الطريق إلى جنيف وتعثر السياسة الأميركية
شكّل اتفاق موسكو بين وزيري الخارجية الأميركي والروسي حول طريقة التعامل مع الأزمة السوريّة مفاجأة للمراقبين في ظروفه وتوقيته، كما جاء كنتيجة منطقية لجملة من التطورات والتغيرات التي طرأت سواء على تركيبة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الثانية ومن ثمّ مقاربتها للأزمة السوريّة، أو مجمل النظرة الأميركية لظاهرة "الربيع العربي"، أو رؤيتها لمصالحها في المنطقة وعلاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الصراع، أو تطورات الوضع السياسي والميداني السوري. لكنّ الاتفاق عربّ، من جهة أخرى، عن حجم الارتباك الأميركي، وعن عدم قدرة إدارة الرئيس أوباما على بلورة سياسة محددة تجاه الأزمة السوريّة على الرغم من مرور أكثر من عامين على بدايتها.
في أسباب تغير الموقف الأميركي في الأزمة السوريّة
لم يكن سرًا وجود خلاف جوهري على الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة بين الرئيس أوباما من جهة، ومعظم أركان إدارته الأولى من جهة أخرى حول طريقة إدارة الأزمة السوريّة. وقد طفا هذا الخلاف على السطح عندما نقلت وسائل إعلام أميركية عديدة رفض الرئيس أوباما توصيات كل من وزارة الخارجية ورئاسة الأركان المشتركة ووكالة الاستخبارات المركزية، والتي حثّت صراحة على تسليح المعارضة السوريّة. وكانت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون تقود التيار الداعي إلى موقف أكثر تشددًا تجاه النظام السوري، فيما كان يقود التيار الأكثر حذرًا والأقرب إلى موقف أوباما كل من نائب الرئيس جوزيف بايدن ومستشار الأمن القومي توماس دينلون الذي حلت محله الآن السفيرة الأميركية إلى الأمم المتحدة سوزان رايس. في بداية ولايته الثانية تخلص أوباما من بعض الشخصيات المهيمنة في إدارته، مثل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الجنرال ديفيد بترايوس الذي أطاحته فضيحة أخلاقية قبل الانتخابات الرئاسية، لكنّ الأهم كان خروج هيلاري كلينتون التي ظلت متمسكة حتى نهاية عهدها بتفسير اتفاق جنيف حول مستقبل بشار الأسد وصلاحيات الحكومة الانتقالية المقترحة. خروج كلينتون وحلول جون كيري محلها مهّد الطريق أمام حصول توافق أميركي - روسي يستند في جوهره إلى تفسير أقرب إلى موقف وزارة الخارجية الروسية من اتفاق جنيف؛ وهو الموقف الذي جاء منسجامً أكثر مع رؤية الرئيس أوباما للمسألة السوريّة منذ بدايتها.
