جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة ما بعد مرسي
الملخّص
تدرس هذه الورقة تجربة الإخوان المسلمين في العملية السياسية في مصر، منذ انتصار ثورة 25 يناير، مع التركيز على فترة العام التي قضاها محمد مرسي في الحكم. تحلل الورقة التطورات البنيويّة لجماعة الإخوان المسلمين، والإستراتيجيات السياسية المرافقة له أثناء وجودها قوة في المعارضة، وكيف انعكست على سلوكها، بصفة عامّة بعد ثورة يناير، وبصفة خاصة أثناء فترة حكم مرسي. يركً ز الكاتب على ما تعدّ لحظة استثنائية في تاريخ الجماعة، عندما تحوّلت من المعارضة إلى السلطة، في ضوء التحدّيات الكبرى التي تفرضها إدارة الدولة المصرية. وفي ضوء تأكيد الباحث على أنّ جماعة الإخوان لن تزول من المشهد السياسي، بسبب تغلغلها العميق في النسيج الاجتماعي المصري، تناقش الورقة ما يمكن أن ترسمه الجماعة من إستراتيجيات ومسارات في مرحلة ما بعد الانقلاب.
يمثل انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 الذي أطاح حكم الرئيس المصري محمد مرسي إحدى المحطات الفاصلة في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين؛ وذلك ليس لما يترتب عليه من آثار وتداعيات سوف تمس الجماعة وبنيتها التنظيمية والسياسية فحسب، وإنما أيضًا لأنه جاء بعد عام واحد فقط قضاه الرئيس مرسي في السلطة، وانتهى به سجينًا تحت سيطرة المؤسسة العسكرية. تجادل هذه الورقة بأنّ سقوط جماعة الإخوان المسلمين كان نتيجة لثلاثة أسباب رئيسة: أولها، فشل الجماعة في التعاطي مع مسألة السلطة والحكم بنحو فعّال وناجع. وثانيها، المشاكل التنظيمية التي ساهمت في إرباك حسابات الجماعة وكشفت ضعفها وقصر رؤيتها السياسية. وثالثها، تكالب الدولة العميقة ونجاحها في استدراج الإخوان إلى معارك جانبية جرى فيها استنزاف الجماعة وإفشالها من خلال حملات تحريضية وتشويهية مستعرة ساهمت كثيرًا في شحن الرأي العام ضد الجماعة؛ ما أدى إلى خروج الكثيرين في تظاهرات 30 حزيران/ يونيو 2013 للمطالبة بإنهاء حكم الرئيس مرسي. وتنتهي الورقة إلى نتيجتين أساسيتين: أولاهما، أنّ محاولات إقصاء جماعة الإخوان المسلمين واستئصالها من الحياة السياسية المصرية ليس مآلها الفشل فحسب، وإنما أيضًا من شأنها أن تدفع البلاد باتجاه سيناريوهات أكثر قتامة سياسيًا وأمنيًا وإستراتيجيًا. وثانيتهما، أنّ ثمة حاجة ماسة إلى أن تعيد الجماعة التفكير في أخطائها وأيديولوجيتها وخطابها السياسي من أجل البقاء كقوة فاعلة ومؤثرة، وكي تتفادى الانقسامات والشروخ الداخلية.
