حركة تمرّد التونسيّة: الحدود والآفاق

أنور الجمعاوي

الملخّص

تستعرض هذه الدراسة ظروف نشأة حركة "تمرد" التونسية التي حاولت استنساخ تجربة حركة "تمرد" المصرية، بعد نجاحها في تغيير رأس هرم السّ لطة في مصر. وتحل ل الدراسة العوامل التي أدت إلى قيام حركة "تمرد التونسية"، كتعث ر المسار الانتقالي؛ وبطء وتيرة

الفساد والاستبداد؛ وبقاء مشروع العدالة الانتقاليّة معلقُّ ا؛ وتعط ل قطار الت نمية؛ وانتشار جيوب الفقر والبطالة في المدن وارتفاع الأسعار؛ وتدهور القدرة الشرائيّة للمواطن؛ وتأخ ر صوغ الدّستور؛ وإهدار المال العامّ؛ والت نازع على الن فوذ بدل تقاسم الأدوار؛ وسأْم قطاعٍ كبير من التونسيّين من حالة الاستقطاب الث نائي بين حركة الن هضة وحركة نداء تونس، وبين الائتلاف الحاكم والمعارضة. وتتعرض الدراسة بالتحليل لأهم نقاط الات صال والانفصال بين حركة "تمرّد" المصريّة وحركة "تمرّد" التونسيّة. وتتساءل إلى أيّ مدى يصح القول بإمكان تحوّل هذه الحركة من ظاهرة احتجاجية إلى قوّة تغيير، وما مستقبلها في ضوء مستجدّات المشهد العمراني والسّ ياسي بتونس اليوم.

الإصلاحات؛ وعدم تحق ق أهداف الث ورة من تأمين للش غل وإنصافٍ للمظلومين؛ ومحاسبةٍ لرموز

شهدت مصر في 30 يونيو 2013 حركة احتجاج شعبيّ أشرف على قيادتها عدد من الشّباب الذين أسّسوا ما يُسمّى ب "حركة تمرّد" التي نجحت في استقطاب ملايين المواطنين من فئات عمريّة وسياسيّة واجتماعيّة مختلفة، وأقنعتهم بالنّزول من جديد إلى ميدان التّحرير، والاعتصام به لأيّام متتالية؛ بهدف إزاحة أوّل رئيس مصريّ منتخب عن السّلطة. وقد شكّلت الحركة قوّة استثمرها الجيش في الانقلاب على الشرعيّة الانتخابيّة، والتّأسيس لمرحلة جديدة من العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر. وقد أغرى نجاح هذه التّجربة في تغيير أعلى هرم السّلطة في مصر عددًا من الشّباب التونسييّن الغاضبين على الأداء الحكومي والمستائين من تأخّر صوغ الدّستور وطول المسار الانتقالي، باستنساخ السّيناريو المصري في تونس؛ فتنادوا إلى تأسيس حركة تمرّد التونسيّة التي جرى الإعلان عنها بالعاصمة التونسيّة في 3 تموز/ يوليو 2013. ودعا المنسّق العامّ للحركة محمّد بالنّور التونسييّن على اختلاف انتماءاتهم الطبقيّة والأيديولوجيّة والجهويّة والحزبيّة إلى الانضمام إلى هذه الحركة؛ بغرض سحب الثّقة من المجلس التّأسيسي وجميع السلط المنبثقة منه بما في ذلك الحكومة والرّئاسة، داعيًا إلى إسقاط الدّستور، وإطاحة الإسلام السّياسي الحاكم الفاشل، على حدّ قوله. وقد وجدت هذه الدّعوة تجاوبًا من عدد من الأطراف السياسيّة اللائكيّة (العلمانية) المحسوبة على التيّار اليساري والتيّار اللّيبرالي في تونس، وفي مقدّمتها الجبهة الشعبيّة التي تتكوّن من ائتلاف يجمع بين اثني عشر حزبًا يساريًّا وقوميًّا علمانيًّا، وحركة نداء تونس بزعامة الباجي قايد السّبسي، وحزب المسار الديّمقراطي الاجتماعي. وقد عبّ ت هذه الأحزاب عن مساندتها لحركة تمرّد التونسيّة ومطالبها في التّغيير السّلمي لمؤسّسات الحكم. وتحاول هذه الدراسة الإجابة عن التساؤلات الآتية: ما هي أهمّ المعطيات المتعلقة بنشأة حركة تمرّد في نسختها التونسيّة؟ إلى أيّ مدى يجوز القول بإمكان تحوّل هذه الحركة من كونها ظاهرة احتجاج إلى كونها قوّة تغيير؟ ما هي نقاط الاتّصال والانفصال بين تمرّد المصريّة وتمرّد التونسيّة؟ وما هو مستقبل هذه الحركة في ضوء مستجدّات المشهد العمراني والسّياسي بتونس اليوم؟

حركة تمرّد التونسيّة: إرهاصات الولادة

لم تكن "حركة تمرّد" بدعة فريدة أو حدثًا لا مثيل له داخل الاجتماع التّونسي بعد الثّورة، فهي تندرج ضمن مسار الفعل الاحتجاجي اليومي الذي درج عليه النّاس بعد 41 جانفي (كانون الثاني/ يناير) 2011؛ فقد تعدّدت التظاهرات والاعتصامات المطلبيّة أو تلك المعارضة للسّلطة الحاكمة على مدى سنتين، وذلك بعد عودة المواطن إلى المشاركة في الشّأن العامّ إبّان الثورة، وشيوع ثقافة التّحشيد لدى الائتلاف الحاكم منذ انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 ولدى أحزاب المعارضة على السّواء. وقد سبقت حركة تمرّد دعوات صريحة إلى إسقاط النّظام الحاكم الذي أنتجته الشرعيّة الانتخابيّة، ولعلّ أهمّ تلك الدّعوات مطالبة الباجي قايد السّبسي زعيم حركة نداء تونس بحلّ المجلس التأسيسي والحكومة الانتقاليّة السابقة بزعامة حمّ دي الجبالي عشيّة 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، وذلك بحجّة عدم إيفاء السّلطة الحاكمة بعهودها المتعلّقة باستكمال صوغ الدّستور وتنظيم انتخابات تشريعيّة ورئاسيّة في ظرف سنة لا أكثر. وكانت الدّعوة الثانية للخروج على السّلطة الحاكمة إبّان مقتل شكري بلعيد زعيم حركة الوطنييّن الديّمقراطييّن اليساريّة في 6 شباط/ فبراير 2013، فقد تنادى أنصار الجبهة الشعبيّة وقتها بالخروج على الحكومة، وطالبوا بحلّ المجلس التّأسيسي والمؤسّسات التّابعة له والنّاتجة منه؛ وذلك بحجّة عدم قدرة الائتلاف الحاكم بزعامة حركة النّهضة ذات المرجعيّة الإسلاميّة على تحقيق مطالب الثّورة في الشّغل والكرامة، وعدم قدرته على فرض استتباب الأمن، وحماية المواطنين عمومًا والمعارضين خصوصًا. وباءت هاتان الدّعوتان إلى التمرّد على السّلطة بالفشل، وذلك لعدّة أسباب من بينها اصطباغ الدّعوتين كلتيهما بلون حزبي ضيّق؛ ممّ ساهم في الحدّ من حماس النّاس إلى التمرّد. كما أنّ قدرة حركة النّهضة على تحشيد الشارع إلى جانبها قد ساهم في ترجيح كفّة الدّعوة إلى الالتزام بالشرعيّة على الدّعوة إلى العصيان. يُضاف إلى ذلك أنّ الحزب الحاكم وحلفاءه قد أحسنوا إدارة الأزمة عقب مقتل شكري بلعيد، فقد لوّحت حركة النّهضة ممثّلة في أمينها العامّ حمّ دي الجبالي في البداية بتشكيل حكومة تكنوقراط، وهو اقتراح لقي قبولً واسعًا لدى أطياف المعارضة، وخفّف من الإحساس بالغضب لدى المحتجيّن على أداء الحكم الانتقالي. كما أنّ مبادرة النّهضة لاحقًا بالتّنازل عن وزارات السيادة (وزارة الداخليّة/ وزارة الدّفاع/ وزارة العدل) قد ساهم في التّقليص من وتيرة الاحتقان داخل المشهد الاجتماعي والسّياسي. أمّا حركة تمرّد التونسيّة التي ظهرت للعيان في 3 تموز/ يوليو 2013 فتتميّز عن الدّعوات السّابقة للخروج على النّظام الحاكم بميزتين: الأولى