على المستوى الشخصي، كانت العلاقة بين لافروف وكلينتون شديدة التعقيد، وبخاصة اعتبار الروس أنّ كلينتون خدعتهم عندما ظهرت في موسكو أمام عدسات التلفزة مطلع عام 2009 ممسكة مع نظيرها الروسي سيرجي لافروف بزر كهربائي قاما بالضغط عليه سوية إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، لكنّ هذا لم يترجم مطلقًا إلى واقع عملي. بالنسبة إلى الروس، لم يختلف أداء كلينتون كثيرًا في التعاطي معهم عن أداء وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس؛ إذ رفض الأميركيون الاستجابة للمطالب الروسية المتعلقة بوقف خطط نصب الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، بل زادوا عليها قيامهم بنصب قاعدة رادار تعتبر جزءًا من هذه الدرع في تركيا في عام 2012. واعتبر الروس أيضًا أنّ كلينتون مسؤولة بشكل مباشر عن عملية خداع تعرضوا لها في مجلس الأمن عندما استخدم الغرب قراري مجلس الأمن 1970 و 1973 بشأن ليبيا لإطاحة نظام معمر القذافي، في حين أنّ القرارين المذكورين حصرا المهمة بحماية المدنيين. كما جاء اتفاق موسكو تتويجًا لإعادة تموضع سياسي أميركي في ما يتعلق بمجمل ظاهرة "الربيع العربي" وعدم ممانعة واشنطن وصول إسلاميين "معتدلين" إلى السلطة في الدول العربية التي طالها التغيير؛ فالتطورات السياسية التي شهدتها مصر وتونس وليبيا واليمن بشأن إدارة المرحلة الانتقالية فيها أو التهديد بتحول بعضها إلى دول فاشلة، أو التعرض للمصالح الأميركية كما حصل في الهجوم على السفارة الأميركية في بنغازي، أو حتى تسرب أسلحة إلى مقاتلين متشددين وتأثيرات ذلك في دول الجوار كما حصل في مالي؛ كل ذلك
دعا واشنطن إلى اتخاذ مواقف أكثر حذرًا وأقل حماسة لتسريع التغيير المنشود في سورية. أما على الصعيد الداخلي السوري، فلم تكن الولايات المتحدة بحاجة إلى إعلان جبهة النصرة ولاءها لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري حتى تعيد تقييمها لمجمل تطورات الوضع السوري؛ فمنذ كانون الأول/ ديسمبر 2012 قامت واشنطن بتصنيف جبهة النصرة كمنظمة إرهابية باعتبارها جزءًا من تنظيم "دولة العراق الإسلامية"، وهو الاسم المحلي لتنظيم القاعدة في العراق. لكنّ الإعلان المفاجئ في نيسان/ أبريل 2013 عن انضمام النصرة إلى القاعدة شكل حافزًا إضافيًا لتعزيز وجهة نظر بعض دوائر صنع القرار الأميركية والتي بدأت تنظر إلى النزاع السوري باعتباره مرتبطًا بالحرب على الإرهاب. كل هذه الأسباب مهدت لحصول تغير في الموقف الأميركي في ما يتعلق برؤية الثورة السوريّة واقترابه أكثر من الموقف الروسي، فأدى ذلك إلى اتفاق موسكو. ولكنّ هذه الأسباب زادت ارتباك الموقف الأميركي الذي ظل مترددًا منذ البداية في دعم التغيير في سورية.
تطور الموقف الأميركي: من الإصلاح إلى التنحي
خلال الشهرين الأولين من الثورة السوريّة؛ أي بين 15 آذار/ مارس ومنتصف أيار/ مايو 2011، راهنت الولايات المتحدة الأميركية على قيام النظام السوري بإجراء إصلاحات تلبي مطالب المحتجين؛ لذلك ظلت التصريحات الأميركية مقتصرة - آنذاك - على الدعوة إلى وقف العنف وتلبية مطالبهم. وبعد ذلك، انتقلت إدارة الرئيس أوباما إلى ممارسة ضغوط على النظام السوري، تمثلت بفرض حزمة من العقوبات المالية والاقتصادية في 18 أيار/ مايو 2011 شملت الرئيس بشار الأسد وعددًا من المسؤولين السياسيين والأمنيين في نظامه، وهي عقوبات فردية ذات قيمة معنوية، ولكنّها لم تعن الكثير بالنسبة إلى النظام. لقد فرضت هذه العقوبات بعد أن قام النظام بزج الجيش مباشرة في عمليات عسكرية ضد الحركة الاحتجاجية واقتحامه المدن والبلدات والقرى المنتفضة. إنّ التمسّك بموقفٍ يقتضي عدم الذهاب أبعد من فرض العقوبات في التعاطي مع الأزمة السوريّة، فضالً عن محدودية فاعليّة أدوات الضغط المتاحة على النظام السوري، دفع ذلك الولايات المتحدة إلى الاعتماد على تركيا التي كان يعتقد أنها تمتلك أدوات من شأنها التأثير في النظام والمعارضة في آن معًا. وعلى الرغم من أنّ الرئيس الأميركي اعتبر في 12 تموز/ يوليو 2011 أنّ بشار الأسد "فقد شرعيته لعجزه عن إنجاز التحول الديمقراطي"، فإنّه لم يدعه إلى التنحي عن الحكم. ولم يقدم أوباما على ذلك الموقف إلا في 18 آب/ أغسطس 2011 عندما تبنيّ فشل مساعي وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في إقناع الرئيس الأسد بإيقاف الحل الأمني خلال زيارة قام بها إلى دمشق في 9 آب/ أغسطس 2011، لكنّ الولايات المتحدة عادت وتبنّت موقفًا أكثر تحفّظًا من الثورة. لقد كان موقف الولايات المتحدة من النظام السوري أقل حسامً حتى من موقفها من نظام حليف لها مثل نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي دعاه أوباما إلى التنحي بعد عشرة أيام من اندلاع الثورة في مصر.
