التغيرات في بنية النظام الدولي وانعكاساتها على الثورات العربيّة
الملخّص
والمقصود بالفوضوية غياب السلطة المركزية على المس توى الدولي لتسوية النزاعات بين الفاعلين في النظام الدولي. ولذلك تسعى الدول دائمًا للحصول على المزيد من القوّة؛ وحتى يتحق ق ذلك فإنها لا تستطيع استخدام سياسة مثالية في العالم. وينطبق ذلك على تعاطي القوى الدولية مع الثورات العربيّة في مطلع ع ام 2011؛ إذ أدّت المصالح الدولية في بعض الحالات دورًا أساسيًّا في حركتها ونتائجها. تحاول هذه الدراسة أن توصّ ف طبيعة النظام الدولي عشية الثورات العربيّة، ومن ثمّ تحاول أن تحل ل مدى تفاعل حركة الثورات العربيّة مع النظام الدولي ونتائجها بناءً على التوصيف الذي تستنتجه.
مقدمة
يتكوّن العالم من وحدات دولية تصطدم مع بعضها بعضًا، فالعالم لا تحكمه قوانين وفقًا للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية؛ أي أنّ النظام الدولي يتّسم بالفوضوية Anarchy، والمقصود بالفوضوية غياب السلطة المركزية على المستوى الدولي لتسوية النزاعات بين الفاعلين في النظام الدولي. ولذلك تسعى الدول دائمًا للحصول على المزيد من القوّة، وحتى يتحقّق ذلك لا تستطيع الدول استخدام سياسة مثالية في العالم. وينطبق ذلك على تعاطي القوى الدولية مع الثورات العربيّة في مطلع عام 2011؛ إذ أدّت المصالح الدولية في بعض الحالات دورًا أساسيًّا في حركتها ونتائجها. تحاول هذه الدراسة أن توصّف طبيعة النظام الدولي عشية الثورات العربيّة، ومن ثمّ أن تحلّل مدى تفاعل حركة الثورات العربيّة مع النظام الدولي ونتائجها بناءً على التوصيف الذي تستنتجه. يُعدّ النظام الدولي واحدًا من المحدّدات الرئيسة المؤثّرة في العلاقات بين القوى الكبرى والدول الصغرى وفقًا لكينيث والتز منظّر "الواقعية الجديدة"، فحرية الحركة التي تتمتّع بها الدول الصغرى تتوقّف على بنية النظام الدولي، أو طبيعة العلاقات السائدة على قمّته، ويمتدّ هذا التأثير إلى العلاقة بين القوى والأطراف السياسية داخل تلك الدول. وبناءً عليه، فإنّ توزيع القوة داخل النظام الدولي، ومنظومة القيم التي يتبنّاها، وسياسة منظمّاته السياسية والاقتصادية والإنسانية، وأولويات الدول الفاعلة في قيادته وتوجّهاتها السياسية نحو الدول الصغيرة، تُعدّ من العوامل المؤثّرة في إدارة السياسات الداخلية لأغلب الدول المحدودة القوة. أمّا روبرت غلبن Robert Gilipin فيعرّف النظام الدولي على أنّه مجموعة من الكيانات المتنوّعة التي يوحّدها التفاعل المنتظم طبقًا لشكل من أشكال السيطرة.
التغير في النظام الدولي: نظرية انتقال القوّة لإورغانسكي نموذجًا
تعدّدت الأدبيّات في المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي حاولت تفسير سلوك القوى الفاعلة في النظام الدولي وآليّة عملها، وكذلك تفسير التغير في النظام الدولي. وتأتي نظرية انتقال القوّة Transition Power Teh
التي تعود للمفكّر أبرام فيم كينث إورغانسكي في عام 1958 في هذا السياق ليقدِّم رؤية جديدة عن ظهور الصراعات الكبرى والحرب بين الدول القوية واحتمالات نشوبها. إنّ نظرية إورغانسكي في تحوّل القوة هي واحدة من النظريات التي تفرسّ التنافس الدولي على سيادة العالم بين القوّة العظمى التي تسعى لتعظيم إمكاناتها وقدراتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للانتقال من دور أدنى في بنية النظام الدولي إلى دور أعلى يمكِّنها من الاستمرار في تحقيق مصالحها وتعظيمها ومن أداء دور مؤثِّر في السياسات العالمية، وعلى هذا النحو، فإنّ القوى العظمى الأخرى تشعر بالقلق مع كلّ تحوّل ومع كلّ صعود للقوى الأخرى المنافسة لها في السياق الدولي. اخترنا نظرية إورغانسكي لدراسة انعكاسات التغريّ في النظام الدولي على الثورات العربية لأنّها تحاول تفسير الاتجاهات الرئيسة للسياسة الدولية، منطلقةً من أهمية التصنيع وأثره في التقدّم الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والطلب على الطاقة على افتراض أنّه جارٍ حاليًّا لدى القوى الفاعلة في النظام الدولي وفقًا لمؤرشّات سنتطرّق لها لاحقًا. كما تمثّل الثورات العربيّة مفصالً تاريخيًّا مه يؤدّي إلى تغريّ في طبيعة الأنساق الإقليمية المؤثِّرة في بنية النظام الدولي.
إنّ عملية انتقال القوّة وفقًا لإورغانسكي تجري على ثلاث مراحل، إذ تنشأ زيادة الطلب على الطاقة من داخل الدولة، بالارتباط مع عمليات التصنيع والتغييرات في عدد السكان، والكفاءة السياسية والتنمية الاقتصادية. والمراحل هي: مرحلة القوّة المحتملة للدولة (نقطة البداية.) مرحلة النموّ في القوّة الانتقالية للدولة (كبيرة وسريعة، وتحصل زيادة الطاقة في هذه المرحلة بالضبط.) مرحلة النضج في طلب الطاقة.
يعارض إورغانسكي في الواقع النظريات التي ترى في توازن القوّة سبيالً لتحقيق السلام؛ إذ يرى أنّ التوازن بين الدول القوية يؤدّي على الأرجح إلى الحرب، وأنّ الادّعاء أنّ ميزان القوى يؤدّي إلى السلام دومًا فكرة لا تصمد أمام الواقع، لأنّ الدول دائمًا تعظِّم من إمكاناتها على المستويات كافّةً حتّى لو كانت في حالة من توازن القوّة، ومن ثمّ تدخل الحرب عندما ترى الفرصة متاحة وجيّدة. ولذا يرى أنّ توازن القوّة يزيد فرص حدوث الحرب، وأنّ تحقيق السّلم الدولي لا يرتبط فحسب بالتوزيع المتساوي للقوّة، أي بتوازن القوّة. وفي هذا السياق، فنظرية توازن القوى تذهب إلى أنّ خطر الاعتداء من جانب القوّة العظمى أمر متوقّع بعد أن تقوم بعملية تعظيم لقدراتها وقوّتها عندما تشعر بخللٍ في توازن القوّة كفرصة لتحقيق مصالحها، وأنّ توزيع القوّة في بنية النظام الدولي لا يعني بالضرورة تحقيق نوع من التوازن في القوّة بين الدول الفاعلة، بل هو عملية رجحان للقوّة بيد دولة عظمى مع حلفائها. ونلاحظ أنّ السّلم يعمّ في فترات تفوّق قوى عظمى مع حلفائها في امتلاك القوّة، وعندما تتحدّى الدولة الثانوية الدولةَ العظمى وحلفاءها من أجل السيطرة تندلع الحرب من جانب القوّة العظمى الرئيسة، وبالتالي تنشأ حالة الصراع بين الدولة العظمى وحلفائها في النظام الدولي والدول الأخرى التي تكون على وشك الحدّ من منافستها واللحاق بها في سلّم القوّة.
يتحقّق السلام عندما تمتلك دولة عظمى الكفّة الراجحة في القوّة والسيطرة على باقي الدول في النظام الدولي التي تكون راضية عن الوضع الراهن quo Status، ويتهدّد السلام في النظام الدولي كلمّا ازداد عدد الدول غير القانعة عن الوضع الراهن، والتي تحاول تغيير الدولية. الوضع القائم عند امتلاكها القوّة الكافية، لتنتقل إلى مستوى الدول القانعة. يصنّف إورغانسكي جميع دول العالم في بنية النظام الدولي بناءً على درجة القوّة ودرجة الرضا، مع الأخذ في الاعتبار الخصائص القومية للدول، في أربع فئات ذات أهمية كبيرة في السياسة الدولية، وهي الدول القويّة والقانعة، والدول القويّة غير القانعة، والدول الضعيفة القانعة، والدول الضعيفة غير القانعة.
الدول القويّة القانعة
إذا تخيّلنا النظام الدولي كهرم تتموضع فيه الدول ضمن طبقات متعدّدة (كما في الشكل 1)، نجد أنّ الدول القويّة القانعة تقع على قمّة الهرم، وهي عادةً تمتلك القوّة الراجحة وراضية في الوقت نفسه عن بنية النظام الدولي. وهي تحاول جاهدة الحفاظ على الوضع القائم الذي يمكّنها من الاستمرار في موقعها. وينطبق ذلك أيضًا على القوى الدولية المتحالفة معها وتشاركها القيم ذاتها، ويختلف ذلك نسبيًّا من دولة إلى أخرى.
