انقلاب مصر: مقارنات تاريخية بتجارب أخرى

زهير حامدي

الملخّص

باا العسكري الذي جرى في مصر على رئيسٍ منتخبٍ في تناقش هذه الدراسة الانق 3 تموز/ يوليو، وتقارنه بتجارب شبيهة جرت في الماضي في دول أخرى، كانت هي أيض ا في مراحل البناء الديمقراطي الأولى. وقد كان لتحالف بعض القوى اللبرالية والعلمانية والإعلام الخاص مع المؤسسة العسكرية واستناد هذا التحالف إلى شبكة الدولة العميقة، دور محوريّ في حشد الشارع ضدّ الرئيس المنتخب، ما أدّى إلى ثورةٍ مضادة أعادت الدولة المستبدة ورموزها إلى سدة الحكم، بعد أن أُخرجوا منه. تناقش الدراسة ما جرى في مصر، وتعقد مقارنات مع التجربة الفنزويلية في عام 2002،. وترسم الدراسة أيض والتجربة الجزائرية في عام 1992 ا سيناريوهات لما يمكن أن تكون عليه ردة فعل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، نتيجة لإبعادها عن الحكم بانقلاب عسكريّ، دعمه قطاع من القوى السياسية؛ بناء على ظروف مصر، وعلى الحالة الإقليمية، وطبيعة الجماعة ذاتها، التي يرى معدّ الدراسة أن ها تختلف في جوانب كثيرة عن طبيعة الحركة السياسية الإسلامية التي عاشت التجربة نفسها في الجزائر.

مقدمة

يبدو أنّه ثمّة صعوبة في وصْف ما حدث في مصر، يوم 3 تموز/ يوليو 2013، بأنّه انقلاب عسكري نظرًا إلى الحشود الشعبية الكبيرة التي خرجت إلى الشوارع في إطار حملة "حركة تمرّد" المطالبة برحيل الرئيس مرسي بعد رفضه إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بحسب معارضيه، وذلك بعد سنة من انتخابه أوّل رئيس مدني في تاريخ مصر المعاصر، في انتخابات شهد الجميع أنّها كانت حرّةً ونزيهةً. وتكمن صعوبة وصْف ما حدث في مصر بأنّه انقلاب عسكري، بالنظر إلى الغضب الشعبي على الرئيس محمد مرسي الذي عبّت عنه التظاهرات الحاشدة. ولكن، إذا دقَّقنا النظر في تفاصيل تسلسل الأحداث، منذ وصول الرئيس مرسي إلى الرئاسة، ورجعنا إلى الأدبيّات الأكاديمية التي اهتمّت بظاهرة التحول السياسي والانقلابات في الدول النامية استنتجنا أنّ ما حدث في مصر هو أقرب إلى مفهوم الانقلاب الجماهيري بحسب نظرية كورنهوزر Kornhauser() المتعلقة "بمجتمع الجماهير" Society(Mass)، إذ يقول فيها إنّه "في غياب المؤسسات تصبح النخب متاحة للجماهير والجماهير متاحة للنخب"، أو بعبارةٍ أخرى، وبحسب صامويل هنتنغتون Samuel(Huntington) في كتابه الشهير "الاستقرار السياسي في مجتمعات)، عندما تكونPolitical Order in Changing Societies(متغيرة " مستويات الحشد والمشاركة السياسية عالية في جوٍّ تكون فيه مستويات التنظيم السياسي والمؤسسي منخفضةً، تكون النتيجة عدم استقرار سياسي وفوضى، لأنّ المؤسسات السياسية الضعيفة وغير المتطورة لا تستطيع أن تستوعب التطورات الاجتماعية المتسارعة. وفي السياق نفسه، وبحسب صامويل هنتنغتون كذلك، يعتمد النظام السياسي على نسبة المأسسة (أي وجود المؤسسات السياسية وتطورها)، مقارنةً بالمشاركة السياسية. والنظام السياسي الذي تكون فيه نسبة المأسسة منخفضةً، مقارنةً بنسبة عالية من المشاركة السياسية، هو النظام الذي تستطيع قوى اجتماعية أن تتدخل مباشرةً في المجال السياسي وتؤدي إلى عدم استقرار سياسي. وهو نظام يسِمه الكاتب بأنه بريتوري)Praetorian Polities(. كما أشار إلى ذلك كلّ من أفلاطون وأرسطو إلى أنّ "هذا النوع من الأنظمة السياسية تقبَل التأرجح، ذهابًا وإيابًا، بين الاستبداد وحكم الشارع". ويضيف كورنهوزر Kornhauser()، "عندما يجري تغيير نظام سياسي مستبدّ بطريقة سريعة وعنيفة لمصلحة نظام ديمقراطي، يكون هذا الجوّ مواتيًا جدًّا لبروز حركات جماهيرية متطرفة تحوِّل النظام الديمقراطي الجديد إلى نظام غير ديمقراطي"، وهذه الحالة من عدم الاستقرار هي السمة المميزة لمجتمع يفتقر إلى مجتمع سياسي، تتجاوز المشاركة السياسية الجماهيرية، فيها العمل السياسي المؤسس؛ أي الذي يجري من خلال المؤسسات.

هذا هو التوصيف الأقرب إلى الدقة للأحداث الأخيرة في مصر، إذ جرى إسقاط الرئيس السابق حسني مبارك في ثورة شعبية في كانون الثاني/ يناير 2011

وبداية بناء مؤسسات ديمقراطية قبل أن يجريَ اختطاف الشارع المصري قوى غير ديمقراطية، في يوليو 2013، اختطافًا أدَّى إلى عزل الرئيس محمد مرسي المنتخب ديمقراطيًّا وعودة الدولة المستبدة. والدليل على ذلك هو أنّ مؤشرات التراجع في المسار الديمقراطي بدأت تظهر بكلّ جلاء من خلال حملات الاعتقالات التي طالت المعارضين للانقلاب مباشرةً بعد عزل الرئيس محمد مرسي وقمْع المتظاهرين الذي أدّى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، علاوةً على عودة المنظومة الأمنية ورموزها، مثل جهاز أمن الدولة، الذي جرى حلّه بعد ثورة يناير نظرًا إلى دوره في مراقبة المجتمع المصري وقمْعه قبل الثورة، إضافةً إلى الإعلان الدستوري الذي أعلن عنه الرئيس المُوقَّت، والذي يمثّل تراجعًا صريحًا عن الممارسة الديمقراطية. وممّ لا شكّ فيه أنّ جزءًا لا يستهان به من رموز المجتمع المدني قد اضطلع بدورٍ رئيسٍ في مجريات الأحداث التي أدّت إلى عزْل الرئيس مرسي، و كذلك يبدو جليًّا أنّ رموز هذا الجزء من المجتمع المدني قد تحالفت مع أوسط رجال الأعمال والإعلام الخاص، إضافةً إلى ما يُعرف "بالدولة العميقة"، وإلى الدعم الفعّال والنَّشِط من جهة المؤسّسة