الانكفاء: خطوة إلى الوراء
تبنّى الرئيس باراك أوباما منذ انتخابه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008 سياسة الانكفاء نحو الداخل، في قطيعة مع سياسة سلفه
المرتكزة على التدخل العسكري المباشر، والتي جاءت بنتائج سياسية واقتصادية كارثية على الولايات المتحدة. وقد دفع ذلك أوباما إلى تجديد الاعتماد على حلفاء إقليميين في مناطق مختلفة حول العالم للتعامل مع قضايا يمكن أن تشكل تهديدًا للمصالح الأميركية أو لحلفائها. من هنا، كان الاعتماد على تركيا في إيجاد مقاربة للمسألة السوريّة في بدايتها. من جهة ثانية، أخذت إدارة أوباما تولي اهتمامًا متزايدًا بتصاعد النفوذ الصيني أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، مما وضع منطقة آسيا والمحيط الهادئ على رأس جدول أعمالها الخارجية. كما دفع التوجه نحو خفض الإنفاق العسكري إلى التركيز - مثال - على التخطيط لإنهاء الوجود العسكري في أفغانستان. وقد مال حلفاء أميركا إلى تفسير سحب إحدى حاملتي طائراتها من الخليج العربي في شباط/ فبراير 2013 وكأنّه مؤرشّ على تقلّص نسبي في أهمية منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط في الإستراتيجية الأميركية، وبخاصة مع الاكتشافات الهائلة من الغاز والنفط الحجري في الولايات المتحدة؛ إذ من المتوقع أن تصبح الولايات المتحدة أكبر منتج للغاز في العالم بحلول عام 2015، وأكبر منتج للنفط بحلول عام 2017. إنّ ما يظهر من تناقص اهتمام واشنطن بالمنطقة، ينحصر في أنّها لم تعد ترغب في خوض مواجهات عسكرية مباشرة فيها ما دامت مصالحها غير مهددة على نحو شامل. جاءت الثّورات العربية لتبين بوضوح حال الانكفاء الأميركي عن التدخل المباشر كنهج وإستراتيجية، لكنّها، من جهة أخرى، فرضت على واشنطن إعادة النظر في سياستها الخارجيّة في الشرق الأوسط، والتي بدأت في عهد أوباما تتجه نحو الحفاظ على الوضع القائم Quo Status. فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض، اتجه الرئيس أوباما إلى إعادة الاعتبار لتحالفات بلاده مع النظم الاستبدادية العربية، بعد أن أدت محاولات سلفه في فرض التغيير إلى توريط الولايات المتحدة في مغامرات عسكرية عالية التكلفة من ناحية، وإلى خلق أجواء توتر مع بعض الأطراف العربية الحليفة من ناحية أخرى. لكنّ الثورات العربية التي فاجأت الأميركيين وغيرهم، قلبت الأمور، ودفعت نحو إعادة النظر في هذه السياسة للتأقلم مع التغيرات التي بدت حتمية. لم يخرج موقف الولايات المتحدة الأميركية من الثورة السوريّة عن هذا الإطار، فهي لم تكن راغبة في التغيير، لكنّها لم تعمد أيضًا إلى منعه، بل حاولت التأقلم معه في سياق إستراتيجية لا تؤدي إلى جر واشنطن إلى تدخل عسكري مباشر، لكنّها، في الوقت نفسه، تمكنّها عبر أدوات مختلفة من التحكم بمسارات التغيير ونتائجه. ومن هنا، برزت فجوة كبيرة بين نشاط وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون والاتصالات الحثيثة لسفيرها السابق في سورية روبرت فورد مع المعارضة من جهة، ورفض البيت الأبيض تقديم أي شيء جدي لهذه المعارضة أو القيام برفع الحظر عن تزويدها بالسلاح من جهة أخرى.