الدول القويّة غير القانعة
في هذه المجموعة يوجد بعض القوى العظمى التي تتّسم بعدم رضاها عن الطريقة التي تُدار بها الأمور على الساحة الدولية، وتشكّل هذه القوى الفئة الثانية في الهرم، وهي مجموعة من الدول القويّة وغير القانعة. وتضمّ هذه المجموعة الدول المنافسة للدول القانعة التي تسعى لتغيير بنية النظام الدولي والتأسيس لواقع دولي جديد يخدم مصالحها ويتوافق مع قوّتها المتزايدة، عندما تمتلك وسائل تمكِّنها من إحداث التغيير الذي تنشده. تقع الصعوبات في المشهد الدولي عند مواجهة القوّة القانعة - إيذانًا ببدء حدوث التغيير في بنية النظام الدولي - مع ظهور الإرهاصات الأولى في ساحات عديدة في النظام الدولي تتعارض فيها المصالح والتوجّهات وطرق المعالجة. وتبدأ القوى غير القانعة في الحصول على مزايا جديدة، كالمشاركة في حكم المجتمع الدولي والتأثير في السياسات الدولية. وبهذا، تصبح القوّة العظمى القانعة مرغمة على التنازل عن بعض تلك الميزات للوافد الجديد إلى قمّة الهرم الدولي. ولكن الدول القانعة لا تقف مكتوفة الأيدي إزاء ذلك، بل تسعى لوضع إستراتيجيات تحُول دون انتزاع تلك القوى الصاعدة غير القانعة لمزيد من الامتيازات في الوقت الذي تسعى فيه القوى غير القانعة لإنشاء مكان جديد لها في المجتمع الدولي، بحكم قوّتها المتنامية على الساحة
إن النموّ المتسارع للقوّة الاقتصادية والعسكرية في مجال التصنيع للقوى الصاعدة في بنية النظام الدولي ينتج بحدّ ذاته حالةً من عدم الرضا، الأمر الذي ينعكس في حدوث تغير في تعاطي حكومات القوّة
غير القانعة في السياسة الدولية، وقد تعربّ تلك القوى عن عدم قناعتها ورضاها ببنية النظام الدولي من خلال مواقف عدوانية نحو الخارج. ويتحقّق السلام من خلال محافظة القوّة القانعة على تحالفاتها وقوّتها الاقتصادية والعسكرية ووجودها على قمّة هرم النظام الدولي، أي المحافظة على الوضع القائم، وليس بالضرورة أن يترافق السلام مع العدالة في هذه الحالة، لأنّ الدول غالبًا ما تسعى لتحقيق مصالحها القومية، وتقع الحرب في هذه الحالة عندما تكون قوّة المنافس (غير القانع) الاقتصادية والعسكرية أكبر من قوّة المنافس القانع، وعندها نكون أمام تغريّ جديد في بنية النظام الدولي، وفي هذه الحالة فإنّ الحرب هي الأكثر قابلية للحدوث، إذا كان المنافس يمتلك من القوّة ما يؤهّله للانتقال إلى قمّة هرم النظام الدولي ويتحوّل إلى قوّة قانعة راضية بحيث تساوي قوّته تقريبًا قوّة الدولة العظمى القانعة المهيمنة، ويتوقّف ذلك على صعود المنافس السريع من جهة، وعلى عدم مرونة القوّة العظمى المهيمنة في سياساتها وتعاطيها مع الوضع الجديد. أمّا بالنسبة إلى الدول الضعيفة القانعة (مثل لبنان، ومالي)... وغير القانعة (كوريا الشمالية، وسورية)... فهي ترتبط بشبكة من التحالفات والمصالح مع الدول القويّة القانعة وغير القانعة، وتبني سياساتها وسلوكها بما ينسجم مع تلك التحالفات والمصالح.
تبدلات انتقال القوّة في بنية النظام الدولي
نستطيع أن نحدّد الدول القوية في النظام الدولي وفقًا لمعادلة القوّة التالية لراين كلاين:)P = (C + E + M) x (S + W((وهي الولايات المتّحدة، وروسيا، والصين، واليابان، وبعض الدول الأوروبيّة. ويختلف تصنيفها ما بين دول قانعة وغير قانعة، يسعى
| النسبة من الإنفاق العالمي | الإنفاق العسكري/ مليار دولار | الدولة |
|---|---|---|
| 45.7 | 739.3 | الولايات المتحدة |
| 5.5 | 89.9 | الصـين |
| 3.9 | 62.7 | بريطانيـا |
| 3.6 | 58.8 | فرنـسا |
| 3.6 | 58.4 | اليابان |
| 3.3 | 52.7 | روسيا |
| 2.9 | 46.2 | المملكة العربية السعودية |
| 2.7 | .442 | ألمانيا |
| 2.3 | 37.2 | الهند |
| 2.3 | 36.6 | البرازيل |
بعضها للتّغيير في طبيعة النّظام الدولي "الأحادي القطبيّة" من خلال تحالفات معيّنة أو طفرة اقتصادية لدولة ما بالتزامن مع صعودها عسكريًّا، بينما تحاول الدول القانعة والمتحالفة معها الحفاظ على طبيعة النظام الدولي.
قياس القوّة للقوى الصاعدة في النظام الدولي
يبقى الأمن القومي الأميركيّ على رأس أولويّات الولايات المتّحدة الأميركيّة من خلال نشر قواعدها العسكريّة في أنحاء مختلفة من العالم وأساطيلها البحريّة وقواعدها الجوّية وقوّاتها الأرضيّة التي تستطيع الوصول إلى كلّ موقع إستراتيجي في العالم، إضافةً إلى تحالفاتها الأطلسيّة التي تتذرّع بها أحيانًا لحماية أمن حلفائها الإقليميين ومصالحها في مناطق العالم المختلفة. يتجاوز حجم الإنفاق العسكري للولايات المتّحدة على البحوث العسكريّة ما ينفقه العالم بأسره. كما أنّ حجم الإنفاق العسكري في عام 2011 يتجاوز حجم الإنفاق العسكري للدول العشر التالية لها في حجم الإنفاق وبفارق كبير، وهذا ما يوضّ حه الجدول).1(اقتصاديًّا، بلغ الناتج القومي الإجمالي للولايات المتّحدة 14.99 تريليون دولار في عام 2011، وبهذا، ينبغي جمع الناتج القومي الإجمالي لأهمّ أربع قوى اقتصادية منافسة للولايات المتّحدة في العام ذاته، وهي الصين واليابان وألمانيا وفرنسا على الترتيب مقدّرًا بتريليونات الدولارات: 7.318 + 5.876 + 3.601 + 2.773 من أجل أن يتقدّم على الناتج القومي الأميركيّ تقريبًا. ويُضاف إلى ذلك، السيطرة النقدية، بحكم أنّ الدولار الأميركيّ يمثّل العملة الاحتياطية الأولى في العالم، كما تُقيَّم به أبرز سلع التجارة الدولية وفي مقدّمها النفط. يمثّل الô دولار نحو 61 في المئة من الاحتياطي الرسمي الدولي بالعملات الأجنبية مقابل نحو 27 في المئة لليورو، ونحو 4 في المئة لكلٍّ من الجنيه الإسترليني والين الياباني.
في المقابل، نلاحظ بعض المؤرشّ ات التي تدلّ على اهتزاز الدور الأميركي في الاقتصاد العالمي، إذ ما زالت الولايات المتّحدة تعاني من نتائج الأزمة الاقتصادية العالمية، خاصّةً عدم قدرتها على إجبار الصين على تعديل سعر صرف عملتها "اليوان." كما تحوّلت الولايات المتّحدة إلى أكبر دولة مدينة في العالم، إذ يقدَّر حجم الدَّين بنحو 16 تريليون متجاوزًا ناتجها القومي الإجô دولار في عام 2012 املي. وتتزايد الديون بصورةٍ مستمرّة مع إصدار سندات الخزانة وبيعها بقصد تمويل عجزها، وبالتحديد إلى الصين. سياسيًّا، أدّت السّياسات الهجومية للولايات المتّحدة إلى ضرورة تغييرها والتعامل مع توازن القوى المحيلّ داخل دولة ما أو نظام إقليمي بصورةٍ تختلف عن توازن القوى الدولية. إذ اضطرّت الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى تعديل سياساتها تجاه العديد من الأزمات السياسية في العالم، من دون أن تغريّ إستراتيجياتها العامّة، ويظهر ذلك من خلال السياسات الأميركيّة في الشرق الأوسط وأوراسيا. لقد تب أنّ فرض ميزان القوى الدولي الراجح للولايات المتّحدة على المحلي يؤدّي إلى انفجارات أو حروب أو أزمات لا تحسم بالضرورة في النهاية لمصلحتها.