من المعارضة إلى السلطة: ما الذي تغير؟
قبل ثمانين عامًا وضع مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومنظِّرها الأول الإمام حسن البنا ثلاث مراحل مهمة لتحقيق أهداف الجماعة: مرحلة الدعاية والتبشير بالفكرة، ومرحلة التكوين واختيار الأنصار والأعضاء، ومرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج. وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، نجحت الجماعة في إنجاز المرحلتين الأوليين بشكل واضح؛ إذ انتشرت أفكار البنا وجماعته إلى خارج حدود مصر، وتجاوز عدد أعضاء الجماعة وفروعها مئات الآلاف في العالمين العربي والإسلامي وكذلك أوروبا وأميركا. أما المرحلة الثالثة، فقد بدأت وانتهت سريعًا مع سقوط الرئيس مرسي. وقد كانت الأيديولوجيا حاضرة بقوة في المرحلتين الأوليين، وكان من المفترض أن يقلّ حضورها في المرحلة الثالثة، ولكن ما حدث هو العكس؛ إذ طغى على أداء الإخوان وحركتهم وهم في السلطة الكثير من الممارسات وكأنهم في المعارضة. وقد كان حريًا بالجماعة طوال الأعوام الثلاثة الماضية أن تنتقل من عالم الأفكار والتحيزات الأيديولوجية والتنظيمية إلى عالم السياسات والبرامج الواقعية وما تحمله من مواءمات وتوازنات سياسية واجتماعية واقتصادية. أي أن تنتقل من الأيديولوجية إلى الميثودولوجيا وهو ما لم يحدث. فعلى سبيل المثال ظلت معايير الولاء والانتماء الفكري أو التنظيمي والأيديولوجي للجماعة هي المحك في رسم سياساتها وتنفيذ برامجها. وهو ما جعل البعض يتهمها بمحاولة الهيمنة والاستفراد والإقصاء. وعلى الرغم من إدراك الإخوان لضخامة الإرث الثقيل للرئيس السابق حسني مبارك من فساد وتخريب ممنهج للدولة ومؤسساتها وثقافتها وقيمها والذي نالت الجماعة قسطًا منه أيضًا والمتمثل بتكلس لوائحها التنظيمية ونمط إدارة علاقاتها الداخلية، فإنها لم تتبن معايير الجدارة والكفاء أو ما يسمى بالميرتوقراسي meritocracy؛ التي تعني أنّ معايير اختيار القيادات والمسؤولين لشغل المناصب الحكومية يجب أن تستند إلى التعليم والذكاء والمواصفات المهنية للشخص المسؤول. أو على الأقل هذا ما كان يجب أن يكون عليه الحال كي لا تتهم الجماعة بالإقصاء من جهة، ولا تتحمل وحدها تداعيات الفشل من جهة ثانية، ولكي تستفيد من جميع الكفاءات والقدرات الموجودة من جهة ثالثة. فأي نجاح يتحقق سوف يحسب في النهاية للإخوان، وكذلك الإخفاق أو الفشل. قبل ثورة 25 يناير كانت جماعة الإخوان المسلمين بمنزلة قوة المعارضة الوحيدة الأكثر تنظيمً وتأثيرًا في مصر؛ وذلك في ظل حالة الضعف والهزال الشديدة التي عانتها القوى السياسية الأخرى سواء اليسارية أو اللبرالية. وبعد الثورة ظلت الجماعة مترددة في ما يخص الحصول على السلطة من عدمه، إلى أن قررت الدفع بمرشح لها للمنافسة على مقعد رئيس الجمهورية؛ وهو القرار الذي جاء وسط انقسام حاد داخل "مجلس الشورى العام" للجماعة؛ إذ وافق عليه ٦٥ عضوًا مقابل اعتراض ٢٥ عضوًا. وبغض النظر عن الملابسات والخلفيات التي صبغت هذا القرار، فإنه كان قرارًا مفاجئًا بالنسبة إلى الكثيرين وبخاصة بعد تعهد الجماعة في شباط/ فبراير 2011 بأنها لن تنافس في انتخابات الرئاسة؛ وهو القرار الذي فاجأ أيضًا الكثير من قواعد
الجماعة التي اضطرت لقبوله حفاظًا على وحدة الجماعة وتماسكها وسط حالة استقطاب وخلاف حاد مع المجلس العسكري الذي كان يدير البلاد آنذاك. وفي 30 حزيران/ يونيو 2012 انتقل الإخوان، وللمرة الأولى منذ قيام الجماعة عام 9281 من المعارضة إلى السلطة؛ وذلك بعدما فاز الرئيس محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية ضد مرشح النظام القديم الفريق أحمد شفيق بفارق ضئيل كشف حجم الانقسام العميق داخل المجتمع المصري. وقد كان فوز مرسي بمنزلة لحظة استثنائية في تاريخ الجماعة ليس لأنها المرة الأولى التي تصل فيها للسلطة فحسب، بل أيضًا لطبيعة الاستحقاقات التي كان على الجماعة مواجهتها؛ وأهمها الانتقال من حالة التفكير كحركة معارضة إلى حزب حاكم. وهو ما لم يحدث لسوء الحظ سواء على مستوى التنظيم أو على مستوى السياسات والتكتيكات التي اتبعتها الجماعة طوال العام الذي قضته في السلطة. فعلى مستوى التنظيم، لم تتغير طريقة تفكير الجماعة ولا توازنات القوة داخل مؤسسات صنع القرار فيها، وبخاصة مجلس الشورى العام ومكتب الإرشاد؛ إذ ظل التيار المحافظ مهيمنًا عليها، وهو ما سنتعرض له بالتفصيل لاحقًا. وفضلً عن التداخل والتضارب في التصريحات والمواقف بين الجماعة ورئاسة الجمهورية والتي أضرت كثيرًا بصورة مرسي