العسكرية التي حسمت الصراع لمصلحة معارضي الرئيس مرسي بعد انحيازها الكلِّ إليهم، بل إنها تحالفت معهم من أجل فرْض قرار عزْل الرئيس والإخوان بالقوة من أجل ضمان السيطرة على الأوضاع أمنيًّا. مصر. ومن الناحية الدستوريّة، لا يوجد أدنى شكّ في عدم دستورية خطوة عزْل الرئيس مرسي؛ فالدستور المصري الجديد قد أقرّ، في المبدأ الثامن أنّ القواّت المسلحة "مؤسّسة وطنية محترفة محايدة، لا تتدخل في الشأن السياسي"، وبناءً على هذا المبدأ لا يحقّ للمؤسّسة العسكرية أن تتدخل في الشأن السياسي، أو أن تنحاز إلى طرف سياسي ضدّ طرف آخر، ولا يحقّ لوزير الدفاع أن يعزل الرئيس المنتخب الذي يُعدُّ، بحسب الدستور في المادة 461، "القائد الأعلى للقوات المسلحة." كما أنّ تنصيب رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا موقَّتًا هو إجراء غير قانوني وغير دستوري؛ إذ ينصّ الدستور المصري، في المادة 531، على أنّه في حال "خلوّ منصب رئيس الجمهورية؛ للاستقالة أو الوفاة أو العجز الدائم"، مع تزامن حلّ مجلس النوّاب، "يحلّ مجلس الشورى ورئيسه في ما تقدّم حالة حلّ مجلس النواب." ويبدو جليًّا، من خلال الرجوع إلى الدستور أنّ قرار عزْل الرئيس محمد مرسي غيرُ شرعي، وغيرُ دستوري، وأنه يستند إلى أنّ القوة الفعلية - وهي المؤسّسة العسكرية - مارست سلطةً تعسفيةً غير قانونية. أمّا الحديث عن أنّ "الشعب" هو الذي دعا الجيش إلى التدخل وعزْل الرئيس، فهذا يستدعي الرجوع، ولو في إيجاز، إلى دور الحشد الجماهيري في الانقلابات العسكرية. وتسعى هذه الورقة لتحليل الأحداث الأخيرة التي أدّت في مصر إلى عزْل الرئيس محمد مرسي من خلال مقارنتها بانقلابات عسكرية أخرى على شرعية دستورية منتخبة، واستكشاف أوجه الشبه والاختلاف بين هذه التجارب السابقة والتجربة المصرية الحالية، مع التركيز على النموذج الفنزويلي في ما يخص دور الحشد الجماهيري في عملية الانقلاب، ع وااةً على المنهج والآلية اللذين جرى بهما التخطيط للانقلاب وتنفيذه. أمّا النموذج الثاني، فهو الانقلاب العسكري في الجزائر في كانون الثاني/ يناير 9921 الذي أوقف الانتخابات التشريعية، بعد الجولة الأولى التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية مقاعد المجلس الوطني الشعبي. وتكمن أهمية مقارنة الحالة المصرية بالتجربة الجزائرية في دور الرموز اليسارية والعلمانية وبعض النخب اللبرالية، في الانقلاب، إضافةً إلى عرْض تداعيات الخيار الأمني وتحليلها في تعامل المؤسّسة العسكرية في الجزائر مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بعد الانقلاب العسكري. وفي ضوء هذه التجارب التاريخية، يمكن تصوّر سيناريوهات محتملة متعلقة بمجريات الأحداث المستقبلية في

وإنّ الدور المهمّ والفعّال بالنسبة إلى جزء لا يستهان به من رموز المجتمع المدني في الحشد الجماهيري، في أحداث يونيو 2013، يطرح قضية المجتمع المدني ودوره المحوري في بناء مجتمع ديمقراطي إذا كان في إطار دولة ذات مؤسّسات قوية، وذات مصداقية، علاوةً على وجود أحزاب سياسية متجذِّرة في المجتمع، تكون هي أساس المنافسة السياسية. وفي ظلّ هذه الشروط يستطيع أن يكون للمجتمع المدني دورٌ فعّال صحِّي يحمي المجتمع من تعسّف السلطة. ولكن، في غياب هذه الشروط، يستطيع أن يتحوّل المجتمع المدني إلى مصدر للفوضى وعدم الاستقرار والعنف، كما تنبَّأ بذلك صامويل هنتنغتون Samuel(.)Huntingtonوإنّ المجتمع المدني الذي تجري تعبئته، في ظلّ وجود مؤسّسات سياسية فاشلة وأحزاب سياسية ضعيفة، يستطيع أن يتحوَّل، بالفعل، إلى خطرٍ من شأنه أن يهدّد الديمقراطية؛ فيهيِّئ، ما يسمّى، "انقلاب المجتمع المدني أو الجماهيري" الذي يقوده تحالف من رجال الأعمال والنقابات العمالية والمؤسّسات الدينية والإعلامية، كما حدث في فنزويلا عام 2002 ، وكما هو الحال في مصر من جهة التنسيق والتحالف مع المؤسّسة العسكرية. ومن خلال تحليل النموذج الفنزويلي، يستنتج الكاتب عمر إنكارنسيون Encarnación(Omar) أنّ غياب المؤسّسات المُعبِّة عن متطلبات المجتمع والمتجاوبة معه يجعل الشارع ساحة للصراع، وفي هذه الحال يصبح المجتمع المدني أكثر تشدُّدًا، وقابلً للاختطاف من قوى غير ديمقراطية.

التجربة الفنزويلية: انقلاب نيسان/ أبريل 2002

من خلال المقارنة التاريخية يبدو أنّ الانقلاب الذي حدث في مصر مؤخَّرًا يحمل مواصفاتٍ قريبةً جدًّا من الانقلاب العسكري في فنزويلا على الرئيس السابق هيوغو تشافيز، في نيسان/ أبريل من عام 2002. وقد استغرق ذلك يومين اثنين، ثمّ عاد تشافيز إلى منصبه، ويصف الكاتب عمر إنكارنسيون هذا الانقلاب ب "بانقلاب المجتمع المدني"

)A Civil Society Coup(. ويتَّضح، بالفعل، أنّ عملية عزْل الرئيس محمد مرسي في مصر تقارب في مقدماتها ومضمونها النموذج الفنزويلي عام 2002، في ما يخصّ دور المجتمع المدني والحشد الجماهيري في الانقلاب المُميَّز بإحداث تغيير على رأس الدولة من خلال وسائل غير دستورية، وغير ديمقراطية، بفضل تحالفٍ يضمّ رموزًا من المجتمع المدني من نقابات العمّ ل، ومجموعة رجال الأعمال، والإعلام الخاص، علاوةً على رموز دينية، من أجل العمل على حشد الشارع لمصلحة الانقلاب. وأوجه التشابه بين النموذج الفنزويلي والنموذج المصري متعدّدة ونستطيع أن نلخّصها في النقاط التالية: نقطة التشابه الأولى التي تثير الانتباه تتعلَّق بدور عدد من رموز المجتمع المدني والإعلام وطبقة رجال الأعمال في التخطيط المسبق والتنفيذ من أجل الانقلاب على رئيس منتخب، بالتنسيق مع الجيش الذي تدخّل إلى جانب معارضي الرئيسين من أجل إطاحة رئيسين منتخبين. والمعلومات الأولية التي بدأت تظهر على السطح بخصوص الأحوال التي جرى التحضير فيها للانقلاب العسكري الأخير في مصر، تشير بوضوح إلى مشابهة قوية للنموذج الفنزويلي، مع مشاركة فاعلة ومحورية للجيش. أمّا في ما يخصّ التخطيط المسبق لمشروع تنحية الرئيس هوغو تشافيز من السلطة، فقد بدأ منذ شهور قبل بداية الاحتجاجات الشعبية، وكذلك كان الشأن بالنسبة إلى مشروع عزْل الرئيس محمد مرسي؛ فقد بدأ منذ شهور، قبل 30 يونيو 2013، من خلال لقاءات سرِّية جمعت قياداتٍ مدنيةً وسياسيةً من المعارضة بقيادات من الجيش من أجل التخطيط لعزل الرئيس مرسي. ثانيًا، المثير للانتباه في كلتا الحالتين، المصرية والفنزويلية، هو دور الولايات المتحدة الأمريكية في فترة ما قبل الانقلابات العسكرية إذ إنّها قد ساهمت بطريقة غير مباشرة في تشجيع جهد الانقلاب على الشرعية، من خلال حركات ومجموعات من المجتمع المدني المناهضة للرئيسين: هوغو تشافيز في فنزويلا، ومحمد مرسي في مصر. ولا بدّ أن نشير، في حالة فنزويلا، إلى دعْم الولايات المتحدة الأمريكية لجهد الانقلاب سياسيًّا؛ إذ إنّ السنة التي سبقته شهدت اجتماعات ضمّت رموزًا من الإعلام الخاص ورجال الأعمال في فنزويلا ومسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض، للنظر في كيفية التعامل مع مشكلة الرئيس هوغو تشافيز. وفي هذا الإطار، خلال السنة التي سبقت الانقلاب، قام الصندوق الوطني للديمقراطية)، وهو منظمة National Endowment for Democracy, NED(غير ربحية، يموِّلها الكونغرس الأمريكي - تحت عنوان "دعْم المجتمع المدني" - بمضاعفة ميزانية أنشطة دعْم المجتمع المدني في فنزويلا أربعة أضعاف؛ أي إلى أكثر من 877000 دولار أمريكي، استفادت منها منظمات ومجموعات مناهضة للرئيس الفنزويلي، وعملت جاهدةً بالتنسيق مع بعضها من أجل إطاحته، كما هو الحال، على سبيل المثال بالنسبة إلى الاتحاد العام للعمّ ل الفنزويليConfederation()، الذي ساهم في إطاحة de Trabajadores de Venezuela, CTV الرئيس هوغو تشافيز موقَّتًا من خلال إضراب عامّ شلّ الاقتصاد الوطني، ثمّ من خلال عمل رئيس الاتحاد، كارلوس أورتيغا Carlos(Ortega)، على نحوٍ وثيق، مع رئيس أهّم جمعية لرجال الأعمال في فنزويلا، بيدرو كارمونا إستانغا Estanga(Carmona)Pedro، الذي تولى الرئاسة في فنزويلا فترةً وجيزةً بعد الانقلاب؛ أي قبل عودة الرئيس هوغو تشافيز إلى منصبه. وكما هو الحال بالنسبة إلى فنزويلا، ساهمت إدارة الرئيس باراك أوباما بطريقة غير مباشرة في إطاحة الرئيس مرسي، من خلال تمويل عدد من المجموعات المناهضة له وللإخوان المسلمين، في إطار مبادرة "مساعدة الديمقراطية" Assistance(Democracy) التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، وهي جزء من جهد واسع تسعى من خلاله إدارة الرئيس باراك أوباما إلى دعم القوى اللبرالية والعلمانية المقرَّبة منها في مواجهة الصعود الملحوظ للتيّار الإسلامي، وللإخوان المسلمين - على نحوٍ خاص  - في دول الربيع العربي، من أجل تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط. ولقد ساهمت إدارة الرئيس أوباما، بالفعل، في تمويل هذه المجموعات مع علمها أنّها كانت تدعو إلى إطاحة الرئيس مرسي المنتخب ديمقراطيًّا، وأنها كانت تعمل جاهدةً على إجهاض التجربة الديمقراطية في مصر، في مخالفة واضحة للقانون الأمريكي الذي يحظر تمويل تنظيمات وأنشطة موجهة ضدّ حكومات منتخبة، علاوةً على مخالفتها القوانين المصرية التي تمنع التمويل الخارجي للأحزاب السياسية المصرية، كما جاء في تقرير وحدة التحقيقات الصحفية في جامعة بركلي الأمريكية الذي نشرته شبكة الجزيرة الإنكليزية. وبحسب هذا التقرير الذي يستند إلى وثائق فيدرالية،