على الرّغم من امتلاك الصين أكبر احتياطي نقديّ أجنبي في العالم، فإن معظم هذا الاحتياطي بالدولار الأميركي، وهذا يجعلها من أكثر الدول حرصًا على استقرار الدولار كي لا ينهار الاحتياطي النقدي لديها. كما أنّ مسألة الدّين الصّيني للولايات المتّحدة لا تسمح للصين بالتأثير في المكانة الاقتصادية للولايات المتّحدة، كونها السوق التجاري الأوّل للبضائع والسلع الصينيّة في العالم، وهذا يجعل الصين من أكثر الدول حرصًا على استقرار الاقتصاد الأميركيّ. ولكن في الوقت ذاته، لم تستطع الولايات المتّحدة إجبار الصين على تعديل سعر صرف اليوان من أجل معالجة الخلل في التبادل التجاري بينهما المنحاز لمصلحة الصين. هذا يعني أنّ هناك حالة من تشابك العلاقات بين الطرفين وترابطها بسبب التكلفة المستحقّة على كلٍّ منهما إذا حاول أحدهما التخيلّ عن الآخر؛ أي أنّ ك من الطرفين يحرص على استقرار اقتصاد الآخر، لأنّ أيّ تغريّ في اقتصاد الأوّل سوف يؤدّي إلى تغريّ في اقتصاد الثاني سلبيًّا أو إيجابيًّا. وهذا ما يسمّى في نظرية العلاقات الدولية ب "الاعتمادية" interdependence. وقد نشأ هذا الاتّجاه الاقتصادي من النظرية الليبرالية مع مطلع السبعينيات، ولعلّ روبرت كوهيان وجوزيف ناي أشهر من دافع عن هذا الاتّجاه في كتابهما القوّة والاعتماد المتبادل. ووفقًا لهذا المفهوم الليبراليّ، فإنَّ العلاقات الصينيّة - الأميركيّة سوف تقود الطرفين إلى تحقيق السلام والاستقرار بينهما. لكن هناك رأي للنظرية الواقعية يتعلّق بمفهوم "الاعتمادية"، فهي تركّز على درجة الاعتمادية وتميّز بين الاعتماد المتماثل وغير المتوازن؛ إذ ترى أنّ الحالة الأولى، تؤدّي في حالة توازن القوى بين الطرفين إلى التنافس على المكاسب النسبية لتحقيق أكبر قدر من المصالح لأنّ الدول لا تهتمّ بالمكاسب المطلقة، بينما تؤدّي الحالة الثانية إلى تبعيّة الطرف الأضعف للطرف الأقوى عسكريًّا. السؤال الذي يطرح نفسه هو: في أيّ اتجاه تبدو العلاقات الأميركيّة - الصينيّة بناءً على الوزن النسبي للقوّة التي يتمتع بها كلّ طرف؟ على الرّغم من التفاوت في القوّة الاقتصادية، من حيث مستوى دخل الفرد السنوي والناتج المحلي الإجمالي والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، لمصلحة الولايات المتحدة الأميركيّة، فإنّ الصين تحوّلت إلى أكبر مصدِّر في العالم في نهاية عام 2009 مع تحقيق نموّ اقتصادي متواتر بمعدّل 10-8 في المئة سنويًّا؛ أي أنّ هناك زيادة ملحوظة في التصنيع الصينيّ، وهي المرحلة الأولى لانتقال القوّة بحسب إورغانسكي. وقد
تزامنت هذه الزيادة في تصنيع البضائع مع تواتر الزيادة في التصنيع العسكري؛ إذ زادت الصين من إنفاقها العسكري بنسبة 170 في المئة من حيث القيمة الحقيقية منذ عام 2002 وبنسبة تزيد عن 500 في المئة منذ عام 1995 حتى احتلّت في عام 2011 المرتبة الثانية من حيث معدّل الإنفاق العسكري في العالم.
إنّ التقدّم في التصنيع بشقّيه العسكري والاقتصادي في آنٍ معًا يؤدّي وفقًا لإورغانسكي إلى زيادة الطلب على الطاقة. تحوّلت الصين إلى واحدٍ من كبار مستهلكي الطاقة في العالم في عام 2010، وأصبحت الشريك النفطي الأوّل لإيران، وأحد الزبائن الرئيسين للنفط الخليجي في الدول العربيّة، والغاز في دول آسيا الوسطى، خاصّةً تركمانستان، إضافةً إلى روسيا، عدا عن إنتاجها الخاصّ من الفحم الحجري. ويعتقد خبراء الطاقة أنّ استهلاك الصين للطاقة سوف يتضاعف 3 مرّات حتى عام 2020، وفي عام 2030 سوف يمثّل نحو خمس الطلب العالمي. كما تشير التوقّعات الأوّلية إلى أنّ الموارد الصينيّة من الغاز الصخري تفوق بكثير الموارد الموجودة في الولايات المتحدة الأميركيّة بنسبة 50 في المئة، وقد تصل إلى 1275 ترليون قدم مكعّبة من الغاز القابل للاستخراج تقنيًّا، تكفي لتلبية حاجة الصين من الغاز لمدّة 200 سنة. كما ستسمح هذه الموارد من الطاقة الجديدة بالمساهمة في تخلّص الصين من الاعتماد على الفحم الحجري الذي يخلق مشاكل متعددة في التلوّث البيئي الذي تواجهه الصين في المدن الصناعيّة الكبيرة. ولكن إورغانسكي يوضح أنّ النضج في طلب الطاقة يجب أن يترافق مع الكفاءة السياسية والتنمية الاقتصادية، وهذا ما تفتقده الصين بالضبط، إذ لا يزال النظام السياسي فيها نظامًا سلطويًّا استبداديًّا، يضع المجتمع الصينيّ أمام خطر التناقض بين نظامٍ اقتصادي أقرب إلى النمط الليبرالي ونظام سياسي مركزي سلطوي. يزداد ذلك إذا ما تفاعل مع المدخلات القادمة من البيئة الخارجية التي لها جذور في النزعات الانفصالية (التيبت وشينجيانغ.) وثمّة مشكلة أخرى تتعلق بالطبيعة الاستبدادية للنظام الصينيّ؛ إذ من الصعب على شعوب العالم أن تتقبّل تلك الثقافة الاستبدادية القادمة من "قوّة عظمى." كما أنّ النموّ الاقتصادي الصينيّ ينعكس بصورةٍ متفاوتة بين المقاطعات الصينيّة، ما يعني أنّ هناك حالة من النموّ الاقتصادي، ولكن من دون تنمية تضمن العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل القومي. إنّ طبيعة النظام السياسي والتفاوت بين الأقاليم أمران يهدّدان تماسك المجتمع والدولة الصينيّة في المستقبل، ويضعانها أمام تحدّي التوترات الاجتماعية. إنّ الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة والصيّن سوف يدفع إلى مزيدٍ من التنافس والصراع بينهما من أجل تحقيق أكبر قدر من المصالح النسبية، بحكم رغبة الولايات المتحدة في تأخير دور الصين كقوّة تعديلية في النظام الدولي. وفي المقابل لن تتمكّن الصين، بناءً على رؤية النظرية الواقعية لمفهوم الاعتمادية، من وضع حدّ للهيمنة الأميركيّة إن لم تذهب نحو موازاة أو مقاربة قوّتها العسكرية مع القوّة العسكرية الأميركيّة. سوف يتجىلّ هذا التنافس أساسًا في قارّة آسيا عمومًا، ولذلك تعمل الولايات المتحدة على تطويق الصين واحتوائها بأحلاف أو تفاهمات عسكرية مع الدول المحيطة بالصين، كدعم الهند التي يمكن أن توازي قوّتها القوّة الصينيّة، والقواعد العسكرية الأميركيّة في كوريا الجنوبية واليابان، والمناورات العسكرية مع فيتنام، وتوقيع صفقات الأسلحة مع تايوان، واستمرار سريان الاتفاقية العسكرية بينهما التي
تسمح للولايات المتحدة بالدفاع عن تايوان ضدّ أيّ هجوم عسكري. كما تخطِّط الولايات المتحدة لنشر نظام دفاع صاروخي يغطّي مساحات واسعة في قارّة آسيا. وهذا كلّه يدلّ على انتقال الاهتمام الإستراتيجي للولايات المتّحدة إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي، خاصّةً في ظلّ عزم الولايات المتّحدة إنشاء منطقة تجارة حرّة في عام 2015 مع دول منظّمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي.