أنّها تنأى بنفسها عن الحزبيّة، وتزعم أنّها حركة شعبيّة مفتوحة على جموع التونسييّن، والثّانية أنّها حركة احتجاجيّة شبابيّة يشرف على قيادتها عدد من الوجوه الشابّة غير المتحزّبين وغير المستهلكين سياسيّا. وتتبنّى هذه الحركة نهج التّغيير السّلمي، وتنحو منحى التّواصل الميداني المباشر بالمواطنين قصد إقناعهم بمشروعيّة التمرّد على السّلطة وضرورته، وتستعين في ذلك بتنسيقيّات موزّعة على مختلف محافظات الجمهوريّة التونسيّة، وتقوم بتظاهرات ثقافيّة وشعبويّة وتوعويّة تتقصّد تعبئة النّاس، وتأهيلهم للانتفاض الجماهيري على مؤسّسات الحكم، وذلك بعد أن تجمع مليوني توقيع على وثيقة "حركة تمرّد لسحب الثّقة من المجلس التأسيسي والمؤسّسات المنبثقة عنه". ولم تنشأ حركة تمرّد التونسيّة من فراغ، بل صدرت عن محضن شبابي مسكون بالقلق النّاجم عن عدّة أسباب من أهمّها تعثّ المسار الانتقالي، وبطء وتيرة الإصلاحات، وعدم تحقّق أهداف الثّورة وفي مقدّمتها تأمين الشّغل وإنصاف المظلومين، ومحاسبة رموز الفساد وأعلام الاستبداد، وبقاء مشروع العدالة الانتقاليّة معلّقًا، وتعطّل قطار التّنمية، وانتشار جيوب الفقر والبطالة في المدن وفي مناطق الظلّ، وارتفاع الأسعار، وتدهور القدرة الشرائيّة للمواطن، وتأخّر صوغ الدّستور، وإهدار المال العامّ بسبب النّفقات المتزايدة لأعضاء المجلس التّأسيسي مقابل احتدام الصّاع بين مكوّنات المشهد السّياسي الذي غلب عليه التّنازع على النّفوذ بدل تقاسم الأدوار، ومنطق الإقصاء بدل الحوار والتّواصل، حتّى سئم قطاع كبير من التونسييّن حالة الاستقطاب الثّنائي بين حركة النّهضة وحركة نداء تونس، وبين الائتلاف الحاكم والمعارضة الإقصائيّة. هذه المعطيات مجتمعة وفّرت المناخ المناسب لنشأة حركة شبابيّة تمرّدية تدعو إلى نقض السّائد، وإلى الالتفاف حول ثقافة الرّفض ومنطق العصيان بدل البحث عن حلول أكثر اعتدالً وأرسخ في الواقعيّة. والنّاظر في بيانات حركة تمرّد المعدودة، يتبيّ ملامح خطاب انفعالي مؤسّس في جانب كبير منه على حالة الإحساس بالإحباط، والتّوق إلى التّغيير ولو بطرق تبدو فوضويّة وغير واضحة المعالم، بل غير مأمونة العواقب. ويبدو الشّعور باليأس واضحًا عند قراءتنا استمارة "حركة تمرّد لسحب الثّقة من المجلس التّأسيسي وكلّ السّلط المنبثقة عنه" الموزّعة على المواطنين، والتي وردت بلهجة عامّية تونسيّة خالطتها اللّغة العربيّة، وذلك حتّى تكون مفهومة عند عامّة النّاس، وفيها تتردّد عبارات من قبيل "ما تبدّل شيء" و"رانا فدّينا" (لقد سئمنا)، و"ما عادش انحبّو نعيشو في الخوف والحيرة والجوع" (لم نعد نحتمل العيش في الخوف والحيرة والجوع)، و"ندمونا على أحلى ثورة".

وهي عبارات تتعلّق بمعجم وجداني دالّ على الإحساس بالقنوط والتوتّر وعدم الاستقرار، ويستمدّ هذا الشّعور شرعيّته من توصيف الحركة للواقع بأنّه محكوم بانعدام الأمن وازدياد الإرهاب وتفقير المواطن، وظهور طبقة من الطرابلسيّة الوصولييّن والسَ قَة الجُدد. وتعتبر الحركة المجلس التّأسيسي قد تجاوز صلاحيّاته، وفقد شرعيّته بانقضاء مدّة عام من انتخابه ولعدم قدرته على تقديم دستور خادم للتونسييّن، بل هو خادم "لمصلحة الأحزاب الحاكمة والمعارضة المتواطئة" معها، مقابل ضياع حقوق جرحى الثّورة وشهدائها الذين "كلمّا تكلّموا ضُبوا ولُفّقت لهم تهمة حتّى يسكتوا"، على حدّ زعم الحركة. ومن ثمّ، فإنّ الحركة تقدّم توصيفًا انطباعيًّا للواقع، يقوم أساسًا على استثارة المشاعر، وإصدار الأحكام المعياريّة للموجود من دون تقديم مقاربة موضوعيّة للوضع السّائد؛ فلا نجد في خطاب الجماعة إحصائيّات دقيقة، ولا حججًا منطقيّة لإقناع المتلقّي بضرروة التمرّد، بل نجد قراءة عدميّة للرّاهن التونسي بتجلّياته المختلفة. فمع واقعيّة الإقرار بتدهور القدرة الشرائيّة للمواطن وارتفاع الأسعار والتّ اجع البطيء لنسب البطالة، فإنّ ذلك لا يعني بحال القول بأنّ الوضع كارثيّ. والمطابقة بين الحكّام الجدد وحكّام الدّولة القامعة على عهد زين العابدين بن علي غير صحيحة؛ فحكّام العهد المنقضي كانوا يتولّون المناصب على جهة التّعيين والقرابة والمحسوبيّة وعلقت بهم تهم فساد ونهب للمال العامّ، وهو ما لم يثبت على الحكّام المنتخَبين الجدد إلى حدّ اللّحظة، باعتبار أنّ من يتولّ الوزارة أو غيرها من المناصب الحيويّة في هياكل الدّولة مُطالَب بتقديم تصريح على الشّف