تحصّل عليها الكاتب عماد مكية في إطار قانون حرية المعلومات)، استفادت عدد من Freedom of Information Act(الأمريكي الجمعيّات والشخصيّات المصرية تمويلً مباشرًا من هيئات حكومية أمريكية من ضمنها: بعض أعضاء جبهة الإنقاذ التي قادت الجهد من أجل عزْل الرئيس محمد مرسي؛ والمعهد المصري الديمقراطي الذي يترأسه المهندس حسام الدين علي، وهو عضو في حزب المؤتمر ذي التوجه اللبرالي الذي يترأسه عمرو موسى وزير الخارجية السابق في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، والأمين العامّ السابق لجامعة الدول العربية؛ ومنظمة إيد في إيد من أجل مصر التي من ضمن أعضائها المؤسّسين الدكتور أسامة الغزالي حزب العضو السابق في لجنة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي المنحل. وهي لجنة كان يترأسها جمال مبارك نجْل الرئيس السابق مبارك قبل ثورة 25 يوليو، ومايكل منير رئيس حزب الحياة المصري ذات التوجّه اللبرالي، وصلاح دياب رجل الأعمال رئيس مجموعة بيكو، شريك شركة الخدمات النفطية هاليبرتون في مصر ومؤسّس مجلس إدارة جريدة المصري اليوم ورئيسها، وقد ساهمت هذه الجريدة بقوة في الحملة الإعلامية على الرئيس مرسي والإخوان المسلمين. بحسب الوثائق الفيدرالية التي تحصّل عليها الكاتب عماد مكية. ولقد استفادت جمعية إيد في إيد من أجل مصر وحدها 873355 دولارًا أمريكيًّا منذ عام 2011 . والجدير بالذكر أنّ مؤسّسة إيد في إيد من أجل مصر استفادت، علاوةً على التمويل الحكومي الأمريكي، تمويلً من رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس الذي اعترف بأنّه ساهم كذلك في تمويل حركة تمرّد التي شنَّت حملة توقيعات من أجل المطالبة برحيل الرئيس مرسي. أمّا في ما يخصّ جمعية السادات للتنمية والرعاية الاجتماعية التي يترأسها محمد عصمت السادات الذي يترأس كذلك حزب الإصلاح والتنمية ذات التوجّه اللبرالي- اليساري، فقد استفادت من تمويل بمبلغ 265176 دولارًا أمريكيًّا منذ عام 2008. كما كان لمحمد عصمت السادات ولحزبه دور فعّال في تنسيقية 30 يونيو التي قامت بتنظيم الحشد الشعبي ضدّ الرئيس محمد مرسي من أجل إطاحته. ومن خلال المقابلة التي أجراها الكاتب مع الدكتور سعد الدين إبراهيم المقرّب من الأمريكيين، ومعارض الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، اتَّضح أنّ رسالة الأمريكيين لحلفائها في مصر سوف تعيد النظر في علاقاتها بنظام الإخوان المسلمين في مصر إذا شاهدوا مسيرات شعبية حاشدة في الشوارع تستطيع أن تدوم أسبوعًا. ولا يتوقّف الدور الأمريكي في تمويل عدد من الجمعيّات المصرية المناهضة للرئيس محمد مرسي، بل يبدو أنّ البيت الأبيض كان على عِلم بتفاصيل مجريات الأحداث التي أفضت إلى عزْل الرئيس المصري المنتخب، وأنّه كان على اتصّال مباشر، وغير مباشر، بجميع الأطراف وأنّه اضطلع بدور الوسيط بين الرئيس محمد مرسي والمؤسّسة العسكرية إلى حدّ الساعة الأخيرة قبل الانقلاب، استنادًا إلى المعلومات التي جاءت في سياق مقال لجريدة النيويورك تايمز الأمريكية؛ إذ اتصّل وزير خارجية إحدى الدول العربية بالرئيس المصري متحدِّثًا باسم الإدارة الأمريكية، ليقدِّم عَرضًا يُنهي الخلاف بينه وبين المؤسّسة العسكرية، ويتضمن تعيين حكومة جديدة تتمتّع، إضافةً إلى السلطات التنفيذية، بجميع السلطات التشريعية، وبسلطة إلغاء التعيينات الأخيرة على مستوى المحافظات، وهو عَرض رفضه الرئيس محمد مرسي؛ لأنّه رأى فيه فرضَ أمرٍ واقعٍ بانقلاب عسكري، وضربةً للديمقراطية في م . وكان هذا العرض الأخير للإدارة الأمريكية في سلسلة من الجهد من أجل الوصول إلى صيغة تُبقي على الرئيس محمد مرسي في منصبه صوريًّا. وبعد رفْضه هذا العرض الأمريكي، تحدّث عصام الحدّاد، مستشار الرئيس محمد مرسي، هاتفيًّا، إلى سوزان رايس مستشارة الأمن القومي للرئيس أوباما فأبلغته "أنّ الانقلاب العسكري أوشك أن يبدأ". ومن خلال هذه المعلومات الأولية يبدو جليًّا أنّ وساطة الولايات المتحدة الأمريكية كانت موجّهة إلى مصلحة الطرف المعارض للرئيس المنتخب ديمقراطيًّا؛ فهي تطالبه بالتخلّ عن صلاحياته الدستورية في مخالفة صريحة للدستور المصري الذي اسْتُفتِيَ الشعب بشأنه، كما أنّ ذلك يعارض تمامًا المبادئ الديمقراطية التي تدّعي الولايات الأمريكية المتحدة حمايتها والعمل على انتشارها وترسيخها دوليًّا.

