المسألة السورية في متاهة التجاذب الإقليمي والدولي **

وحدة الدراسات السوريّة المعاصرة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

الملخّص

تقدّم هذه الدراسة تحليلا للصراع في سورية، استنادًا إلى موقع سورية الجيوبوليتيكي المهم، وأهميتها في حقل التحالفات الإقليمية والتجاذبات الدولية. ترى الدراسة أنّ الثورة السوريّة - وخاصة بعد تحوّلها من السلمية إلى العسكرة - وقعت ضحية تنافسٍ محمومٍ في إطار لعبة الأمم لتحديد وجهة الصراع الدائر، ومستقبل البلد، وتوجهاته. وعلى الرغم من أنّ جوهر الصراع لم يتبدّل كثيرًا منذ بداية الأزمة، سواء فيما تعلق بأهداف الفاعلين المحليّين، أو بمصالح القوى المؤثرة واصطفافاتها، إلا أنّ السياق الإقليمي طرأت عليه تغيّرات مهمة، ربما كان أبرزها الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، وعودة الجيش الملخص التنفيذي إلى مسرح السياسة فيها؛ وتراجع مكانة تركيا الإقليمية، تحت تأثير النكسات التي واجهتها قيادة حزب العدالة والتنمية؛ واحتمال طغيان التفكير البراغماتي على سياسة طهران الخارجيّة بعد انتخاباتها الرئاسية. يضاف إلى ذلك، توجّه السعودية نحو التخل ي عن حذرها التقليدي، وانتقالها إلى التصدّي المباشر للمشروع الإيراني في المنطقة. وسط هذا المشهد الإقليمي المتبدل، تظل الأزمة السورية ترواح مكانها – فلا الحسم العسكريّ ممكن ولا الحل السياسيّ محتمل – في سياق حالة من الاستقطاب الإقليميّ والدوليّ، وغياب إرادة دوليّة فاعلة لوضع حدٍ لهذه المأساة.

ما تزال الأزمة السورية بعد مرور أكثر من عامين على بدايتها تنوء بثقل التجاذبات الإقليمية والدولية التي ما فتئت تزداد حدة بمرور الوقت، وتزداد معها معاناة السوريين جراء حالة صراع خلفت وارءها شعبًا منكوبًا وب دااًا مدمرة. ففي الوقت الذي تبدي فيه القوى الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن السوري رغبة في إيصال الأزمة إلى خواتيمها، فإننا لا نجد سندًا لهذه الرغبات على صعيد السياسات؛ فلا الحسم العسكري ممكن - نتيجة وجود قرار دولي يحول دونه - ولا الإرادة قائمة للدفع نحو حل سياسي يحفظ ما بقي من قدرات الدولة والمجتمع السوريين، مما يبقي سورية ساحة تجري فيها تصفية حسابات إقليمية ودولية ذات أبعاد جيوستراتيجية، غير ذات صلة بتطلعات السوريين أو بالأهداف التي قاموا من أجلها بثورتهم. هذه هي ملامح الصراع الدائر في سورية كما تبدو صيف عام 2013، وهي تكاد لا تختلف كثيرًا عما كانت عليه الحال عندما بدأ تدويل المسألة السورية أواخر عام 2011. مع ذلك، فإنّ هذه الصورة العامة لا ينبغي أن تحجب تفاصيل كثيرة مهمة طرأت خلال الأشهر القليلة الماضية، على الصعد العسكرية والسياسية للأزمة السورية.