يتضمّن كشفًا لأهمّ ممتلكاته وأرصدته الماليّة. أمّا ملفّ جرحى الثّورة وشهدائها فملفّ شائك تعهّدت به وزارة العدالة الانتقاليّة وحقوق الإنسان، وشُكّلت مجموعة من اللّجان المعنيّة بتمحيص الضّ حايا وجرد قوائم نهائيّة بأسمائهم، وجرى تقديم المساعدات الماليّة والتّسهيلات الإداريّة لهم، وتوفير أسباب العلاج لهم في الدّاخل والخارج. وتلفيق التّهم لهم أمر فيه مبالغة، إلاّ أن يكونوا قد انتحلوا صفة جريح أو متضرّر من أعمال العنف إبّان الثّورة. ولا مناص من مشايعة حركة تمرّد في استطالتها مدّة صوغ الدّستور، فهذا أمر ثابت. ولعلّ تجاوز المجلس التّأسيسي للمدّة القانونيّة المخصّصة لهذا المشغل راجع إلى حدّة النّقاش بين ممثلّي الشّعب حول دقائق الدّستور ومحامله الفنّية والمضمونيّة، فضلً عن انشغال المجلس بالنّظر في القضايا المحلّية والجهويّة للمواطنين، وعدم توفّر النّصاب القانوني من النوّاب لمناقشة فصول الدّستور المرتقب في بعض الأحيان. ومن منطلق توصيفها المخصوص للواقع التونسي، وقولها بأنّ "كلّ المؤسّسات السياسيّة من المجلس التّأسيسي إلى الحكومة والولاّة والمعتمدين... أثبتت إفلاسها وعجزها عن تقديم حلول حقيقيّة"، ومن منطلق ما تسمّيه "الحصيلة الكارثيّة لحكم التّوافق والشرعيّة الانتخابيّة"، دعت حركة تمرّد التونسييّن إلى "الدّخول في طور جديد تأخذ فيه الجماهير زمام المبادرة بإعادة تنظيم الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإداريّة وفرض واقع جديد"، ودعت إلى "توحيد قوى الشّعب ورصّ صفوفها لمواجهة السّلطة القائمة قصد تحقيق المطالب التّالية: حلّ المجلس التّأسيسي وكلّ المؤسّسات المنبثقة عنه وعلى رأسها الحكومة. تشكيل لجنة من خبراء في القانون الدّستوري تتسلمّ الدّستور في مستواه الحالي ويُعهد لها مراجعة الفصول التي تمّت صياغتها وإكمال صياغة الدستور بما يضمن حقوق الإنسان ويخدم مصلحة كلّ فئات الشّعب التّونسي وذلك في أجل لا يتجاوز.3 أشهر حلّ كلّ التنظيمات واللوبيّات التي تتبنّى العنف ممارسة وخطابًا. تعهّد المؤسّسة العسكريّة بحماية الفترة القادمة على المستوى الأمني وتقديم ضمانات بعدم التدخّل في المرحلة السياسيّة القادمة. إعادة فتح ملفّ العفو التشّريعي العامّ والمنتفعين به. خطّة عاجلة للحدّ من البطالة وإيلاء الأولويّة لأصحاب الشّهائد العليا عبر آليّات تكفل ذلك. مراجعة كلّ العهود والاتّفاقيّات المبرمة بإشراف لجنة من الخبراء في الاقتصاد". والملاحظ من خلال هذه المطالب أنّها واردة على جهة العموم، ويغلب عليها الغموض وتعتريها الضبابيّة، ولا تبعث برسائل طمأنة واضحة إلى المواطن التّونسي. ففي مستوى عموميّة الخطاب لا يفهم المتقبّل المقصود بحلّ كلّ التنظيمات واللّوبيات. أليس ذلك مدعاة إلى تصفية الآخر تحت مطيّة اتّهامه بالعنف الخطابي أو المادّي، كما أنّ مراجعة ملفّ العفو العامّ والمنتفعين به مطلب مبهم غير مفصّل، فهل القصد إجراء العفو العامّ أم تعليقه أم توسيعه أم تقليص عدد المستفيدين منه؟ أمّا ما تعلّق بضبابيّة الخطاب وانعدام الطمّأنة، فمتمثّل في نسف خطاب حركة تمرّد لسنتين من مسار الحكم المدني الانتقالي، وتلويحها بالتّأسيس لسلطة العسكر بدلً من السّلطة المدنيّة والشرعيّة الانتخابيّة. وتلك مؤشّات تساهم في تنفير النّاس، وهي تعدّ من العوائق التي تحول دون انتقال حركة تمرّد من ظاهرة احتجاج إلى قوّة تغيير.

حركة تمرّد التونسيّة: عوائق الانتقال من حركة احتجاج إلى قوّة تغيير

تعاني حركة تمرّد التونسيّة عوائق مختلفة تحول دون عبورها مرحلة الفعل الاحتجاجي إلى مرحلة القوّة الضّ اغطة القادرة على التّغيير. ويمكن تصنيف تلك العوائق إلى: ذاتيّة وموضوعيّة.

أولا: العوائق الذاتيّة

. محدوديّة الت 1 جربة النضاليّة

أغلب المشرفين على حركة تمرّد هم من الشّباب المغمور، الذي تسكنه رغبة في التّغيير، واندفاع انفعالي نحو تحقيق التحوّل والإطاحة بالسّلطة القائمة. والإشكال ماثل في أنّ هؤلاء القادة المحتجيّن الجدد لا يتوفّرون على رصيد نضاليّ مهمّ في مجال مكافحة الاستبداد أو الانتصار لحقوق الإنسان، وليسوا معروفين لدى عامّة النّاس على خلاف أعلام السّلطة الحاكمة الذين قضّ وا سنوات من أعمارهم في مقارعة الدّيكتاتوريّة، وتوزّعوا بين السّجون والمنافي، وهو ما اكسبهم إرثًا نضاليًّا رمزيًّا شرّع لوجودهم واستمرار قيادتهم لجموع المحكومين.

يُضاف إلى ذلك أنّ الشّباب المحتجّ الصّاعد في حركة تمرّد التونسية لم يتمكّن بعدُ من آليّات الخطاب الحجاجي وتقنيات القدرة على التّعبئة والإقناع، فالبيانات الصّادرة عن الحركة ترد غالبًا في شكل خطاب موسوم بالعموم والارتجاليّة، ولا يرقى إلى درجة الخطاب الحجاجي المتماسك، واضح المعالم والقادر على الانتقال بالمتلقّي من موقع الحياد أو التحزّب إلى موقع المنتصر لحركة التمرّد. فضلً عما نلحظه على صفحات التّواصل الاجتماعي التّابعة للحركة من تنافس على الزّعامة، والظّهور الإعلامي بين قيادات الحركة، فقد اشتدّ النّزاع على صفة النّاطق الرّسمي لحركة تمرّد التونسيّة بين محمّد بالنّور وهيثم العوني. وبدت بوادر التصدّع داخل الحركة نتيجة ميل بعض أعضائها إلى مدّ الجسور مع عدد من الأحزاب السياسيّة، ورفض آخرين لذلك. وهو ما يُخبر بنقص التّجربة النضاليّة للجماعة تفكيرًا وتنظيرًا وتطبيقًا. وهذا الأمر يمكن أن يكون عائقًا دون نفاذها إلى عمق الاجتماع التّونسي.