وخلاصة القول، هي، أنّ قيادة الجيش وحلفاءَها في المعارضة المصرية كانت تسعى، بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تجريد الرئيس محمد مرسي من صلاحياته الدستورية وكانت مستعدة للتعامل معه رئيسًا صوريًّا، على أن تبقى السيطرة على القرار السياسي بين يدي قيادة الجيش وحلفائها، ولكنّ رفْض الرئيس المصري هذا الطرح الذي يمسّ بصلاحياته الدستورية ويقوّض التجربة الديمقراطية الوليدة في مصر هو الذي أدّى في نهاية المطاف إلى الانقلاب العسكري وعزْله. ثالثًا، لا شكّ في أنّ سياسة الرئيس تشافيز الداخلية والخارجية، وسياسة الرئيس محمد مرسي وقراراته في مصر قد ساهمتا، إلى حدّ كبير، في تعزيز الاستقطاب السياسي وتوحيد خصومهما داخليًّا في ائتلاف من المجتمع المدني غير المتجانس؛ من طبقة رجال الأعمال، ونقابات العمّ ل، والمؤسّسة الدينية، والإعلام الذي استعمل سلاح التظاهرات الشعبية طَوال عام 2011 ، وخارجيًّا، من خلال دعْم مباشر وغير مباشر إقليمي وأمريكي - سياسيًّا كان أو ماليًّا - من أجل التشجيع على الانقلاب. كما نلاحظ، في حالة فنزويلا، أنّ قرار الرئيس هوغو تشافيز بشأن عزل إدارة شركة النفط الوطنية كان بمنزلة الشرارة التي أدّت إلى تنحيته موقَّتًا؛ إذ احتجت نقابة العمّ ل على هذا القرار احتجاجًا أدّى إلى مسيرات، فتدخّل الحرس الوطني وأطلق النار على مسيرة من المتظاهرين المدنيين أسفرت عن مقتل 71 متظاهرًا، طلق العنان لموجةِ عُنفٍ في البلاد أدّت إلى مقتل نحو وأ 50 متظاهرًا، إضافةً إلى مئات من الجرحى. والجدير بالذِّكر أنّ تدخّل الجيش لم يأتِ صدفة، أو من أجل أسبابٍ أمنية فحسب، بل كان في إطار تنسيق وتخطيط مسبق مع التحالف من المجتمع المدني المذكور سابقًا؛ من أجل إطاحة الرئيس هوغو تشافيز قبل شهور من بداية الاحتجاجات الشعبية. أمّا في الحالة المصرية، فلقد مثّل الإعلان الدستوري، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، نقطة انطلاق تنحية الرئيس محمد مرسي، بعد أن اندلعت احتجاجات شعبية على الإعلان الدستوري، أدّت إلى سقوط ضحايا في تظاهرات الاتحادية.

التجربة الجزائرية: إيقاف المسار الانتخابي في كانون الثاني/ يناير 1992

بعد أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 9881، دخلت الجزائر مرحلة التعددية السياسية بعد أكثر من عشرين سنة من حكم الحزب الواحد المتمثل بحزب جبهة التحرير الوطني. وظهر حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ ذو التوجه الإسلامي بوصفه أبرز حزب على الساحة السياسية في الانتخابات البلدية في حزيران/ يونيو 9901؛ إذ فاز بأغلبية ساحقة في أوّل انتخابات تعدّدية شهدتها الجزائر منذ الاستقلال، وفاز بأغلبية المقاعد في 850 مجلس بلدي من أصل 5411 بلدية؛ أي ما يمثّل %54.25 من الأصوات، في حين تحصّل حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم سابقًا، على %28.13 من الأصوات فقط. أمّا في الجولة الأولى للانتخابات التشريعية في كانون الأول/ ديسمبر 9911، فقد تحصّلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على 881 مقعدًا من أصل 232 مقعدًا، جرى الحسم فيها في الجولة الأولى ما يمثّل %81 من هذه المقاعد، في حين تحصّل حزب جبهة التحرير الوطني على 61 مقعدًا فقط. وتكمن نقاط التشابه بين الحالة المصرية والحالة الجزائرية في النقاط التالية: أولً، في انقلاب الجيش على الشرعية الدستورية والمؤسسات الدستورية من خلال إيقاف المسار الانتخابي، يوم 11 كانون الثاني/ يناير 9921، والحيلولة دون التوجه نحو إعادة جولة الانتخابات التشريعية التي كان من المقرَّر إجراؤها في 61 كانون الثاني/ يناير 9921؛ فلقد فرض الجيش على الرئيس الشاذلي بن جديد أن يحلّ المجلس الوطني الشعبي ويقدّم استقالته لضمان عدم وصول عبد العزيز بلخادم، رئيس المجلس الوطني الشعبي آنذاك، إلى رئاسة الدولة، بحسب نصّ الدستور في حال وفاة رئيس الجمهورية أو استقالته، نظرًا إلى كونه معروفًا بأنّه ينتمي إلى الجناح الإسلامي في حزب جبهة التحرير الوطني. وفي الحالة المصرية نلاحظ كذلك أنّ الجيش هو الذي عزل الرئيس مرسي، كما أنّ الرئيس المعيَّ بعد عزْل الرئيس السابق قد حلَّ مجلس الشورى، نظرًا إلى أنّ الأغلبية التي يتمتّع بها التيّار الإسلامي عامّةً، وجماعة الإخوان المسلمين بالخصوص، في ذاك المجلس. ثانيًا، في كلتا الحالتين: الجزائرية والمصرية، نلاحظ وجود تحالف بين المؤسّسة العسكرية والتيّارات اللبرالية والعلمانية ورموزهما في الإعلام، من أجل إيقاف المسار الانتخابي وإجهاض التجربة الديمقراطية الوليدة تحت حجّة حماية النظام الجمهوري، والحيلولة دون وصول التيّار الإسلامي إلى السلطة؛ لأنهم يرون أنه رجعيّ، وأنه يستغل الديمقراطية من أجل الوصول إلى الحكم قبل الانقضاض عليها. وبعد ظهور نتائج الدورة الأولى للانتخابات التشريعية في الجزائر، سارع عدد من الرموز والتنظيمات ذات التوجه اللبرالي-العلماني التي دعت الجيش إلى التدخل ووقْف العملية الانتخابية إلى تأسيس "اللجنة الوطنية من أجل إنقاذ الجزائر." ولقد أسِّست هذه اللجنة بدعم

من الجيش، والمخابرات العسكرية بالذات، وكانت تضمّ "الاتحاد الوطني للعمّ ل الجزائريين" - وهي النقابة العمالية التابعة للحزب الحاكم سابقًا - جبهة التحرير الوطني، و"الاتحاد الوطني للمقاولين العموميِيّن" - وهي كذلك تابعة للحزب الحاكم السابق - وحزب الطليعة الاشتراكية ذات التوجه الشيوعي، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي كان يترأسه سعيد سعدي، وهو حزب ذات توجه علماني أمازيغي. والجدير بالذكر أنّ هذه اللجنة نصّبت نفسها متحدِّثًا عن المجتمع المدني وأدّت دور الواجهة المدنية التي دعت الجيش إلى التدخل والانقلاب على الشرعية، وهو ما حدث كذلك في مصر من خلال جبهة الإنقاذ الوطني وحركة تمرّد. ثالثًا، هناك تشابه قوي في طريقة تعامل الجيش وحلفائه مع جماعة الإخوان المسلمين؛ فهي طريقة تتميّز بلغة الشيطنة في الإعلام، وبالبعد الأمني والاستئصالي. وإنّا لنجد بالفعل، في كلّ من الجزائر ومصر، أنّ القوى السياسية ذات التوجه اللبرالي و العلماني، في سعيها للاستنجاد بالمؤسّسة العسكرية وإجهاض العملية الديمقراطية، تشكِّك في النيّات الديمقراطية للتيّار الإسلامي، حتى تعطيَ شرعيةً لعملية الانقلاب على العملية الديمقراطية تحت غطاء حماية الديمقراطية، وهي تسعى أيضًا إلى إثبات تهمة الإرهاب في التيّار الإسلامي برمتّه، مستدلَّةً بوجود عناصر متطرفة، هي في الأساس مجموعات صغيرة مهمَّشة تمثّل أقلية في التيّار الإسلامي وصل بها الأمر إلى تكفير الرموز الإسلامية الأخرى التي تقبل المشاركة في العملية الديمقراطية. والجدير بالذكر في هذا المجال، أنّ التيّار السلفي- الجهادي الذي كان يتكوّن بالأساس ممّ كان يُعرف "بالجزائريين الأفغان"، انسحب من الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بعد فشله في السيطرة على جهاز الحزب في مؤتمر باتنة، في أيلول/ سبتمبر 9911، لمصلحة تيّار "الجزأرة" المعتدل الذي قبل بشروط اللعبة الديمقراطية، لأنّه فشل في إقناع قاعدة الحزب بطرحه، فقد كان يرفض العملية الديمقراطية برمّتها من منطلق عقائدي، ويرفض المشاركة في الانتخابات التشريعية، نظرًا إلى الطبيعة العسكرية للحكم في الجزائر وعدم جدية هذا الحكم في احترام قواعد اللعبة الديمقراطية وتسليم السلطة إلى التيّار الإسلامي حتى في حال فوزه في جميع الانتخابات. وهكذا شرع هذا التيّار السلفي- الجهادي في تأسيس أوّل مجموعة مسلحة مباشرةً بعد انسحابه من الجبهة الإسلامية للإنقاذ وهجم في أوّل عملية عسكرية له، في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 9911، على ثكنة قمّ ر على الحدود الجزائرية – التونسية، قبل الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي أجريت يوم 11 كانون الثاني/ يناير 992.1 ويبدو جليًّا أنّ التيّار السلفي - الجهادي لم يكن يمثّل الأغلبية في صفوف التيّار الإسلامي، ولكنّ إيقاف المسار الانتخابي والسياسة القمعية التي اتُّبعت ضدّ قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقواعدها هما اللذان دفعا برموز تيّار "الجزأرة" وجزء كبير من قواعد الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى أحضان التيّار السلفي- الجهادي في الجزائر، وإلى التوجه نحو الحرب الأهلية. وبالفعل، فمباشرةً بعد تدخل الجيش من أجل إلغاء الانتخابات التشريعية جرى حلّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ وشُنَّت عملية اعتقالات واسعة النطاق ضمّت نحو 30000 من قيادات الحزب وقواعده، وجرى إنشاء معسكرات في الجنوب تبيّ لاحقًا أنّها أدّت دورًا محوريًّا في تشدُّد قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقواعدها، وفي الانزلاق نحو الحرب الأهلية. وبالرجوع إلى الحالة المصرية نلاحظ وجود تشابه كبير في هذا المجال؛ إذ توجد جماعات سلفية - جهادية نشِطة في سيناء ليست جزءًا من الإخوان، ولا تتمتّع بثِقل كبير في التيّار الإسلامي في مصر. وإنّ النظام الجديد في مصر، وعلى رأسه قيادة الجيش - كما هو الشأن في الحالة الجزائرية - يسعى، على ما يبدو، من خلال السياسة القمعية المتبعة حاليًّا ضدّ المعارضين للانقلاب على الشرعية عامةً وعلى الإخوان المسلمين خاصةً، لاستدراجهم إلى العنف، حتى يعطيَ لنفسه الحقّ في إخراج هذا التيّار من المعادلة السياسية تحت غطاء الحرب على الإرهاب. وتتجلَّ هذه السياسة في الاعتقالات الواسعة في صفوف قيادات الإخوان، وفي دعوة الفريق عبد الفتّاح السيسي إلى التظاهر من أجل إعطاء الجيش تفويضًا لمحاربة الإرهاب. ومن خلال هذا التفويض يسعى النظام الحالي في مصر والجيش لبناء شرعية سياسية جديدة مبنية على فكرة الحرب على الإرهاب وسوف يترتب على هذه الشرعية الأمنية القضاء على التجربة الديمقراطية الوليدة كما حصل في الجزائر التي لم تشهد أيّ انتخابات نزيهة منذ أن تدخّل الجيش لإيقاف الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/ يناير.1992 رابعًا، اللعب على تعزيز مشاعر الخوف من الإخوان المسلمين من خلال سياسة الشيطنة في الإعلام، وقد ساهم فيها رموز من الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، والإخوان في مصر، بطريقة غير مباشرة عبْ خطاب سياسي متعدّد ومتناقض في بعض الأحيان، ولا سيما في ما يخصّ موقف عدد من الرموز، داخل التيّار الإسلامي، من الديمقراطية،