ما من ناحية زيô ينطبق الأمر ذاته على الهند إلى حدٍّادة النمو الاقتصادي والتصنيع والطلب على الطاقة وزيادة الإنفاق العسكري، إضافةً إلى التفاوت في مستويات التنمية بين أقاليم الهند. وتختلف الهند عن الصين نسبيًّا من حيث انخفاض مؤ ات التنمية البشرية ودخل الفرد السنوي. ولكن ما يميّز الهند عن الصين أنّ نظامها السياسي يتمتّع بالديناميكية والفاعلية بحكم بنيته الديمقراطية، ما يسمح لها بتجنّب الهزّات الاجتماعية العنيفة في دولة مركّبة الهُويّة من الناحية الإثنية والدينية. وتختلف الحساسيّة الدولية تجاه الهند مقارنةً بالصين لأنّها دولة ودّية في سياساتها وتحالفاتها المختلفة الأبعاد والتوجّهات، وليس لها تاريخ استعماري في آسيا والعالم. أمّا بالنسبة إلى روسيا، فلا يزال الاقتصاد الروسيّ اقتصادًا ريعيًّا يعتمد على تصدير النفط والغاز ويستورد التكنولوجيا الحديثة. يجري حاليًّا العمل على تغيير هذا الوضع بإنشاء "وادي السيليكون الروسي". تعاني روسيا معضلة كبرى لا تنسجم مع مقوّمات الدولة العظمى، تتعلّق بالعامل الديموغرافي وتد نسب الولادات مقارنةً بمساحتها الواسعة 17(مليون و 175 ألف كيلومتر مربّع)، ما يفتح المجال للمزيد من الهجرات الشرعية وغير الشرعية من الدول المجاورة، وهذا يعمِّق من أزمة الهُويّة الروسيّة، وهي مشكلة لا تستطيع روسيا التعايش معها لأنّها تقسِّم المجتمع الروسيّ، وتضيف إليه دوّامة أخرى من دوّامات العنف التي تعيشها في الشيشان وداغستان، خصوصًا في ظلّ تنامي النزعة القومية الروسيّة. مع ذلك، قد تستطيع روسيا، بمقدراتها القومية الأخرى الهائلة، أن تجد طرقًا للتعامل مع هذه القضايا، وقد يكون ذلك من خلال مشروع "الاتّحاد الأوراسي" الذي سنتحدّث عنه لاحقًا خلال مناقشة "الحالة السوريّة." تفتقر روسيا إلى المرحلة الأولى من مراحل تبدّل القوّة التي طرحها إورغانسكي، وهي التصنيع والتكنولوجيا المدنية والعسكرية، لكنّها لن تواجه صعوبة في المرحلة التالية، أي الطلب على الطاقة، لأنّها دولة ذات مخزون هائل من الطاقة. أي أنّ مشروع وادي السيليكون هو مسألة حيويّة لدور روسيا ومستقبلها في النظام الدولي. ويتطلّب ذلك منها عدم السماح للولايات المتحدة الأميركيّة باختراق أمنها القومي ومجالها الحيوي في الوقت الحالي. تمثّل اليابان دولة ذات شعور عميق بالهُويّة والتفرّد الثقافيّ والتأكيد على الانسجام الاجتماعي والحاجة إلى الإجماع والانتماء بين الأجيال وفي خضوع الرغبات الفردية لمصلحة الجماعة. ولكن في الوقت ذاته، لا تشكِّل اليابان قوّة عسكرية تستطيع فيها ضمان أمنها القومي بمفهومه الضيِّق، إذ تُعدّ أقلّ الدول الكبرى في الإنفاق العسكري. وهذا يعني أنّه لا توجد إرادة سياسية للقيام بدور أكبر في النظام العالمي سياسيًّا وعسكريًّا حتى الآن، ولو أنّ هذا الأمر قد بدأ يتغريّ في المجتمع اليابانيّ بحكم التطوّرات السياسية والعسكرية في قارّة آسيا. إنّ التفاوت الكبير في ميزان القوّة مع حليفتها الإستراتيجية الولايات المتحدة في ظلّ درجة عالية من الاعتمادية الأمنية اليابانية على الحليف الأميركيّ تجعل العلاقة بينهما علاقة تبعيّة واضحة. يمثِّل الاتحاد الأوروبي قوّة اقتصادية كبيرة تؤهّله لتشكيل قوّة مهمّة في النظام الدولي إذا اتّبع سياسة موحّدة. لكنّ عدم وجود قوّة عسكرية خاصّة بالاتحاد الأوروبيّ مرافقة للقوّة الاقتصادية ومستقلّة عن حلف شمال الأطلسي "الناتو" يضعه في حالةٍ من الاعتمادية الأمنيّة على
الولايات المتحدة الأميركيّة لموازنة المعضلة الأمنيّة في أوروبا الشرقية الناجمة عن التخوّفات من الدور الروسيّ. المشكلة الأكبر التي تقف في طريق الاتحاد الأوروبيّ هي عدم قدرة الدول الأوروبيّة على الموازنة بين المصلحة القومية الوطنية من جهة والمصلحة الأوروبيّة الشاملة من جهةٍ أخرى، وتخوّف الشعوب الأوروبيّة من قيام سلطة مركزية أوروبيّة قويّة على حساب السلطات الراهنة داخل حدود كلِّ دولة. ظهر ذلك جليًّا أثناء أزمة ديون اليونان عام 2010، عندما تخوّف الألمان من تحمّل ألمانيا عبء معالجة الأزمة على حساب رفاه المواطن الألماني. هنا يُطرح تساؤلان رئيسان بخصوص مستقبل الاتحاد الأوروبيّ: هل الاتحاد الأوروبيّ فاعل رئيس في العلاقات الدولية أم هو تجمّع لفاعلين رئيسين في النظام الدوليّ؟ وهل يمكن خلق هُويّة أوروبيّة موحّدة تحلّ محلّ الهُويّات القومية الأوروبيّة أو تتعايش معها؟ بالنظر إلى المقدّرات القومية للفاعلين السابقين نجد أنّ جميعها تمتلك مقوّمات تؤهّلها للانتقال إلى نظام دوليّ جديد، لكنّها في الوقت نفسه تواجه تناقضات ومشاكل لا تتوافق مع مؤهلّات قطب دولي يضمن دوره الفاعل في النظام الدولي بصورةٍ مستقلّة.
نمط التحالفات الممكنة
تُستثنى الولايات المتحدة الأميركيّة في المشهد الدولي الحالي من أيّ نمط من أنماط التحالف الجديدة في النظام الدولي، لأنّها القطب الوحيد في النظام الدولي. ويُستبعد كلّ من الاتّحاد الأوروبيّ واليابان أيضًا كونهما مرتبطين أمنيًّا مع الولايات المتحدة الأميركيّة، ذلك أنّ أيّ تحالف يمكن أن ينشأ لا بدّ وأن يأخذ في الاعتبار التعاون الأمني بين الحليفين المفترَضين من أجل موازنة دور الولايات المتحدة في العالم عسكريًّا وجيوستراتيجيًّا، ومن ثمّ لا توجد تحالفات محتملة إالّ بين روسيا والصين والهند. لا تزال الهند توازن بين علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا في إطار يحقّق مصالحها الوطنية ويضمن استمرار توازن القوى مع منافستها الصين والتفوّق الاقتصادي والأمني على عدوّتها الباكستان. كما يُستبعد قيام تحالف روسي - صينيّ وإن أخذت العلاقات بينهما شكالً تكتيكيًّا في تقاطع المصالح، أي من دون وجود أبعاد إستراتيجية مستقبلية، وهي التي تخضع لتحدّياتٍ وعوائق جيوستراتيجية تتمثّل بالتنافس الحادّ بينهما في آسيا الوسطى، خاصّةً فيما يتعلّق بترانزيت أنابيب الغاز والنفط، إضافةً للعاملينْ الجغرافي والديموغرافي اللذَين يشكلّان عائقًا يدخل في طبيعة الحياة البشرية ويتجاوز القضايا السياسية والاقتصادية العقلانية. يكمن ذلك في تجاور أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، لكنّها تعاني نقصًا في عدد سكّانها، مع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكّان. تتحدّد المشكلة بشكل أكثر دقّة في منطقة سيبيريا الحدودية؛ إذ يبلغ عدد سكاّنها نحو 30 مليون نسمة، في حين يبلغ عدد سكّان الأقاليم الصينيّة المقابلة للحدود المشتركة بينهما 250 مليون نسمة، وهذا يدفع الصينييّن نحو الهجرة إلى المناطق الروسيّة بطريقة غير شرعية. هناك أكثر من نصف مليون صيني داخل الحدود الروسيّة، ويُتوقّع أن يصبح هذا العدد 20 مليونًا خلال العقود المقبلة في منطقةٍ من أغنى مناطق العالم بالثروات الطبيعية، بحكم التجارة وتشكيل تجمّعات مستقرّة كما في مدينة فالديفستوك. يسمّي القوميون الروس هذه الظاهرة ب "الاحتلال الصينيّ الصامت" الأمر الذي يضع روسيا والصين أمام معادلة بشرية قد تقلب موازين الأمن والاستقرار في المنطقة بالكامل. امّ سبق، وبناءً على فرضيّات إورغانسكي، لا توحي الدولة القويّة غير القانعة بقدرتها على إحداث تغيير في بنية النظام الدولي الحالي على الرّغم من الهبّة الصناعية والطلب على الطاقة في دول آسيا. وهذا ما يبقينا في نظام دولي أحادي القطبية تستطيع الدول الكبرى فيه الدفاع عن مصالحها الوطنية وضمان أمنها القومي. تبقى الولايات المتحدة الطرف الأقوى لكن من دون أن تستطيع تهميش القوى الأخرى كما كان الأمر في مرحلة ما بعد سقوط الاتّحاد السوفياتي. بات بالإمكان في النظام الô دولي الحالي التمييز بين دولة عظمى ودول كبيرة غير قانعة تسعى للاستقلالية في قرارها حين يتعلّق الأمر بمصالحها الوطنية وأمنها القومي. لا يعني ذلك أنّنا أمام تعدّد أقطاب متحالفة معًا ضدّ قطب معنيّ، بل نستطيع القول إنَّ الحيويّة عادت إلى مفاهيم السياسة والأمن القومي في العلاقات الدولية في دولٍ كبيرة واثقة بنفسها أمام دولة عظمى واحدة، ولا ترغب تلك الدول غير القانعة في سيطرة الولايات المتحدة على سياساتها ومقدّراتها، وترغب في وضع حدّ لحريتها في فرض إرادتها على الآخرين ولتوسّعها الأمني غير المنضبط بقانون. ويذهب بعض الباحثين في العلاقات الدولية إلى أبعد من نتائج هذا البحث من أمثال ريتشارد
هاس من خلال وصف طبيعة النظام الدولي الحالي ب "اللاقطبية"؛ أي توزّع القوّة بين الفاعلين في النظام الدولي بدالً من تركّزها، ولكن مع قدرة الولايات المتحدة الأميركيّة على إدارة الأمن العالمي.