الجمود الدبلوماسي الأميركي منذ اتفاق جنيف
توصلت مجموعة العمل حول سورية في 30 حزيران/ يونيو 2012 إلى اتفاق جنيف، والذي يتألف من ست نقاط لحل الأزمة السوريّة، لكن تنفيذ الاتفاق تعثر بسبب اختلاف التفسيرات حول مستقبل الرئيس الأسد في المرحلة الانتقالية؛ ففي حين أصرت روسيا على أنّ الاتفاق لا يشير إلى رحيل الأسد كنقطة انطلاق للتنفيذ، تمسكت واشنطن بموقفها الداعي إلى أنّ الأسد لا يمكن أن يكون جزءًا من أي مرحلة انتقالية. منذ ذلك الوقت، طرأت تغييرات على الموقف الأميركي، فهو لم يعد يشير إلى وضع بشار الأسد، حتى إنّ الرئيس أوباما في خطاب "حال الاتحاد" في 12 شباط/ فبراير 2013 لم يتطرق إلى هذه المسألة مطلقًا، بل اكتفى بالقول إنّه "سيواصل ضغوطه على النظام السوري وسيدعم قادة المعارضة".
ويمكن تحديد جملة عوامل ساهمت في تراجع الموقف الأميركي وزادت في تحفظه عن دعم الثورة السوريّة، وهي تشكّل في مجملها مؤرشّات على السياسة التي تعتمدها إدارة أوباما في ولايتها الثانية: تخوّف واشنطن من التوجهات السياسية والأيديولوجية لجزء من المجموعات المسلحة المعارضة للنظام السوري؛ إذ لا ترغب إدارة أوباما بدعم هذه المجموعات بالسلاح بما يؤدي إلى حسم المعركة لصالحها. وغالبًا ما يعمد المسؤولون الأميركيون إلى استذكار تجربتهم في أفغانستان عندما سلّحوا جماعات المجاهدين لطرد القوات السوفيتية، ثم اتخذوا بعد ذلك أميركا نفسها هدفًا لهجماتهم. وقد تعمّقت هذه المخاوف بعد مقتل السفير الأميركي في بنغازي، وسيطرة حركات جهادية على شمال مالي. ولذلك قامت الولايات المتحدة بإدراج جبهة النصرة في قائمة المنظمات الإرهابية في 5 كانون الأول/ ديسمبر.2012 أمن المنطقة؛ فالولايات المتحدة تنظر بريبة إلى واقع الثورة السوريّة ومسارها المسلّح، وما قد يخلفه الحسم العسكريّ لقوات المعارضة من نتائج محتملة، أبرزها فوضى السلاح، وانتشار الجماعات المتشددة، وغياب سلطة مركزيّة قويّة. وتنذر مثل هذه النتائج بتداعيات سلبية على أمن المنطقة وبخاصة على إسرائيل.