علاوةً على بعض التصريحات المستفزَّة في بعض الأحيان ضدّ قيادات الجيش ورموز التيّارات اللبرالية و العلمانية. وكما هو الحال في التجربة الجزائرية، تهدف سياسة الشيطنة والتشويه الإعلامي إلى قلْب الشارع ضدّ الإخوان في مصر، وخلْق رأي عامّ معادٍ لهم يستنجد بالجيش من أجل إنقاذ البلاد من الانزلاق إلى حرب أهلية، ويقود "الحرب ضدّ الإرهاب"، بحسب رأيهم. أمّا نقاط الاختلاف بين الحالة المصرية والجزائرية فنستطيع أن نلخّصها في النقاط التالية: نقطة الاختلاف الأولى تكمن في الخلفية الفكرية والثقافية المختلفتين للقيادتين العسكريتين في الجزائر ومصر؛ فالقيادة العليا للجيش الجزائري، عام 9921، كانت متكوِّنة من مجموعة الضباط المعروفة باسم "الهاربين من الجيش الفرنسي"، وكانت لديهم خلفية سياسية علمانية وخلفية ثقافية فرنسية نظرًا إلى تاريخهم المرتبط بالجيش الفرنسي. أمّا القيادة الحالية للجيش المصري فخلفيتها السياسية والثقافية محافظة دينيًّا وثقافيًّا، وهي لا تنتمي، سياسيًا، إلى التيّار العلماني، بل العكس هو الصحيح، كما يبدو جليًّا من خلال الأطاريح التي قدّمها كلّ من وزير الدفاع الفريق عبد الفتّاح السيسي، والفريق صدقي صبحي رئيس الأركان، عندما كانا في دورة تدريبية في الكلية الحربية في الولايات المتحدة الأمريكية ما بين عامي 2005 و 2006؛ فلقد أكَّد الفريق عبد الفتّاح السيسي في أطروحته، تحت عنوان "الديمقراطية في الشرق الأوسط"، الدور المحوري للدين في سياسات المنطقة، و"أنّ ضمان نجاح الديمقراطية في الشرق الأوسط يتطلَّب احترام الطبيعة الدينية للثقافة"، و"أنّ المصريين والعرب سينظرون إلى الديمقراطية بإيجابية فقط إذا تمّ المحافظة على القاعدة الدينية". ويُضيف الفريق عبد الفتّاح السيسي في رسالته أنّه "من غير المرجّح أن تحظى العلمانية بقبول لدى الأغلبيّة القصوى لشعوب الشرق الأوسط نظرًا لتدينهم القوي". أمّا في ما يخصّ رئيس الأركان، الفريق صدقي صبحي، فلقد كتب في أطروحته أنّ "عِداء الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الشريعة الإسلامية يقوّض جهدها من أجل الديمقراطية" وأنّ "الدعم الكامل للولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل يغّذي المشاعر المعادية لأميركا، ويورِّطها في صراعٍ مع الولايات المتحدة الأمريكية لن تتمكن من الفوز فيه". ومن الممكن أن يكون لهذا الفرق الجوهري، بين القيادتين العسكريتين، تداعيات مختلفة في ما يتعلّق بالتطورات السياسية في مصر، على المديَيْ القريب والبعيد؛ إذ يمكن أن يؤديَ توجّه القيادة العسكرية الحالية المحافظة دينيًّا وثقافيًّا، إلى انهيار التحالف بين المؤسّسة العسكرية ورموز التيّارات اللبرالية و/أو العلمانية. وإنّ بوادر هذا الانهيار قد بدأت تظهر في الحملة الإعلامية ضدّ البرادعي، نائب الرئيس الموقَّت، السابق والذي استقال من منصبه احتجاجا على فض الاعتصامات بالقوة. وفي الحالة الجزائرية بدأت بوادر الخلاف تظهر بين المؤسّسة العسكرية ورموز التيّار اللبرالي العلماني، عام 9951، بمناسبة الانتخابات الرئاسية الأولى، وذلك بعد إيقاف الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/ يناير 9921؛ إذ بدا جليًّا، من خلال ترشيح اللواء اليمين زروال مرشحًا للمؤسّسة العسكرية، أنّ الجيش والنظام الذي يمثّله على غير استعداد للتخلي عن السلطة، أو حتى تقاسمها مع التيّارات اللبرالية أو/و العلمانية. وفي الحالة المصرية أتوقّع أنّ التحالف بين الجيش والرموز اللبرالية العلمانية لن يدوم أكثر من عدّة شهور، وأنّ مدّة ذلك لن تصل إلى سنة. والجدير بالذكر، أنّ هشاشة هذا التحالف لا تعود إلى الاختلاف الفكري والأيديولوجي فحسب؛ لأنّ ما يعرف بالتيّارات اللبرالية و العلمانية لا ثِقلَ له اجتماعيًّا وسياسيًّا؛ ولذلك لن يكون له أيّ وسيلة ضغْط على قيادة الجيش، وعلى توجهاتها المستقبلية. أمّا على المستويين المتوسط والبعيد، فيبدو، من خلال الخلفية الفكرية الدينية للقيادة الحالية للجيش، أنّ النظام السياسي في مصر يتوجّه نحو صيغة أقرب ما تكون إلى النظام السياسي في باكستان بعد انقلاب اللواء ضياء الحقّ عام 9771؛ أي إنّه سيؤول إلى نظام عسكري محافظٍ دينيًّا وثقافيًّا، فيكون حليفًا إقليميًّا للمملكة العربية السعودية ولدول الخليج ما عدا قطر، وحليفًا عالميًّا لأميركا. ثانيًا، الوضع الإقليمي والعالمي الحالي المختلف يتمثّل بوجود موجة الربيع العربي التي تجعل من الصعب على النظام الحالي في مصر فرْض قراره بعزل الرئيس محمد مرسي من خلال سياسة أمنية قمعية، من دون أن تكون لهذه السياسة عواقب داخلية ودولية. وإنّ الوضع الإقليمي المضطرب، وخاصةً في ليبيا التي تتميّز بحالة انفلات أمني

