المؤسّ سات الأمنية والحراك الثوري في مصر

مروة فكري

الملخّص

تناقش هذه الورقة العلاقات بين المؤسسات العسكرية والأمنية في مصر وقوى الحراك الثوريّ منذ ثورة 25 يناير. وتقيّم هذه العلاقات عبر ثلاث مراحل رئيسة مرّت بها مصر: المرحلة الانتقالية الأولى، وهي التي أدارها المجلس العسكري بصورة مباشرة؛ فمرحلة رئاسة محمد مرسي؛ ثم مرحلة الحراك الثوري بعد عزل مرسي. واعتمدت هذه الورقة على آلية رصد المحطات الأساسية في هذه العلاقات، والتي اعتمدت على قراءةٍ تفصيليّة للأحداث الكبرى التي جرت في مصر في كل مرحلة من المراحل الثلاث، وتحليل أثر كل حدثٍ من هذه الأحداث في صوغ هذه العلاقة. وقد قدمت الورقة توصيف ا لطبيعة هذه العلاقة في كل مرحلة من المراحل وأثرها في العملية السياسية في مصر بصفة عامّة.

لم يكن اختيار يوم الخامس والعشرين من يناير لتدشين الحركة الاحتجاجية ضدّ نظام حسني مبارك عشوائيًّا، وإنما كان مقصودًا لكونه موافقًا لعيد الشرطة. فقد كانت النظرة السائدة إلى الشرطة أنها الظهير الأساسي للنظام الذي استند إليه لقمع معارضيه وتكميم الأفواه. وهذا ما جعلها محور اهتمام العديد من الناشطين، وخصوصًا المدوِّنين قبل الثورة. ولم يكن شعار "الشرطة والشعب في خدمة الوطن" في تلك المرحلة (استبدلت به وزارة الداخلية المصرية الشعار التقليدي "الشرطة في خدمة الشعب)" إلا تأكيدًا لفكرة ولائها للنظام وحده، فالنظام والوطن كانا، على ما يبدو، مترادفين عند جهاز الشرطة. وهكذا، كان شعار الكرامة الإنسانية إشارةً واضحةً إلى رفْض ممارسات الدولة البوليسية. وظلَّت المؤسّسة العسكرية على قدر كبير من الاستقلالية في ما يشبه وضْ ع دولة داخل الدولة. وكان وجود الجيش في الحياة السياسية ممثلً، أساسًا، بشخص رئيس الجمهورية الذي تولَّته شخصية ذات خلفية عسكرية منذ انقلاب يوليو 952.1 كما شغل العديد من ألوية الجيش السابقين مناصب داخل الدولة، محافظين أو في دواوين الوزارات. وعلى المستوى الشعبي حظيَ الجيش بمكانة كبيرة ظهرت في الترحيب العارم للمواطنين به عند نزوله بأوامر من مبارك نفسه، أثناء ثورة 25 يناير، ثقةً منهم بأنّه لن يستهدف المتظاهرين السلميين. وتستعرض هذه الورقة علاقة هاتين المؤسّستين الأمنيتين بالحراك الثوري، منذ 25 يناير 2011، إلى ما بعد 30 يونيو 2013. وترصد الورقة أربع مراحل أساسية لهذه العلاقة: الأولى هي مرحلة الصّدام مع الشرطة والاحتفاء بالجيش، وهي تمتدّ من 25 يناير، إلى 11 شباط/ فبراير 2011، والثانية هي مرحلة الصِّدام مع كلّ من الشرطة والجيش، وقد امتدَّت من 11 شباط/ فبراير 2011، إلى 30 حزيران/ يونيو 2012، وأمّا الثالثة فهي مرحلة إعادة صوْغ العلاقة، وهي تمتدّ من 30 حزيران/ يونيو 2012 إلى 30 حزيران/ يونيو 2013، وأخيرًا مرحلة التعاون (أو التحالف) مع الشرطة والجيش، وهي فترة ما بعد 30 حزيران/ يونيو 2013 .

مرحلة التصادم مع الشرطة والاحتفاء بالجيش: من 25 كانون الثاني/يناير إلى 11 شباط/ فبرير 2011

شهدت العلاقة بين الشرطة والحراك الثوري، في هذه المرحلة، نمطًا صداميًّا، في حين تميَّزت العلاقة بالجيش بقدر كبير من الحميمية التي تبلورت في شعار "الجيش والشعب إيد واحدة." وكانت هناك عدّة محطات أساسية شكّلت هذه العلاقة، وسيجري التركيز في هذا السياق على الأيام 25، و 28 و 30 كانون الثّاني/ يناير، و 2 شباط/ فبراير (موقعة الجمل.) لقد تعاملت الشرطة بعنف، كما كان متوقعًا، لمنع تظاهرات 25 يناير من الوصول إلى ميدان التحرير بالقاهرة، وجرى فضّ الاعتصام القصير في اليوم التالي. وكانت المواجهات في محافظات أخرى أكثر دمويةً، وبخاصةٍ في السويس التي استشهد فيها ثلاثة مواطنين. وتعدُّ الفترة الممتدَّة من يوم 28 (جمعة الغضب) إلى 30 كانون الثّاني/ يناير، فترةً مفصليةً في تحديد مسار هذه العلاقة في الفترات التالية، نظرًا إلى استخدام الشرطة العنف المفرط، وإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين، ودهْسهم بمدرّعات الأمن المركزي. في المقابل، تزايدت أعمال العنف؛ مثل حرْق أقسام الشرطة ومقارّ الحزب الوطني الحاكم آنذاك. وكان من أسوأ الأحداث الواقعة في تلك الفترة، ما يتعلَّق بفتح السجون وهروب المساجين، وانتشار البلطجية، وتعدُّد حالات السلب والنهب. وقد جرى كلّ ذلك في ظلّ غياب أمني تامّ، مما ترتَّب عليه فرْض حظْر التجول، ونزول القوَّات المسلحة لحماية المنشآت العامة والحيوية بالأساس. وتجدر الإشارة إلى اقتران هذه الفترة باقتناع قطاع كبير من المصريين- وبخاصة الثوار- بأنّ حالة الانفلات الأمني مدبَّرة من الداخلية، إمّا محاولةً أخيرةً لبثّ الرعب في النفوس لإجهاض الثورة، وإمّا أنها عقاب للجماهير بسبب تمرّدها. وبصرف النظر عن صحة ادعاء تورُّط الداخلية من عدمه، فإنّ الصورة التي ظلَّت ثابتة في الأذهان هي أنّ الشرطة تخلَّت عن الناس وتركتهم فريسةً لأعمال البلطجة،

على الرّغم من أنّ ذلك الاختفاء كان، في حدّ ذاته، إشارةً واضحة إلى تهاوي النظام، وقوَّة المدّ الثوري. وعلى النقيض من ذلك، رحَّبت الجماهير بنزول قوَّات الجيش، وقد كانت النظرة إليها آنذاك – على أقلّ تقدير – مؤسّسة محايدة. وكانت أكثر الحوادث دمويةً في تلك الفترة حادثة ليلة 2 شباط/ فبراير، في ما عُرف ب"موقعة الجمل" التي كانت نقطة تحوُّل مهمّة في مسار الثورة. فقد هاجم الآلاف من مؤيِّدي مبارك اعتصام التحرير مُمتطين الجمِال والأحصنة. واشتبك الطرفان عدّة ساعات استطاع في نهايتها المعتصمون أن يظلّوا بالميدان. وتطوَّر الأمر ليلً إلى إلقاء مجهولين - كانوا قد اعتلوا سطوح المباني المحيطة بالميدان - القنابلَ الحارقة على المتظاهرين، واستهدفوهم بالرصاص الحيّ. وكان لوجود القنَّاصة أثره في اتِّهام المتظاهرين الشرطةَ بوقوفها وراء الأحداث، وخصوصًا بعد عرْض هويَّاتِ شرطةٍ سقطت من الذين اقتحموا الميدان. وهكذا بدأ يظهر طرَف جديد في أحداث العنف في مصر: البلطجية. كما أُثيرت تساؤلات عن حقيقة دور الجيش في الأحداث، لأنه كان في ميدان التحرير، وعلى الرغم من ذلك فقد سمح للمؤيِّدين بدخول الميدان، إضافةً إلى أنه لم يتدخّل للدفاع عن المتظاهرين. إلا أنّ تلك التساؤلات لم تلقَ تصديقًا واسعًا بين عامّة المصريين. وعقب تنحِّي مبارك في 11 شباط/ فبراير 2011، بدأت مرحلة انتقالية تحت قيادة المجلس العسكري. وهي مرحلة ستشهد استمرارية في نمط العلاقة بالشرطة، وتغيُّ ا في النمط السابق لعلاقة الجيش بالحراك الثوري.