تداعيات اتفاق موسكو على الوضع الميداني

منذ اتفاق موسكو بين وزيري الخارجية الأميركي والروسي مطلع أيار/ مايو 2013، والذي جرى على أثره الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي جديد لحل الأزمة السورية، يسفر عن تحقيق انتقال سياسي على قاعدة المشاركة بين النظام والمعارضة، بدأ نوع من السباق على الأرض لتعزيز مواقع الطرفين التفاوضية. مع إعلان الاتفاق، بدا الطرفان الأميركي والروسي في عجلة من أمرهما لعقد المؤتمر، فجرى ضرب موعد له وهو نهاية أيار/ مايو 2013. وعلى الرغم من أنّ البعض اعتقد منذ اللحظة الأولى أنّ وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف ربما تسرّعا في ضرب هذا الموعد القريب، أو ربما فشلا في توقع حجم الصعوبات التي تحول دون عقده بهذه السرعة، فقد بدا أنّ السلوك الروسي كان مقصودًا، والذي اتضح أنه يسعى - بعد تسجيله نقاط في اتفاق موسكو بإغفال ذكر مصير الأسد - لشراء وقت للنظام الذي بدا منهكًا بعد سلسلة نجاحات حققتها المعارضة؛ على الصعيد العسكري بدءًا من تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 خاصة في مناطق الشمال، وكذلك على الصعيد السياسي، إذ اكتملت عملية نزع الشرعية عن النظام، عربيًا على الأقل، عندما جرت دعوة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لحضور القمة العربية في الدوحة نهاية آذار/ مارس 2013، إذ تم تسليمه مقعد سورية. أما ميدانيًا، فقد سيطرت المعارضة خلال هذه الفترة على أول مركز محافظة سورية وهي الرقة، وكانت تحقق تقدمًا في مناطق أخرى من البلاد، مثل درعا في الجنوب. ركزت إستراتيجية تعزيز مواقع النظام التفاوضية قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2 على المناطق الأكثر أهمية بالنسبة إليه؛ أي حمص وريف دمشق. في هاتين المنطقتين بدأ النظام يعد لاستعادة ما يعتقد أنه "سورية المفيدة" (القلب)، والتي تشمل المنطقة الغربية الوسطى الممتدة من دمشق جنوبًا وحتى مناطق الساحل في الشمال الغربي مرورًا بحمص وحماة. ومن أجل تحقيق هذه الإستراتيجية، سخّر حلفاء النظام كل الإمكانات للسماح له بتحقيق هذه الأهداف؛ ففي حين تولى الروس تقديم ما يلزم من سلاح ومن غطاء سياسي ودبلوماسي، قدّمت إيران دعمً ماديًا ولوجستيًا واستشاريًا، كما دفعت بقوات من حلفائها الشيعة في عموم المنطقة للقتال إلى جانب النظام الذي لم يكن لديه ما يكفي من مقاتلين للزج بهم في أتون الصراع. ونتيجة الاستعانة بقوات من حزب الله اللبناني وميلشيات عراقية مختلفة، تمكّن النظام من إطباق الحصار على الغوطة الشرقية في ريف دمشق، لكن نجاحه الأبرز كان في حمص عندما تمكن من استعادة مدينة القصير الإستراتيجية الواقعة على خط إمداد رئيس للمعارضة المسلحة من لبنان المجاور. وعلى الرغم من شدة المقاومة التي أبدتها المعارضة في المعركة التي استغرقت نحو 71 يومًا استخدم خلالها النظام كل أنواع الأسلحة الثقيلة وبدعم من مقاتلي حزب الله، فقد عمد النظام إلى استثمار إنجازه في القصير - وهي المعركة التي روّج لها باعتبارها بداية انتصاره على الثورة - في تحقيق اختراقات مهمة على جبهات أخرى.