2. عمومية النداء وغياب البدائل

كانت حركة تمرّد التونسيّة صريحة في إطلاق شعار "تمرّدوا"، وفي توجيهها النّداء لعموم التونسييّن للخروج على النّظام الحاكم والمطالبة بسحب الثّقة من المجلس التّأسيسي والسّلط المنبثقة منه. لكنّ هذا النّداء لم يحمل معه خارطة طريق مفصّلة لما بعد التمرّد؛ فالدّعوة إلى العصيان مؤسّسة على كسر سلطة القانون، وعلى نقض الشرعيّة الانتخابيّة السّائدة، ومبنيّة على المطالبة بتقويض أركان الدّولة المدنيّة التي أنتجها صندوق الاقتراع (المجلس التّأسيسي/ الحكومة/ الرّئاسة.) وفي ذلك نكوص عن أساليب التّنافس الديّمقراطي من ناحية، ومجازفة بالدّخول في عصر الفوضى من ناحية أخرى؛ ذلك أنّ تمرّد التونسيّة لا تقدّم بديلً واضحًا للمؤسّسات الشرعيّة القائمة، بما يوحي بإمكان دخول البلاد في مرحلة فراغ دستوري وسيادي في صورة نجاح التمرّد المحتمل. والمطالبة بحلّ المجلس التّأسيسي فيها نقض لخيارات النّاخبين في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، وفيها نسف لجهود التّشاور والتّوافق وأعمال الحوار والتّواصل بين الأحزاب ومكوّنات المجتمع المدني التي امتدّت شهورًا قصد بلورة دستور مواطني تشاركي يحظى بموافقة أغلب التونسييّن. والبديل من المجلس الحالي في نظر حركة تمرّد "تشكيل لجنة خبراء في القانون الدّستوري تشرف على مراجعة الدّستور وإكمال صياغته". لكن على أيّ أساس يتمّ اختيار أعضاء هذه اللّجنة؟ وما مدى شرعيّتها؟ ومن فوّضها لتتولّ مهمّة صوغ الدّستور بدلً من مجلس تأسيسي منتخَب؟ وقبل هذا وبعده، أليس المشرفون على صوغ الدّستور حاليًّا هم من أهل الاختصاص وذوي الخبرة في المجال القانوني؟ والاعتراض نفسه يمكن أن يسري على مطالبة "تمرّد" بحلّ الحكومة وبتقويض مؤسّسة الرّئاسة؛ فالحركة لا تقدّم أيّ تصور منطقيّ مفصّل لكيفيّات إزاحة تلك المؤسّسات المدنيّة ومتعلّقاتها والقيام بديلً منها. فلا نعرف على أيّ أساس شرعيّ ستتولّ حكومة ما بعد العصيان حكم النّاس، وكيف يتمّ تعيينها؟ وما هي صلاحيّاتها؟ والغموض نفسه متعلّق بمؤسّسة الرّئاسة المنشودة وتوابعها. أمّا على الصّعيد الاجتماعي فوعدت حركة تمرّد بصوغ "خطّة عاجلة للحدّ من البطالة وإيلاء الأولويّة لأصحاب الشّهائد العليا عبر آليّات تكفل ذلك"، لكنّها لم توضّ ح معالم تلك الخطّة ولا إمكانات تطبيقها

ووسائل إنجازها. ممّ يجعل الأمر أقرب إلى الشّعار التّعبوي منه إلى المعالجة الجدّية لمعضلة البطالة في تونس. أمّا على الصّعيد الاقتصادي وفي مستوى علاقات التّعاون الدّولي، فدعت الحركة إلى "مراجعة كلّ العهود والاتفاقيّات المبرمة بإشراف لجنة من الخبراء في الاقتصاد." وهذا المطلب يُنذر بدخول تونس في مواجهة مع الاتّحاد الأوروبّ وصندوق النّقد الدّولي، ويؤدّي إلى إرباك مسيرة الشّاكة الاقتصاديّة التي بدأها الحكم الانتقالي مع عدد من دول الخليج ودول الجوار العربي والمتوسّطي. وبالمقابل، لا تقدّم حركة تمرّد برنامجًا اقتصاديًّا بديلً ولا شبكة جديدة لتنشيط العلاقات التونسيّة مع الدول الأخرى. وبذلك فعموم الخطاب، وعدم وضوح الرّؤية المستقبليّة، وانعدام البديل يحول دون نجاعة تمرّد التونسيّة وانتقالها من الاحتجاج إلى التّغيير.

3. اختيار التوقيت الخطأ

اختارت حركة تمرّد التونسيّة الإعلان عن نفسها في بداية تموز/ يوليو 2013 بالتّزامن مع إطاحة الرّئيس المصري محمّد مرسي في مصر، غير مبالية بأفق انتظار المواطن التّونسي ومدار انشغاله في هذه الفترة من السّنة، إذ ينصرف أغلب التونسييّن عن الشّأن السّياسي إلى الاصطياف في الدّاخل والخارج، أو إلى استغلال موسم السّياحة لتحصيل الرّزق، أو للتبضّ ع والانشغال بشهر رمضان ومتعلّقاته. يُضاف إلى ذلك جميعًا أنّ حركة تمردّ قد اختارت التحرّك في أواخر المسار الانتقالي في وقت شارف فيه المجلس التأسيسي على تقديم النّسخة النهائيّة من الدّستور، ووعد فيه رئيس الحكومة علي العريّض بإجراء انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة قبل نهاية عام 2013 . وهو ما يجعل نقض هذا المسار الانتقالي فعلًاعتباطيًّا باعتباره قد شارف على النّهاية بطبيعته، وباعتبار البديل منه غير واضح. كما أنّ هدم المنجَز في الفترة السّابقة، والبدء من جديد قبل جني ثمار العمل الانتقالي يُعدّ مضيعة للوقت في نظر عدد مهمّ من التونسييّن.

. تقليد الت 4 جربة المصريّة: مأزق الإسقاط

سقطت حركة تمرّد التونسيّة على سبيل القصد أو الارتجال في مأزق العمل على تحويل السّيناريو المصري إلى الواقع التّونسي بطريقة آليّة. إنّ معطيات المشهد العمراني والسياسي بالبلدين متباينة؛ فمسار الانتقال مختلف ونمط الحكم غير متماثل. فلئن استأثر الإسلاميّون بإدارة دفّة الحكم في مصر، وسرّعوا وتيرة الانتقال نحو إرساء مؤسّسات شرعيّة تابعة لهم في شتّى المجالات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، فإنّ الإسلامييّن في تونس، ممثّلين في حركة النّهضة، قد عمدوا إلى التّنازل عن الرّئاسة ووزارات السّيادة، وأبدوا حرصًا على تكريس شكل من أشكال الحكم التّوافقي؛ وذلك عبر تشكيل حكومة ائتلافيّة تجمع إسلامييّن وعلمانييّن، منهم اللّيبرالي ومنهم القومي، ومنهم الاشتراكي ومنهم المستقلّ على نحو ساعد في توزيع المسؤوليّة، وساهم في تشريك الآخر السّياسي في إدارة الحكم على امتداد الفترة الانتقاليّة. كما تنازلت حركة النّهضة عن النصّ على الشّيعة في الدّستور كي تسترضي العلمانييّن، وعملت على صوغ دستور مع شركائها ومع مكوّنات المجتمع المدني على اختلافها، وذلك سعيًا لبلورة منظومة دستوريّة تكون محلّ توافق بين جلّ التونسييّن. وعلى خلاف ذلك، كان الإسلاميّون في مصر ميّالين إلى تقديم الشّيعة، ولم ينجحوا في تحقيق التوافق المطلوب في إدارة الحكم وتشكيل مؤسّساته، وهو ما ساهم في انقسام المجتمع انقسامًا حدّيًا/ ضدّيًا بين الإسلامييّن وخصومهم. وتلك بيئة ساعدت حركة تمرّد المصريّة في تأليب النّاس على الإخوان المسلمين. أمّا الواقع في تونس فخلاف ذلك، ذلك أنّ منطق الانتقال التّفاعلي نحو الديّمقراطيّة ما زال غالبًا على المشهد السّياسي، وهو ما يجعل الدّعوة إلى التمرّد مقالً في غير مقامه وغير زمانه.