نظرًا لتشرذم المعارضة السوريّة، وبخاصة العسكريّة منها، وغياب بديل ذي توجهات معقولة بالنسبة إلى الأميركيين ليحل محل النظام الحالي، وبسبب تأثير التجربة الأميركية في العراق أيضًا والنتائج الكارثيّة لانهيار الدولة هناك، أخذت واشنطن تقترب أكثر من الموقف الروسي الهادف إلى إيجاد حل سياسي يضمن الحفاظ على النظام وفق بنيته الحالية ومؤسساته، ولا سيما الأمن والجيش. وقد عربّ جون كيري بوضوح عن ذلك في شهادة أدلى بها أمام الكونغرس في 24 كانون الثاني/ يناير 2013، إذ قال إنّ "التنسيق مع روسيا في الأزمة السوريّة هو أقل الشرور". وكانت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون صرحت "أنّ على من يحاولون استغلال معاناة الشعب السوري سواء بإرسال أتباعهم أو بإرسال مقاتلين إرهابيين، أن يعلموا أنّ أي طرف، خاصة الشعب السوري، لن يسمح لهم بذلك"، وأضافت "علينا أن نضمن بقاء مؤسسات الدولة سليمة". ومن هنا يتضح سبب مسارعة الولايات المتحدة إلى الترحيب بمبادرة معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوريّة [المستقيل] في 5 شباط/ فبراير 2013 للحوار مع أطراف من النظام.
أوباما المأزوم يبحث عن حل في موسكو!
جاءت زيارة كيري إلى موسكو إثر الضغوط المتزايدة التي أخذت تتعرّض لها إدارة الرئيس أوباما داخليًا وخارجيًا لتبنّي سياسة أكثر وضوحًا وفاعلية على خلفية التطورات الميدانية الأخيرة في سورية، وأهمها استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية، ودخول إيران وحزب الله بشكل مباشر في الصراع إلى جانب بشار الأسد، واتخاذ الأزمة منحى أكثر تعقيدًا وخطورة بعد العدوان الإسرائيلي على مواقع عسكرية في دمشق وقربها مطلع أيار/ مايو.2013 وكان الرئيس أوباما اعتبر السنة الماضية أنّ استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية يشكل خطًا أحمر سوف يستتبع بالضرورة تغيرًا في قواعد اللعبة؛ ما فرسّه الكثيرون على أنّه تهديد بعمل عسكري أميركي ضد النظام. وقد أبلغ الأميركيون هذا الموقف إلى الجانب الروسي الذي يبدو أنّه قدّم ضمانات لواشنطن بأنّ حليفه - أي النظام السوري - لن يلجأ إلى استخدام هذه الأسلحة. لكنّ استخدام النظام السلاح الكيماوي في غير مكان في سورية لوقف تقدّم قوى المعارضة سبَّب حرجًا كبيرًا لكل من الروس والأميركيين
على السواء. وعلى الرغم من أنّ واشنطن حاولت التملّص من التزاماتها بسبب خرق النظام "خط أوباما الأحمر" عبر التشكيك في صحة التقارير التي تحدثت عن استخدامه السلاح الكيماوي، فإنّ الأمر غدا بالغ الصعوبة مع تزايد الأدلة على حصول ذلك، إلى أن اضطرت الخارجية الأميركية والرئيس أوباما نفسه للاعتراف باستخدام السلاح الكيماوي. حاول الروس من جهتهم التملّص من الإحراج الذي وضعهم به النظام بإلقاء اللوم على قوى المعارضة.