شكّل سقوط القصير نكسة كبيرة لقوى المعارضة، لكنها مثلت في الوقت نفسه نقطة تحول في حسابات حلفائها الإقليميين والدوليين، الذين فشلوا طوال أكثر من عامين في موازاة الدعم الكبير الذي يقدمه حلفاء النظام. لقد أشعر سقوط القصير هؤلاء بخطورة الموقف فاستنفروا قواهم للحيلولة دون تحقيق النظام أهدافه. وفي حين بدأ قادة في المعارضة العسكرية السورية يحذرون من إمكانية سقوط حلب إذا ظل الموقف العربي والدولي على سلبيته، شهدت عواصم القرار الإقليمية والدولية حركة سياسية نشطة لتطويق تداعيات سقوط القصير؛ فعقدت جامعة الدول العربية اجتماعًا في القاهرة في 6 حزيران/ يونيو 2013 دانت فيه تدخل حزب الله في القتال الدائر في سورية، كما عقد علماء الدين المسلمين يوم 31 حزيران/ يونيو 2013 اجتماعًا طارئًا في القاهرة اعتبروا في ختامه أنّ مشاركة إيران وحزب الله في القتال إلى جانب النظام السوري يعد بمنزلة إعلان حرب، ودعوا إلى النفير والجهاد لنصرة الشعب السوري. أما دوليًا، فقد جاء التطور الأبرز في تغيّ الموقف الأميركي من تسليح المعارضة السورية. فبعد أن ظلّ متمسكًا برفضه تقديم أي دعم عسكري لقوات المعارضة السورية، قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيرًا تغيير موقفه والتوجه نحو تقديم أسلحة لمن تصفهم إدارته بأنهم قوى معتدلة في المعارضة السورية. وعقب سلسلة اجتماعات لفريق مجلس الأمن القومي الأميركي في الفترة 3-101 حزيران/ يونيو 2013، خرجت إدارة أوباما لتؤكد أنّ النظام السوري استخدم أسلحة كيماوية ضد معارضيه، وأنّ هذا الاستخدام أدى إلى مقتل 001 إلى 501 شخصًا، وأنّ ذلك يعد تجاوزًا للخط الأحمر الذي وضعته واشنطن للنظام السوري في تموز/ يوليو 2012 وهددت بموجبه بتغيير قواعد اللعبة في تعاطيها مع الأزمة السورية. عقب ذلك، عقدت 11 دولة مهتمة بالأزمة السورية اجتماعًا "لأصدقاء الشعب السوري" في العاصمة القطرية الدوحة في 22 حزيران/ يونيو 2013. وقد ضمّ الاجتماع وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وتركيا وقطر والإمارات والسعودية والكويت والأردن ومصر الذين وافقوا في ختامه على تسليح المعارضة السورية، في حين تحدث رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم آل ثاني عن مقررات سرية للمؤتمر؛ اعتبرها البعض بأنها ربما تكون محاولة لتنفيذ انقلاب عسكري يطيح الرئيس السوري ويمهد لتسوية على قاعدة جنيف. وقد أدت المساعدات العسكرية التي بدأت تتدفق من السعودية وقطر خاصة، إلى تعزيز مواقع المعارضة خلال الفترة الأخيرة، إذ شكلت سيطرة الثوار على بلدة خان العسل الإستراتيجية الواقعة عند مدخل حلب الجنوبي وطرد قوات النظام منها ردًا مهمً على خسارة القصير. وتدل معظم المؤشرات على أنّ الدعم السعودي يهدف خلال الفترة المقبلة إلى إخراج حلب عن سيطرة النظام، باعتبار أنّ ذلك سيشكل ضربة معنوية كبيرة للنظام لما تمثله المدينة من أهمية كبرى باعتبارها عاصمة البلاد الاقتصادية. كما يجري العمل في حال سقطت حلب بيد المعارضة على تحويلها إلى مركز مؤقت لحكومة المعارضة المزمع تشكيلها. وفي مقابل تركيز المعارضة على حلب، يستميت النظام في محاولاته استعادة السيطرة على كامل مدينة حمص بما فيها البلدة القديمة حيث يتحصن مقاتلو المعارضة منذ أكثر من عام. ويسعى النظام لتحقيق هذه الخطة والتي بدأت عمليًا بالسيطرة على مدينة القصير وقراها وكامل البلدات التابعة لمحافظة حمص، والمنتشرة على طول خط الحدود مع لبنان استباقًا لأي تسوية قد يسفر عنها مؤتمر جنيف 2 في حال انعقاده. إنّ الوضع الميداني يشير إلى حالة من الجمود الإستراتيجي على الرغم من تبادل السيطرة على المواقع بين النظام وقوات المعارضة؛ ففيما كانت هذه الأخيرة تعلن سيطرتها على بلدة خان العسل في ريف حلب، كانت قوات النظام تستعيد حي الخالدية المهم في البلدة القديمة بحمص بعد أن سوّت معظم معالمه العمرانية بالأرض.