ثانيًا: العوائق الموضوعيّة

. محدوديّة الإسناد الش 1 عبي

تبدو "تمرّد" حركة وليدة داخل الاجتماع التّونسي، غير منغرسة في العمق الشّعبي، وغير ممتدّة في أعماق الدّاخل التونسي؛ أعني القرى والأرياف والأحياء الشعبيّة ومناطق الظلّ في الشمال الغربي، والوسط، وجنوب البلاد. ورغم تحفّظ الحركة حينًا عن تقديم أرقام دقيقة حول عدد المنخرطين فيها والموقّعين على استمارتها، ومجازفتها في أحيان أخرى بالحديث عن عدد يتراوح بين مئتي ألف ومليون موقّع على وثيقة "سحب الثّقة"، فإنّها تبقى على الصّعيد الميداني حركة غير جاذبة للنّاس. وتجلّ ذلك من خلال ما وجدته من صدّ في عدد من المحافظات، فقد منعها الأهالي في محافظة بنزرت ومحافظة قابس من جمع التّواقيع المناهضة للحكومة، كما لاقت الازدراء في محافظة سوسة ومحافظة القيروان، ولم تُقدم بعدُ على اختبار حضورها في المحافظات الجنوبيّة التي تُعرف بولائها للائتلاف الحاكم، وظلّ نشاطها قاصرًا

على العاصمة والمحافظات الشماليّة والساحليّة، وهو ما يُخبر بمحدوديّة الإسناد الشعبي للتمرّد باعتباره فعلً حجاجيًّا لم يترسّخ بعدُ في الوعي السّياسي للمواطن التّونسي الذي بدا ميّالً إلى الاحتكام إلى صندوق الاقتراع والتّنافس السّلمي الديمقراطي على السّلطة بدل تحشيد الشّارع والانقضاض على الحكم. وقد تأكّد ضعف الدّعم الشّعبي لحركة تمرّد التونسيّة من خلال فشلها في تجميع عدد مهمّ من النّاس للوقوف أمام السّفارة المصريّة في تونس دعمً لحركة تمرّد المصريّة ولإزاحة الرّئيس محمد مرسي عن الحكم، إذ لم يتجاوز عدد الحاضرين 20 شخصًا، في حين نجحت القوى المعارضة لها، وفي مقدّمتها الائتلاف الحاكم بزعامة حركة النّهضة، في تحشيد آلاف المواطنين للاحتجاج على الانقلاب العسكري في مصر رفضًا للتمرّد وسعيًا إلى الانتصار لمرسي والمطالبة بعودة الشرعيّة. وفي ذلك دليل على محدوديّة حركة تمرّد التونسيّة وانحسارها في حيّز مثقّفي البورجوازيّة الصّغيرة والطّبقة الوسطى.

. مخاطر التّ2 حزيب

على الرغم من حرص حركة تمرّد التونسيّة على النّأي بنفسها عن التحزّب، ورفضها الاندراج تحت راية أيّ "حزب أو أيديولوجيا غير العلم وتونس"، فإنّها قد سارعت بالانضمام إلى مبادرة الحوار الوطني المنعقد بتونس بتاريخ 9 تموز/ يوليو 2013، والتي جمعت قيادات عدد من القوى السياسيّة اللائكيّة المعارضة للائتلاف الحاكم وفي مقدّمتها الجبهة الشعبيّة وحركة نداء تونس، ودعا عدد من الحاضرين إلى دعم كلّ التحرّكات السياسيّة بما فيها حركة تمرّد، معتبرين أنّ الحكومة المؤقّتة والمجلس التّأسيسي قد فقدا الشرعيّة، وذهب حمّة الهمّ مي إلى أنّ تردّي الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة من مسوؤليّة الحكومة الحاليّة التي تقودها حركة النّهضة والمجلس التأسيسي ومؤسّسة الرّئاسة. ونادى المؤتمرون بضرورة عقد مؤتمر وطني للإنقاذ يجري فيه إشراك مختلف القوى المدنيّة والسياسيّة، بحيث يضع حدًّا للفترة الانتقاليّة ويشكّل هيئة للانتخابات. ويُذكَر أنّه غاب عن مبادرة الحوار الوطني الاتّحاد العامّ التونسي للشّغل ونقابة المحامين وجمعيّة القضاة، وبدت الأحزاب اليساريّة واللبراليّة المعارضة للائتلاف الحاكم والخاسرة في انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 الطّرف الأبرز المؤيّد لحركة تمرّد، وهو ما ألقى عليها شبهة التحزّب من منظور عدد من الملاحظين الذين اعتبروا أنّها "واجهة شعبيّة لأجندة حزبيّة"، وبنوا ذلك على أنّ جماعة تمرّد التونسيّة تتبنّى أهداف أنصار الجبهة الشعبيّة وحركة نداء تونس نفسها الذين نادوا عاليًا ولمدّة طويلة بإسقاط الحكومة وحلّ المجلس التأسيسي، لكنّهم لم يجدوا التّجاوب المأمول من المواطنين، فانصرفوا إلى استنساخ النّموذج المصري وإعادة إنتاج الشّعارات والأهداف نفسها تحت راية حركة شعبيّة شبابيّة أشرفوا على تكوينها واحتوائها والتّسويق لها بطريقة تضمن تحقيق مطالبهم السياسيّة في غير تصريح بالتحزّب، وتضمن لهم استتباع أكبر عدد ممكن من المناصرين.

3. هشاشة المعارضة

تبقى فصائل المعارضة اليساريّة واللبراليّة التي أعلنت تأييدها لحركة تمرّد التونسيّة معدودة من أحزاب الأقلّية داخل المجتمع السّياسي التونسي، فلم تحصل الجبهة الشعبيّة وحزب المسار الشّيوعي إلاّ على مقاعد معدودة في المجلس التّأسيسي. كما أنّ نداء تونس قد تشكّل بعد العمليّة الانتخابيّة في 23 تشرين الأول/ أكتوبر ومن الصّعب الحسم نهائيًّا في صدقية استطلاعات الرّأي القائلة بتزايد شعبيّته. كما أنّ هذه الأحزاب تعاني انقسامات داخليّة وحالات انشقاق، وهو ما يجعل قدرتها على المعارضة التغييريّة محدودة وفاعليّتها في استقطاب النّاس لرفد حركة تمرّد على النّظام الحاكم أمرًا غير ثابت وأبعد ما يكون عن اليقين.

