نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية: الدلالات والتحديات

رشيد يلوح

الملخّص

تقدم هذه الدراسة قراءة لأبعاد نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة ودلالاتها، في ضوء المعطيات العدديّة المعلنة. وتستعين الدراسة في تحليلها بالعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية المؤثرة في الذهنية الإيرانية، سواءً لدى المعارضين لنظام الحكم، أو الموالين له. وتناقش الدراسة التحدّيات المطروحة أمام الرئيس الجديد حسن روحاني، مستعرضة جانبا من الصراع السياسيّ بشأن مفهوم "الاعتدال" الذي اختاره روحاني عنوان ا لمرحلة الملخص التنفيذي حكمه. وترى الدراسة في خلاصاتها أنّ نتائج الانتخابات أك دت استمرار احتكام الساحة السياسية الإيرانيّة إلى منهجيتها السابقة في إدارة صراعاتها. وتتوقع أن يُحسم الجدل بشأن "الاعتدال" عمليا على محك الممارسة السياسية للحكومة الجديدة، إذ سيكون لهذا الحسم بالغ الأثر في علاقة روحاني بالمرشد علي خامنئي والقوى النافذة في النظام، من جهة؛ والتيارات السياسية الموالية والمعارضة، من جهة أخرى. وعليه، سيبقى الجواب العملي عن سؤال "الاعتدال" هو المحدّد لمسار تجربة حسن روحاني الرئاسية ونتائجها.

مقدمة

كشفت نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية 2013 عن فوز المعتدل حسن روحاني الذي اقترح نفسه زعيمً لتوجُّه سياسي جديد يريد أن يقف على مسافة واحدة بين التيارين المتصارعين: الإصلاحي والأصولي، واختار روحاني لهذا التوجه عنوان "الاعتدال"، وعلى الرّغم من تأثيره المحتمل في إعادة ترتيب البيت الداخلي الإيراني، فإنّ هذا المعطى السياسي الجديد لم يخرج في اعتقادنا عن المنطق الثابت لقواعد الثقافة السياسية الإيرانية؛ إذ أكدت الفترة السابقة للعملية الانتخابية وما بعدها أنَّ الأحداث تجري وفق منهجية غير معلنة، غير أنّ مختلف الأطراف المؤثرة والمتنافسة متَّفقة عليها مسبقًا. وستحاول هذه الورقة البحث في أسس هذه المنهجية، وذلك من خلال تقديم قراءة عامة لأرقام العملية الانتخابية، ثمّ استعراض العوامل الكامنة وراء فوز الرئيس المنتخب حسن روحاني، وما تعرفه الساحة السياسية من صراع بعد عبور جسر الانتخابات، وأخيرا ستتناول الورقة سؤال التحديات المطروحة أمام رئاسة حسن روحاني.