صعود الدور السعودي والمشهد الإقليمي المتبدل

رغم حالة عدم الاتساق التي طبعت سياساتها الخارجية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، قررت السعودية - التي هالها تدخل حزب الله وإيران بشكل مباشر في دعم النظام لاستعادة السيطرة على القصير واحتمال تكرار المشهد في مناطق أخرى – أن تلقي بثقلها وراء المعارضة السورية؛ معتبرة أنها تقوم بواجبها في دعم الشعب السوري في مواجهة احتلال أجنبي من قبل إيران وحزب الله وميليشيات عراقية شيعية تقاطرت على سورية لدعم نظام الأسد. وتجلّ الدور السعودي بشكل واضح في عملية إعادة هيكلة الائتلاف الوطني الذي يعتبر المظلة الأساسية التي تجمع قوى المعارضة السورية. فقد تمكنت السعودية، التي ظلت تتوجس نفوذ الإخوان المسلمين في الائتلاف، من مضاعفة حجمه تقريبًا؛ إذ ارتفع عدد أعضائه من 64 إلى 411 عضوًا وذلك بضم كتلة كبيرة من اللبراليين وممثلين عن الجيش الحر في الداخل. كما أدت انتخابات الهيئة القيادية للائتلاف إلى فوز شخصيات قريبة إلى السعودية وعلى رأسها أحمد الجربا؛ وهو أحد وجوه العشائر في سورية. من جهة أخرى، تولت السعودية إعادة تنظيم هيئة الأركان العامة للجيش السوري الحر التي يقودها اللواء سليم إدريس ودعمها، وتعهدت بتقديم كل أشكال الدعم باتجاه إنشاء تنظيم عسكري يقوم على تراتبية واضحة Command of Chain، مقابل إضعاف الفصائل الأكثر تطرفًا في المعارضة المسلحة في خطوة هدفها طمأنة الغرب تجاه تصاعد نفوذ الجماعات الإسلامية المتشددة. كما يشير الدعم السعودي الكبير لهيئة الأركان إلى ضعف نفوذ المجالس العسكرية الثورية وتلاشيه، والتي نشطت كجناح مؤثر في المعارضة العسكرية خلال المراحل الأولى للعمل المسلح. وقد استفادت السعودية في تبوئها موقعًا قياديًا في رعاية المعارضة السورية إما من تراجع الأدوار الإقليمية الأخرى مثل الدور التركي، أو من تزايد التعاون والتنسيق مع قطر، أو من إعراض الأميركيين عن التصدي لدور فعال في المسألة السورية. منذ اندلاع الأزمة السورية، شكلت تركيا وقطر الثنائي الإقليمي الأكثر تأثيرًا فيها سواء لجهة تأمين غطاء إقليمي ودولي للنظام يحول دون مواجهته مصيرًا مشابهًا لمصير النظامين التونسي والمصري مقابل قيامه بتطويق الأزمة عبر إدخال إصلاحات حقيقية تلبي مطالب المحتجين، أو لجهة انحيازهما المطلق في فترة لاحقة إلى جانب الثورة بعد أن يئسا من إمكانية تجاوب النظام وإصراره على قمع الثورة بالقوة. وقد أدت قطر من خلال رئاستها للجنة الوزارية العربية المعنية بالأزمة السورية دورًا مركزيًا في تقديم المبادرات لحل الأزمة، ثم في تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي للمعارضة السورية. كما أصبحت قطر من أهم الداعمين للثورة السورية على الصعيدين المالي والعسكري وبإنفاق قدَّرته صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية بثلاثة مليارات دولار. و على الرغم من أن مستوى الدعم القطري للثورة السورية لم يتأثر نتيجة التغيير الذي جرى في قمة هرم السلطة، الا أنه بات واضحا أن قطر أخذت تميل باتجاه دفع السعودية الى الصدارة في ادارة الموضوع السوري عبر تسهيل مهمتها و زيادة التنسيق معها. أما في تركيا، فقد أدت المشاكل الداخلية التي تواجهها حكومة حزب العدالة والتنمية إلى تراجع دورها نسبيًا في تتبع تفاصيل الأزمة السورية. فقد أدت الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية أزمة ساحة تقسيم في اسطنبول إلى إضعاف موقع رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان الذي بدا أنه يواجه أخطر أزماته الداخلية منذ تسلمه منصب رئاسة الحكومة قبل عشر سنوات، وفي ظل هجوم كبير يتعرض له أيضًا على خلفية سياساته الخارجية، خاصة ما يتعلق منها بالمسألة السورية. ويأخذ خصومه عليه أنه انتقل من سياسة "صفر مشاكل" مع الجيران التي استهل بها حزب العدالة والتنمية عهده عام 2002 وحقق من خلالها نموًا اقتصاديًا كبيرًا، إلى سياسة "مشاكل مع الجميع" بعد اندلاع الأزمة السورية. كما يبدو أنّ اتفاق السلام الذي أبرمه أردوغان مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في الربيع الفائت لإنهاء تمرد مسلح بدأه الأخير منذ عام 9841 مهدد بالانهيار. وينص الاتفاق على انسحاب قوات حزب العمال الكردستاني من الأراضي التركية باتجاه جبال قنديل شمال العراق مقابل إقرار الحكومة التركية إصلاحات تعترف