ومما زاد من حدة الضغوط على إدارة أوباما دخول إيران وحزب الله بشكل مباشر في الأزمة السوريّة؛ فعلى الرغم من أنّ دعم إيران وحزب الله للنظام السوري لم يكن خافيًا على أحد منذ بداية الثورة، فإنّ خروج هذا الدعم إلى العلن وبطريقة مباشرة منذ نيسان/ أبريل 2013 شكّل تحديًا كبيرًا لحلفاء الثورة للقيام بفعل شيء ما في المقابل. فحزب الله أرسل مئات من عناصره للمشاركة مع قوات النظام في استعادة مناطق حيوية في محافظة حمص، وبخاصة في منطقة القصير، وزادت إيران وجودها العسكري في سورية بعد أن أعلنت أنّها لن تسمح بسقوط النظام. كلُّ ذلك زاد الضغوط على الرئيس أوباما الذي ظل يرفض تزويد المعارضة السوريّة بالسلاح، ويحث حلفاء الثورة الإقليميين على اتخاذ الموقف ذاته. مكّن دعم إيران وحزب الله النظام السوري من تحقيق اختراقات عسكرية في مناطق مختلفة من ريفيّ دمشق وحمص، كما استطاع فك الحصار عن معسكري وادي الضيف والحامدية في ريف إدلب، وتجددت محاولاته لاستعادة السيطرة على بلدة معرة النعمان الإستراتيجية على الطريق بين دمشق وحلب. وينذر هذا التدخل من حلفاء النظام بدخول قوى إقليمية أخرى لها مصالح كبيرة على خط الأزمة في سورية، ما ينبئ بأنّ الصراع ربما بدأ يخرج عن نطاق السيطرة، ويتحول إلى مواجهة إقليمية كبرى تقلب الحسابات الأميركية. لقد دفعت هذه التطورات الرئيس أوباما إلى الإعلان أنّه بصدد إعادة النظر في موقفه من تقديم مساعدات عسكرية للمعارضة، بعد أن كان رفض قبل أشهر توصيات من مختلف أركان إدارته لتسليح المعارضة السوريّة بحجة الخشية من وقوع هذه الأسلحة بأيدي قوى متطرفة في الثورة السوريّة. ويبدو أنّ هذا الإعلان كان موجّهًا إلى روسيا أكثر من كونه يعدّ تغييرًا في سياسة إدارته. وكأمنّ ا أراد أوباما أن يقول للروس إنّه ربما يضطر إلى تغيير موقفه نتيجة الحرج الشديد الذي تعرّض له بعد خرق التعهدات بعدم استخدام النظام للأسلحة الكيماوية، وعدم قيام موسكو بما يكفي للجم التدخل الإيراني المتزايد في الشأن السوري. وجاءت زيارة كيري إلى موسكو لتأكيد هذا الموقف؛ أي إذا لم تقم روسيا بممارسة المزيد من الضغوط على النظام وحلفائه لتسهيل الحل السياسي، فإنّ واشنطن ستجد نفسها مضطرة للبدء بتزويد المعارضة السوريّة بأسلحة تؤدي إلى تغيير ميداني يجبر الأسد وحلفاءه على إعادة النظر بخيار الحل العسكري للأزمة، وقد جاء رفع الحظر الأوروبي على تسليح المعارضة أواخر أيار/ مايو 2013 متناغامً مع هذه الإستراتيجية.
العودة إلى جنيف لمنع الانهيار الشامل
منذ إعلان جنيف في 30 حزيران/ يونيو 2012 أوكلت إدارة أوباما مهمة إيجاد حل سياسي للأزمة السوريّة إلى موسكو من دون أن تبدو في عجلة من أمرها. فالولايات المتحدة وعلى الرغم من رغبتها في رحيل الأسد، فإنّها لم تخف يومًا أنّها لا تريد انهيار نظامه، أو وصول قوى إسلامية متشددة إلى السلطة في دمشق. كما أنّها ظلت إلى وقت قريب تعتبر أنّ الوضع السوري تحت السيطرة ما دام الصراع محصورًا في حدود سورية ويجري حسبما يعتبره بعض منظّريها على شكل حرب بين "قوى الشر" - أي بين متشددين سنة في مواجهة متشددين شيعة - لا مصلحة لواشنطن في وقفها أو في دعم أحد أطرافها. وباعتباره كذلك، لم يشكّل الصراع السوري أولوية في ظل انشغال واشنطن بملفات إقليمية ودولية أكثر أهمية؛ فإدارة الرئيس أوباما ظلت تؤكد على تهيئة الأجواء للانسحاب من أفغانستان مع نهاية العام المقبل، ولهذا فهي تحتاج إلى دعم روسي وعدم عرقلة إيرانية. كما أنّ واشنطن التي تركز في منطقة الشرق الأوسط على ملف إيران النووي، وكذلك على مصالحها المتنامية
في شرق آسيا بما فيها التوتر المتصاعد في شبه الجزيرة الكوريّة، لم تجد أولوية كبيرة لسورية في دائرة اهتماماتها. لكنّ جزءًا من هذا المشهد تغريّ على نحوٍ دفع إلى استعجال عقد مؤتمر دولي جديد لحل الأزمة السوريّة.