وجعلت منه مجرد تابع للجماعة، في بلد يحظى فيه مقام الرئاسة تاريخيًا بقدر عالٍ من التبجيل، فقد ارتكبت الجماعة العديد من الأخطاء السياسية والإستراتيجية التي ساهمت في إنهاء حكمها بشكل سريع. أما على مستوى السياسات والتكتيكات، فقد فشل الإخوان المسلمون في التصرف كقوة حاكمة واثقة ولديها رؤية واضحة للمستقبل. فعلى مدار العام الماضي، اعتمدت الجماعة آلية وحيدة لتحقيق توازن مع القوى السياسية المنافسة وهي الحشد والتعبئة حتى وهي في الحكم. وقد استفادت الجماعة من تأييد بعض القوى الإسلامية لها، والتي ثبت في ما بعد أنّ ضررها كان أكثر من نفعها، وذلك من أجل إثبات قدرتها على ملء المجال العام على الرغم من أنها كانت في السلطة. لقد كان من المفارقات الكبيرة طوال حكم الإخوان أنه على الرغم من أنّ الجماعة تمتلك أكبر قدر من الكوادر المهنية كالأطباء والمحامين والمهندسين والمدرسين... إلخ، وذلك مقارنة بغيرها من القوى السياسية والاجتماعية، فإنها افتقرت للخبرات والمهارات التي تساعدها على تكوين نخبة سياسية بيروقراطية فعالة تمكِّنها من إدارة دولة بحجم مصر وتعقيداتها. وحقيقة الأمر، أنّ كثيرًا من كوادر الإخوان جرت تنشئتهم داخليًا في محاضن الجماعة كي يكونوا معارضين وليسوا حكامًا. بكلمات أخرى، فإنّ الجماعة لم تعرف منذ نشأتها كيف تتعاطى مع البيروقراطية المصرية أو أن يكون لديها "رجال حكم"، وإنما هم ناشطون اجتماعيون ودعويون بالأساس. ومن جهة أخرى، فقد حرم نظام مبارك جماعة الإخوان من أن تدير أي مؤسسة عامة أو أن يحصل كوادرها على خبرة تكنوقراطية وبيروقراطية، لذا فقد واجه الإخوان مقاومة شديدة من البيروقراطية المصرية حين حاولوا تطهيرها وإصلاحها. وعلى عكس نظرائهم في تركيا، لم يتول الإخوان الإشراف على المحليات والبلديات طوال العقود الثلاثة الماضية. لقد أضعفت هذه المشكلات وغيرها قدرة جماعة الإخوان على التحول من مربع المعارضة إلى مربع السلطة، وقللت من قدرتها على فهم تعقيدات الدولة المصرية التي ظلت تعاملهم لأكثر من ستة عقود كقوة خارجية.outsiders
"عقدة" التنظيم وميزان القوى داخل الإخوان المسلمين
ساهم الوصول المفاجئ لجماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في الكثير من التعقيدات على المستوى التنظيمي داخلها. وبدلً من أن يؤدي الوصول إلى السلطة إلى فتح الكثير من الملفات العالقة فيها سواء تلك المتعلقة بالإصلاح الداخلي أو تغيير اللائحة أو تحقيق قدر من التوازن بين تياري المحافظين والإصلاحيين، فإنّ ما حدث كان تكريس حالة التكلّس والجمود تحت يافطة التأجيل والتركيز على مسألة السلطة. إنّ السؤال الكبير الذي حاولت الجماعة تفاديه طوال الأعوام الثلاثة الماضية كان سؤال الإصلاح. والإصلاح الذي نعنيه هو قدرة الجماعة على أن تتحول من طائفة كبيرة منغلقة على ذاتها ومحاطة بأسوارها الأيديولوجية ضمن عالمها الخاص إلى حركة طبيعية ومنفتحة تقوم على أسس المصارحة والمكاشفة والتدافع مع محيطها الخارجي ككيان سياسي طبيعي. وقد كان من المفترض أن تقوم الجماعة بعملية أشبه ب "البيروستريكا" الداخلية التي تعني إعادة الهيكلة التنظيمية وبناء المؤسسات الداخلية الرئيسة في الجماعة مثل مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام والمكاتب الإدارية ومجالس شورى المحافظات بشكل يسمح أولً بإعادة صوغ الأوزان التنظيمية والاجتماعية داخل
الجماعة من جهة، ويشجع على التنوع الفكري والأيديولوجي والجيلي داخلها من جهة أخرى، وهو ما لم يحدث. كما كان من المتوقع أن تجرى عملية إعادة صوغ العلاقة بين مؤسسات صنع القرار وتنفيذه داخل الجماعة فضلً عن تحقيق قدر من التوازن بين هذه المؤسسات. فحسب اللائحة الداخلية لجماعة الإخوان، فإنّ الحدود الفاصلة بين مؤسسات الجماعة تكاد تكون متداخلة إن لم تكن معدومة. فعلى سبيل المثال؛ يكاد يكون مجلس شورى الجماعة خاضعًا لسلطة مكتب الإرشاد والمرشد، في حين أنه من المفترض أن يكون الجهة التشريعية والرقابية على أعمالهما. وهو ما يبدو بوضوح في الفصل الثالث من لائحة الجماعة (المواد من 21 وحتى 8)1 المتعلق بعملية اختيار أعضاء مجلس الشورى وآلية عمله والتي تجعله مجرد تابع لمكتب الإرشاد ومنفذ لإرادة أعضائه. علاوة على ذلك، فهناك غياب للنص على آليات محاسبة مكتب الإرشاد أو المرشد العام للجماعة. ومما يتعلق بإعادة الهيكلة أيضًا، فثمة إعادة النظر في إجراءات الترقي والحراك الاجتماعي والتنظيمي ووسائلها وقواعدها داخل الجماعة، بحيث تصبح أكثر تمثيلً وشفافية لأطياف الجماعة كافة.
