم جدة التجربة وبداياتها، فنحو سنة ونيف غير كافية للخروج بحصيلة نهائية حول الأداء الحكومي، ونظرًا لطبيعة المرحلة السياسية الانتقالية التي نمر منها مما يصعِّب من معالجتها بنوع من الموضوعية والعلمية، وهو ما حدا بنا إلى التركيز على إشكالية تفعيل الدستور دون غيره من السياسات العمومية. وبعد بسط الرؤية الحكومية لمنهجية تنزيلها للدستور في البرنامج الحكومي والمخطط التشريعي، ثم الحديث عن معارضات حكومة حزب العدالة والتنمية المؤسساتية والاحتجاجية، وعرضنا وجهة نظرها المنتقدة للبرنامج الحكومي وطريقة تنزيله للدستور، نخلص إلى بعض التفسيرات الأولية لهذه الدينامية المتقلبة، فمجمل ما طرح من انتقادات ترى أنّ حكومة العدالة والتنمية مترددة وبطيئة في طريقة تنزيلها لدستور مرحلة ما بعد الربيع العربي، ويمكن أن نجد له التفسيرات الآتية: رهان حكومة بنكيران على السير قدمًا في التوافق مع المؤسسة الملكية بحكم تجذرها الاجتماعي وعمقها الشعبي الذي تتميز به، ولأنّ موازين القوى والنفوذ السياسي في صالح المؤسسة الملكية، وهو ما يجعل من أي مواجهة للإسلاميين معها غير محسوبة قد تؤثر سلبيًا في مستقبل المسلسل الإصلاحي. الفوز بالاستقرار السياسي للمغرب وتجنيب البلد القلاقل الاجتماعية والسياسية التي قد تعصف بالاقتصاد والأمن وصورة البلاد الخارجية. دخول الإسلاميين للحكم بطريقة سلسة تمكّنهم من التماس المباشر بجميع مؤسسات الدولة خاصة الجيش والأمن، قصد تغيير الصورة النمطية السلبية التي يوصفون بها. ربط علاقات جيدة مع اللوبيات الاقتصادية ورجô ال المال والأعمال التي لها أدوار اقتصادية مهمة. سير بنكيران في سياق الواقعية السياسية عبر إدراك واقع البلاد ومعرفة موازين القوى الحقيقية وتدبير واقعي لأبرز الإشكالات؛ وذلك لتفادي أي تسرّع قد يعوّق المشروع السياسي ويؤدي إلى إحباطات وخيبات أمل، وهي رؤية مستمدة من تجربة بنكيران خلال مرحلة الشبيبة الإسلامية والانفصال عنها، وتأثيرات مسار الإدماج السياسي لتياره. أما أبرز التحديات المطروحة أمام حكومة العدالة والتنمية فهي: التفعيل الديمقراطي للدستور وتدبير المرحلة الانتقالية. التدبير السلس للعلاقة بين الحكومة والمؤسسة الملكية والحفاظ على التوافق الدائم في القضايا الخلافية. الوصول للسلطة بمختلف أبعادها، وهو اختبار لقدرة الإسلاميين على تدبير السياسة من داخل المسؤولية الحكومية. محاربة الفساد والاستبداد والريع (الفساد المالي والسياسي.) الدمقرطة وإعô ادة الصدقية للعمل السياسي وتوسيع مجال الحريات. الحفاظ على نظافة اليد ومقاومة إغôô راءات الموقع والجاه والسلطة. الحفاظ على جاذبية المسار السياسي الإصلاحي من داخل النظام. إرساء سياسة خارجية تحقق التنمية والتطور والحد من التبعية والاستقلال.