وبالتحوّل إلى سوق مفتوح لتهريب السلاح منذ سقوط نظام القذافي، قد يسهّل عملية تسليح المجموعات المسلحة التي قد تتشكَّل إذا استمرّ النظام الحالي في مصر في الانغلاق السياسي وسياسة القمع ضدّ جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم. والملحوظ إقليميًّا، هو أنّه كان هناك إجماع عربي وإسلامي وإفريقي، في ما يتعلّق بالحالة الجزائرية، على عدم التدخل في الشأن الجزائري، فلم ترتفع أصوات ضدّ الانقلاب العسكري عام 9921، في حين نلاحظ، في الحالة المصرية، أنّ عددًا من دول الربيع العربي – مثل تونس وليبيا - قد ندَّدت بما سمَّته الانقلاب العسكري، كما قرّر الاتحاد الإفريقي تجميد عضوية مصر، إضافةً إلى موقف كلّ من جنوب إفريقيا وتركيا الشديد اللهجة من عملية عزْل الرئيس محمد مرسي. فهذه المواقف المعارضة إقليميًّا لتدخل الجيش في مصر سوف تكون عقبةً للدبلوماسية المصرية، كما أنها سوف تؤثر سلبيًّا في موقع مصر ودورها الإقليمي. أمّا على المستوى العالمي، كما هو الشأن في التجربة الجزائرية، فإنّ الموقف الغربي من عملية عزْل الرئيس المصري، بوجه عامّ، لا يتطابق ومبادئه الديمقراطية المعلنة، كما أنّه ملتبس وغير قادر على أخْذ قرار واضح وحاسم من عملية عزْل رئيس منتخب، وهو موقف ينتظر تداعيات تدخُّل الجيش لعزل الرئيس قبل أن يحسم موقفه. غير أنّه لا يبدو أنّ الديبلوماسية المصرية في ظلّ النظام الجديد، على الرغم من الموقف الغربي الملتبس تجاهها، سوف تتمتّع بالدعم نفسه الذي وجدته الدبلوماسية الجزائرية (وخصوصًا الدعم الفرنسي ضدّ المدّ الإسلامي، من أجل محاصرة الجبهة الإسلامية وأنصارها)، نظرًا إلى الواقع الجديد الذي فرضه الربيع العربي على الساحة الإقليمية والدولية على مستوى الرأي العام العالمي، إضافةً إلى الواقع الإعلامي الجديد الذي نتج عن ثورة المعلومات ووسائط التواصل الاجتماعي. وإنّ المواقف الغربية، إضافةً إلى ذلك، قد تتغيّ لغير مصلحة النظام الجديد في مصر، إذا انزلقت الأوضاع نحو مشهد يسوده العنف والضحايا في صفوف المدنيين من جرّاء عمليات فضّ الاعتصامات المندّدة بعزل الرئيس محمد مرسي. ولاشكّ في أنّ هناك، على العكس من الحالة الجزائرية، وساطاتٍ إقليميةً ودوليةً من أجل الخروج بحلّ سياسي سريع للأزمة في مصر من شأنه أن يحول دون انزلاقها نحو العنف والفوضى، ولكن من غير المتوقع أن يُكلَّل هذه الجهد بالنجاح؛ لأنّ النظام الحالي في مصر يحاول توظيف هذه الوساطات لإقناع جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم بالتخلِّ عن مطالبهم، والقبول بخريطة الطريق، وبمنطق القوة الذي فرضه الجيش، وبعزْل الرئيس المنتخب، ولا يحاول الوصول إلى حلّ وسطٍ يقبله الطرفان. وفي ما يخصّ إدارة الرئيس باراك أوباما وموقفها من عزْل الرئيس المصري، فقد اتَّسم موقفها بالالتباس وعدم الوضوح في البداية، ممّ أعطى إشاراتٍ متناقضةً إلى الأطراف المختلفة على الساحة المصرية، كما هو الحال بالنسبة إلى جميع مواقفها تجاه ثورات الربيع العربي. ولكن من خلال التصريح الأخير لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي قال فيه: "إنّ الجيش تدخّل من أجل استعادة الديمقراطية في مصر يوم 3 تموز/ يوليو، بناءً على طلب الملايين من الشعب المصري الذين خرجوا إلى الشوارع"، ولذلك يبدو أنّ موقف الإدارة الأمريكية أصبح يقترب، ولو بحذر، من طرْح المؤسّسة العسكرية في مصر. وأنّ استمرّار هذا الموقف مرتبط، بالفعل، بالتطورات المقبلة على ساحة الصراع في مصر؛ فهذا الموقف يمكن أن يتغيّ إذا حدث صدام دموي يُسفر عن ضحايا في صفوف المدنيين، وهذا الأمر يبدو مرجَّحًا جدًّا. وباختصار، نستطيع أن نصف الموقف الغربي عامةً من الانقلاب في مصر وتداعياته بأنّه مساند للانقلاب ولو بحذر؛ لأنّه ينتظر ليرى إذا كان الجيش سوف ينجح في فرض منطق الانقلاب وتثبيت حكمه، قبل أن يتَّخذ موقفًا واضحًا وصريحًا من الأحداث. وإنّ هناك، بالفعل، تأييدًا إقليميًا للانقلاب؛ إذ يبدو ذلك جليًّا في مواقف السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والأردن، علاوةً على إسرائيل. وهذا المحور أصبح يمثّل المحور المناهض للربيع العربي عامةً وللإخوان المسلمين في مصر خاصةً. وأمّا عالميًّا فهناك انزعاج واضح بالنسبة إلى الدول الغربية من إفراط السلطات المصرية في استعمال العنف، ولكنّ الموقف الغربي من الأحداث لم يَرْقَ بعد إلى مستوى المبادئ الديمقراطية التي تدافع عنها، على أنّه موقف قد يتغيّ لغير مصلحة النظام الحالي في مصر إذا استمرّ عنفُ النظام ومعه المزيد من الضحايا المدنيين. ثالثًا، لم تتمكّن الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الوصول إلى الحكم في حين وصل الإخوان المسلمون إلى البرلمان بغرفتي الشعب والشورى، إضافة إلى رئاسة الدولة، ممّ يعطيهم شرعية أكبر في المطالبة بالرجوع إلى الشرعية الدستورية؛ لكونهم لاعبًا فاعلً في الساحة السياسية، من الصعب تجاهله أو التعامل معه أمنيًّا فقط. أمّا نقطة الاختلاف الرابعة فهي أنّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ كانت حديثة النشأة وأقلّ تنظيمً، مقارنةً بالإخوان المسلمين ذوي التاريخ الطويل والتنظيم المنضبط، علاوةً على خبرتهم الطويلة في الصراع

السياسي ضدّ نظام الحكم في مصر ممّ يؤهلهم لإدارة المرحلة الحالية بفعالية أكبر، ولتقليل إمكانات الانزلاق في فخّ الحرب الأهلية الذي يسعى النظام الحالي في مصر جاهدًا لإسقاطه فيه حتى يعطيَ لنفسه شرعيةً داخليةً ودوليةً جديدةً عنوانها "الحرب ضدّ الإرهاب." خامسًا، المجال الإعلامي الحالي أكثر انفتاحًا من فترة التسعينيات من القرن الماضي؛ وذلك بفضل وجود فضائيات متعدّدة لا يستطيع نظام الحكم في مصر السيطرة عليها كلّها، إضافةً إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تضطلع بأدوار لا يُستهان بها في المعركة الإعلامية. ولقد أدَّى الإعلام دورًا بارزًا في إستراتيجية إطاحة الرئيس محمد مرسي، وسيسعى النظام الجديد في مصر إلى كسْب معركة الإعلام في مرحلة ما بعد عزْل الرئيس، ولكن يبدو أنّه سوف يكون من الصعب تحقيق هذه المهمّة بنجاح في ظلّ الانفتاح والتنوّع في المجال الإعلامي، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