بموجبها بحقوق الأكراد الثقافية والمدنية. لكن وصول جميل بايك – القيادي الكردي المتشدد والقريب من إيران - إلى قيادة الجناح العسكري في حزب العمال الكردستاني قلّص فرص تنفيذ الاتفاق في ظل توجه إيران نحو ممارسة ضغوط على حكومة أنقرة لتغيير مواقفها من الأزمة السورية. ويهدد فشل الاتفاق بتوجيه ضربة جديدة لأردوغان الذي يسعى لتحقيق إنجاز تاريخي بإنهاء المسألة الكردية من جهة، وكسب الأكراد إلى جانبه في التعديل الذي يزمع إدخاله على الدستور للسماح له بالترشح لانتخابات الرئاسة العام المقبل من جهة أخرى. كما أثار إعلان صالح مسلم زعيم الحزب الديمقراطي الكردي – الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني – عن رغبته في تشكيل حكومة لإدارة المناطق الكردية وإجراء انتخابات تشريعية وكتابة دستور مؤقت ضمن ما يعرف بمشروع الإدارة المحلية في مناطق وجود الأكراد في سورية مخاوف أنقرة من احتمال أن يؤدي بلوغ التطلعات الانفصالية لأكراد سورية إلى تعزيز مواقع صقور حزب العمال الكردستاني الرافضين لاتفاق السلام، ومن ثم المضي في المشروع الانفصالي لأكراد تركيا. كما أنّ التقارب الذي بدأ مؤخرًا بضغط إيراني بين زعيم إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني – الذي استثمرت تركيا كثيرًا في استمالته إليها – ورئيس الحكومة العراقية نوري المالكي – الذي يعتبر خصمً لدودًا لأنقرة – أثّر أيضًا في الموقف التركي في ما بدا وكأنه محاولات إيرانية حثيثة لمحاصرة أردوغان وتسديد مزيد من الضربات إليه نتيجة مواقفه من الأزمة السورية وموافقته على نصب أجزاء من الدرع الصاروخي الأميركي على الأراضي التركية. ولمزيد من الإرباك، شكل الانقلاب العسكري الذي قاده الجيش ضد الرئيس المصري محمد مرسي ضربة معنوية للحكومة التركية. فعدا عن أنّ حزب العدالة والتنمية الحاكم يعتبر نفسه حليفًا تقليديًا للإخوان المسلمين – وهو نفسه ينحدر من خلفية إخوانية - فقد أيقظ الانقلاب العسكري في مصر كل الهواجس لدى أردوغان وإسلاميي تركيا عمومًا من ماضي الجيش التركي الإنقلابي، وخاصة أنّ ما حصل في مصر يشبه إلى حد كبير آخر انقلاب قاده الجيش التركي ضد رئيس الحكومة الإسلامي نجم الدين أربكان صيف عام 9971 وبعد سنة واحدة فقط من توليه حكمه. ومع أنّ المخاوف من احتمال أن يعود الجيش التركي سيرته الأولى في الانقلابات تبدو غير واقعية، فإنّ تنامي الاستياء الشعبي من سياسات أردوغان - فضلً عن تزايد الحملات الإعلامية ضده في الغرب وصلت إلى حد تشبيهه بهتلر - يدفعه إلى المبالغة في ردود أفعاله اعتقادًا منه بوجود "مؤامرة" تشترك فيها أطراف محلية وخارجية لإطاحته. وقد أثّرت هذه العوامل مجتمعة في دور تركيا الإقليمي الذي تقلصت فاعليته في مقابل زيادة التركيز على الأوضاع الداخلية. إنّ تراجع دور المنافسين الإقليميين في مقابل تنامي نفوذ السعودية، خاصة بعد سقوط حكم الاخوان في مصر والذي عارضته بشدة، دفع بها إلى صدارة المشهد السوري. ويبدو أنّ السعودية تصدت بشكل واضح ومكشوف لقيادة المحور الإقليمي المواجه لإيران، والذي يسعى لاحتواء نفوذها الذي تضاءل خلال العقد الأخير. بالنسبة إلى الرياض وطهران، فإنّ معركة سورية هي معركة مصيرية، وإذا كان من غير الممكن ربحها بالمطلق، فلا أقل من عدم خسارتها.