مؤش رات صعود قوى جديدة في بنية النظام الدولي
بدأت قوى حليفة للولايات المتّحدة في البحث عن استقلالية نسبية في صوغ تحالفاتها وعلاقاتها الدولية. كما أخذت الدول الإقليمية المركزية عمومًا في مختلف مناطق العالم وعلى مدى السنوات الماضية دورًا أكثر إيجابية في النظام الدولي. إذ بدأنا نشهد دورًا أكبر لتركيا وإيران في الشرق الأوسط، كما ازداد دور فنزويلا والبرازيل في أميركا الجنوبية، وجنوب أفريقيا في القارّة الأفريقية، وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا في آسيا. كما تقدّم دور الفاعلين من غير الدول في العلاقات الدولية. وفي الاقتصاد العالمي، جرى في أواخر عام 2010 نقل %6 من حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي من الدول المتقدمة إلى الدول ذات الاقتصادات الناشئة مثل الصين والهند والبرازيل. في ظلّ هذه التعديلات، باتت الصين تحتلّ المركز الثالث في قوّة التصويت بعد الولايات المتحدة واليابان، متجاوزة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وشهدت القائمة وصول الهند إلى المرتبة الثامنة، وبعدها روسيا ثمّ البرازيل، ودخلت تركيا للمرّة الأولى في المرتبة العشرين على مستوى العالم. تكمن أهمية هذه التعديلات في كونها لامست قواعد نظام بريتون وودز عام 1944، الذي رسّ خ سيطرة الدولار والذهب كمقاييس مرجعية للتغريّ ات في الاقتصاد العالمي. كما حلّت مجموعة العشرين G20 محلّ مجموعة الثماني الكبار G8، وتنامى دور الآسيوييّن في الاقتصاد العالمي في مقابل استمرار التعرثّ الغربي في مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، وهذا أدّى إلى زيادة حدّة ظاهرة حرب العملات والخلافات حول أسعار صرفها، خاصّةً "اليوان" الصينيّ. كما بدأنا نشهد إرهاصات تطوّر في الأيديولوجية الرأسمالية للنظام الدولي الأحاديّ القطبية تنحو باتّجاه رأسمالية أكثر انضباطًا، وتتيح للدولة وضع القواعد والأسس الضرورية لتحديد العلاقات الاقتصادية بين أصحاب المصلحة داخل النظام السياسي، وتؤكّد دور البنوك المركزية في الرقابة المالية والنقدية على شؤون المال والاقتصاد، وتذهب نحو إيجاد نوع من التوازن بين القطاعين العامّ والخاصّ تحت إشراف الدولة. كما أنّ بعض الدول التي انساقت وراء العولمة وأيديولوجيتها، عادت وسعت إلى اختيار نموذجها الوطني الملائم، مثل الهند وماليزيا وبعض دول أميركا اللاتينية التي أخذت تسيطر فيها ضوابط الدولة من خلال إيجاد توازن بين انفتاحها على الأسواق ومصالحها الوطنية.
تأثير التغيّرات في النظام الدولي في الثورات العربيّة
يفتح النظام الدولي الحالي المجال لفاعليّة أكبر للدولة الوطنية إذا ما توافر فيها عوامل داخلية وقوى اجتماعية قادرة على النهوض بالتغيير. وفي الوقت ذاته، يسمح للقوى الكبرى بأن تدافع عن مصالحها الوطنية وضمان أمنها القومي، وبذلك تتشابك القضايا الداخلية في الدولة الوطنية مع المصالح الدولية. وتُصاغ في النهاية النتائج على شكل مخرجات نتيجة التفاعل بين المدخلات القادمة من
البيئتين الداخلية والخارجية. ففي حالتَي الثورتين التونسية والمصريّة، استطاعت القوى الاجتماعية إسقاط الاستبداد من دون أن يكون لبنية النظام الدولي والقوى الفاعلة فيه دور أساسي في ذلك؛ لأنّ حجم تلك القوى لم يعطِ القوى الدولية إالّ خيار التكيّف مع المتغريّ ات الجديدة، وذلك لأنّ ك من مصر وتونس تُعدّ من الدول المتجانسة على مستوى الهُويّة في الدولة الوطنية، كما أنّ مؤسّساتها متمايزة عن بنية السلطة السياسية الحاكمة. لقد تراوحت المواقف الدولية بين معارض ومتردِّد أو مرتبك في التعاطي مع أحداث كلٍّ من الثورتين. أمّا في الحالات الأخرى (ليبيا، اليمن، البحرين، وسورية) فقد أدّت العوامل والمصالح الدولية دورًا أساسيًّا في حركة كلّ ثورة فيها ونتائجها تبعًا لحسابات الأمن القومي للفاعلين الدوليين، ولأسباب تعاكس حالتَي تونس ومصر ولو بدرجات مختلفة.
التدخ ل العسكري الدولي: الحالة الليبيّة
شهدت الثورة الليبيّة تدويالً مع صدور قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1973 في 17 آذار / مارس 2011 القاضي بفرض حظر جوّي على ليبيا بالاستناد إلى مبادئ التدخّل الإنساني وحماية المدنييّن، وبهذا يكون التدخّل الدولي في ليبيا هو الأوّل من نوعه في الثورات العربيّة. ولكن التدخّل الإنساني لم يكن هو العامل الأساسي لدفع القوى الدولية للتدخّل لإطاحة نظام القذافي. فقد حكمت المصالح مواقف القوى الدولية من مسألة التدخّل في ليبيا. كانت فرنسا هي الدولة الأكثر نشاطًا وحماسًا للتدخّل المباشر، بينما تلكّأت الولايات المتحدة الأميركيّة وإيطاليا في مسألة التدخّل العسكري، وتحفّظت ألمانيا على القرار الدولي في مجلس الأمن وأبدت عدم رغبتها بصورة واضحة في المشاركة في العمليات إالّ في أمور لوجستية. لا نستطيع النظر للاتحاد الأوروبيّ كفاعل أساسي في بنية النظام الدولي؛ إذ تُظهر المواقف الأوروبيّة خلال الأزمات المفصلية مدى جدّية طرح الاتحاد الأوروبيّ كفاعل أساسي في العلاقات الدولية بدالً من الدول الأوروبيّة المكوِّنة له. فقد تمايزت فرنسا في مواقفها عن القاطرة الأساسية في أوروبا "ألمانيا" في المسألة الليبيّة، أمّا إيطاليا، فلم يكن أمامها من خيار إالّ الرضوخ للأمر الواقع وإنقاذ ما أمكن من مصالحها الاقتصادية. ويمكن القول إنّ دول الاتحاد الأوروبيّ، بناءً على فرضيّات إورغانسكي، هي دول قانعة في بنية النظام الدولي، لأنّها في حالة تحالف مع الولايات المتحدة الأميركيّة من خلال حلف الناتو وتشاركها القيم والأيديولوجيات نفسها. ولكن يجب الانتباه إلى أنّ مسألة القناعة والرضا عند إورغانسكي هي مسألة نسبيّة تخضع لاعتبارات متعدّدة. وبناءً عليه، تبدو فرنسا وألمانيا دولتين قانعتين نسبيًّا في بنية النظام الدولي تعاملتا مع المسألة الليبيّة وفقًا لمصالحهما الوطنية التي ارتكزت على دور العامل الجيوبوليتيكي وقضيّة أمن إمدادات الطاقة.