مرحلة التصادم مع الجيش والشرطة:

من 11 شباط/ فبراير 2011، إلى 30 حزيران/ يونيو 2012

حملت خريطة الطريق التي أعلن عنها المجلس العسكري بذور الصِّدام مع الحركات الشبابية الثورية التي كانت مصرَّةً على وجود مشاركة مدنية في إدارة المرحلة الانتقالية، ومحاكمة رموز النظام السابق وقتَلة الشهداء، وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين، وتطهير أجهزة الدولة وبخاصةٍ الداخلية. وكانت إحدى السِمّات المميزة لهذه المرحلة، هي، بروز دور فاعل جديد في المعادلة الأمنية، ومحدّد أساسي في علاقة الحراك الثوري بالمؤسّستين الأمنيتين، عُرف ب"الطرف الثالث." وقد ظلّ الحديث عن "الطرف الثالث"، طوال فترة حُكم المجلس العسكري، دالًّ على فلول النظام السابق، إضافةً إلى بعض الأطراف الخارجية في إطار من نظرية المؤامرة. ولكن الحقيقة أنّ هذا "الطرف الثالث" لم يجْرِ تحديده أو محاسبته قطُّ. إلا أنّ هذا لا يعني أنّ الشرطة كانت خارج المشهد، فالاشتباك الأكثر دمويةً كان - بحسب ما روَّجه الثوار - إمّا بين قوَّات الشرطة والثوار، وإمّا بتدبير الداخلية وتواطُئِها. وظلَّت المطالب المتعلِّقة بمحاكمة ضباط الشرطة ممَّن قتلوا الشهداء، وتطهير جهاز الشرطة من رموز الفساد، العاملَ الرئيس المحدّد لعلاقة الحراك الثوري بالشرطة. وعلى الرّغم من ح رْص الشرطة على إعادة شعار "الشرطة في خدمة الشعب"، فإنّ الشكوك كانت متعلقةً بحقيقة القطيعة عن الممارسات السابقة. وتأكدت هذه الشكوك مع تكرار حوادث بعينها تخلَّلت هذه المرحلة، وكشفت بوضوح عن استمرار العقيدة الشرطية على ما كانت عليه في ظِلّ نظام مبارك. وظَلّ الوجود الشرطي في الشوارع رمزيًّا، وهذا الأمر الذي قد يُفسَّ بالضربة الموجعة التي أضعفت الجهاز الشرطة في 25 يناير، أو بامتناع الضباط الذين وجدوا الثورة تسلبهم ما تمتعوا به من مكانة وهيبة، عن أداء واجبهم، إضافةً إلى كراهية الشارع لهم. وسرعان ما ظهرت بوادر الشقاق بين الجيش والقوى الشبابية، وذلك تحديدًا عقب تظاهرات 25 شباط/ فبراير التي عُرفت ب "جمعة التطهير". فقد قرّر بعض المتظاهرين الاعتصام في الميدان، ولكنّ الشرطة العسكرية استخدمت القوَّة لتفريقهم. ويبدو أنّ قيادات الجيش أدركت وقْع الحادثة على الرأي العامّ عمومًا، وعلى الثوار على وجه الخصوص، فسارعت إلى إصدار رسالة اعتذار لشباب

الثورة موضِّ حةً عدم تعمُّد الاحتكاكات، ومؤكِّدةًاتخاذ الاحتياطات لمنع تكرار ذلك في المستقبل. واحتوى البيان على الجملة الشهيرة "رصيدنا لديكم يسمح" التي أصبحت في ما بعد مفتاحًا لفهم تطوُّر العلاقة بين قوى الدفع الثوري والمؤسّسة العسكرية، فتكرار الحوادث أدّى إلى نفاد الرصيد. وسنلقي الضوء في ما يلي على أحداث بعينها تخلَّلت هذه الفترة، وأدَّت إلى جنوح العلاقة بين المجلس العسكري وقوى الحراك الثوري إلى الصِّدام، على غرار الصِّدام بينها وبين الشرطة. جاء ثاني استخدام للقوَّة لإخلاء الميدان في 9 آذار/ مارس 2011، على إثر اشتباك بين "البلطجية" والمعتصمين، بسبب الاختلاف في إخلاء الميدان. ودفع الاشتباك الجيش إلى التدخل، وجرى القبض على عدد من الناشطين، ادّعى بعضهم أنه قد جرى الاعتداء عليهم وضرْبهم داخل المتحف المصري. بيد أنّ ما فجَّر الخصومة، حقيقةً، هو احتجاز سبع عشرة ناشطةً وإجراء كشوف العذرية لهن. وكلها أمور زادت من شكوك الناشطين في نيَّات الجيش في ما يتعلق بالمرحلة الانتقالية. كان التباطؤ في تنفيذ مطالب الثوار - وعلى رأسها محاكمة مبارك، تطهير الفساد، واستبعاد رموز النظام السابق - سببًا في عودة الدعوة إلى التظاهرات المليونية بعد شهر من التهدئة. وأفرز هذا التباطؤ إحساسًا بالتواطؤ لدى الكثير من الناشطين الذين بدؤوا يتحدَّثون عن ضرورة التفرقة بين الجيش الذي حمى الثورة، والمجلس العسكري

الذي يحمي مبارك ورموز نظامه. ومن هنا كانت مليونية 8 نيسان/ أبريل "(جمعة المحاكمة والتطهير)" بمشاركة القوى السياسية المختلفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين للمطالبة بسرعة محاكمة مبارك ورموز نظامه. وأعلن عددٌ من شباب الثورة عن بدْء اعتصامهم حتى تجريَ الاستجابة لمطالبهم. وظهر في ذلك اليوم على المنصة أفراد بزيّ القوَّات المسلحة مندِّدين بسياسة المجلس العسكري، ومُعلنين عن انضمامهم إلى المعتصمين، في ما عرف ب"ضباط 8 أبريل". ويبدو أنّ وجود الضباط ضمن المعتصمين أثار حفيظة الجيش، لخروجهم على التقاليد العسكرية وتشجيعهم على الانشقاق. ولذلك استخدمت الشرطة العسكرية – وفقًا لروايات الشهود – الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع في مهاجمة الاعتصام بغرضٍ أساسي هو القبض على أولئك الضباط. وجاء في بيان المجلس العسكري بشأن تلك الواقعة أنّ المعتصمين ارتكبوا أعمال شغَب وأشاعوا الخوف، كما وَجَّه الاتهام إلى بعض المندسِيّن وفلول النظام السابق الذين يهدفون إلى إشاعة الفوضى وإثارة الفتنة بين الجيش والشعب. وحمّلت القوى المدنية والثورية المجلس مسؤولية الأحداث وأصبح الحديث عن ضرورة المشاركة المدنية في المرحلة الانتقالية أكثر بروزًا. ازدادت حدَّة التصعيد بين المجلس العسكري وثوار التحرير بإعلان بعض المعتصمين في التحرير نيَّة الزحف إلى مقرّ وزارة الدفاع بالعباسية في ذكرى ثورة 23 يوليو، للمطالبة بمحاكمة رموز النظام السابق وقتَلة الثوار محاكمةً جادَّةً، وبتسليم السلطة للمدنيين. وانتقدت العديد من القوى السياسية – الإسلامية بشكل خاص -هذه الخطوة. وشهدت أحداث العباسية الأولى بداية شحن المواطنين ضدّ الفئات الثورية، ضدّ حركة 6 أبريل تحديدًا، وبخاصةٍ في ظلّ استهجان أغلبيّة الرأي العامّ تصرفات "الثوار"، لإصرارهم على الصِّدام بالجيش. فقد استبق المجلس العسكري موعد المسيرات وأصدر بيانًا يتَّهم فيه حركة 6 أبريل بالسعي للوقيعة بين الجيش والشعب تحقيقًا لمصالح خاصة بها. وساهمت قنوات التليفزيون المصري في عملية الشحن تلك، الأمر الذي نتج عنه حالة احتقان وعُنف ضدّ المتظاهرين. وبات واضحًا أنّ هناك قطاعًا عريضًا من المواطنين يتبنَّى رؤية المجلس في تخوين حركة 6 أبريل والقوى الثورية المختلفة. ولذلك، تعرَّضت المسيرات عند وصولها إلى العباسية للهجوم من فوق سطوح المنازل بالحجارة والمولوتوف، ثمّ اعتدَت عناصر مجهولة على المسيرة بأسلحة بيضاء. وأصبح المتظاهرون محصورين بين قوَّات الجيش من جانب، والأهالي والبلطجية من جانب آخر. وأسفرت الأحداث عن شهيد ومئات المصابين. ويلُاحظ، في هذه المرحلة الأولى من حُكم المجلس العسكري أنّ علاقته بالتيارات الإسلامية، بوجهٍ عامّ، كانت جيدة، فقد ارتأت هذه التيارات أنّ الإجراءات التي جرى اتخاذها حتى ذلك الوقت، وإن لم تكن مرضيةً تمامًا، فإنها كانت كافيةً لإعطاء فرصة ما، على أن يظلّ الاحتفاظ بالحقّ في العودة إلى التظاهر قائمًا. وقد ظهر هذا الموقف جليًّا في "مليونية تصحيح المسار"، في 9 سبتمبر 2011 التي دعت إليها القوى السياسية (غير الإسلامية) والحركات الشبابية الثورية للمطالبة بمشاركة مدنية في المرحلة الانتقالية، من أجل تخليص أجهزة الإعلام والشرطة من الفساد. وممّ لفت النظر ما جرى ترديده من هُتافٍ في هذه التظاهرات مثل: "الشعب يريد إسقاط المشير" و"يسقط يسقط حُكم العسكر"، في تعبير واضح عن مدى توتُّر