. الأداء التّ4 وافقي للائتلاف الحاكم

مقابل هشاشة المعارضة، ظلّ حزب النّهضة الحاكم محافظًا على تماسكه فلم ينفرط عقده، وبقي في منأى عن أدواء الانشقاق والسّياحة الحزبيّة (الانتقال من حزب إلى حزب)، وبدا محافظًا على تقدّمه عن بقيّة الأحزاب في مستوى عدد الأنصار وذلك على الرغم من تراجع شعبيّته. وقد نجحت النّهضة في المحافظة على نمط الحكم الائتلافي التّوافقي، وعملت على توسيعه باستقطاب وجوه سياسيّة قوميّة وأخرى مستقلّة أثناء تشكيل حكومتها الانتقاليّة الثانية بقيادة علي العريّض. وبدت حريصة على التّعاون مع التّحالف الحاكم معها على تكوين جبهة معارضة قويّة تتصدّى لحركة تمرّد التونسيّة. وتجلّ ذلك من خلال تناغم مواقف الائتلاف الحاكم إزاء هذه الظّاهرة الاحتجاجيّة، فقد عدّها المرزوقي "ظاهرة هدّامة"، واعتبرها راشد الغنّوشي "من أحلام اليقظة" التي من المحال أن تجد طريقها إلى

التّطبيق في أرض تونس. وذهب مصطفى بن جعفر إلى أنّ حركة تمرّد مجرّد ظاهرة إعلاميّة. واتّخذت الحكومة الائتلافيّة بقيادة النّهضة إجراءات استباقيّة وقائيّة للحدّ من انتشار "تمرّد" في الشّارع التونسي، فحذّر علي العريّض رئيس الحكومة من مغبّة زعزعة الاستقرار مُنذرًا بأنّ الحكومة ستتصدّى بكلّ حزم لكلّ محاولة تهدف إلى نقض الشرعيّة القائمة، معتبرًا حركة تمرّد خطرًا على المسار الديّمقراطي. كما بادرت السّلطة القضائيّة القائمة إلى تحريك النّيابة العموميّة لاتّخاذ إجراءات ردعيّة وتتبّعات قانونيّة ضدّ كلّ من يعتزم التمرّد على الدّولة أو قلب نظام الحكم. وفي السّياق نفسه جرى القيام بتحويرات في صفوف رجال الأمن الذين يشتبه في تعاطفهم مع حركة تمرّد، وبالتّزامن مع ذلك، جرى إطلاق سراح عدد من رموز العهد السّابق وذلك في بادرة تسترضي التجمعييّن، وتلوّح ببوادر مصالحة وطنيّة واسعة، ولو على حساب مسار المحاسبة. أمّا على صعيد التعاطي مع نتائج حركة التمرّد في مصر، فقد كانت تونس البلد العربي الوحيد الذي عبّ بصراحة عن إدانته للانقلاب العسكري وإنكاره للتمرّد على الشرعيّة الانتخابيّة، وجدّ الائتلاف الحاكم في تحسيس النّاس بخطورة الاحتكام لغير الطّرق الديّمقراطيّة في التّداول على السّلطة وتشجيعهم على التّعبير والتّظاهر السّلمي المنكر لكلّ أنماط الانقضاض على الحكم واسترجاع الدّيكتاتوريّة. وهو ما أدّى إلى خلق رأي عامّ مناهض للتمرّد وقاعدة شعبيّة معارضة للخروج على النّظام الحاكم حرصًا على المصلحة الوطنيّة والسّلم الاجتماعي، وعملً على تحقيق أهداف المرحلة الانتقاليّة، وهو ما ساهم في انحسار حركة تمرّد التونسيّة وبقائها خارج العمق الشّعبي.

. الرّابطة الوطنية لحماية الث 5 ورة

تشكّلت هذه الرّابطة إبان اندلاع ثورة 71 كانون الأول/ ديسمبر 2010 - 41 كانون الثاني/ يناير 2011، وتكوّنت من مواطنين تطوّعوا لحماية الأحياء والحفاظ على الممتلكات العامّة والخاصّة في فترة شهدت غيابًا شبه كلّ لأجهزة الدّولة الأمنيّة والإداريّة والمؤسّساتيّة. وقد جرت شرعنة هذه الرّوابط لاحقًا، وأصبحت لها تنسيقيّات منتشرة في محافظات الجمهوريّة كافّة. وقد أوكلت إلى نفسها عدّة مهمات؛ من بينها مواجهة الثّورة المضادّة، والمحافظة على الشرعيّة، والعمل على تحقيق أهداف الثوّار. وقد أعرب قياديّون في رابطة حماية الثّورة عن معارضتهم الشّديدة لحركة تمرّد، وعدّوها امتدادًا للنّظام القديم، ومحاولة لنقض الديّمقراطيّة، وتهديدًا لمكتسبات الثّورة، وتنادوا بمواجهتها والتّضييق عليها.

. مآلات الت 6 جربة المصريّة

ما آلت إليه تجربة تمرّد المصريّة من صعود للجيش وتشريع لحكم العسكر، مع ما رافق ذلك من قمع لحرّية التّعبير والإعلام ومصادرة للحرّيات العامّة والخاصّة وسفك للدّماء، ساهم في ارتياب عدد مهمّ من التونسييّن من أهداف التمرّد وعواقبه؛ فعدم استقرار الوضع الأمني في مصر واضطراب أدائها الاقتصادي والدّيبلوماسي بعد 30 حزيران/ يونيو 2013 وحدّية الاستقطاب الثنائي داخل المجتمع المصري بين المؤيّدين للتمرّد والمعارضين له ساهم في تفكيك الوحدة الوطنيّة، وأدّى إلى الوقوف على شفير حرب أهليّة، وهو ما زاد في عدم اطمئنان قطاع كبير من التونسييّن للتمرّد وتوابعه.

تمرّد التونسيّة/ تمرّد المصريّة: مدارات الت ماثل والت فارق

أولا: نقاط التّماثل

انطلاق الحركتين كلتيهما من بلدين ينتميان إلى دائرة الرّبيع العربي، ويشهدان مسارًا انتقاليًّا بطيئًا، بل متعثّ ا. إشراف قيادات شابّة مغمورة على قيادة حراك التمرّد في الدولتين. سخط المنتمين إلى تيّار التمرّد في البلدين على أداء الإسلامييّن في الحكم، واعتقادهم أنّهم حكم ماضويّ فاشل، ودعوتهم إلى الخروج عليه وإطاحته. ركون الحركتين إلى تحشيد الشّارع وسيلة في الاحتجاج وطريقًا إلى التّغيير بدلً من الاحتكام إلى الأساليب الديّمقراطية من قبيل الانتخاب والاستفتاء. استثمار الحركتين لواقع الانفتاح واتّساع مجال الحرّيات العامّة والخاصّة، وتعدّد وسائل الإعلام للمشاركة في الشّأن العامّ والتّأثير في النّاس واستتباعهم لإعلان العصيان الجماعي، فجرى توظيف مؤسّسات الدّولة وقنوات تشكيل الوعي المتاحة لإطاحة الشرعيّة القائمة (انتفاض على الدّولة من داخل الدّولة وبوسائل الدّولة.) استمالة المؤسّستين العسكريّة والأمنيّة، والعمل على الزجّ بهما في حمأة الصّاع السّياسي على السّلطة وإخراجهما من مربّع الحياد إلى دائرة الانتصار للتمرّد والانقلاب على النّظام الحاكم. النأي عن الحزبيّة، ولو في الظّاهر، وتوجيه الخطاب إلى عموم الشّعب. استثمار تدهور القدرة الشرائيّة للمواطن وعدم استتباب الأمن وتفشّ البطالة، وتردّي الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة في الفترة الانتقاليّة لتأليب المحكوم على الحاكم. التّعويل على العمل الميداني والتّواصل المباشر مع المواطن (جمع التّواقيع) في استقطاب المواطنين، وتأهيلهم للمشاركة في التمرّد. التأكيد على أنّ التمرّد استمرار للثّورة وتصحيح لمسارها لا نكوص عنها، بل المراد استعادة سلطة الشّعب وتمكينه من إدارة ثورته المسروقة وذلك قصد استنهاض الهمم من ناحية، وشرعنة فعل التمرّد من ناحية أخرى.