وكان الحديث قد جرى خلال تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 عن إعداد الجماعة لائحة جديدة تحاول معالجة عيوب اللائحة الحالية التي جرى تعديلها عدة مرات منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي وحتى عام 2009. وهو ما نفته لاحقًا بعض قيادات الجماعة. لا تكمن المشكلة في إمكانية تعديل اللائحة الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين، فهذا أمر حدث مرات عديدة من قبل، ويكاد يكون محل إجماع داخل الجماعة لدرجة أنّ هناك لجنة مخصصة لذلك تسمى "لجنة اللوائح"، بل تكمن المشكلة بالأساس في مدى ترجمة أي تغييرات في اللائحة إلى حقائق تنظيمية تسمح بإعادة هيكلة الجماعة ليس إداريًا فحسب، وإنما أيضًا تربويًا وأيديولوجيًا وسياسيًا. بكلمات أخرى، ليس المطلوب أن تقوم الجماعة فقط بتعديل اللائحة القائمة للتخلص من عيوبها التنظيمية والإدارية أو تقديم لائحة جديدة تسمح بمساحة إضافية للمرأة والشباب على نحو ما يتردد، وإنما أن تجرى إعادة تغيير العقلية التنظيمية والإدارية التي تحكم الجماعة وتدير دولاب العمل اليومي بحيث تتماشى التغييرات في اللوائح مع تغيير هيكلي لمراكز القوى الفكرية والجيلية داخل الجماعة. ولسوء الحظ فقد جرت بالفعل عملية لإعادة هيكلة الجماعة تنظيميًا وأيديولوجيًا طوال العقدين الماضيين. وهي العملية التي أدت في النهاية إلى سيطرة فصيل بعينه على مقاليد الأمور وتفرده بإدارة الجماعة من دون رقابة أو مشاركة حقيقية من التيارات الأخرى أو من قواعد الجماعة. وقد يفيد بعض التفصيل هنا؛ فعلى مدار العقدين الماضيين وتحديدًا منذ أواخر التسعينيات، جرت عملية إقصاء منظمة لما كان يعرف بالتيار أو الجيل الإصلاحي داخل الإخوان، وذلك بعد عقدين من التوازن النسبي بين المحافظين والإصلاحيين امتد منذ منتصف السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات؛ فبعد أن تمتع الإصلاحيون بقدر من التأثير داخل قيادة التنظيم بفضل دعم ورعاية المرشد الأسبق عمر التلمساني وأحمد الملط وغيرهما ممن كانوا يُعرفون بتيار العمل العام داخل الجماعة، نجح المحافظون في إقصائهم تدريجيًا. وقد كان رحيل التلمساني في أيار/ مايو 9861 وتولي محمد حامد أبو النصر قيادة الإخوان خلفًا له بمنزلة نقطة تحول مهمة لصالح سيطرة المحافظين التي ستتضح آثارها بعد عقد كامل. ففي عام 9961، تولى مصطفى مشهور قيادة الإخوان خلفًا لأبو النصر الذي كان ضعيفًا وجاء من الصفوف الخلفية للجماعة من دون ثقل تنظيمي. وقد نجح مشهور ونائبه مأمون الهضيبي (الذي سوف يصبح لاحقًا المرشد العام للجماعة) في وضع حد لما كان يعرف بالجيل الثاني أو الجيل الإصلاحي داخل الإخوان ممثلً في بعض الرموز منها عبد المنعم أبو الفتوح وأبو العلا ماضي وإبراهيم الزعفراني وخالد داوود وعصام العريان وحلمي الجزار (قبل أن ينقلب الأخيران على عقبيهما وينضويان تحت جناح المحافظين.) ولعل أبرز محطات هذا التحول