العلاقة بين الطرفين. إلا أنّ فعاليات جُمعة "تصحيح المسار" انحرفت عن مسارها، إذ توجَّهت مجموعات من الشباب للتجمهر أمام مبنى السفارة الإسرائيلية، وانتهي الأمر باقتحامها وبعثرة محتوياتها. وعدَّ ثوار كثيرون أنّ الأحداث كانت من تدبير الأجهزة الأمنية للإساءة إلى المتظاهرين، وإلهاء الرأي العامّ الداخلي والدولي عن مطالب تظاهرات الجمعة. وبعد شهر من جمعة تصحيح المسار، صُدم المصريون بأحداث الأحد الدامي المعروفة ب"مذبحة ماسبيرو" في 9 تشرين الأوّل/ أكتوبر. وكانت هذه الواقعة من أكثر أحداث العنف التي أثارت لغطًا في الشارع المصري. فقد اندلع أكثر من اشتباك بين المحتجِيّن (من الأقباط وبعض المسلمين) وقوَّات الجيش أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو)، ضمن فعاليات يوم الغضب القبطي. وعند اقتراب المسيرة من ماسبيرو جرى إطلاق الأعيرة النارية في الهواء لتفريقها. وفي الوقت نفسه، دعت إحدى المذيعات المصريين - على شاشة التليفزيون الرسمي - إلى النزول ومساندة جيشهم، زاعمةً أنّ الأقباط يطلقون النار على الجيش. فحدثت حالة من الفوضى في المكان، تعاملت فيها قوَّات الجيش بارتباك من جانب، وعُنف من جانب آخر، وقد اتَّضح ذلك في وقائع الدهْس وإطلاقِ النار التي أسفرت عن قتْل 25 مواطنًا، وعن مئات الإصابات. وعادت الشرطة لتتصدَّر المشهد الصدامي مع الحركات الثورية في 91 تشرين الثّاني/ نوفمبر- قبل أقلّ من أسبوعين من بداية الانتخابات البرلمانية – بمحاولتها فضّ اعتصام بعض مصابي الثورة في ميدان التحرير بالقوَّة. فاستفزَّ ذلك الشبابَ، وتوجَّهوا إلى الميدان وفي مقدّمتهم مجموعات الألتراس الكروية المعروفة بعدائها للداخلية. تحوّل الأمر إلى ما يشبه حرب شوارع بين الشباب وقوَّات الشرطة في الطرق المؤدية إلى وزارة الداخلية، وبخاصة شارع محمد محمود. وبين الحديث عن ظهور "الطرف الثالث" في الأحداث للوقيعة بين الشرطة والشباب، وذلك بتعمد الشرطة استخدام القوَّة المفرطة والمميتة أيضًا، تظلّ الحقيقة الثابتة أنّ نحو 48 شابًّا لقوا حتفهم في تلك الأحداث، وأنّ مئات آخرين أصيبوا، تحديدًا، في أعينهم. إلا أنّ الأمور لم تتَّجه إلى التهدئة، ففي 61 ديسمبر، اندلع أكثر من اشتباك، وحدثت عمليات كرّ وفرّ بين قوَّات عسكرية ومعتصمين أمام مجلس الوزراء. وأوضحت الصور أنّ أشخاصًا – بأزياء مدنية - شاركوا قوَّاتِ الجيش، واعتلوا سطوح مبنى مجلس الوزراء والمباني الحكومية المجاورة، وأنّ الاشتباك استمرّ عدّة أيام تخلَّلها اقتحام قوَّات الجيش ميدان التحرير، ثمّ تراجعها عن ذلك. كما كان لمشاهد معيَّنة أثرُها في إثارة الجدل داخليًّا وخارجيًّا، وعلى رأسها مشهد سحْل إحدى الفتيات وتعريتها (ستّ البنات)، فكان ذلك المشهد أسوأ مشهد في تاريخ العسكر منذ بداية الثورة، وأصبح رمزًا لوحشية الجيش. كان الرابط المشترك بين كلّ الأحداث السابقة أنها، بالأساس، عُنف من الدولة، تجاه قطاع معيَّ من المواطنين الذين يبادلون هذا العنف بعنف مضادّ، إضافةً إلى تدخُّل "طرف ثالث" مجهول في الأحداث يزيدها اشتعالً. وكانت أحداث العباسية تطورًا جديدًا؛ إذ جرت ممارسة العنف على عدة مستويات: عُنف قطاع من المواطنين تجاه مواطنين آخرين، وعُنف الدولة المتمثل بقوَّات الجيش، وعنف قطاع مسلَّح مجهولة عناصره، ظهر ليفرض نفسه بقوّة بعد الثورة في ما يمكن أن نطلق عليه القطاع المسلَّح غير الرسمي؛ أو ما يطلق عليه "البلطجية." ولهذا لم تكن أحداث أستاد بورسعيد، في 1 شباط/ فبراير