احتمالات التسوية في مقايضات الدول الكبرى

أمام هذه المشاهد الميدانية والسياسية المعقدة، تبدو فرص التوصل إلى تسوية قريبة للأزمة السورية أمرًا غير محتمل. ففي حين ترى معظم الدول الداعمة للثورة أنّ هدفها الأساسي هو تثبيت ميزان قوى على الأرض يسمح بالتوجه إلى مؤتمر جنيف وإجبار النظام على قبول انتقال سياسي، فإنّ ما يحصل هو أنّ الطرف المقابل لن يقبل أن يذهب ضعيفًا إلى هناك. هذا الأمر حصل فور الإعلان عن اتفاق موسكو عندما كان موقف النظام ضعيفًا، ثم تحول ليصبح موقف الثورة ضعيفًا بعد القصير، ما ينذر بأنّ هذه العجلة سوف تستمر بالدوران آخذة في طريقها ما تبقى من مقومات استمرار الدولة السورية.

هذه المقاربة للحل السياسي في سورية، والذي تتمسك به واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون، تعبّ عن قصور واضح في فهم ديناميكيات الصراع؛ فالنظام لن يتنازل قيد أنملة عن امتيازاته إلا إذا شعر بتهديد فعلي لبقائه، وهو ما لا يمكن بلوغه من خلال تحقيق توازن للقوى على الأرض فحسب، لذلك يغدو التفسير الأميركي للحل السياسي مضللً وقاصرًا ويقود إلى إطالة أمد المواجهة بدلً من وضع حد لها. وإذا كانت واشنطن ترى أنّ استعادة التوازن على الأرض تعني العودة بموازين القوى إلى ما كانت عليه قبل القصير لدفع النظام إلى تقديم تنازلات، فإنها تغفل أنّ الوضع القائم السابق لم يؤدِ إلى أي تغيير في موقف النظام وحلفائه الإيرانيين في ما يتعلق بالاستعداد لتطبيق بنود بيان جنيف. وفي حين تقف حدود الفعل الأميركي عند فكرة استعادة التوازن لتحسين فرص نجاح المؤتمر الدولي المزمع عقده، يعمد النظام وحلفاؤه الإقليميون إلى نسف أي توازن يمكن أن يؤدي إلى تقاسم حقيقي للسلطة. من الواضح أنّ واشنطن ما زالت تنظر إلى المسألة السورية – على الرغم من تخوفها من مخاطر انزلاقها إلى حالة صراع إقليمي واسع - في إطار جملة التناقضات التي تحكم علاقاتها بكل من روسيا وإيران، وتسعى لاستخدامها في إطار مقايضات ممكنة لتحقيق أهداف أكثر حيوية. من هنا، يمكن إيجاد رابط بين توجه واشنطن إلى زيادة دعمها للمعارضة السورية في الآونة الأخيرة والاتصالات الأميركية بحركة طالبان تمهيدًا لسحب قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" من أفغانستان بحلول منتصف العام المقبل، وذلك إذا كان الهدف هو ممارسة الضغط على كل من موسكو وطهران للحصول على تعاونهما في تنفيذ الانسحاب وتوفير ممر إقليمي آمن لسحب معداتها العسكرية الثقيلة من أفغانستان. كما يمكن أيضًا إيجاد رابط بين إبطاء المساعدات العسكرية للمعارضة السورية وبين إبداء واشنطن استعدادها للتعامل مع الرئيس الايراني حسن روحاني في التوصل إلى تسوية للملف النووي الإيراني، والتعاون في إعادة بناء النظام الإقليمي في أعقاب الانسحاب الأميركي، بما يضمن الحفاظ على المصالح الحيوية للولايات المتحدة فيها. بالمثل، يمكن فهم الموقف الروسي من المسألة السورية من خلال ربطه بجملة مصالح