ما كان يعرف بقضية حزب الوسط التي كشفت النقاب عن عملية التحول التي كانت تجرى داخل الجماعة لصالح تيار المحافظين. وقد جاء التحول الثاني الذي ساهم في زيادة هيمنة المحافظين على الجماعة مع مطلع الألفية الجديدة حين تولى مأمون الهضيبي قيادة الإخوان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 خلفًا لمشهور. وعلى الرغم من قصر عهد قيادته (عامان)، فقد نجح الهضيبي في تدعيم سيطرة التيار المحافظ على الجماعة؛ إذ نجح محمود عزت (الذي كان قد جرى اختياره أمينًا عامًا للجماعة عام 2001) في إعادة هيكلة المكاتب الإدارية للجماعة كي تصبح أكثر تناغمً وانصياعًا للتيار المحافظ. في المقابل، بدأ نجم رجل الأعمال والعقل الإستراتيجي للجماعة خيرت الشاطر في الظهور بعد أن احتل مواقع مؤثرة داخل الهيكل التنظيمي والقيادي للإخوان. فبالإضافة إلى اختياره عضوًا في مكتب إرشاد الجماعة عام 9951، أصبح الشاطر بعد وفاة الهضيبي من أكثر القيادات الوسيطة تأثيرًا في الإخوان، وهو ما ساعده كي يصبح نائبًا ثانيًا للمرشد الجديد آنذاك محمد مهدي عاكف الذي أعطى حرية مطلقة للشاطر لإعادة هيكلة الجماعة حسبما يرى. وعلى مدار العقد الأول من الألفية الجديدة، نجح تحالف "عزت - الشاطر" في إعادة الهيكلة الفعلية (وليست اللائحية) للجماعة، بحيث باتت مفاصل التنظيم تحت الهيمنة الكاملة للمحافظين (إنّ العلاقة بين الرجلين لها جذور قديمة بدأت في اليمن أولً، ثم بريطانيا لاحقًا، وذلك خلال النصف الأول من الثمانينيات.) فعلى سبيل المثال جرت إعادة ترتيب مكتب الإرشاد، وتم إقصاء الوجوه الإصلاحية كافة، ومن أبرزها عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد حبيب الذي خرج من الجماعة بشكل لا يليق بوزنه كنائب أول للمرشد إبان حقبة مهدي عاكف. كما جرت إعادة هيكلة مجلس شورى الجماعة كي يضم الكثير من أبناء المحافظات، وأعيد ترتيب الوزن التنظيمي والتمثيلي للمكاتب الإدارية ومجالس شورى المحافظات. كما تم تصعيد جيل جديد من المحافظين الذين هم أكثر ولاء وتبعية لتكتل "عزت- الشاطر"؛ ولعل أبرزهم الدكتور محمد سعد الكتاتني والمهندس سعد الحسيني وصبحي صالح ومحمود غزلان ومحي حامد ومحمد عبد الرحمن وأسامة نصر وعبد الرحمن البر وعصام الحداد، وقبلهم جميعًا الرئيس محمد مرسي. وقد كان لهيمنة هؤلاء المحافظين تأثيرًا كبيرًا ليس في السياسات والقرارات التي اتخذتها الجماعة طوال وجودها في السلطة فحسب، وإنما أيضًا في غياب أي رؤى نقدية داخل الجماعة، وبخاصة في ظل تهميش التيار الإصلاحي وخروج رموزه وأعضائه من الجماعة مثلما حدث مع الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد حبيب وهيثم أبو خليل وحامد الدفراوي... إلخ. الأكثر من ذلك، أنّ هذا التيار لم يكن لديه قدرة كافية لاستطلاع حجم الاحتقان والتوتر والتآمر على الإخوان طوال المرحلة التي سبقت 30 يونيو. فعلى مدار الأسابيع التي سبقت سقوط مرسي، تحدثتُ مع عدد من كبار قادة الإخوان، وقد هالني حجم استخفافهم بتحركات الشارع ضدهم، وبدا أنّ ثمة مشكلة في إدراك هؤلاء للأزمة التي كانت تتجمع في الأفق. وعندما سألت الدكتور محمود حسين، الأمين العام للجماعة، كيف ترى يوم 30 يونيو؟ كانت إجابته: سوف يكون يومًا عاديًا والشعب سوف يحمينا. حينها أدركت أنّ قيادات الجماعة تعيش في عالم آخر ليس له علاقة بما يحدث.