2012، صادمةً من حيث عدد الضحايا الذين سقطوا فيها فحسب (نحو 72 قتيلً، ونحو ألف مصاب)، بل بسبب الاعتقاد أنّ الفاعل المباشر الظاهر فيها، لم يكن السلطة. ما حدث هو أنه بعد انتهاء مباراة كرة القدم بين فريقي الأهلي والمصري، اقتحم الملعب عدد كبير من الجماهير، حاملين عصيًّا وأسلحةً بيضاء، واعتدوا على مشجِّعي النادي الأهلي (ألتراس أهلاوي.) ولم تقم قوَّات الأمن بأي محاولة لفضّ الاشتباك بين الجماهير. وهذا الأمر هو الذي جعل الألتراس على يقين بأنّ الجريمة من تدبير سلطات أمنية عليا، انتقامًا منهم بسبب دورهم في الثورة، وتصدِّيهم للداخلية في أحداث محمد محمود أيضًا. وعدَّ الثوار أنّ المجلس العسكري - بصفته الحاكم الفعلي للبلاد – هو المسؤول الأوّل عن المذبحة. وقد كان لهذه الحادثة أثرها في اندلاع العديد من التظاهرات في أرجاء الجمهورية، تنديدًا بما حدث ومطالبةً بمعاقبة المتورطين. كما امتدّت آثارها إلى المراحل اللاحقة بحيث أصبح القصاص لمشجعي الأهلي هو القضية الحاكمة بالنسبة إلى جماعات الألتراس. ثم جاءت أحداث العباسية الثانيةفي 2 أيار/ مايو 2012، لتلقيَ الضوء من جديد على التقاعس الأمني الذي يصل أحيانًا، إلى حدّ، التواطؤ؛ فقد اعتدى مسلَّحون مجهولون على المعتصمين في ميدان العباسية. وفي الوقت الذي استمرّ فيه الاشتباك يومين اثنين، وامتدّ فيه الاعتداء حتى إلى المصابين في المستشفيات، غابت الشرطة تمامًا عن المشهد، ولم تقُم بأيّ دور في تأمين الاعتصام أو التدخُّل لفضّ الاشتباك العنيف. ولم يقتصر التقاعس على قوَّات الشرطة فحسب، بل امتدّ، كذلك، إلى قوَّات الجيش التي كانت كثيرة العدد بالقرب من الأحداث، وعلى الرّغم من ذلك لم تُحرّك ساكنًا. وفي 4 أيار/ مايو، تدخَّلت أخيرًا لفضّ الاعتصام بالقوَّة، وذلك بعد مقتْل 11 مواطنًا. وهكذا أدَّت المرحلة التي تولَّ فيها المجلس العسكري الحكم إلى "استنزاف رصيده" لدى فئات الشباب الثوري، وإن اختلف توجّه كثير من المصريين في ذلك. أمّا على صعيد العلاقة بالشرطة فقد استمرّت النظرة السلبية إليها، وإلى وزارة الداخلية بوجه عامّ، وتضاعف العداء بينها وبين الفئات الثورية. وكانت الأسباب الرئيسة لذلك إحساس الشباب أنه لا توجد رغبة حقيقية في تطهير مؤسّسات الدولة مثل الداخلية، والتقاعس في محاكمة الذين يصيبون الشباب ويقتلونهم، في الوقت الذي تجري فيه محاكمات عسكرية سريعة للناشطين السياسيين، وإدراكهم أنه ليس ثمَّة أيّ جهد يُبذل في مواجهة الانفلات الأمني منذ الثورة. وأخيرًا، فقد كثر الحديث عن المؤامرات التي تُحاك لمصر، وعن وجود "طرف ثالث" في الأحداث، إلا أنّ أبعاد المؤامرة وهوية "الطرف الثالث" لم تُعرض قطُّ على الرأي العامّ. وإنّ حصيلة هذه المرحلة والصدامات ودور "الطرف الثالث" وتوجّه الحكم في المرحلة أعطت انطباعًا مفاده أنّ نظام مبارك لا يزال حيًّا، ربما لن يموت أبدا.

مرحلة إعادة صوْغ العلاقة بالشرطة والجيش: 30 حزيران/ يونيو 2012 إلى 30 حزيران/ يونيو 2013

خلال فترة حُكم الرئيس محمد مرسي، انحسر دور الجيش في الشارع، ومن ثمَّ ة تراجعت مظاهر الصِّدام المادي بالقوى الثورية.

واستمرّت الداخلية في مَهبّ لَعنات المتظاهرين، من كلّ الأطراف المتناحرة سياسيًّا في بعض الأحيان، على الرّغم من أنها لم تُعدّ العدو الرئيس بالنسبة إلى أكثرها. واستمرّت حالة الانفلات الأمني وسط تساؤلات متعلقة بدور الشرطة، وبعدم عملها بكامل طاقتها. ويمكن الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات المتعلقة بأداء المؤسسة العسكرية والأمنية، من ناحية، وطبيعة الحراك في الشارع، من ناحية أخرى. أولً، إنّ المؤسّسات الأمنية التزمت موقفًا رخوًا تُجاه الحوادث التي كانت تمسُّ رموز النظام الجديد، بل رأس الدولة مباشرةً. فلم يكد ينقضي شهران من تولِّ مرسي المسؤولية حتى وقعت أحداث رفح التي أسفرت عن 61 شهيدًا من الجنود. وعلى الرّغم من أنّ الرئيس قد تمكَّن من استغلال تلك الأحداث لمصلحته وإطاحة قيادة المجلس العسكري، فإنّ بعض المشاهد التي صاحبت الحدث أثارت بعض علامات الاستفهام المتعلقة بموقف المؤسّسات الأمنية من النظام الجديد. فقد تخلَّف محمد مرسي عن جنازة الشهداء، وتناثرت الأقاويل المتعلقة بمؤامرة كانت مَحوكة لإهانته أثناء حضورها. وما يزيد هذا الافتراض احتمالً، ما حدث لرئيس الوزراء – هشام قنديل – عند حضور الجنازة، فقد جرت محاولة للاعتداء عليه داخل المسجد، حتى أنه اضطرّ إلى المغادرة حافيَ القدمين. ثانيًا، في إطار العلاقة ما بين الشرطة والحراك الثوري: اتّصفت هذه المرحلة بأنّ الشرطة لم تكن دائمًا العدوّ الأساسي للحراك الثوري الذي بلْور عدوًّا "آخر" هو جماعة الإخوان المسلمين وميليشياتها المزعومة. واكتفت الشرطة في كثير من الأحيان - عند اندلاع اشتباك بين القوى السياسية - بدور المتفرج أو المتقهقر، وهذا الأمر نناقشه في ما بعد. ثالثًا، إنّ أحداث العنف في هذه المرحلة قد اتخذت طابعًا سياسيًّا مجتمعيًّا، وأنها ناتجة عن قرارات بعينها، وأنها كانت تستمرّ عدّة أيام، وأحيانًا أسابيع. ووجدت الشرطة، في خضمّ هذا الصراع، أنها تتلقى اللوم من الطرفين، وتتعرض للاعتداء أيضًا. رابعًا، تراجع الحديث عن "الطرف الثالث" بعد أن كان عنصرًا أساسيًّا في فترة حكم المجلس العسكري كما بينَّا. بدأت الموجة الأولى من العنف في البلاد في 23(تشرين الثّاني/ نوفمبر - 6 كانون الأوّل/ ديسمبر 2012) بسبب الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي في 22 تشرين الثّاني/ نوفمبر 2012، وحصَّن بموجبه قراراته من أحكام القضاء. ونتيجة لذلك، اندلعت الاحتجاجات في القاهرة وفي محافظات أخرى، انقسم فيها المتظاهرون بحسب ذلك الإعلان إلى مؤيِّدين ومعارضين. وتطوَّر الأمر في الكثير من الأحيان إلى اشتباك بين الطرفين، واعتداء على مقارّ الحرية والعدالة، وحرْقها في عدّة مدن. وبلغت الحركة الاحتجاجية مداها في 4 ديسمبر حين تظاهر الآلاف أمام قصر الاتحادية تحت شعار مليونية "الإنذار الأخير" بناءً على دعوة بعض القوى المدنية والسياسية، وعلى رأسها جبهة الإنقاذ الوطني التي تشكَّلت حديثا. ورفعت التظاهرات عدّة مطالب تتعلق بإسقاط الإعلان الدستوري ووقْف الاستفتاء على الدستور إلى حين حصول توافق حوله. كان سلوك الشرطة في هذه المرحلة غامضًا، فقد رأى بعضهم أنّها في صفّ السلطة الحاكمة، وهذا يعني عودتها إلى دورها السابق ظهيرًا للنظام. واستدلّ أصحاب هذا الرأي بما رأوه من تقاعس الشرطة عن حماية المحكمة الدستورية من حصار أنصار محمد مرسي. في حين رأى آخرون أنها متقاعسة عن حماية المؤسّسات التي ترمز إلى هيبة الدولة، مستدلِيّن على ذلك بأحداث الاتحادية. وكانت قوَّات الشرطة قد وضعت الأسلاك الشائكة أمام مداخل القصر الرئاسي استعدادًا للمسيرات، ولم يظهر أيّ وجود لقوَّات الجيش في المشهد. وعند وصول المسيرات، بدأت الأجواء تشتعل في محيط القصر، واستخدمت الشرطة القنابل المسيلة للدموع من أجل تفريق المتظاهرين. وفي