قراءة في أرقام العملية الانتخابية

الدينية. فاز حسن روحاني في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية على منافسيه في التيار الأصولي بعد حصوله على أكثر من 81 مليون و 613 ألف صوت، وهو ما يعادل نحو 50.71 في المئة من أصوات الناخبين المشاركين الذين بلغ عددهم نحو 36 مليون و 704 ألف ناخب، وهم يمثِّلون نسبة مشاركة بلغت نحو 72.70 في المئة، من بين ما يقارب ألف مواطن يحقّ لهم التصويت50 مليون و 483. ومنافسو روحاني في هذه الانتخابات هم خمسة مرشحين ينتمون جميعًا إلى التيار الأصولي. ولبعضهم خلفية عسكرية، مثل محمد باقر قاليباف ومحسن رضائي، ولبعضهم الآخر خلفية دبلوماسية، مثل سعيد جليلي وعلي أكبر ولايتي. أمّا المرشح محمد غرزي فقد شغل منصب وزير في حكومة سابقة. وقد جاءت حصيلة أصوات هؤلاء المرشحين بالترتيب كما يلي: محمد باقر قاليباف ب 6 ملايين و 77 ألف صوت، وسعيد جليل ب 4 ملايين و 681 ألف صوت، ومحسن رضائي ب 3 ملايين و 884 ألف صوت، وعلي أكبر ولايتي بمليونين و 268 ألف صوت، ومحمد غرزي ب 446 ألف صوت. ومن الواضح أنّ إجماع الإصلاحيين وطيف هاشمي رفسنجاني على حسن روحاني قد ساهم بقوة في تركيز أصوات المعارضين عمومًا لمصلحته، في حين أدَّى استمرار التنافس بين المرشحين الأصوليين إلى تشتيت أصوات كتلتهم الانتخابية، في حين لَفَّ الغموض مصير أصوات أنصار الرئيس السابق أحمدي نجاد، وذلك بعد أن التزم الصمت، ولم يصدر من مقرَّبيه ما يفيد دعم أيّ مرشح في المنافسة الانتخابية. وتشير الأرقام التفصيلية المنشورة على موقع وزارة الداخلية الإيرانية إلى تقدُّم ملحوظ لحسن روحاني في العاصمة طهران وباقي المدن، كما هو الشأن في القرى ومحافظات الأطراف، ويمثِّل هذا الأمر تحوّلً نوعيًّا في ميل تصويت الناخب الإيراني المستقرّ في الأطراف، وقد كان في السابق وفيًّا للمرشحين الأصوليين، هذا يعني أنّ عودة الأصوليين قبل نحو ثماني سنوات إلى أجهزة السلطة التنفيذية لم تحقِّق آمال ناخبيهم. وقد ساهم في هذا التراجع انشغال عموم التيار الأصولي طوال السنوات الماضية بصراعاته الداخلية التي عمَّقتها مواقف أحمدي نجاد واصطدامه مرّات عديدة بمراكز القوّة التي يهيمن عليها التيار الأصولي في البرلمان والحرس الثوري والاستخبارات والمؤسّسة

وإذا اعتبرنا فوز حسن روحاني انتصارًا لعموم التيار المعارض للأصوليين المقرَّبين من المرشد علي خامنئي، فإنّ خسارة هؤلاء ليست كبيرة بالنظر إلى حجم الأصوات الانتخابية التي حصدوها، إذ لم يتفوَّق حسن روحاني على مجموع أصوات منافسيه الأصوليين إلاّ بما يقارب مليون و 767 ألف صوت، وهذا رقم ضئيل مقارنةً بما جرى تسجيله في انتخابات سنة 2009 حيث وصل الفارق بين الأصولي أحمدي نجاد ومنافسه الإصلاحي مير حسين موسوي إلى نحو 11 مليون صوت، وهذه الأرقام قد طعن في صحّتها عددٌ من المعارضين، ولم يعترف بها الإصلاحيون. وبغضّ النظر عن الخلاف الحاصل بشأن نتائج انتخابات سنة 2009، يبقى الاتفاق بين الجميع قائمًا بشأن ما حصده التيار