ثانيًا: نقاط التّفارق

اتّساع البيئة السياسيّة والشعبيّة الحاضنة لحركة تمرّد المصريّة وقدرتها في وقت قياسي على تجميع تواقيع ملايين المؤيّدين لإطاحة مرسي، حتّى جمعت في صفوفها بين الشّيب والشّباب، وبين السّلفي واللّيبرالي، وبين الاشتراكي والقومي، وبين الفلاّح والبورجوازي، وبين الفقير والثريّ، وهو ما يُعتبر سندًا جماهيريًّا ميدانيًّا لها مكّن من فعل الاحتجاج وفعل التّغيير، على خلاف حركة تمرّد التونسيّة التي بدت منحسرة ضمن فئة الشّباب، مستقطبة العاطلين عن العمل من أصحاب الشّهادات العليا أساسً ا، وبدت غير قادرة على دخول مختلف محافظات الجمهوريّة، فظلّت حبيسة شمال البلاد وشريطها السّاحلي. نجاح حركة تمرّد المصريّة في عزل جماعة الإخوان المسلمين، وفكّ الارتباط بينها وبين مكوّنات المجتمع المدني، فلقيت التّأييد من نقابات العمّ ل والمحامين والقضاة الذين توتّرت علاقتهم بالحزب الحاكم، واصطفّوا إلى جانب دعاة التمرّد، وفتحوا لهم مكاتبهم في المحافظات المصريّة ليوظّفوها في الدّعاية والاستقطاب. والأمر خلاف ذلك في تونس؛ إذ حافظت حركة النّهضة الحاكمة على علاقات تشاور وتواصل مع المنظمّات المدنيّة والحقوقيّة ومع المنظمّات النقابيّة، وتلافت استعداء تلك الأطراف الفاعلة في المجتمع التونسي، بل وفّرت لها هامشًا كبيرًا من الاستقلاليّة. لذلك تجد حركة تمرّد التونسيّة صعوبة في استتباع تلك المنظمّات وإقناعها بضرورة العصيان المدني وتقويض النّظام القائم. أجَّل تجانس البناء المجتمعي داخل تونس وعدم قيامه على التّقسيم الطّائفي أو التعصّب الحزبي توظيف التمرّد لصالح فريق دون آخر، بل جعله غير ممكن؛ فتبنِّي التونسيين للمالكيّة وانحيازهم للديّمقراطيّة يُضفي على الكينونة المواطنيّة الجماعيّة حالة من التمّاسك الذي يتعالى عن النّعرات الطائفيّة. في حين أنّ الوضع في مصر يختلف، ذلك أنّ عدم رضا الأقباط على سياسات الإخوان المسلمين ساهم إلى حدّ كبير في رفد حركة تمرّد المصريّة بملايين المؤيّدين الأقباط، وهو ما لم يتوافر لحركة تمرّد التونسيّة. على الرغم من مراهنة عدد من قيادات حركة تمرّد تونس على الجيش ورجال الأمن حتى ذهب محمّد بالنّور زعيم الحركة إلى أن %98 من العسكر ورجال الأمن سيقفون إلى جانب المتمرّدين في ساعة الحسم، فإنّ التاريخ يثبت أنّ المؤسّسة العسكريّة في تونس قد حافظت على الحياد، ونأت بنفسها عن التدخّل في الشّأن السّياسي منذ العهد البورقيبي، وتأكّد ذلك إبّان ثورة 41 جانفي؛ إذ اكتفى الجيش بحماية الممتلكات العامّة والخاصّة

وحراسة الحدود وعمل على فرض الأمن، كما رفض قادة المؤسّسة العسكريّة تولّ أيّ منصب سياسيّ طوال فترة الحكم الانتقالي، وهو ما زاد في احترام التونسييّن للجيش. والواقع في مصر متباين؛ فالجيش ما فتئ يتلبّس بالدّولة ويتماهى بالسّياسة منذ عهد جمال عبد النّاصر، وتأكّد ذلك إبّان ثورة 25 يناير 2011؛ إذ اضطلع المجلس العسكري بإدارة المرحلة الانتقاليّة، ولم يتردّد رجال العسكر في تأييد المتمرّدين يوم 30 يونيو 2013 في إطاحة الشرعيّة الانتخابيّة تأسيسًا لحكمٍ جديدٍ، للجيش فيه الكلمة العليا. نجاح حركة تمرّد المصريّة في كسب تأييد قطاع كبير من السلفيّة خاصّة أتباع حزب النّور السّلفي على نحو ساهم في توسيع قاعدتها الشعبيّة، وعزّز قدرتها على التّعبير. أمّا في تونس فأعلن التيّار السّلفي، ممثّلً في حركة أنصار الشّيعة، معارضته لكلّ محاولة للخروج على الشرعيّة القائمة، وعبّ عن مناهضته لحركة تمرّد التونسيّة، مُعتبرًا أنّها استمرار لأتباع نظام بن علي في لَبُوس جديد، وأنّها أبعد ما تكون عن تمثيل مطالب التونسييّن وطموحاتهم. استفادة حركة تمرّد المصريّة من استخفاف الإخوان المسلمين بقدرتها على استتباع ملايين المتمرّدين على الحكم، فعملت في ظلّ إجراءات رقابيّة موسومة بالمرونة، وهو ما يسّ عليها الانتشار بين النّاس، واكتساح كلّ المحافظات في سرعة منقطعة النّظير. في حين تهيّب الائتلاف الحاكم من حركة تمرّد التونسيّة الوليدة، وشن حملة مضادّة للتّشويش عليها، سمّ ها بحملة "مضمض"، وأبدى صرامة شديدة في التّعامل مع أيّ محاولة للعصيان المدني تستهدف زعزعة الاستقرار ونقض الشرعيّة، وذهب الأمر برئيس كتلة حركة النّهضة في المجلس التأسيسي الصّحبي عتيق إلى حدّ القول بأنّ من يستبيح أمن تونس ويهدّد شرعيّتها ستدوسه الأقدام ويستبيحه الشّعب. محافظة المؤسّسة الدينيّة في تونس ممثّلة في جامع الزّيتونة وشخص المفتي على مسافة تفصل بينهما وبين الشّأن السّياسي بعد الثّورة. وكان حضور مؤسّسة الإفتاء حضورًا باهتًا على امتداد حكم الحبيب بورقيبة وخلفه، في حين ظلّت مؤسّسة الأزهر في مصر تضطلع بأدوار سياسيّة مباشرة وغير مباشرة على امتداد عقود في الدّولة المصريّة الحديثة، وأضفت الشرعيّةَ والمشروعيّةَ على حركة تمرّد المصرية وما انبثق منها من تغيير لهرم السّلطة في مصر، وهو ما لم تحظ به حركة تمرّد التونسيّة؛ لنأي دار الإفتاء عن مشاغل السّياسة. اختلاف المسار الانتقالي بين البلدين، وتباين تموقع الإسلامييّ من المشهد السّياسي فيهما، فلئن بدا إخوان مصر ميّالين إلى الاستئثار بالرّئاسة ومقاليد الحكم، فإنّ الحركة الإسلاميّة الحاكمة في تونس بدت ميّالة إلى توسيع الحكم التّوافقي، والبحث عن صيغ ائتلاف ممكنة مع منافسيها حتّى تكون مسؤوليّة الحكم ومآلاته مسؤوليّة تشاركيّة.