هذه الأثناء غادر مرسي القصر الرئاسي وجرى تحطيم سيارته. وفي مشهد غير مفهوم، سمحت قوَّات الشرطة للمحتجين بإزالة الأسلاك الشائكة والوصول إلى بوابة القصر، ثمّ تغيَّبت من المشهد. وتناقلت الأخبار أنّ وزير الداخلية أحمد جمال الدين، قد تقاعس عن حماية القصر، وأنه لم يردّ على اتصالات الرئاسة مدّة أربع ساعات، في الوقت الذي صرّح فيه الوزير في أقواله، أمام النيابة، بأنه أمَر القوَّات بالتراجع، تجنُّبًا للعنف وإسالةِ الدماء، موضِّ حًا أنه كانت لديه معلومات من خلال اتصالات بين قيادات الداخلية والقوى الثورية تُفيد أنه ليس هناك نيَّة لاقتحام القصر. ودفع استمرار اعتصام المتظاهرين أمام قصر الاتحادية بأنصار الرئيس إلى مهاجمتهم، في 6 ديسمبر، "دفاعًا عن الشرعية"، وبخاصةٍ أثناء تواتر أنباء وتصريحات تشير إلى التدبير لإسقاط الرئيس. وحدث أكثر من اشتباك بين الطرفين، وادَّعى كلّ طرف أنّ الآخر استخدم الأسلحة النارية التي أسفرت عن قتْل نحو  21 مواطنًا، وعشرات الإصابات. وقد دشّنت هذه الأحداث الإعلان عن الدور السياسي للجيش بصفته العين المراقبة لما يحدث في البلاد؛ إذ أعربت القوَّات المسلحة في بيان لها عن متابعتها لتطورات الموقف والأحداث التي وقعت، محذِّرةً من أنّ استمرار تلك الانقسامات من شأنه أن يهدِّد أركان الدولة وأمنها القومي. وأكَّد البيان انحياز الجيش الدائم إلى الشعب وحرصه على وحدة صفّه، مؤكِّدًا أنّ البلاد - في غياب التوافق والحوار - ستدخل في نفق مظلم، موضحًا أنّ ذلك يُعدُّ "أمرًا لن نسمح به". وقد أتاحت لغة خطابه لكلّ من المؤيِّد والمعارض أن يؤوِّل البيان بحسب مصلحته؛ فقد عدَّه المؤيِّد منحازًا إلى الشعب الذي عبَّ عن إرادته في الصناديق، وعدَّه المعارض منحازًا إلى الجماهير التي تحتجّ في الشوارع. ولكن المؤكَّد، كما كشفت الأحداث في ما بعد، أنّ كلّ طرف بنى مواقفه مُعتمدًا انحياز الجيش إلى صفِّه؛ أي إنّ الجيش بذر فكرةً مُجملها أنه الحَكَم بين القوى المختلفة، وأنه صاحب الكلمة الفصل. ولم يمرّ كثير من الوقت حتى بدأت الموجة الثانية من العنف أثناء حلول الذكرى الثانية لثورة 25 يناير (من 24 كانون الثّاني/ يناير، إلى 4 شباط/ فبراير 2013.) فقد تظاهر مئات الآلاف في كلّ من ميدان التحرير ومحيط الاتحادية وفي العديد من المحافظات الأخرى. وكان القاسم المشترك بين كلّ هذه التظاهرات هو المطالبة باستكمال مطالب الثورة والتنديد بسياسة "أخونة الدولة." ووقع أكثر من اشتباك عنيف بين المتظاهرين وقوَّات الشرطة في أماكن مختلفة في المحافظات. وكان ظهور جماعات "بلاك بلوك" وتصدّرها مهاجمة مقارّ الإخوان وحزب الحرية والعدالة أمرًا لافتًا النظر في تلك الأحداث. وقد حاول بعضهم، بحسب الرواية الرسمية، اقتحام عدد من مديريات المحافظات ودواوينها، واقتحام ماسبيرو أيضًا، وإيقاف حركة المترو والسكك الحديد في عدد من المدن. وكانت محافظة السويس المحافظة التي شهدت أكثر عدد من الضحايا في ذلك اليوم. وازدادت الأمور اشتعالً، في 26 كانون الثّاني/ يناير، بصدور أحكام الإعدام بشأن 21 متَّهمً في أحداث أستاد بورسعيد، يوم 26 كانون الثّاني/ يناير)، فتحركت أعداد من أهالي المتهمين وألتراس المصري إلى سجن بورسعيد من أجل تهريب المحكوم عليهم. ونتج عن ذلك أكثر من اشتباك عنيف بين قوَّات الشرطة والمتظاهرين، واستُخدمت في ذلك الأسلحة الثقيلة، ممّ أدّى إلى مقتْل 52 شخصًا. وعندما فقدت الشرطة القدرة على السيطرة على الوضع في مدن القناة كلِّها، جرى استدعاء القوَّات المسلحة وإعلان حالة الطوارئ وفرض حظر التجول في تلك المدن. وقد تزامن

ذلك مع تجدُّد الاشتباك بين الشرطة والمتظاهرين في القاهرة، في ذكرى جمعة الغضب 28 كانون الثّاني/ يناير. وكان لاعتداء بعض العناصر داخل صفوف المتظاهرين على أفراد الأمن بالرصاص الحي والخرطوش أثره في ازدياد الضيق والتمرُّد بين صفوف الضباط. وظهر الغضب جليًّا عندما منع بعضهم وزير الداخلية من المشاركة في تشييع جنازة أفراد الشرطة الذين قتلوا في مواجهات بورسعيد. وذلك لرفضه تسليحهم، متَّهمين إيَّاه بأنه رجل الإخوان في الوزارة، معلنين عن رفضهم أن يصبحوا كبْش فداء لنظام الإخوان. ولا يمكن فهْم هذا الموقف بمعزل عن الرسالة الإعلامية السائدة في ذلك الوقت؛ فقد تسابقت القنوات الخاصة في تكرار الحديث عن تآمر الإخوان على جهاز الشرطة بغرض انهياره تمامًا حتى يتمكنوا من إقامة جهاز بديل يمكِّنهم من إحكام قبضتهم على الدولة. ومن هنا كانت ادعاءات خاصة مفادها أنّ الإخوان هم الطرف الثالث الذي يسعى لتخريب العلاقة بين الشرطة والشعب، على الرّغم من المهادنة الكبيرة التي بدت عليها الرئاسة وحزب الحرية والعدالة في اقترابهما من الداخلية. وتحدَّث السيسي (وزير الدفاع الآن) مجدَّدا في 29 كانون الثّاني/ يناير، محذِّرًا من أنّ استمرار ذلك المشهد قد يؤدي إلى "انهيار الدولة ويهدِّد مستقبل الأجيال المقبلة". وكان هذا الحديث بمنزلة الإشارة الثانية إلى أنّ الجيش لن يسكت طويلا. فأوَّل كلّ فريق الخطاب لمصلحته على غرار الحال نفسها في بيانه السابق؛ إذ رآه المؤيِّدون تهديدًا للمعارضة، في حين رآه المعارضون رسالةَ طمأنةٍ مفادها أنّ الجيش لن يكون أداةَ النظام. ومن الجلي أنَّ القوى السياسية والثورية قد اتخذت من خطابات السيسي دافعًا لها للاستمرار في النهج الذي تسلكه لأنه سيدفع الجيش حتمً في النهاية إلى التدخل لإنهاء حكم الإخوان. ورافق ذلك ظهور عدّة دعوات لشخصيات سياسية إلى إجراء المواطنين توكيلات في الشهر العقاري حتى تتولى القوات المسلحة إدارة البلاد. واستمرّت موجة العنف والاحتجاجات حتى أحداث "جمعة الخلاص" في أوّل شباط/ فبراير 2013. وكان من أبرز المشاهد التي تخلَّلت تلك الاحتجاجات واقعة تعرية مواطن أمام قصر الاتحادية. فندَّدت الرئاسة بالواقعة، في حين أكَّدت وزارة الداخلية أنّ الحادثة لم تكن إلا تصرُّفًا فرديًّا، اتخذته وسائل الإعلام والمعارضة دليلً على استمرار الشرطة في ممارساتها القديمة. وفي الوقت نفسه، تداول المؤيِّدون مقاطع توضِّ ح انتماء ذلك المواطن إلى "أبناء مبارك"، فنتج عن ذلك اقتناع، لدى فئات معيَّنة، بأنّ الواقعة مدبَّرة لإحراج الرئاسة وإشعال الموقف. ولكنّ الواضح أنّ المشهد أشار إلى عودة فلول النظام السابق بقوّة إلى المشهد السياسي. ثمّ جاءت الموجة الثالثة للعنف (من 3 إلى 23 آذار/ مارس)، فقد اندلع أكثر من اشتباك عنيف في بورسعيد إثر قرار الداخلية ترحيل المحكوم عليهم في قضية بورسعيد إلى سجن وادي النطرون. ووصلت الأحداث إلى ذروتها يوم 9 آذار/ مارس، حين أضرم الألتراس النيران في كلّ من اتحاد الشرطة ومبنى الاتحاد العامّ لكرة القدم في القاهرة. وفي ظلّ هذه الأحداث، تصاعدت حركة التمرُّد داخل الشرطة نفسها؛ إذ أعلن العديد من الضباط وأفراد الشرطة إضرابهم عن العمل إلى أن يجريَ تسليحهم، ويُقال وزير الداخلية، ويُبعَدوا عن الصراعات السياسية، وعن محاولة إرضاء أيّ تيار سياسي. وكشف هذا التطور عن أزمة حقيقية داخل الجهاز، وعن إحساس الضباط بأنهم وسط صراع سياسي لا شأن لهم به. وفي هذه الأثناء، كانت هناك إرهاصات لحملة شبابية، تحت اسم "تمرُّد"، تجمَع توقيعات لحجْب الثقة عن الرئيس محمد مرسي، وللمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة. وبدأ الإعداد ليوم الحسم