لّا تعرِّف فرنسا دورها السياسي في النظام الدولي في المجال الأوروبي فحسب، ولكنّها ترى نفسها أيضًا بوصفها نواةً لتجمّع دول حوض البحر المتوسّط وشمال أفريقيا. تنظر فرنسا إلى شمال أفريقيا على أنّه يقع في الدائرة الجيوسياسية الأولى للدولة الفرنسيّة، إذ لا يفصل بينهما إالّ البحر الأبيض المتوسط، إضافةً إلى الدواعي التاريخية المستندة إلى الاستعمار الفرنسيّ لشمال أفريقيا. بينما تشعر ألمانيا بمسؤوليتها الخاصّة عن أوروبô ا الوسطى، وتتحسّس من المخاطر الجيوبوليتيكية العابرة للحدود في محيطها الحيوي. ولذلك عملت فرنسا على محاولة ضمان الأمن في محيطها الحيوي من خلال تحكّمها في مسارات التغيير كي لا تصبّ النتائج المحتملة للصراع بين القذافي والثوّار في مصلحة الجماعات العابرة للحدود في شمال أفريقيا أو تحوّل ليبيا إلى دولة فاشلة تصدِّر الهجرات غير الشرعية إلى أوروبا.
كما أدّت قضية أمن إمدادات الطاقة والحصول عليها دورًا رئيسًا في التوجّهات الأوروبيّة. تُعدّ ليبيا ثالث أكبر مورِّد للنفط الخامّ إلى القارّة الأوروبيّة. ويتمتّع هذا النفط بميزة نسبية للدول الأوروبيّة من ناحية الجودة وكلفة الاستخراج والتصدير المنخفضة، نظرًا لقربه من الساحل الليبيّ وقرب الأسواق الأوروبيّة. أظهرت الأزمة الليبيّة حجم الفجوة القائمة بين دول الاتحاد الأوروبيّ في رسم السياسات الوطنية في مجال الطاقة، فقد كانت الشركة الإيطاليّة "إيني" أكبر الشركات النفطية العاملة في ليبيا، بينما كانت حصّة شركة "توتال" الفرنسيّة من النفط الليبيّ الأقلّ بين الشركات العالمية %2(من مجمل عوائدها). ولذلك يصبّ الموقف الفرنسيّ في اتّجاه رفع أسهم فرنسا وحصّتها من النفط الليبيّ. أمّا ألمانيا فقد كانت قادرة على التعامل بسهولة مع انقطاع الواردات من النفط الليبيّ، من خلال استبدال النفط الروسيّ والنرويجي به. عملت ليبيا في عهد القذافي على تطوير تحالفاتها الدولية بما يعزّز من دورها في قارّة أفريقيا في ظلّ زيادة نفوذ الولايات المتحدة فيها من خلال إنشاء القيادة العسكرية الأميركيّة في أفريقيا "أفريكوم" تحت ذريعة مكافحة الإرهاب واختراق مناطق النفوذ الفرنسيّ في مالي والنيجر. هذا زاد من حدّة التنافس الفرنسي - الأميركيّ في القارّة الأفريقيّة في منطقة الساحل والصحراء. وجدت فرنسا في المسألة الليبيّة فرصة لكي تزيد نفوذها في أفريقيا وتتخلّص من نظام غير قانع بمكانة ليبيا على الساحة الدولية، ويميل إلى الحدّ من النفوذ الفرنسيّ في أفريقيا لحساب النفوذ الأميركيّ، حتّى إنّ الطائرات الفرنسيّة كانت تستعدّ لقصف الأراضي والمطارات الليبيّة قبل أن يصدر القرار من مجلس الأمô ن. كلُّ ذلك من دون أن تعارض الولايات المتّحدة الحماس الفرنسيّ للحرب على ليبيا، بل إنّها شاركت في العمليّات العسكرية ضمن إطار حلف الناتو وساهمت في تمويل الحرب بما يفوق مليار دولار أميركيّ. إذًا، نظرت فرنسا للمسألة الليبيّة على أنّها فرصة للدفاع عن مصالحها الوطنية في منطقة جيوسياسية تقع ضمن إطار مصالحها الحيوية في ظلّ نظام دولي قابل بذلك.
الوكالة الإقليميّة
أشرنا خلال توصيف طبيعة النظام الدولي عشية الثورات العربيّة إلى أنّ طبيعته تسمح للدول الإقليمية بأخذ دورها ومكانتها على الصعيد الإقليمي. يمكن اعتبار المملكة العربية السعودية دولة ضعيفة، ولكنها غير قانعة بمكانتها الدولية، وترتبط مع الولايات المتحدة الأميركيّة بشبكة من المصالح الاقتصادية والأمنيّة. يسمح ذلك بأن تفوِّض الولايات المتحدة المملكة العربية السعوديّة بمعالجة مخرجات كلٍّ من ثوريتَ البحرين واليمن أو أن تغضّ الطرف عن سياسة المملكة أيًّا كان نهجها. ولذلك سنجد أنّ المعالجة في الحالتين جرت عن طريق تدخّل السعوديّة في شؤون الثورتين بما يتلاءم مع مصالحها الخاصّة. جاء الحلّ في اليمن عبر حلٍّ وسطي يرضي جميع الأطراف المحلية والدولية من خلال المبادرة الخليجيّة، بينما قمعت القوّات السعوديّة باستخدام قوّات "درع الجزيرة" الانتفاضة في البحرين.
الحالة البحرينيّة
عملت الولايات المتحدة الأميركيّة خلال الحرب الباردة على رسم دوائر جيوسياسية تتحالف معها من أجل الحدّ من التمدّد الشيوعي في العالم. اصطلح على تسميتها حينها بالحزام الأخضر (تركيا- إيران- أفغانستان - باكستان.) ومن ثمّ فرضت الترتيبات الأمنيّة التي نجمت عن الحرب العراقيّة - الإيرانيّة واجتياح العراق للكويت، ثمّ احتلال العراق في عام 2003، لتصبح منطقة الخليج العربيّ الحيوية اقتصاديًّا وجيوسياسيًّا تحت "الحماية العسكرية الأميركيّة" على حدّ تعبير بريجنسكي.
تستضيف الحكومة البحرينيّة مقرّ قيادة الأسطول الخامس الأميركي،ّ كما أنّ النظام البحرينيّ كان السبّاق إلى خطوات تطبيعية مع إسرائيل. وحظيت البحرين بمزايا تفضيلية عن الدول الأخرى في علاقتها مع الولايات المتحدة من خلال توقيع اتفاقيّة التجارة الحرّة معها عام 2005. أثارت موجة الاحتجاجات في البحرين قلق السعودية، وهي التي وقفت ضدّ جميع الثورات العربيّة في بداياتها، خوفًا من انتقال موجة التغيير إلى الداخل السعوديّ، خاصّةً أنّ البحرين تقع في عمق المحيط الحيوي للمملكة العربيّة السعودية. كما تخوّفت من تضخّم النفوذ الإيرانيّ في الخليج العربيّ منطلقةً من دوافع طائفية وجيوستراتيجية، خاصّةً أنّ إيران، في عهد الشاه والثورة، لم تتخلَّ عن اليمن. فكرة أنّ البحرين هي امتداد جغرافي للدولة الإيرانيّة وجزء من الأرض الإيرانيّة. بينما كانت قدرة إيران على الحركة محدودة بسبب عوامل جيوبوليتيكية، إضافةً إلى اندلاع الثورة في سورية التي أربكت ك من السعودية وإيران في التعاطي معها. لذلك كان قمع الانتفاضة البحرينيّة بقوّات خليجية ميرسًّا على الصعيدين الإقليمي والدولي.