السيناريوهات المحتملة

من خلال ما تقدّم من التحليل المختصر للنموذجين: الفنزويلي والجزائري بالخصوص، نستطيع أن نتصور عددًا من السيناريوهات بشأن التطورات المستقبلية المحتملة للأزمة المصرية: فالسيناريو الأول ستستمرّ فيه حالة الانغلاق السياسي، وسيشهد تصاعد الحلّ الأمني ضدّ الإخوان وقواعدهم، وهذا الأمر سوف يعزِّز حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وسيستدرج، على المديَيْ المتوسط والبعيد، جزءًا من قيادات التيّار الإسلامي وقواعده بوجهٍ عامّ، والإخوان بوجهٍ خاصّ، إلى العنف المسلّح، فتدخل مصر في دوامة عُنف دموية قد تصل إلى حدّ الحرب الأهلية التي تكون عواقبها مدمّرةً بالنسبة إلى جميع الأطراف. ولكنّه من المستبعد أن تصل الأمور إلى تكرار السيناريو الجزائري في ما يخصّ الانزلاق إلى حرب أهلية مكتملة الأطراف، وذلك بالنظر إلى تاريخ الإخوان في الصراع مع المؤسّسة العسكرية في مصر، وتماسك التنظيم، وسيطرته على قواعده، ولكن لا نستطيع، في الوقت نفسه، أن نستبعد مستوى ضعيفًا أو متوسطًا من العنف من أفراد أو مجموعات محدودة؛ إذ يبدو أنّ المؤسّسة العسكرية ومصالح الأمن المتمثّلة بوزارة الداخلية، تسعى إلى الصدام مع الإخوان المسلمين والقاعدة الشعبية التي يمثّلها، كما هو واضح من خلال الخطاب الإعلامي العنيف ضدّ جماعة الإخوان المسلمين، وعملية فضّ الاعتصامات بالقوة، وقد أدَّى ذلك إلى سقوط المئات من الضحايا في صفوف المعتصمين في ميداني رابعة العدوية والنهضة. ومن خلال هذه الأحداث الأخيرة، يبدو أنّ طريق الحلّ السياسي مسدود، لأنّ منطق القوة الذي فرضه تدخُّل الجيش من أجل عزْل الرئيس محمد مرسي، هو السائد حاليًّا. وفي المقابل، لا تستطيع جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها التراجع عن الاحتجاج السلمي تجاه هذا القرار المبني على منطق القوة، وخصوصًا إذا استمرّ اعتقال الرئيس المعزول والتهديد بملاحقته قضائيًّا، وإذا استمرّت الاعتقالات في صفوف قيادات الإخوان والحملة الإعلامية الشرسة عليهم. وإنّ الوصول إلى حلّ سياسي للأزمة في مصر سوف يتطلب حلًّ مشرِّفًا بشأن الرئيس المعزول محمد مرسي، كما يطالب بذلك الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، علاوةً على المطالبة بالتوقف عن اعتقالات الإخوان ومناصريهم، وعن الحملة الإعلامية الموجهة ضدّهم، والمطالبة بإعادة فتْح القنوات الفضائية التي أغلقت إثر عملية عزْل الرئيس. ولكن بالنظر إلى العقلية العسكرية التي ترفض التراجع، فإنّ هذا الحل المطروح من طرف الوسطاء الدوليين غير مُرجَّح؛ من أجل ذلك سوف تزداد الأزمة والمواجهات بين طرفي الصراع تفاقمً، إضافةً إلى تداعيات سلبية على الأمن والاستقرار والاقتصاد في مصر. ولهذه الأسباب، يبقى سيناريو استمرار حالة الانغلاق السياسي والمواجهة هو الأكثر ترجيحًا، في ظلّ المشهد السياسي الحالي المتشنِّج الذي لا يسمح بالوصول إلى حلّ وسطٍ يحفظ ماء الوجه بالنسبة إلى الطرفين، ويُجنِّب مصر الدخول في دوّامة العنف. على أنّ فُرص نجاح النظام الحالي في السيطرة على الوضع سياسيًّا وأمنيًّا ضعيفة؛ لأنّه يفترض وجود تماسك وصلابة في التحالف بين المؤسّسة العسكرية والرموز اللبرالية و العلمانية المختلفة. وهذا الأمر يبدو من الصعب أن يستمرّ طويلً بالنظر إلى هشاشة هذا التحالف غير المتجانس، كما يبدو ذلك جليًّا بعد استقالة البرادعي، وإلى تعارض المصالح فيه بين أقطابه المختلفة، إضافةً إلى الجوّ الإقليمي والعالمي الذي لا يشجّع الحلّ الأمني، وإلى التداعيات الخطِرة المحتملة على وحدة المؤسّسة العسكرية. وأمّا السيناريو الثاني فهو سيناريو الحلّ الوسط الذي يبدو، في الوقت الحالي، صعْب التحقيق، غير واضح المعالم؛ لأنّ الصراع مازال في مراحله الأولى، وكلّ طرف بصدد جسّ قوة الطرف الآخر ومواقف القوى

الإقليمية والدولية من الأزمة المصرية، علاوةً على وجود إرادة سياسية على مستوى قيادة الجيش وحلفائها داخليًا وخارجيًا من أجل إنهاء حكم الإخوان وإخراجهم من المعادلة السياسية داخليًا وإقليميًا. ويبدو أنّ الوساطات الدولية الأخيرة - الأوروبية والإفريقية - تحاول أن تساعد على التوصل إلى هذا الحلّ الوسط، لأنّه هو السبيل الوحيد لتفادي سيناريو الاضطراب السياسي والعنف المزمن - وإن كان حلًّ محدودًا - أو الحرب الأهلية في أسوأ الاحتمالات، ولكنّ فرص نجاح هذه الوساطات ضعيفة جدًّا؛ فكلّ ما يسعى إليه النظام الجديد في مصر هو إقناع جميع الأطراف، الداخلية والخارجية، بقبول الأمر الواقع الجديد؛ فهو يرفض أيّ حلّ وسطٍ، كما هو واضح بعد رفضه الخطة السياسية التي اقترحها الاتحاد الأوروبي والتي قبلها الإخوان المسلمون. وإنّ الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحادّ في المشهد المصري الحالي لا يسمح بالحلول الوسطى التي قد  تُ كِّن من تفادي المزيد من العنف، فضلً عن أنها تساعد على توافر الشروط الضرورية من أجل بناء مجتمع ديمقراطي يشمل الجميع، على أنّ الحلّ الوسط قد يصبح ممكنًا في حال استمرار الاحتجاجات السلمية وتوسعها بالتوازي مع انكماش القاعدة الشعبية المساندة للجيش، علاوةً على تصاعد التنديد الدولي بالانقلاب والسياسة القمعية المتَّبعة؛ ذلك أنه قد يترتَّب على ذلك عقوبات اقتصادية و/أو عسكري على النظام المصري الحالي، كما هو الحال بالنسبة للقرار الأوروبي الأخير "بتعليق تصدير جميع المعدّات التي يمكن استعمالها في عمليّات القمع الداخلي"، إضافةً إلى ما هو مطروح على المستوى الأمريكي، من أجل حمْل هذا النظام الحالي على إعادة حساباته والقبول بحلّ سياسي وسط يمنع الانزلاق نحو المزيد من العنف والاستقطاب السياسي والاجتماعي. وإنه من المستبعد أن يكون للعقوبات، إن فرضت بالفعل، أثرٌ كبير في الاقتصاد المصري، وبخاصة في ضوء استعداد عدد من دول الخليج تعويض خسارة المساعدات الأوروبية والأمريكية، ولكن سوف يكون لهذا القرار المحتمل الأثر البالغ، سياسيًّا ومعنويًّا، في النظام الحالي في مصر، وسوف يؤدي إلى عزله دوليًّا. علاوةً على ذلك، لن يحتمل الاقتصاد المصري مدّةً طويلةً نتائج عدم الاستقرار السياسي، حتى في حال الدعم المالي عدد من الدول الإقليمية؛ لأنّ هذه المساعدات المالية لن تستطيع أن توظَّف في مشاريع تنموية في جوّ من انعدام الاستقرار والأمن، كما أنّه من غير محتمل أن تواصل هذه الدول دعمها المالي على المدى المتوسط أو الطويل؛ نظرًا إلى حاجة اقتصادات هذه الدول إلى هذه المبالغ في المقام الأول، بسبب الارتفاع المتزايد لنفقات هذه الحكومات على المشاريع الاجتماعية والاقتصادية نتيجةً للربيع العربي وتداعياته السياسية والاجتماعية على هذه الدول التي تتقلَّب اقتصاداتها بتقلُّب أسعار النفط، ونتيجةً للضعف البنيوي بالنظر إلى طبيعتها الريعيَّة. أمّا السيناريو الثالث الذي يتمثل بحدوث شرْخ على مستوى المؤسّسة العسكرية على المدى القصير، والذي يفترض عودة الرئيس محمد مرسي إلى منصبه، كما حصل في النموذج الفنزويلي، فهو مستبعد، واحتمالاته تكاد تكون منعدمةً نظرًا إلى تماسك المؤسّسة العسكرية في مصر، ولكنه قد يصبح محتملً، على المديَيْ المتوسط أو البعيد، إذا زادت حدّة المواجهات ضدّ أنصار الإخوان وحلفائهم، وسقط عدد كبير من الضحايا المدنيِيّن، وكان الجيش طرفًا رئيسًا في هذه المواجهات، ولكن من دون أن يعنيَ ذلك بالضرورة عودة محمد مرسي إلى منصبه.