المعلن، وهو 30 يونيو 2013. وبدأت موجة العنف الرابعة، في 26 حزيران/ يونيو، باشتباك بين المؤيِّدين والمعارضين في عدّة محافظات، وبحرق بعض مقارّ الإخوان والحرية والعدالة. ووقَّع عدد من أفراد الشرطة وضباطها استمارة تمرُّد. وبات واضحًا أنّ الشرطة في هذه المرحلة ستصبح جزءًا من الحراك "الثوري"، وخصوصًا في ظلّ ما تردّد من أقوال مفادها أنّ نحو خمسة آلاف ضابط وأمين شرطة يَنْوُون الانضمام إلى تظاهرات 30 يونيو. إنّ هذا السرد التفصيلي لمجموعة من الأحداث والاضطرابات التي مرَّت خلال هذه الفترة كانت تبني لمجموعة من التغيرات الأساسية في ما يتعلق بالعلاقة ما بين الأجهزة الأمنية والحراك الثوري، ويمكن إجمالها في ما يلي: أولً، تأكيد خروج الإخوان المسلمين من كتلة الحراك الثوري بإدخالهم في حالة عداوة صريحة مع التيارات السياسية والحركات الثورية الأخرى. ثانيًا: مع تزايد الصدامات بين مؤيِّدي مرسي ومعارضيه ولجوء الشرطة إلى تعاملٍ رخوٍ مع المتظاهرين أقرب ما يكون إلى موقع المتفرج، بدأت عملية إعادة تَقبُّل الشرطة من القوى السياسية، وخصوصًا من بعض قيادات الحراك الثوري، وإنّ ما جرى في 30 يونيو كان تتويجًا لهذا المسار. ثالثًا، استطاع الجيش تحت قيادة الفريق عبد الفتاح السيسي استعادة جزء كبير من رصيده الذي فقده خلال فترة حكم المجلس العسكري. وتحقّق ذلك بالتغيُّب عن الشارع والتعامل مباشرةً مع المتظاهرين، ومن خلال توجيهه لرسائل غير واضحة المغزى فسرها كل طرف لصالحه أيضًا. كما أدَّى الإعلام وبعض الشخصيات العامة دورًا في استعادة الجيش مكانته من خلال ترسيخ فكرة أنّ الجيش هو منقذ البلاد من الحالة التي وصلت إليها. وهكذا ساعد مناخ الاستقطاب الحادّ السائد على تصوير الجيش نفسه على أنه الحكم بين الأطراف ومناط الرهان السياسي لجميع القوى السياسية.

مرحلة التحالف مع الشرطة والجيش:

ما بعد 30 يونيو

بعد خروج الملايين إلى ميادين مصر في 30 يونيو، تغيرت طبيعة العلاقة بين الحراك الثوري والمؤسّسات الأمنية؛ ويرجع ذلك إلى التوحُّد ضدّ "عدوّ مشترك" من جانب، وإلى تغيُّ تركيبة الحراك الثوري من جانب آخر. فلقد انضمّ إلى صفوف الثوار الكثير من "الأغلبية الصامتة" التي ضجّت من الانفلات الأمني والتي كانت تبحث عن الاستقرار، إضافةً إلى فلول النظام السابق. ودخلت الشرطة ميدان التحرير الذي مُنعت من دخوله أكثر من عامين، في 30 يونيو، مرفوعةً على الأكتاف. وأصبح الجيش هو القريب المنقذ والمخلِّص، وقد كان الثوار، من قبلُ، يدْعُون إلى سقوط حكمه. وقُبيل انتهاء مدّة اليومين التي أعلن عنها الفريق السيسي في 30 يونيو للاستجابة لمطالب "الشعب"، بات واضحًا أنّ انقلابًا على الأبواب. ووقعت أحداث بين السرايات بالقرب من اعتصام المدافعين عن شرعية الرئيس المعزول في ميدان النهضة في 2 تمّوز/ يوليو؛ إذ قام مسلَّحون بمهاجمة الاعتصام بالرصاص الحي والخرطوش، على الرغم من وجود قوَّات الشرطة والجيش في مشهد الأحداث. وتبادل الطرفان إطلاق النار والخرطوش في معارك استمرّت أكثر من تسع ساعات راح ضحيتها أكثر من 71 مواطنًا. وبعد أن عزل الجيش محمد مرسي، أصرّ المؤيِّدون على استمرار اعتصامهم في ميدانيْ رابعة والنهضة حتى عودة الرئيس واستعادة الشرعية. وبات واضحًا، هذه المرّة، أنّ الشرطة قادرة على العودة إلى العمل، لأنّ "العدو" الذي كانت دائمًا تعمل ضدّه – ونعني به "الإسلاميين" -عاد من جديد. وهكذا استعادت الشرطة في 30 يونيو، الكثير ممّ أفقدته إيَّاها ثورة 25 يناير، ونقصد بذلك هيبتها ومكانتها. إلا أنّها عندما دخلت ميدان التحرير، لم تدخله معتذرةً عن ممارساتها السابقة، بل يبدو أنها اعتقدت أنّ حَمْلها على الأعناق في ميدان التحرير كان يُعبِّ عن اعتذار الجماهير إليها، لأنّ هذه الجماهير، في نظرها، ظلمت الشرطة طوال عامين أو أكثر. وكان هذا واضحًا في الكلمة التي ألقاها المتحدث باسم وزارة الداخلية بعد أحداث

الحرس الجمهوري. فلقد أوضح أنّ الشرطة ظُلمت أثناء ثورة 25 يناير وأنها بريئة، كلّ البراءة، ممّ كيل لها من اتهامات. ويبدو أنّ حاجزًا نفسيًّا - وقد يكون هذا الحاجز أقوى من الحاجز الخرساني الذي بنَته القوَّات المسلحة للحدّ من اعتداء متظاهري التحرير على وزارة الداخلية - ظلّ يمنع الشرطة من العمل. فالجهاز الذي ظلّ طوال الوقت يعمل، وهو يعتقد أنّ الإسلام السياسي هو الخطر الأساسي على الدولة، لم يستطع التوافق وحقيقة أنّ رئيس المجلس الأعلى للشرطة من قيادات هذا التيار. ولهذا، فإنه أثناء عزل مرسي، جرى إزالة الحاجز الخرساني الذي كان يفصل بين الداخلية والجماهير، وأُزيل معه أيضًا الحاجز النفسي، وعادت الداخلية إلى عملها، ولكن في ما يبدو، بممارساتها السابقة نفسها. أما القوَّات المسلحة، فعلى الرغم من أنها أكَّدت عدم إقصاء أيّ أحد، وأنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، فإنّ الواقع أوضح أنّ الشعب الذي تقصده هو شعب التحرير، وأمّا غيره فهم أعداء الوطن وإرهابيون. فالحديث عن الإدماج يجري في الوقت نفسه الذي تموج فيه القنوات الإعلامية بأحاديث شيطنة هذا التيار واعتقال قياداته وغلْق قنواته الإعلامية. والأهمّ من ذلك هو ما يبدو من اتخاذ الجيش ظهيرًا قويًّا من بعض الحركات الشبابية التي ظهرت على الساحة، والتي أصبحت ممثّلً أساسيًّا - إن لم يكن الأساسي - للحراك الثوري للشباب، وأقصد بذلك حركة تمرُّد. وبهذا تكون المؤسّسة العسكرية قد تعلَّمت درسًا من تجربتها في الحكم في المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام مبارك؛ ألا وهو ضرورة احتواء الحركات الشبابية الثورية والتعاون معها. وحتى إن كانت بعض الحركات الشبابية الأخرى غير مرحّبة بدور للجيش في السياسة، فإنه يكفي وجود هذا الظهير ليُضعف الحركة الشبابية الثورية في أيّ صِ دام لها مع الجيش. وقد وقعت خلال فترة قصيرة من الانقلاب حوادث معيَّنة توضِّ ح هذه الاستنتاجات. وعلى الرغم من تعدُّد حالات العنف خلال تلك الفترة، فإننا سنركز، في ما يلي، على ثلاث حوادث كبرى.