حركة تمرّد التونسيّة: آفاق المستقبل

من الصّعب الحسم بشكل نهائيّ في مصير حركة تمرّد التونسيّة، وذلك في ظلّ عدم صدور إحصائيّات نهائيّة حول المنتمين إليها والمتعاطفين معها والمعارضين لها، وفي ظلّ تكتّم قياديّيها عن البوح بخطّة عملها الميداني، وطرائقها في استقطاب النّاس وتحقيق المليونيّة الموعودة التي يمكن أن تحرّك الشّارع. لكنّ الثّابت أنّ هذه الحركة قد ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في الدّفع نحو إنهاء المرحلة الانتقاليّة وذلك بفعل ما فرضه من ضغط إعلامي، وما عبّ ت عنه من توجّه احتجاجي شديد اللّهجة تجاه الحكم القائم؛ وهو تَوَجُّه اختار تصعيد لهجة الخطاب النّاقد للإدارة الانتقاليّة والتّهديد ب "ثورة ثانية" تنسف كلّ السّلط التي أنتجتها الشرعيّة الانتخابيّة، ويُعيد بناء مؤسّسات الدّولة وفق مطالب الجماهير المتمرّدة وتطلّعاتها إلى التّنمية اللاّمركزيّة، والتّشغيل، واسترداد الحقوق، وإرساء العدالة، وضمان الكرامة، ووفق شوقها إلى صوغ دستور يتراقى عن الحزبيّة، ويضمن المساواة والحرّية، ويمثّل جموع التونسييّن. والواقع أنّ تبنّي هذا الخطاب الواعد، ورفع مثل هذه المطالب الملحّة، والكفاح من أجل تحقيقها يساهم عمليًّا في عطف القلوب على "حركة

تمرّد" ولفت الانتباه إليها، ويُغري بالإقبال عليها. غير أنّ انتهاجها نهج التّعبير عبر العصيان المدني، وعدم تقديمها لخارطة طريق واضحة المعالم حول مصير البلاد بعد التمرّد، وعدم تمثّلها لمشكلات الواقع التّونسي وآليّات معالجته، كلّ ذلك وغيره، يبقى من بين الأسباب التي تحدّ من انتشارها، وتقلّص من مدى قدرتها على إطاحة الشرعيّة القائمة. ويبقى مستقبل حركة تمرّد التونسيّة رهين عدّة معطيات، لعلّ أهمّها: مدى وعي النّاس بضرورة النّزول إلى الشّارع والحاجة إلى التّغيير في هذه المرحلة الدّقيقة من تاريخ البلاد، والتي شارف فيها المسار الانتقالي على النّهاية. مدى استجابة الحكومة الائتلافيّة الحاليّة لتطلّعات المواطنين إلى تأمين أسباب العيش الكريم، وتحقيق العدالة، وتوفير المناخ المناسب لممارسة الحرّيات العامّة والخاصّة. مدى قدرة الائتلاف الحاكم على تحويل نجاحه الانتخابي إلى نجاح تنموي، يساهم في بعث مواطن الشّغل، والحدّ من التّفاوت بين المدن الكبرى ومناطق الظلّ، وتحريك عجلة الاستثمار، والحدّ من غلاء الأسعار، ودعم القدرة الشرائيّة للمواطن. مدى استعداد قوى المجتمع المدني والمنظمّات النقابيّة والأحزاب السياسيّة الفاعلة والجمعيّات الأهليّة للقبول بفكرة التمرّد، وتبنّيها بديلً من قواعد التنافس الديّمقراطي للوصول إلى الحكم. مدى وفاء الحكومة الرّاهنة لعهودها في خصوص تقديم جدول زمنيّ دقيق لتواريخ الانتهاء من صوغ الدّستور والمصادقة عليه، والقيام بانتخابات رئاسيّة وتشريعيّة في أقرب الآجال. مدى التزام حركة تمرّد التونسيّة بالأجندة الوطنيّة، وعدم خدمتها لأطراف خارجيّة أو استعانتها بقوى أجنبيّة لفرض التّغيير بقوّة الانقلاب العسكري أو التدخّل الخارجي. هذه المعطيات وغيرها في سيرورتها نحو الإنجاز من عدمه، وفي تراوحها بين الإمكان والاستحالة، تحدّد على المديين القريب والبعيد حدود انتقال حركة تمرّد التونسيّة من الكمون إلى الصّعود، ومن القدرة على الاحتجاج إلى القدرة على التّغيير.

الاستنتاجات

جسّدت حركة تمرّد التونسيّة أحد مظاهر الحراك المواطني/ الاجتماعي في تونس بعد الثورة، وعبّ ت عن تطلّعات عدد من الشّباب إلى تغيير المؤسّسات السياديّة الحاكمة (المجلس التّأسيسي/ الحكومة/ الرّئاسة) بالاستناد إلى قوّة الشّارع ودعم العسكر تأسّيًا بتجربة 30 يونيو المصريّة. حملت الحركة بذور سخط على حكم الإسلامييّن وشركائهم في السّلطة، وعبّ ت عن حالة من الإحباط لدى فئة من الشّباب لعدم تحوّل مطالب الثّورة إلى واقع معيش في حياة التونسييّن طوال الفترة الانتقاليّة. وظّف أنصار تمرّد التونسيّة المناخ الديّمقراطي المشهود في البلاد للتّعريف بمشروعهم واستتباع النّاس، وفارقوا الديّمقراطيّة في دعوتهم إلى الخروج على الشرعيّة الانتخابيّة وإطاحة مؤسّسات الحكم التي أنتجها صندوق الاق اررع، متبنّية نهج التّحشيد الجماهيري واستمالة العسكر في تحقيق التّغيير المنشود. غلبت الانطباعيّة والتّوظيف الارتجالي على مقاربة تمرّد للواقع التّونسي، ولم تقدّم خارطة طريق واضحة المعالم لمستقبل البلاد بعد نقض الشرعيّة المحتمل، ولم تبسط أمام المواطن خطّة شاملة، مفصّلة لمعالجة القضايا المشكليّة داخل الاجتماع التّونسي (البطالة/ المديونيّة/ العنف السياسي.) بدت تمرّد التونسيّة ميّالة إلى محاكاة النّموذج المصري في الخروج على النّظام الانتقالي القائم، وتناست اختلاف الزّمان والمكان، وتباين الخصائص العمرانيّة والسياسيّة والدّينيّة للبلدين. كما لم تجد التّأييد الواسع الذي وجدته حركة تمرّد المصريّة من مكوّنات المجتمع المدني والمؤسّسة العسكريّة والمؤسّسة الدّينيّة. إنّ ما تُنذر به التّجربة المصريّة من مآلات ممكنة نحو الانقسام الهويّاتي الدّاخلي والتّناحر الحزبي على السّلطة والسّقوط في قبضة العسكر واستعادة التّجربة "المباركيّة"، لا يُغري التونسييّن باستنساخ السّيناريو المصري. ساهم ميل التونسييّن إلى التّنافس الديّمقراطي السّلمي على السّلطة وقبولهم بفكرة الحكم التّوافقي على علاّته في الحدّ من حماسهم إلى تأييد حركة تمرّد غير مأمونة العواقب وغير واضحة البدائل. تبقى حركة تمرّد التونسيّة ظاهرة اجتماعيّة كامنة، وظاهرة صوتيّة إعلاميّة بارزة قد تتحوّل على المدى البعيد من الاحتجاج إلى القدرة على التّغيير؛ وذلك إذا طوّرت آليّاتها، ومقولاتها، ومناهجها في فهم الرّاهن التّونسي بتعقيداته المختلفة، وإذا لم يتمكّن الحكّام من تحويل الوعد بغد أفضل من شعار إلى حقيقة معيشة يحياها النّاس.