روسية أمنية وإستراتيجية يجري التباحث بشأنها مع واشنطن. ويشكل تصدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيًا للتعامل مع الملف السوري، حيث بات المتحدث الروسي الأول بشأنه مؤخرًا، مؤشرًا على مدى اهتمام الكرملين بسورية للضغط على الغرب بشأن القضايا التي تهمه. إنّ التشدد الذي عبّ عنه بوتين، حيال المسألة السورية، وبخاصة في مباحثاته التي أجراها مؤخرًا مع نظيره الأميركي باراك أوباما في قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى في لوخ إيرن بأيرلندا الشمالية، يعود إلى حد بعيد إلى شعوره بالإحباط الشديد من السياسة الأميركية التي تتجه نحو تجاهل الموقف الروسي في موضوعيّ تخفيض الترسانة النووية الإستراتيجية والمفاوضات حول مستقبل أفغانستان مع حركة طالبان. كما لا يخفى استياء موسكو من توجه الغرب إلى تأجيل عقد المؤتمر الدولي حول سورية ريثما تجري استعادة توازن القوى على الأرض، وذلك حتى لا تذهب المعارضة إلى المؤتمر مهزومة عسكريًا عقب القصير. لذلك عادت موسكو إلى التلويح بتزويد النظام السوري بمنظومات دفاع جوي من طراز "أس 300"، وطائرات من طرازي "ميغ 29" و"ياك"؛ وذلك ردًا على مقررات مؤتمر أصدقاء سورية في الدوحة والذي قرر تسليح المعارضة السورية. وفيما كانت الدبلوماسيتان الروسية والأميركية تتبادلان الاتهامات بشأن سلسلة من الملفات الدولية الشائكة، من بينها ملف سورية، كان فوز روحاني بانتخابات الرئاسة الإيرانية يجمعهما على التفاؤل بإمكانية وضع الملف النووي الإيراني على مسار الحل النهائي، وذلك وسط الترحيب الذي ولده انتخابه على أكثر من صعيد. لقد سارعت موسكو إلى اغتنام الفرصة للدفع باتجاه إطلاق جولة مفاوضات جديدة بين إيران ومجموعة الدول +5""1 المعنية بالملف النووي الإيراني تتزامن مع تسلم روحاني السلطة، فيما عبّ ت واشنطن عن استعدادها للتعامل مع الرئيس الجديد. إلا أنّ الواقعي حسن روحاني، والذي يؤمن بالدبلوماسية المسنودة بالقوة من جهة، ويبتغي تهدئة التوترات الإقليمية مع القوى الدولية لإتاحة المجال أمام بلاده لاستعادة أنفاسها عبر رفع بعض العقوبات عنها من جهة أخرى، لا يختلف كثيرًا عن بقية أركان النظام الايراني في رؤيته لأهمية الصراع الدائر في سورية وتأثيره في فرص نجاح المشروع الإيراني الهادف إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية. لذلك، وبقدر ما يسعى البعض لتفسير مجيء روحاني باعتباره يشكل لحظة فارقة في تاريخ نظام الثورة الإسلامية في إيران، فإنّه من جهة أخرى قد يشكل بسياساته لحظة استكمال المشروع الإيراني أو انكساره في المنطقة. بانتظار تحقيق ما يعتقد الأميركيون أنه نقطة التوازن العسكري على الأرض في سورية، وبانتظار ما ستسفر عنه المقايضات والتجاذبات بين الثنائي الدولي الأميركي - الروسي والثنائي الإقليمي السعودي - الإيراني، ستبقى سورية ساحة صراع مفتوحة وميدان تسوية حسابات بين أطراف مستعدة للقتال حتى آخر قطرة دم سورية.