الأصولي من أصوات سنة 2013، وقد بلغت في مجموعها 61 مليون و 613 ألف صوت، مقابل 81 مليون و 613 ألف صوت للمعارضة والتي مثِّلها خطاب حسن روحاني. ونعتقد أنها نسبة عالية بالنظر إلى عدّة اعتبارات، أولها وقوعها في الدور الأول الذي لا يفرز عادة صورة حاسمة لاتجاه الأصوات، وثانيها أنّ أصوات التيار كانت مشتَّتة بين خمسة مرشحين، وهذا التشتت يفتح الباب أمام حيرة الناخب، ومن ثمة تسرُّب الأصوات. ويمكننا القول، إذن، إنّ نتائج الانتخابات كشفت عن استمرار التيار الأصولي في المحافظة على مواقعه داخل المجتمع، على الرّغم من انتصار خصومه الإصلاحيين وحلفائهم بنتيجة تلك الانتخابات. ويمكن إجمال أسباب هذا التمكن الاجتماعي للأصوليين في طبيعة موقعهم داخل النظام، فهم يمثِّلون الواجهة الأيديولوجية للحكم، وعمليًّا يشرفون على كلّ مؤسّسات النظام التي بإمكانها النَّفاذ إلى عمق المجتمع، وخصوصًا المؤسّسات الأمنية والدينية والاقتصادية، إذ تعمل هذه المؤسّسات بعيدًا من مراقبة الحكومة، وتتْبع في إدارتها وتمويلها مباشرة إلى مرشد الثورة علي خامنئي. ومن الملاحظ أنّ لهذه المؤسّسات دورًا مؤثِّرا جدًّا في الحشد الانتخابي، وأنها تقوم بذلك تحت غطاء دستوري لا يمنعها من تقديم الدعم لأيّ مرشح، فالمؤسّسة الأمنية والعسكرية تدعم الأصوليين بأصوات كثيرة يمكن تقديرها بنحو ثلاثة ملايين صوت، والأمر نفسه ينطبق على الحوزات الدينية وزعمائها الذين يدينون بالولاء للتيار الأصولي، أمّا مؤسّسات العمل الاجتماعي والخيري، فهي، بحكم طبيعتها، تستطيع توجيه أصوات المستفيدين من خدماتها بسهولة. وتمثِّل نسبة المشاركة العالية إحدى الخصائص الملازمة لكلّ الانتخابات الإيرانية، منذ قيام الثورة سنة 9791 تقريبًا. وهي نسبة متقدمة بشكل ملحوظ على ما يجري تسجيله عادة في معظم دول العالم، وتُعدّ الآلة الدعائية للنظام الحاكم المشاركة في الانتخابات نوعًا من المقاومة ضدّ الاستكبار العالمي، محاولةً إقناع المواطن بأنّ صوته هو "لكمة قوية في وجه أميركا وإسرائيل"، وعلى هذا الأساس يعتقد المرشد علي خامنئي أنّ نسبة المشاركة العالية في أيّ انتخابات هي تصويت شعبي مباشر على نظام الجمهورية الإسلامية وسياساته، وهذا الاعتقاد غير صحيح كلّه، بدليل المعطيات التي سنتعرض لها لاحقًا في هذه الورقة. وإذا قارنَّا بين نسبة المشاركة في انتخابات 2009 وانتخابات 2013، تبيَّ لنا بوضوح تراجع عدد المشاركين في هذه الأخيرة، وقد بلغ نحو 36 مليون و 704 ألف ناخب، بنسبة 72.70 في المئة، في حين بلغ عدد الناخبين في انتخابات 2009 نحو 46 مليون و 991 ألف ناخب، بنسبة تقارب 85 في المئة، ومن دون احتساب نسبة النمو الديموغرافي السنوي خلال السنوات الأربع الماضية 29(1. في المئة سنة )2011، يمكن تقدير هذا الانخفاض في عدد المشاركين بنحو 01 ملايين مواطن على الأقل، وهي نسبة كبيرة، تبرّرها حالة اليأس والانسداد التي عرفتها البلاد، منذ أحداث انتخابات 2009، وما تبعها من أحداث شأن محاصرة المعارضة وسجن بعض رموزها ومتابعة بعضهم الآخر، إضافةً إلى الانهيار الذي عرفته الأوضاع الاقتصادية. ومن المهمّ أن نشير، في هذا السِّياق إلى أنّ الأرقام التي تعلنها وزارة الداخلية الإيرانية عن الانتخابات لا تسلم دائما من نقد المعارضين وتشكيكهم، وبخاصةٍ الأرقام المتعلقة بانتخابات 2009 التي تعرضت لتشكيك واسع في ما يتعلَّق بصدقها، وقد وصل النقاش حولها إلى البرلمان، إذ كشف النائب علي أحمد بزركواري في جلسة علنية التفاوت الكبير بين نسبة المشاركين سنة 2005 ونسبتهم سنة 2009، وقد بلغ نحو 11 مليون مشارك. وبالنظر إلى المعطيات السابقة نعتقد أنّ نسبة 72 في المئة من المشاركين في انتخابات الرئاسة سنة 2013، كانت إلى حدّ ما مخالفة للتوقعات التي انتظرت انعكاس تراكمات السنوات الماضية سلبيًّا على نفسية الناخب، ومن ثمة تكون المقاطعة لصناديق الاقتراع هي ردّة فعله الطبيعية. هناك إذا عوامل مؤثِّرة ساهمت في تَوَجُّه الناخبين إلى صناديق الاقتراع. وفي المحور الآتي سنحاول عرْض هذه العوامل وتحليلها.