مذبحة الحرس الجمهوري 7/8( / )2013

وقعت هذه المذبحة عند الفجر في ما يبدو، محاولةً لفضّ الاعتصام من أمام دار مناسبات الحرس الجمهوري، إذ أطلقت قوَّات الجيش النار على الساجدين، وقُتل منهم أكثر من 75 شخصًا. وادَّعى الجيش في مؤتمره الصحفي أنّ الحادث بدأ بهجوم مسلَّح على المنشأة التابعة للجيش، فاضطرّ الجنود إلى التصدي له. إلا أنه خلال هذا المؤتمر لم تُعرض أيّ لقطة لذلك الهجوم المزعوم، وإن كان قد ظهر فردٌ أو اثنان ممَّن يحملون الخرطوش. وفي المقابل، أوضحت اللقطات الأخرى تعمُّد القوَّات قتْل العُزَّل، وجرى تبادلُ مقاطع تُظهر، بوضوح، وجود القنَّاصة على السطوح.

أحداث المنصورة)2013/7/20(

في هذه الأحداث هاجمت مجموعات من البلطجية مسيرة نسائية مكوَّنة من سيدات وفتيات الإخوان التي كانت تطوف بمدينة المنصورة تنديدًا بالانقلاب العسكري. وقتلت منهنّ أربع سيدات بينهن فتاة في السابعة عشرة من عمرها. وأبرزت هذه الأحداث تقاعس الشرطة والجيش عن حماية المسيرات السلمية، وخصوصًا أنّ البلطجية - بحسب شهود العيان - ظهروا من الناحية التي كانت بها قوَّات الشرطة.

مذبحة المنصة)2013/6/24(

طلب الفريق السيسي، في 24 من تمّوز/ يوليو، من الجماهير ومن المواطنين "الشرفاء" أن يخرجوا إلى الميادين لتفويضه في اتخاذ اللازم تجاه العنف والإرهاب المحتملين. وقامت حركة تمرُّد بالدعوة إلى الاحتشاد في الميادين لتفويض الجيش. وتبنَّت الحركة خطابًا إقصائيًّا في حديثها عن جماعة الإخوان، على الرّغم من رفْض حركات أخرى مِثل هذا التفويض، ومنها حركة 6 أبريل. وبالفعل خرج الملايين من المصريين استجابةً لهذه الدعوة وسط أجواء احتفالية في ميدان التحرير ومحيط قصر الاتحادية، على غرار مشهد 30 يونيو. وقبل أن تشرق شمس اليوم الجديد، جرى تفعيل التفويض. فقد خرجت مسيرة من اعتصام رابعة تجاه المنصة، ووصلت إلى كوبري السادس من أكتوبر، وهناك هاجمتها قوَّات الشرطة من أعلى الكوبري، ثمّ انضمّ ملثَّمون مسلَّحون إلى صفوف الداخلية، وأطلقوا النار على المتظاهرين. كما نُقل عن شهود العيان أنّ قنَّاصة كانت على سطوح المباني المحيطة بالمنطقة، وأنها استهدفت بعض المتظاهرين بطلقات قاتلة. وكان من نتائج هذه الأحداث أكثر من 201 قتيلً، وأكثر من أربعة آلاف مصاب. أكثر ما يلفت النظر في هذه الأحداث، هو خطاب وزارة الداخلية. ففي مؤتمر صحفي لوزير الداخلية بعد أحداث المنصة، أعلن الوزير عن إعادته نحو 50 ضابطًا من أمْن الدولة السابق (جرى تغيير اسم القطاع

بعد ثورة 25 يناير، فصار: "قطاع الأمن الوطني)" للعمل، ل"خبرتهم" في التعامل مع الجماعات الإسلامية. وأعلن أيضًا عن عودة "وحدة مكافحة التطرف الديني"، عادًّا إلغاء جهاز أمن الدولة من "أخطاء" ثورة 25 يناير. وفي ما يتعلق بالجيش، فإنه قرَّر الاصطفاف في هذه الجولة إلى جانب القوى "المدنية." وقد حدثت تطورات مهمّة على الساحة المصرية، أثناء الإعداد النهائي لهذه الورقة، ذات صلة مباشرة بمحور الدراسة، إذ تحرّكت قوات الشرطة والجيش، في 41 أغسطس، لفضّ اعتصامي مؤيِّدي محمد مرسي في كلّ من رابعة العدوية والنهضة. وقد احتلَّت تفاصيل فضّ الاعتصامين والمشاهد المصاحبة لهما مركز الصدارة في جميع وسائل الإعلام العالمية، ولكن ما يهمّ في هذا السياق هو إلقاء الضوء على عدّة أمور أساسية: أولً، استخدام القوّة المفرطة أثناء فضّ الاعتصامين بحيث بدا الأمر عمليةًانتقاميةً، لا محاولةً لإحكام سيطرة الدولة على مجالها العامّ واستعادة هيبتها فحسب. وقد أوردت منظمة العفو الدولية في تقريرها أنّ "قوات الأمن استخدمت القوّة المميتة غير المبرّرة ونكثت بوعدها بالسماح للجرحى بمغادرة الاعتصام بأمان". كما طالبت بضرورة إجراء تحقيقات محايدة ومستقلة على وجه السرعة. وهو الأمر الذي اتفق عليه أغلب المراسلين الأجانب الذين شاهدوا الأحداث وأقرّوا بعدم الاكتراث بالحياد الذي صاحب فضّ الاعتصامين، على سبيل المثال، في المؤتمر الصحفي الذي عقده المستشار السياسي – د. مصطفى الحجازي— للرئيس المُوقَّت، شكَّك مراسل صحيفة اللوموند الفرنسية في الرواية الحكومية، على اعتبار أنه شاهد عملية فضّ اعتصام رابعة بنفسه ورأى كيفية إطلاق الشرطة الرصاص على كلّ شيء. وقد أسفرت عملية فضّ الاعتصامين عن مقتل ما يزيد عن 300 شخص وذلك حسب الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة، في الوقت الذي تقدر فيه المنظمات الحقوقية أنّ عدد الضحايا أكثر