وقد تمثلت أهم مشاكل التيار المحافظ طوال العام الماضي في ما يلي: ضعف النزعة التوافقية لدى ممثلي هذا التيار، وبخاصة ما يتعلق بالقوى والتيارات المخالفة للجماعة أيديولوجيًا وسياسيًا كاللبراليين والعلمانيين؛ إذ وصلت العلاقة طوال العام الماضي إلى درجة القطيعة مع هذه القوى، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الجماعة. صحيح أنّ بعض هذه القوى كان يدفع باتجاه القطيعة، لكن سياسات الجماعة زادت من ذلك أيضًا. طغيان الأيديولوجيا على الحسابات السياسية الواقعية، وغلبة "النزعة الصفرية" على طريقة أداء الجماعة بطريقة "المباراة الصفرية" في الصراع السياسي؛ وهو ما أدى إلى حالة تأزم علاقتها ببقية القوى السياسية. التماهي مع القوى الدينية والاجتماعية المحافظة والتي مثلت - ولا تزال - عبئًا على الخطاب الديني والفكري لجماعة الإخوان؛ كالقوى السلفية وبعض الرموز الراديكالية. وقد أضرت هذه القوى بالرئيس مرسي وساهمت في إسقاطه بشكل غير مباشر.
"الدولة العميقة" تبتلع الإخوان
لم يكن فشل جماعة الإخوان المسلمين في السلطة مصادفة وحسب، بل هو نتيجة لعدم قدرتهم على السيطرة على مخالب ما أطلق عليه "الدولة العميقة" التي ظلت تناصبهم العداء أيضًا. ونعني بهذه الدولة مجموعة المؤسسات والرموز والشخصيات التي ترعرعت في عهد نظام مبارك وتقاتل من أجل الإبقاء على ثقافة الفساد ومنظومته الرثة سياسيًا واقتصاديًا. وقد نجحت الدولة العميقة على مدار السنة التي حكم فيها الإخوان في استنزافهم والاستثمار في ضعف خبرتهم وقدرتهم على ترويض مؤسساتها من أجل العمل لصالحهم. وقد وصلت إلى قمة توحشها عشية يوم 30 حزيران/ يونيو 2013 حين أطلت بوجهها القبيح كي تنهي أول تجربة ديمقراطية في مصر. ومن الواضح أنّ جماعة الإخوان لم يكن لديها إستراتيجية واضحة حول كيفية التعاطي مع الدولة العميقة، ولم يكن هناك تقدير كاف لمدى عمق أذرع هذه الدولة وتغلغلها في قلب المجتمع ذاته. فمنذ وصوله إلى السلطة، حاول الرئيس محمد مرسي إعادة ترتيب مؤسسات الدولة بحيث يضمن السيطرة عليها كما هي الحال في القضاء والشرطة والإعلام... إلخ. كذلك، حاولت جماعة الإخوان في البداية احتواء هذه الدولة ومحاولة ترويضها؛ فقامت على سبيل المثال بالتصالح مع عدد من رجال الأعمال الذي ظهروا في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك مثل رجل الأعمال الهارب حسين سالم، ووزير التجارة والصناعة الأسبق رشيد محمد رشيد. في المقابل، قام القضاء بدور مهم في الإفراج عن معظم رموز الدولة العميقة ومهندسيها مثل صفوت الشريف وزكريا عزمي وفتحي سرور وغيرهم. ولكن مع فشل إستراتيجية الاحتواء، لجأ الرئيس مرسي والإخوان إلى المواجهة مع مؤسسات الدولة العميقة، ولكنهم اختاروا أكثر هذه المؤسسات حساسية لدى الرأي العام المصري وهي مؤسسة القضاء. فعلى الرغم من إدراك كثيرين لحالة الفساد التي تشوب بعض القضاة المصريين، فإنّ محاولة الإخوان تطهير القضاء من هؤلاء الفاسدين تم تصويرها باعتبارها تعدي على السلطة القضائية ومؤسساتها. وهو ما وضع مرسي وجهًا لوجه في مواجهة واحدة من أهم السلطات في مصر وهي السلطة القضائية. فقد سعى مجلس الشورى إلى إصدار قانون السلطة القضائية من دون التفاوض أو التحاور مع القضاة، وهو ما أثار كثيرين ضد الإخوان. وقد كان ذلك بمنزلة خطأ فادح للإخوان والرئيس مرسي الذي تحول منذئذ إلى طرف معاد للقضاة وكثير من مؤيديهم. وقد كشف انقلاب 3 يوليو عن الوجه القبيح لهذه الدولة العميقة؛ فتظاهرات 30 يونيو كانت بمنزلة التقاء أطراف هذه الدولة وتجميعها معًا من أجل الإجهاز على مرسي والإخوان. وقد نجحت هذه الدولة في استغلال حالة الاحتقان والتوتر الاقتصادي والمجتمعي من أجل تحقيق هدفها. فقد كشف الكثير من التقارير التي جرى نشرها في الأسابيع الماضية عن تورط عدد كبير من مؤسسات الدولة العميقة ورجال أعمالها في تمويل الشارع وتحريكه ضد مرسي سواءً من خلال دعم حركة "تمرد" أو من خلال الحملة الإعلامية التحريضية والتشويهية ضد الرئيس مرسي وجماعة الإخوان. فبعد أسبوع واحد فقط من وقوع الانقلاب، اعترف رجل الأعمال المعروف، نجيب ساويرس، في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز، صراحة بتمويله لحركة "تمرد" وتسخيره مكاتب حزب "المصريين الأحرار" للعمل لمصلحة الحركة. في حين نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريرًا طويلً حول العلاقة التي نشأت بين قيادات حركة "تمرد" وبعض القيادات العسكرية والاستخباراتية طوال الشهور الأربعة التي سبقت تظاهرات 30 يونيو.
مستقبل الإخوان والخيارات المفتوحة
لا يمكن الجدال بأنّ جماعة الإخوان المسلمين تمر بأصعب اختبار لها منذ خمسينيات القرن الماضي؛ وذلك حين تم حظر الجماعة واعتقال الآلاف من قادتها وأعضائها عام 9541 مما أدى إلى إقصائهم تمامًا من المشهد السياسي لمدة عقدين وهي الفترة التي تعرف في أدبيات الجماعة بفترة "المحنة"، والتي دامت حتى أوائل السبعينيات. بيد أنّ المحنة تبدو هذه المرة أشد وطأة وصعوبة ليس فقط لخروج الإخوان من السلطة بعد عام واحد من وصولهم إليها، وهي التي انتظرتها عقودًا، وإنما أيضًا لحالة العداء المتزايد التي تواجهها الجماعة من مؤسسات الدولة وبعض قطاعات المجتمع فضلً عن الخطاب الإعلامي التحريضي ضد قيادات الجماعة وأعضائها والذي لم يحدث منذ منتصف القرن الماضي.
وعلى الرغم مما سبق، يصبح القول بأنّ الجماعة في طريقها للاختفاء أو الاندثار أبعد ما يكون عن الواقع. فجماعة الإخوان ليست مجرد حزب سياسي وإنما هي بالأساس حركة اجتماعية دينية ذات جذور ولها شبكة تنظيمية واسعة يصعب تفكيكها من خلال القمع الأمني. بل على العكس من ذلك، فإنه خلال فترات القمع والإقصاء الشديدة تميل الجماعة إلى الداخل - شأنها في ذلك شأن أي حركة أيديولوجية - من أجل تحقيق التماسك والبقاء. وهو ما يعني أنه كلما ازداد القمع الخارجي، ازداد تماسك الجماعة وتضامن أعضائها خلف القيادة. لذا، فإنّ أحد النتائج غير المباشرة التي ترتبت على انقلاب 3 يوليو هو زيادة التماسك الداخلي في التنظيم على الأقل حتى الآن. ولعل الخطر الأكبر الذي تخشى منه الجماعة الآن هو حدوث انقسام أو تصدع داخلي قد يؤدي إلى انفراط التنظيم وضعف قدرة القيادات في السيطرة عليه. من جهة أخرى، فإنّ الجماعة تبدو واقعة تحت ضغط الجمهور الإسلامي الذي يطالبها بالتماسك والصمود في مواجهة الدولة العميقة ليس حفاظًا على المكاسب التي تحققت من خلال ثورة 25 يناير والتي ساهمت في دمج الإسلاميين فحسب، وإنما أيضًا من أجل ضمان عدم عودة الدولة البوليسية مرة أخرى. لذا، فإنّ الحديث عن مستقبل الجماعة متوقف على أمرين: أولهما، مدى استعداد العسكر والدولة لدمج الإخوان بشكل حقيقي والتعاطي معهم بواقعية وليس من