شكلت العوامل التي ذكرناها آنفًا مدخالً لنشاط دبلوماسي أميركي أكبر باتجاه الاتفاق مع روسيا على تحريك الجمود المسيّطر على الوضع السوري منذ الصيف الماضي؛ فاستخدام النظام للسلاح الكيماوي، والخشية من سيطرة جماعات معارضة - لا تُكنُّ الودّ لواشنطن وإسرائيل - على هذا السلاح، وهي مخاوف عززتها مزاعم كارلا ديل بونتي، عضو لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بانتهاكات حقوق الإنسان في سورية، حول احتمال استخدام المعارضة للسلاح الكيماوي، بالإضافة إلى تزايد التدخلات الإقليمية في الأزمة السوريّة، كلّ ذلك دفع الإدارة الأميركية للتوجه من جديد إلى موسكو للحيلولة دون انهيار شامل للوضع في سورية والمنطقة. مع وصول كيري إلى موسكو، كانت التسريبات من داخل إدارة أوباما تروّج إلى أنّ هذه الزيارة تمثل الفرصة الأخيرة لإقناع موسكو بتغيير موقفها من الأزمô ة السوريّة قبل أن تتبنى واشنطن خيار الدفع باتجاه حل عسكري للصراع عبر تسليح المعارضة يجري الإعلان عنه عشية قمة أيرلندا بين الرئيسين بوتين وأوباما. فزيارة كيري كانت تهدف - بحسب أوساط رسمية أميركية - إلى اختبار جدّية موسكو ومدى استعدادها للضغط على النظام السوري للعمل باتجاه حل سياسي، أو الولوج إلى خيارات أخرى تؤسس لانخراط أميركي أكبر في دعم الثوار في سورية ودراسة الخطوات العسكرية المناسبة للرد على استخدام السلاح الكيماوي. وقد شجع على توقع سلوك هذا الاتجاه أنّ مجلس الشيوخ الأميركي كان يناقش اقتراحًا بتسليح المعارضة السوريّة في الوقت الذي كان يستعد فيه كيري للذهاب إلى موسكو. بناء على ذلك، لم يشكل اتفاق موسكو بشأن عقد مؤتمر دولي جديد لحل الأزمة السورية مفاجأة بمقدار ما شكله التحول في الموقف الأميركي في تبني التفسير الروسي لاتفاق جنيف؛ ففي تصريحاته التي أعقبت لقاءاته في موسكو بدا من الواضح أنّ كيري يتفق مع لافروف في رؤيته لاتفاق جنيف حول الحكومة الانتقالية بعيدًا عن الخوض في مصير الرئيس الأسد ودوره في العملية السياسية المرتقبة. فقد صرح كيري في مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيره الروسي: "أنّ ما هو محوري الآن هو أننا [أي واشنطن وموسكو] سنتعاون على تطبيق بيان جنيف، والنظر إلى مصالحنا الإستراتيجية التي تشمل مكافحة التطرف والإرهاب وتفادي تفكك سورية". وفيما ظلت واشنطن تدعو طوال نحو عام من اتفاق جنيف إلى رحيل بشار الأسد، أخبر كيري الصحافيين "أنّ وحدهما المعارضة والنظام يمكنهما تحديد شكل الحكومة الانتقالية"، وأنّه إذ يجد من المستحيل بالنسبة إليه شخصيًا "تفهم كيف يمكن لسورية أن تحكم في المستقبل من قبل الرجل الذي ارتكب كل الأشياء التي نراها الآن... لكنني لن أقرر ذلك هذا المساء ولا في نهاية المطاف".