من ذلك كثيرًا. كما جرى فرْض حالة الطوارئ وحظر التجول، وعادت قوات الشرطة والجيش بقوّة إلى الشوارع في المدن الكبيرة، مع استمرار ضعف حضورها في المحافظات وخاصة الصعيد. وتكرّر نمط الاستخدام المفرط للقوة في التظاهرات التي ترتبت على فضّ الاعتصامات. وبدا واضحًا أنّ الدولة تستعيد قبضتها الحديدية، وأنها لن تسمح بأيّ اعتصامات مستقبلية وربما حتى التظاهرات. وكانت أحداث رمسيس (يوم الغضب) في 61 أغسطس مثالً على ذلك. فقد قام أثناء المسيرة بعض الأفراد بمهاجمة المتظاهرين عند قسم الأزبكية، الأمر الذي أدى إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين ومهاجمة قسم الشرطة أيضًا لاعتلاء بعض الأفراد أسطحه ومهاجمة المتظاهرين منه. وجرى تدخّل قوات الجيش والشرطة. ووفقًا لشهود عيان كان القناصة على متن الطائرات العسكرية يصوّبون أسلحتهم على المتظاهرين. وعلى الرغم من أنّ حقيقة الموقف غير واضحة إلى الآن، فإنّ عدد القتلى التي خلفتها الواقعة (ما يزيد عن 1 50 قتيل) تشير إلى التوسع في إطلاق النار. كما تشير عمليات الاعتقال والاحتجاز إلى عودة الدولة الأمنية مسلَّحةً بحالة الطوارئ التي تصادر الكثير من الحقوق والحريات السياسية وتطلق يد الدولة في التعامل مع الناشطين والمتظاهرين. ويكفي هنا الإشارة إلى أنّ التقديرات الأولية لعدد القتلى منذ فضّ الاعتصامين وما تلاهما من أحداث قد بلغ نحو 0001 قتيل. ثانيًا، صاحب فضّ الاعتصام تصعيد حادّ في الخطاب الإعلامي والسياسي تجاه المعتصمين ثمّ المتظاهرين. ووصل الأمر إلى اتخاذ طابع أقرب ما يكون إلى الفاشية التي لا تقبل بوجود الآخر ولا تمانع في تصفيته، بل إلى المناداة بذلك في بعض الأحيان. ويلخص الشعار الذي اتخذته غالبية القنوات المصرية الرسمية والخاصة "مصر تواجه الإرهاب" طبيعة المرحلة التي لن يُقبَل فيها بالاختلاف. كما يقصي مثل هذا المصطلح فصيلً كاملً من الحياة السياسية، فالخلاف لم يعد حول رؤى سياسية متباينة، ولكنه جريمة تتطلب الملاحقة وتبرّر استخدام العنف. ويبدو أنّ هذا التوجه يمثل الرؤية الرسمية للدولة التي عمدت إلى تصوير الوضع في مصر على أنّه حرب على الإرهاب تتطلَّب الاصطفاف ومساندة الجيش، وعدم التأثر بوقوع أيّ عدد من الضحايا في جانب "الإرهابيين." وامتدَّت حالة الإرهاب الفكري لتطول كلّ من يدعو إلى المصالحة والدفاع عن المسار الديمقراطي من خلال تعابير جاهزة مثل "خلايا نائمة"، و"ليس إخوان لكن بحترمهم"، وكلها إيحاءات تتَّهم الشخص بالانتماء إلى جماعة "إرهابية" وفقًا لهذا التوجه السائد. كما يُعدُّ أيّ نقد للجيش نوعًا من الخيانة أو الضلال الذي "يورد أصحابه موارد التهلكة"، على حدّ تعبير فهمي هويدي. وعلى الرّغم من تأكيد عدد كثير من شهود العيان والمشاركين في التظاهرات أنّه ليس كلّ من يشارك في التظاهرات هو من الإخوان أو ينتمي إلى تيار الإسلام السياسي، فإنّ الإعلام والتصريحات الرسمية للمسئولين استمرت في وصفها بتظاهرات الإخوان حتى لا تعطيَ الحراك طابعًا شعبيًّا. ثالثًا، لم يقتصر الأمر على تشويه جماعة الإخوان فحسب، وإن حظيت بالنصيب الأكبر، فقد طالت عمليات التشويه كلّ من ارتبط بثورة يناير بدءًا من الشباب الذي وصفهم أحد الكتاب ب "مرتزقة 25 يناير"، وانتهاءً إلى د. محمد البرادعي الذي لم يتورّع أحد المذيعين عن اتهامه بالانضمام إلى التنظيم الدولي للإخوان. وقد دفعت حملة التشويه هذه حركة 6 أبريل إلى إصدار بيان تؤكد فيه أنّ ما يحدث هو نهْج مخطّط لإقصاء شباب يناير الشرفاء من ساحة النضال الوطني، وأنّ تلك الساحة كانت لهم شرفًا، ولم تكن استحقاقًا، وأنّ ما نراه هو خطاب إعلامي خبيث يشوِّه نقاء سيرتهم وصدق نيَّاتهم، ويسعى إلى تقسيم جبهة شباب هذا الوطن وشرفائه.

رابعًا، اتخذت تحركات كلّ من الجيش والشرطة ظهيرًا لها من الجماهير المعبَّأة ضدّ جماعة الإخوان وكلّ من ينتمي إلى تيار الإسلام السياسي. وما كان من وسائل الإعلام إلا الاستمرار في هذه التعبئة وزيادة مشاعر الكراهية والاحتقان. وبرز أيضًا الوجه الثوري لهذا الظهير ممثلً بحركة تمرد التي لم تنتقد أيًّا من الجيش والشرطة في أيّ تعامل لهما مع المتظاهرين، بل دعت تمرد، في بيان لها، على التليفزيون الرسمي المصري "الشعب"، إلى مساندة الشرطة والجيش في جهودهما في مكافحة الإرهاب من خلال تكوين اللجان الشعبية لحماية الممتلكات العامة والخاصة والكنائس القريبة منهم. وهو البيان الذي أثار استياء العديد من الناشطين واعتبروه بيانًا غير مسؤول، يزيد من حالة الاحتقان ويشجع على الاقتتال الشعبي في الشارع. كما كشفت العديد من الصور والفيديوهات مصاحبة البلطجية لقوات الشرطة، وأحيانًا الجيش، في تعاملهم مع المتظاهرين. وهو الأمر الذي أضاف إلى المشهد الكثير من الضبابية. ففي حين يطلق عليهم بعض الحانقين على الإخوان "الأهالي"، يرى بعضهم الآخر وجودهم في المشهد دليلً على عودة للممارسات الخارجة على القانون التي طالما انتهجتها الداخلية في التعامل مع الناشطين. وإنّ تسلّح هذه العناصر المدنية يثير التساؤل حول احتمالية اندساسها وسط التظاهرات لوصم المتظاهرين بعدم السلمية وإثارة الرأي العامّ عليهم. وعلى الرّغم من الانقسام الحادث الآن بين صفوف الحركات الشبابية بالأساس، فإنه من الواضح أنّ أحداث العنف التي صاحبت فضّ الاعتصامات وترتبت عليها، قد جعلت عددًا غير قليل من مؤيدي 30 يونيو من الناشطين يعيدون حساباتهم. فقد كشف أشخاص عديدون وحركات كثيرة عن استشهاد العديد من الشباب ممن لا ينتمون إلى جماعة الإخوان أو اعتقالهم في التظاهرات المندّدة بأحداث رابعة. كما بدأ بعض الشباب في تدشين الميدان الثالث الرافض لكلّ من العسكر والإخوان. وبدأت بعض المبادرات التي تدشن وسائل سلمية في التعبير عن رفض الدولة العسكرية مثل حركة مسموع، وإن كان الصوت الأعلى مازال للحركات والرموز الشبابية التي قررت الانحياز للمؤسسات الأمنية في هذه الجولة. علَّمتنا ثورة 25 يناير أنّ العنف والدماء يولِّد المزيد من التعبئة للحراك الثوري، ولكن بشرط توحُّد جميع القوى والحركات السياسية والثورية. فهل يمكن أن تؤدِّيَ أنباء الإفراج عن حسني مبارك وما نشُر بشأن تعديلات الدستور (من أبرزها إلغاء مادة العزل السياسي لقيادات الحزب الوطني) دورًا في إعادة الاصطفاف الثوري المتعلّقة بأهداف الثورة؟ الإجابة ستعتمد على ردّ فعل الحركات الثورية، التي شاركت في ثورة 25 يناير، وتنظر إلى 30 يونيو بوصفها موجةً ثوريةً لتصحيح المسار، لا انقلابًا على ثورة 25 يناير، إزاء هذه التطورات من ناحية، وإزاء أسلوب تعامل المؤسسات الأمنية مع ردود الأفعال هذه، من ناحية أخرى. كما ستعتمد الإجابة أيضا على طبيعة العلاقة بين المؤسسات الأمنية (خاصة الجيش) والحركات الشبابية تكتيكيةً كانت أو إستراتيجية. أغلب الظنّ أنّ الصِّدام مُقبل لا محالة، فالجيش قرَّر أن يكون متحكمً في العملية السياسية، والشرطة عائدة بممارساتها وأساليبها القديمة، وهو الأمر الذي سيصطدم – لا شك  - مع تصورات بعض القوى الشبابية الثورية. أما عن إمكانية عودة الاصطفاف الثوري، فهو أمرٌ غير مؤكَّد، خاصة إذا ما استمر تصدّر الإخوان للحراك في الشارع. بمعني آخر، الصدام مُقبل، ولكن في وقت لن تكون فيه هذه القوى الثورية على قلب رجل واحد، كما كان حالها في 25 يناير.