خلال الأداة الأمنية. وثانيهما، قدرة الجماعة على التعاطي بواقعية مع مرحلة ما بعد الانقلاب. في ما يتعلق بالأمر الأول، فإنّ ثمة اتجاهين داخل الدولة المصرية بشأن كيفية التعاطي مع الإخوان في مرحلة ما بعد مرسي: الأول، يرى ضرورة إقصاء - وربما استئصال – الجماعة، وهو تيار يستأنس بحالة الكراهية والخطاب الفاشي المنتشر في الأوساط العلمانية واللبرالية والتي ترى أنّ هذا أفضل وقت لاستئصال الإخوان من الحياة السياسية. أما الاتجاه الثاني، فهو اتجاه الدمج المشروط؛ وهو الذي يرى عدم واقعية إقصاء الإخوان من المشهد السياسي، ولكنه يرى أنّ الدمج يجب أن يجري بشرطين: أولهما، تفكيك جماعة الإخوان أو تحويلها لجمعية أهلية ليس لها علاقة بالسياسة. وثانيهما، أن يتخلى حزب الحرية والعدالة عن مرجعيته الدينية، وأن يقبل قواعد اللعبة السياسية حسبما يضعها العسكر ومن يدعمهم. ولسوء الحظ، فإنّ التيار المهيمن الآن هو التيار الإقصائي الاستئصالي؛ وهو تيار قريب من المؤسسة العسكرية والاستخباراتية في مصر ويدفع بقوة في طريق المواجهة الأمنية. ولعل هذا ما يفسر رفض العسكر لكل المبادرات السياسية التي تدعو للتهدئة وإيجاد مخرج سياسي من الأزمة. أما في ما يتعلق بقدرة الإخوان على التعاطي بواقعية مع مرحلة ما بعد الانقلاب، فإنّ ذلك يعني أولًاعتراف الجماعة بأخطائها الإستراتيجية والتي ارتكبت بعضها إما بسبب ضعف الخبرة أو بسبب سوء الحسابات. ولعل أحد الأسباب التي تدفع قيادة الجماعة للتركيز على استخدام آلية التعبئة والحشد الآن هو التخوف من المساءلة الداخلية والهروب من تحمل المسؤولية عما حدث من أخطاء طوال المرحلة الماضية. ثانيًا، أن تعيد الجماعة النظر في خطابها الأيديولوجي والسياسي، فقد تمثلت إحدى مشاكل جماعة الإخوان طوال العام الماضي في نزوع خطابها نحو المحافظة الدينية والثقافية وذلك من أجل إرضاء قاعدتها الاجتماعية والدينية وكذلك الحصول على تأييد التيارات السلفية ودعمها. وقد ثبت أنّ انزياح الجماعة باتجاه اليمين قد كلَّفها الكثير فيما يتعلَّق بصورتها وشعبيتها في أوساط الطبقة الوسطى، وزيادتها في الطبقة الدنيا. لذا فإنّ مستقبل الجماعة سيظل مرتهنًا بقدرتها على استعادة موقعها وتحركها باتجاه الوسط الديني والأيديولوجي. كذلك، سيتوقف مستقبل الجماعة على ظهور قيادات أو تيار إصلاحي حقيقي من رحم الأزمة الراهنة بحيث يساهم في تراجع الدور المهيمن للتيار المحافظ على عملية صنع القرار. ويمكن القول بأنّ منهج الدولة تجاه الإخوان المسلمين سواءً كان استئصاليًا صداميًا أم احتوائيًا تعاونيًا، سوف يحدد إلى درجة بعيدة مستقبل الجماعة. وهنا يمكننا أن نتحدث عن سيناريوهين: أولهما سيناريو المواجهة والتصعيد؛ وهو ما يبقي استمرار هيمنة التيار المحافظ على التنظيم على حساب أي أصوات إصلاحية. وهنا سوف يظل الإخوان ضمن الحالة "الأربكانية" التي تعتمد على الأيديولوجيا والتعبئة والحشد الجماهيري. أما السيناريو الثاني فهو الدمج الحقيقي للإخوان بحيث يمكن الدفع بوجوه وشخصيات أقل محافظة وأكثر براغماتية وإصلاحًا. وهنا يمكن أن تسير الجماعة باتجاه الحالة "الأردوغانية." وهو أمر يبدو من المستبعد أن يحدث في الأفق المنظور. يبدو مستقبل جماعة الإخوان المسلمين مفتوحًا على كل الاحتمالات، وجميعها تشي بأنّ وضع الجماعة ومصيرها بعد انقلاب 3 يوليو ربما لن يعود كما كان قبله.