الحالة اليمنيّة
يُعدّ النّظام السياسي اليمنيّ فاعالً أساسيًّا في محاربة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربيّة. وما يهمّ القوى الدولية هو ضمان أمن اليمن والحفاظ على تماسك الجيش اليمنيّ من أجل استمراره في هذه المهمّة. كما يشكّل خليج عدن الطريق الرئيس الذي يمرّ من خلاله نفط الخليج العربيّ وإيران إلى الأسواق العالمية، وأحد الممرّات الرئيسة للملاحة والتجارة الدولية بين أوروبا وآسيا. ومن ثمّ، يشكّل أمن خليج عدن أحد المحدّدات الأساسية الدولية لضرورة الحفاظ على وحدة اليمن وتماسكه، خاصّةً في ظلّ نشاط القاعدة والقراصنة الصومالييّن، إضافةً إلى أزمتَي الحوثييّن والحراك الجنوبي. لم ترتبك المملكة العربيّة السعودية أو تقلق في الحالة اليمنيّة كما كان عليه الأمر في الحالة البحرينيّة، لأنّها خبرت التدخّل السياسي والعسكري والمالي في الشؤون الداخلية اليمنيّة منذ تشكّل الدولة السعوديّة. لذلك عملت في إطار مجلس التعاون بدقّة كبيرة من خلال المبادرات الخليجيّة كي يجري التغيير في اليمن تدريجيًّا بغضّ النظر عن الشخصيات اليمنيّة التي تحكم، كونها نجحت في استغلال العامل القبلي فيه بدعمها لكلٍّ من النظام اليمنيّ والمعارضة ماديًّا ومعنويًّا. ولذلك ركّزت القوى الدولية في تدخلّاتها على مبدأ "الوساطة" بين الأطراف المحلية في
لا تقع مسألة التغيير في البحرين واليمن في نطاق تهديد الأمن القومي الأميركيّ، وإمنّ ا في نطاق الحفاظ على الوضع القائم لتحالفاتها الإقليمية التي تسهم في ضمان بقاء الولايات المتحدة القوّة الأعظم في النظام الدولي. بينما لا تمتلك القوى القويّة غير القانعة أدوات التأثير في منطقة الخليج العربيّ وشبه الجزيرة العربيّة في دولتين ضعيفتين قانعتين بمكانتهما الدولية، ولذلك سوف لن يسجّل تدخلات أو مواقف جدّية منها تخالف السياسة الأميركيّة في كلا الحالتين. وبهذا، سنجد أنّ الصراع الدولي على نتائج كلا الثورتين سوف ينتقل إلى مستوى الدول الإقليمية؛ إذ صاغت التوازنات الإقليمية المدخلات القادمة من البيئة الخارجية في مخرجات كلا الثورتين التي تلاقت مع مدخلات من البيئة الداخلية جرى صوغها على شكل مخرجات "القمع والوساطة."
التفاعلات الدولية: الحالة السوريّة
لم تستطع القوى الاجتماعية والسياسية في سورية حسم معركتها مع الاستبداد طوال عامين من النضال. ولذلك تدرّجت التدخلات الدولية في شؤونها من تنافس إقليمي على نتائجها إلى أزمة دولية مستمرّة حتى تاريخ كتابة هذا البحث. تبنّت إدارة الرئيس باراك أوباما سياسة الانكفاء نحو الداخل، وعزفت عن التدخّل العسكري المباشر في شؤون دولية لا تهدّد مصالحها الحيوية، خاصّةً في الشرق الأوسط بعد دروس احتلال العراق، وهو ما مثّل قطيعة مع سياسات المحافظين الجدد. واعتمدت على حلفاء إقليميين لإدارة المنازعات الإقليمية أو المحلية الناشئة في أقاليم ودول
معينة. كما أخذت الولايات المتحدة تولي اهتمامًا متزايدًا بتصاعد النفوذ الصينيّ أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وهو ما وضع منطقة آسيا والمحيط الهادي على رأس جدول أعمالها الخارجي لأسباب ناقشناها في هذا البحث. ولذلك لم تكن الثورة السوريّة في يوم من الأيام في صلب أولويات الإدارة الأميركيّة، واكتفت بتشجيع الحراك التركيّ في صوغ مخرجات الثورة بما يلائم مصالحهما، وهذا سمح للقوى القويّة غير القانعة في النظام الدولي بالقيام بدور أكبر للحفاظ على النظام السوريّ الذي لا ينسجم مع التوجّهات الأميركيّة بصورة عامّة. تُعدّ سورية بنظامها الحاكم دولة ضعيفة غير قانعة بمكانتها الدولية، وتسعى لتقاطعات مع مجمل القوى الدولية الكبرى تعزّز مكانتها الإقليمية والدولية. ولذلك عندما بدأت الثورة السوريّة سارع النظام الحاكم إلى تعزيز تقاطعاته مع الدول القويّة غير القانعة في النظام الدولي من أجل دعمها في مواجهة القوى الدولية المؤيّدة للثورة. يرى بريجنسكي في كتابه رقعة الشطرنج العظمى أنّ مستقبل بقاء الولايات المتحدة الأميركيّة في قمّة هرم النظام الدولي يتحدّد في أوراسيا من خلال قدرتها على إنشاء تحالفات في هذه المنطقة وما حولها. كما حذّر من احتمال قيام تحالف بين الصين وروسيا، ورمبّ ا إيران، كتحالف مضادّ للهيمنة الأميركيّة، لا تجمعه الأيديولوجية وإمنّ ا التظلمّات أو حالات الضَّ يم التي يكمّل بعضها الآخر. في ضوء هذه المعادلة، يمكن فهم المواقف الدولية من الثورة السوريّة، لكن ليس من خلال منطق التحالف كما أسلفنا سابقًا، وإمنّ ا من خلال إنتاج تقاطعات معيّنة تحاول الحدّ من النفوذ الأميركيّ في العالم. إنّ روسيا، على الصعيدين الجيوبوليتيكي أو الثقافي، ليست أوروبيّة تمامًا ولا آسيويّة تمامًا، فهي دولة ذات هُويّة أوراسيّة متميّزة. إنّ الظاهرة الأوراسيّة، بوصفها عقيدة فوق قوميّة، ليست جديدة في الأيديولوجيات الروسيّة، بل أصبحت أكثر ضرورة لدور روسيا كقوّة عظمى في النظام الدولي. تقوم الأوراسيّة الجديدة على تمجيد المسيحية الأرثوذكسية المستمدّة من عهد روسيا القيصريّة، ودور القوّة العسكرية في تحقيق مكانة كبيرة للاتحاد السوفياتيّ الذي كان أحد قطبَي النظام الدولي السابق. وهكذا يوجد الرّوس، كما يرى منظّر الأوراسيّة الجديدة ألكسندر دوغين، في "صورة مجموعة قوميّة موحّدة في مجال تجمّع إمبراطوري ما فوق قوميّ، ويحقّق الواقع الإثني تراصّه في إطار الشعب، بينما تتجسّد الرسالة ما فوق الإثنية في إطار الإمبراطورية. وفي هذا الجمع فقط يتحقّق الحفاظ على النواة القوميّة الصحّية وعلى التوزّع الأعظم للتأثير الجيوبوليتيكي في وقت واحد". ليست الإمبراطورية الأوراسيّة دولة كبيرة، وإمنّ ا هي حلف جيوبوليتيكي يتجاوز المعاملات الخاصّة بالدولة الاعتيادية إلى ما فوق الدولة، أي "الاتحاد الأوراسي"ّ.
بدأ العمل على هذا المشروع عمليًّا في 5 تموز / يوليو 2010 بتوقيع إعلان يفعّل الاتحاد الجمركي بين روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان. ويُستكمل العمل حاليًّا على إنجاز المشروع من خلال لجنة شُكّلت في تشرين الثاني / نوفمبر 2011 بعد لقاء بين قادة الاتحاد الجمركي لتوقيع وثيقة "إعلان التكامل الاقتصادي الأوراسي" واتفاقية تنظيم عمل "اللجنة الاقتصادية الأوراسيّة". يحدّد دوغين المحاور الجيوبوليتيكية التي ينبغي التحالف معها من أجل إقامة الاتحاد الأوراسيّ. ويرى أنّ إيران الحليف الإسلامي الإستراتيجي الأهمّ لأنّها المدخل الروسيّ إلى الدول العربيّة والإسلاميّة في الوطن العربيّ وآسيا الوسطى والمياه الدافئة. وعلى إيران أن
تتحالف مع الدول العربيّة المناوئة للتوجّهات الأطلسية، وهي العراق وليبيا بالدرجة الأولى، ثمّ سورية المتناقضة في توجّهاتها ما بين الميل للغرب والعداء له. ومع الاحتلال الأنكلوسكسوني للعراق في عام 2003 والتدخّل العسكري الغربيّ في ليبيا على إثر الثورة الليبيّة في عام 2011، لم يبق أمام روسيا إالّ سورية كدولة معادية للهيمنة الغربيّة، وهي في حالة حلف مباشر مع إيران من دون مشاكل ينبغي حلّها معها، كما في حالة العراق قبل الاحتلال. ولذلك، سوف نجد أنّ المحاولات الروسيّة لجذب سورية إلى التعاون أو الشراكة مع الاتحاد الجمركي أو المشروع الأوراسي قد بدأت مع انطلاق الثورة السوريّة، مستغلّةً حاجة النظام الحاكم في سورية للدعم الدولي لمواجهة الضغوط والعقوبات الغربيّة. يعطي المشروع الأوراسي روسيا كإمبراطورية طابعًا متروبوليًّا يمكن أن يتحقّق عبر تبنّي الثقافة الروسيّة، لكنّه يصطدم بالحاجز الديني لأنّ أشكال الوعي القومي غير الروسيّ سوف تتعزّز بحكم العقبة الدينية. يبنيّ المؤرّخ الروسيّ المعروف ليف غوميلوف أنّ الحضارة الروسيّة الكبرى تكوّنت على أساس التمازج العرقيّ التركي - السلافيّ تاريخيًّا. كما أنّ التكيّف مع الأطلسييّن لن يعني شيئًا للشعب الروسيّ أقلّ من فقدانه "الإثنية والقومية والروح". وبما أنّ أجزاء كبيرة من مواطني دول آسيا الوسطى المشمولة في المشروع الأوراسيّ تتكلّم اللغة التركيّة ومن أصول تركيّة، إضافةً إلى المواطنين من الأصول التتاريّة والمسلمين في داخل روسيا نفسها، فإنّ ذلك يعني رصيدًا من القوّة التركيّة للتمدّد في العمق الروسيّ بعد زيادة رصيدها الجيوستراتيجي في المشرق العربيّ ممزوجًا بخلفيات أيديولوجية تسمح بنقلها إلى العمق الروسيّ. يعني ذلك نقل الإشكالية الثقافية إلى داخل روسيا وعزل روسيا إثنيًّا، وذلك بإبعاد روسيا عن المواطنين ذوي القومية الروسيّة في الدول الأوراسية. وستصبح مناطق القوقاز والشيشان وداغستان وأبخازيا بؤرة للصراعات والاضطرابات عندما تتصادم فيها المصالح الجيوبوليتكية لتركيا الأطلسية مع روسيا الأوراسية القائمة على أساسين: الإثني (القومية الروسيّة) والديني (الأرثوذكسية). إذًا، نستطيع أن نفهم من جهة الموقف الروسيّ من الثورة السوريّة انطلاقًا من المشروع الأوراسي والحاجة إلى دور الحليف الجيوبوليتيكي الإيرانيّ. ومن جهةٍ أخرى، هناك قلق روسيّ حقيقي من النفوذ التركيّ في آسيا الوسطى والعمق الروسيّ، يستند على أسس مذهبية وإثنية. ولذلك سنجد أنّ روسيا هي الدولة الأكثر حديثًا عن ضرورة حماية حقوق "الأقليات" في سورية والتخوّف من وصول الإسلامييّن إلى السلطة في سورية، وفي جميع دول الثورات العربيّة.