موقفا النظام والمعارضة
تلقف النظام السوري اتفاق موسكو سريعًا على طريقته - وبخاصة أنّه يدعوه للمشاركة في المؤتمر المقترح - معتبرًا أنّ ذلك يشكل
انتصارًا لمنطقه الداعي إلى "الحوار" لحل الأزمة وتراجعًا أميركيا عن الدعوة لرحيل الأسد كشرط مسبّق للبدء بأي عملية سياسية. كما رحب النظام بقبول الأميركيين دعوة إيران لحضور المؤتمر، واعتبر أنّ ذلك يعدّ تعزيزًا لمواقفه وإقرارًا بدور حليفته طهران في حل الأزمة.
أما المعارضة فقد جاء موقفها متضاربًا ومرتبكًا كالعادة؛ إذ رفض بعض رموزها اتفاق موسكو، واشترطوا رحيل الأسد كمقدمة لأي حوار، في حين تقبّل آخرون الاتفاق بوصفه أمرًا واقعًا حتى قبل تبنيُّ تفاصيله. وقد دلّت ردود الفعل المتباينة وغير المدروسة أنّ معظم أطياف المعارضة قد تفاجأت بالاتفاق، وبخاصة أنّها كانت تعدّ نفسها لتلقي مزيد من المساعدات الأميركية وتنتظر قرارًا من إدارة أوباما يرفع الحظر المفروض على تقديم السلاح إليها بعد الليونة التي أبدتها واشنطن بهذا الشأن بعد التأكد من خرق النظام للخط الأحمر المتمثل باستخدام السلاح الكيماوي. ومع ذلك، فإنّ المواقف الظاهرية لكلٍ من النظام والمعارضة لا يجب أن تحجب حقيقة وجود عقبات كبيرة تعوق تنفيذ إعلان جنيف، يتمثل أهمها بالآتي: رفض بشار الأسد التنازل عن سلطاته لحكومة انتقالية مشتركة كاملة الصلاحيات، ورفض الأجهزة الأمنية والجيش منح الولاء لمثل هذه الحكومة والخضوع لأوامرها طالما بقي بشار الأسد موجودًا. فشل المعارضة السوريّة في تقديم رؤية موحدة لطبيعة المرحلة الانتقالية، وعدم وضوح قدرتها على تنفيذ أي اتفاق يجري التوصل إليه خلال المفاوضات في ظل حالة الانقسام والتشرذم التي تعيشها على الصعيدين السياسي والميداني. وبمقدار ما يمثل مؤتمر جنيف 2 مأزقًا بالنسبة إلى طرفي الصراع الرئيسين (أي النظام السوري والمعارضة)، فإنّه يشكل بالمثل مأزقًا بالنسبة إلى السياسة الأميركية التي ظلت تتجنب التدخل الفعّال والمباشر لإيجاد حل للأزمة السوريّة، وأخذت بدالً من ذلك تعتمد على أطراف ثالثة للتعامل معها مثل تركيا وأوروبا وأخيرًا روسيا. وإذا كانت الولايات المتحدة ظلت تتعاطى مع الأزمة السوريّة باعتبارها صراعًا محدودًا لا يؤثر مباشرة في المصالح الإستراتيجية الأميركية طالما ظل محصورًا في الأرض السوريّة، فإنّ حجم التدخل الإقليمي في الصراع والتهديد بانتقاله إلى دول الجوار وازدياد منسوب الاحتقان الطائفي والمذهبي في عموم المنطقة قد يحوِّل مؤتمر جنيف 2 - في حال انعقاده - إلى نسخة فاشلة أخرى من جنيف 1، ولكن بنتائج كارثية هذه المرة لن تكون المصالح الأميركية بمنأى عنها. ولعل هذا ما يفِّ قول وزير الخارجية الأميركي جون كيري بأنّ إدارة أوباما ربما تأخرت في إيجاد حل للأزمة السوريّة.