خلاصة

الفرق الجوهري بين 25 كانون الثاني/ يناير 2011 ويوليو 2013 هو أنّ الشعب - في الحالة الأولى - خرج بطريقة عفوية مطالبًا بإسقاط النظام القائم واقتلاع جذوره، بما فيه إسقاط الحكم الفعلي للعسكر، وهو ما يمثّل ثورةً حقيقيةً، سياسيًّا ونفسيًّا على نحوٍ خاصّ؛ إذ انكسر حاجز الخوف النفسي وثار الشعب ضدّ الرئيس والسلطة الفعلية المتمثلة بالجيش وحلفائه في "الدولة العميقة." أمّا يوم 30 يوليو 2013، يوم الاستنجاد بالجيش من أجل عزْل الرئيس مرسي، فتبدو فيه دلالة على أنّ جزءًا لا يُستهان به من الشعب المصري قد فضّ ل العودة إلى أحضان السلطة الفعلية والمستبدة، وهو ما يمثّل ثورةً سياسيةً ونفسيةً ومعنويةً مضادَّة. وينبغي لنا أن نضع عملية عزْل الرئيس محمد مرسي - غير الدستورية - في إطارها العامّ الصحيح، وهو سعي القوى الداخلية والإقليمية المناهضة للثورة، والتابعة للنظام القديم، إلى كسْ موجة الربيع العربي من خلال إستراتيجية مدروسة، من أجل إفشال ثورات الربيع العربي وتشويهها في نظر الرأي العامّ العربي والعالمي. وإنّ مسارعة بعض اللاعبين الإقليميين إلى الترحيب بعزل الرئيس محمد

مرسي، وتقديم الدعم المالي السريع للنظام الجديد في مصر، لم يكن محض مصادفة، بل كان جزءًا من تخطيط مسبق ضدّ موجة الربيع العربي، منذ اللحظة الأولى التي سقط فيها حكم بن علي في تونس، وحكم مبارك في مصر، وحكم القذافي في ليبيا. في الختام، نستطيع من خلال التجربة الجزائرية والمصرية أن نخرج بعددٍ من الاستنتاجات المرتبطة بتجربة التحول الديمقراطي في العالم العربي: أوّلً، يبدو جليًّا من خلال دور رموزٍ من المجتمع المدني والنخبة اللبرالية والعلمانية في عملية عزْل الرئيس محمد مرسي في مصر، وقبلها في الجزائر عام 9921، أنّ التيّارات اللبرالية و العلمانية في العالم العربي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار تعاني خللً هيكليًّا في فكرها، وفي علاقتها بشعوبها أيضًا؛ بسبب مواقفها المزدوجة والمتناقضة في ما يتعلَّق بفكرة الديمقراطية وشروطها، وبقبول هذه النخب التحالف مع المؤسّسة العسكرية ومع القوى المضادة للثورة. علاوةً على ذلك هناك مسؤولية مشتركة أيضًا بين جميع القوى السياسية على الساحة العربية في أزمة التحول الديمقراطي في العالم العربي، بالنظر إلى أنّ "الخلل في العلاقة بالفكرة الديمقراطية، ليست بعض التيّارات الإسلامية إلاّ أحد جوانبها ومناخًا عامًّا مضادًّا للفكرة الديمقراطية مؤاتٍ للاستبداد وقابليته". وإنّ الفكر السائد في الثقافة السياسية العربية هو، بالفعل، فكرُ الغلبة، وليس فكر المشاركة الذي يجب أن يكون سائدًا، وبخاصة في المرحلة التأسيسية للتجربة الديمقراطية كما هو الحال في مصر حاليًّا. ثانيًا، لا بدّ أن نشير إلى ضرورة وجود مجتمع مدني بنَّاء يساهم في عملية التحول الديمقراطي، على أن تكون مساهمته في إطار حلول سياسية ناجعة من دون أن تقوِّض النظام الديمقراطي أو تختطفه قوى أخرى. كما أننا نشير، في الحالة المصرية، إلى ضرورة التوصل إلى حلّ وسطٍ والخروج من منطق المعادلة الصفرية من الجانبين، وإلى أنّ عدم الاعتراف بالواقع السياسي والاجتماعي الذي يمثّله التيّار الإسلامي بوجهٍ عامّ، وجماعة الإخوان المسلمين بوجهٍ خاصّ، وتجاوز الإطار الدستوري الديمقراطي الذي سمح للإسلاميين بالمشاركة والفوز في الانتخابات، من العوامل الفاعلة في دفع بالبلاد نحو دوامة عُنف لا تحمد عقباها. يبدو أنّ المؤسسة العسكرية في مصر مازال يتحكم فيها منطق القوة والسيطرة على المعادلة السياسية، ولكن هذا المنطق ولّ ولم يعد مقبولً، داخليًّا كان أو دوليًّا، وخصوصًا بعد موجة الربيع العربي. وحتّى النموذج التركي الذي تصبو إليه النخب اللبرالية والعلمانية وقيادات الجيش في العالم العربي، جرى تجاوزه في تركيا نفسِها وأصبح دور الجيش فيها هامشيًّا في السنوات الأخيرة. ولم يعد ممكننًا ولا مقبولً أن يبقى للجيش الدور المهيمن في المعادلة السياسية. وعلى الجيوش العربية، والجيش المصري على نحوٍ خاصّ، استخلاص نتائج حكمه، في المجتمعات العربية منذ الخمسينيّات من القرن الماضي، من الفشل في مهمة التنمية، علاوةً على الفشل عسكريًّا في مواجهة إسرائيل. ثمّ إنه على المؤسَّسة العسكرية أن تدرك أنّ التجارب السابقة للانقلابات في العالم انتهت إلى الفشل عاجلا أو آجل. أمّا في ما يخصّ جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها، فمصيرهم مرتبط بالأساس بمدى قدرتهم على المحافظة على سلمية معارضتهم للانقلاب وعدم انزلاقهم في العنف الذي يسعى النظام الحالي جاهدًا إلى جرّهم إليه، علاوةً على قدرتهم على توسيع قاعدتهم الشعبية خارج صفوفهم والاستمرار في الاحتجاج السلمي ضدّ الانقلاب في جميع أنحاء الوطن وبخاصة في المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية. ولجماعة الإخوان تاريخ طويل في الصراع مع النظام العسكري في مصر منذ الخمسينيّات من القرن الماضي ولها القدرة، نسبيًّا، على إدارة الصراع بفعالية ويبدو أنّها مصرَّة على الطابع السلمي لاحتجاجاتها، ولكن إن انزلقت أغلبية قيادات الإخوان وقواعدها نحو العنف فسوف تكون نهايتها السياسية، حتى في حال فشلِ الانقلاب. ومن أكثر تداعيات الانقلاب خطورةً على مستقبل مصر أنّه لا يساهم في عملية بناء المؤسسات السياسية الديمقراطية والمستدامة التي لا بديل منها في الممارسة السياسية القادرة على استيعاب الجماهير، كما تؤكِّد ذلك جميع الأدبيّات الأكاديمية التي اهتمت بشروط استقرار النظم السياسية في الدول النامية، بل إنه يعرقل ذلك. وانطلاقًا من هذا التحليل، تُعدُّ عملية عزْل الجيشِ الرئيسَ محمد مرسي، بالاستناد إلى حشد جماهيري يعمل خارج إطار المؤسسات الديمقراطية الوليدة التي كانت في طور الإنشاء منذ ثورة يناير، ضربةً قويةً لمسيرة البناء المؤسسي في مصر. ونستطيع أن نتنبَّأ، بشأن مصر، بمزيد من عدم الاستقرار السياسي الذي قد يزرع بذور موجة ثورية أخرى على المدى المتوسط أو البعيد.