إنّ المشروع الأوراسيّ مسألة حيوية للدولة الروسيّة لأنه في منزلة الحل لقضية الوضع الروسيّ الديموغرافي المقلق لدى الروس في ظلّ النموّ الديموغرافي للجنوب الأوراسي، أي الهند والصين، وهو ما قد يدفع نحو التوسّع القومي باتّجاه الأراضي الروسيّة، خاصّةً سيبيريا والشرق الأقصى، كما أشرنا في السابق. ولكي يكون المشروع مبنيًّا على أسس سليمة، فإنّ ذلك يتطلّب الحدّ من التأثيرات الأطلسية عبر النفوذ التركيّ في آسيا الوسطى من خلال العوامل الإثنية والدينية، كي لا يلقى نهاية مشابهة للاتحاد السوفياتيّ. ومن هنا نستطيع أن نفهم الموقف الروسيّ تجاه المسألة السوريّة بالنظر إليها بوصفها قضية أمن قومي
للإمبراطورية الروسيّة. ولا يعني ذلك أنّ روسيا مهتمّة بشخصيّات النظام السوريّ، وإمنّ ا الوقوف ضدّ تحوّل سورية إلى المحور المهادن للغرب بوقوعها ضمن دائرة النفوذ التركي الذي يحاول الامتداد إلى آسيا الوسطى والعمق الروسيّ. أما بالنّسبة إلى الموقف الصينيّ، فإنّه يفَّ بمحاولة الصين الحدّ من الهيمنة الأميركيّة على العالم، بالنظر إلى أنّ النظام السوريّ يصنَّف ضمن القوى غير المنسجمة مع التوجّهات الأميركيّة. كما أنّ هناك بعدًا تنمويًّا حاليًّا، يتعلّق بالأمن القومي الصينيّ بمفهومه الواسع، من خلال استمرار تدفّق النفط الإيرانيّ إلى الصين؛ إذ تدرك الصين أنّ سقوط النظام السوريّ سوف يؤدّي إلى إضعاف النظام الإيرانيّ، امّ قد يؤدّي إلى سقوطه أو تخلخله في المستقبل. ومن هنا يأتي استخدام الصين حقّ النقض "الفيتو" في مجلس الأمن لثلاث مرّات لمنع إدانة النظام السياسي في سورية.
النتائج
أدركت القوى الدولية غير القانعة بمكانتها في بنية النظام الدولي والدولة القويّة القانعة والمتحالفون معها أنّ الوطن العربيّ يمرّ بمرحلة تاريخية جديدة قد تؤثِّر في عدّة أنظمة إقليمية فرعية في غرب آسيا وأوراسيا وأفريقيا، بما يمكِّنها من التأثير في بنية النظام الدولي عاجالً أو آجالً. ولذلك سارعت كلٌّ منها إلى التعاطي مع الثورات العربيّة بما ينسجم مع مصالحها وتطلّعاتها الدولية. كانت الولايات المتحدة الأميركيّة هي الطرف الدولي الأكثر قدرةً على التفاعل مع الثورات العربيّة، إذ لم تتخوّف من فكرة احتمال وصول الإسلام السياسي إلى السلطة في دول الثورات على خلاف القوى الدولية الأخرى، ومن يراقب المواقف الدولية خلال الثورات سيجد أنّ الولايات المتّحدة هي الأقلّ خوفًا من نتائج الاحتجاجات الشعبية في تلك الدول، فالولايات المتحدة ليس لديها حساسيّة مفرطة تجاه الدين كالمجتمعات الغربيّة الأخرى. ومقارنة بالأوروبييّن الذين يتخوّفون من كلّ ما هو ديني، فإنّ الولايات المتّحدة منفتحة على التعامل مع حكومات ذات أيديولوجيات مختلفة بالنظر إلى تجربتها التاريخية. وهي لم تشهد صراعًا من النوع الذي عرفه الأوروبيّون ضدّ الكنيسة والدين، بل كان الصراع الرئيس الذي شكّل التاريخ الأميركيّ هو الصراع ضدّ الهنود الحمر واللاتينييّن والأفارقة، إذ تشكّلت الهُويّة الأميركيّة في سياق التاريخ الخاصّ بأيديولوجية التفوّق على الأعراق الأخرى "المتخلّفة". ولذلك فإنّ الأميركييّن، خلافًا للأوروبييّن، لا يبدون قلقًا إزاء وجود جالية مسلمة كبيرة في أراضيهم، وحيال قضايا أخرى مشابهة تتعلّق بسياسة الدمج والأجناس والحجاب. كذلك، وخلافًا لما يحدث في أوروبا التي يتمثّل فيها "خطر الهجرة الوافدة" بالمسلمين، نجد أنّ هجرة السكّان الناطقين بالإسبانيّة في أميركا اللاتينيّة هي التي تقوم بهذا الدور في الولايات المتّحدة. أمّا روسيا والصين، فلهما هواجسهما الدينية بحكم تجربتهما الطويلة والدموية في أقاليم الشيشان وداغستان وشينجيانغ. يفرض هذا النظام، تبعًا لدرجة القوّة بين القوى الأساسية وقدرتها على الدفاع عن مصالحها الوطنية، عدم محاربة بعضها بعضًا. في الوقت ذاته، بحكم مصالحها المختلفة والمتضاربة، ورغبتها في الصعود في بنية النظام الدولي أو المحافظة على مكانتها فيه، فإنّها سوف تعمل على تشجيع الحروب الصغيرة والنزاعات الأهليّة بين وكلائها المحليين في الدول الأخرى ذات القابلية لتلك النزاعات والمتعددة الهُويّات والمتمتّعة بمواقعَ جيوسياسية على الخريطة العالمية يمكن لها أن تؤثّر في ميزان القوى العالمي. ولذلك ستشهد مناطق شرق آسيا وآسيا الوسطى والمشرق العربيّ زيادة في الاضطرابات المحلية تبعًا لزيادة حدّة التنافس الدولي فيها. إذًا ينبغي لنا كعرب العمل على مواجهة هذه النزاعات والحدّ منها خاصّةً أننا نعيش في مرحلة تاريخية جديدة عنوانها الرئيس بناء الدولة الوطنية الديمقراطية. ومن ثمّ، لا بدّ من مواجهة التحدّي الذي تطرحه مسألة الهُويّات الفرعية ما قبل المدنية، في المشرق العربيّ بصفة خاصّة، لقطع الطريق على القوى الدولية ذات المصلحة في استثمار سياسات الهُوية. لقد أثبت انتقال الثورة من دولة عربيّة صغيرة الحجم كتونس إلى مناطقَ أخرى في الوطن العربيّ أنّ العروبة الديمقراطية، بوصفها قومية ذات مضمون شعوري ثقافي، يمكن أن تمثّل هُويّة تستطيع الحدّ من تلك الهُويّات الضيّقة. ولذلك لا بدّ من تجسيد عملي للهُويّة العربيّة يمكن أن يكون على هيئة اتّحاد عربيّ يضع حدودًا للتدخلّات الأجنبية، الإقليمية والدولية، في قضايانا العربيّة. وإالّ سنبقى أسرى نزاعات فرعيّة محلّية ضيّقة، خاصّةً مع فشل الحكومات السابقة في بناء الهُويّة الوطنية وتعرثّ التحوّل الديمقراطي في المشرق العربيّ.