المتغيرات الانتخابية لسباق 2013 الرئاسي

مثَّلت نتائج انتخابات يوم 41 حزيران/ يونيو مفاجأةً حقيقيةً لعموم المراقبين داخل إيران وخارجها، وأكدت الاعتقاد القائل بصعوبة توقُّع اتجاهات السياسة الإيرانية. إلا أنّ النظر إلى الحدث من زاوية بحثية يُبيِّ أنّ النتائج، وما كان قبلها، وما جاء بعدها، لا يخرج عمومًا عن المسار الذي يحكم الثقافة السياسية الإيرانية التي لا تستند فقط إلى مقتضيات الصراع الاجتماعي والسياسي في تدبيرها وتحولاتها، بل إلى الخصائص الثقافية والنفسية التي تساهم بقوّة في صنع مواقف الشخصية الإيرانية، وفي تحديد أهدافها وأولوياتها أيضًا. ومن هذا المنطلق سنحاول استعراض ثلاثة عناوين رئيسة، نعتقد أنها من أهمّ العوامل التي كانت وراء حدوث متغيِّ ين أساسيين في الساحة الإيرانية؛ فالمتغير الأول هو ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية، وأمّا الآخر فهو فوْز المعتدل حسن روحاني. ويرتبط المتغيران أحدهما بالآخر؛ فالمشاركة الكبيرة للكتلة التصويتية المطالبة بالتغيير هي التي أحدثت الفرْق لمصلحة روحاني، كما أنّ شعارات التغيير التي رفعها روحاني بنبرة معارضة، أوجدت، كذلك، نوعًا من الحماسة والأمل عند الناخبين.

العامل الثقافي والقومي

تشير الأرقام الرسمية المتوافرة إلى تقدُّم المؤشرات التعليمية عند الإيرانيين مقارنةً بباقي الدول النامية الأخرى، ففي نتائج الإحصاء الوطني سنة 2011 بلغ تعداد الشعب الإيراني نحو 73 مليون و 461 ألف نسمة، سبعة في المئة منهم أمِّيون، في حين يبلغ عدد طلاب التعليم العالي المتخرّجون نحو 01 ملايين و 498 ألف شخص، ويأتي تخصُّص العلوم الاجتماعية والقانونية والاقتصادية، والهندسة والإنتاج الصناعي، على رأس تخصُّص هؤلاء الطلاب والمتخرِّجين بنسبة 56.06 في المئة. وهذا المعطي يساعدنا على فهم التوجه العامّ لمجتمع تصل فيه نسبة الشباب القادرين على العمل (بين 51 إلى 64 سنةً) إلى 70.9 في المئة، ما يجعل مطالب التغيير الاجتماعي والسياسي على رأس الانشغالات التي لا تنفصل عن الاهتمام بالمصير العامّ للبلاد، وبخاصةٍ بعد أن وصلت إيران في السنوات الأخيرة إلى مرحلة حرجة جعلتها قريبة من سيناريو الانهيار الاقتصادي، والذي عرفه الاتحاد السوفياتي السابق في نهاية عقد ثمانينيات القرن الماضي. وإنّ أحوال المنطقة وبعض حلفاء النظام الحاكم تجعل هذا السيناريو ممكن التكرار في البلاد، وخصوصًا في ظلّ تزايد التهديدات الغربية ضدّ إيران. وقد تحقّق بالفعل الجانب الاقتصادي منها، إذ أثَّرت تلك العقوبات تأثيرًا بارزًا في تماسك الاقتصاد الإيراني وهدّدت استقرار المجتمع على الرّغم من جهد المقاومة الاقتصادية الذي تبذله الحكومة. وبالنسبة إلى المواطن الإيراني فإنه من المرعب جدًّا أن يكون مصير بلاده مماثلً لباقي الدول التي دخلت في صراع ضدّ الغرب. وهذه المقدمة ضرورية في نظرنا لفهم الصورة التي تسيطر على ذهن المواطن الإيراني، ففي ثقافته القومية تُعَرَّف إيران بأنها مركز العالم، وبأنّ الحضارة البشرية مدينة للإيرانيين، وحين يعبِّ بعض الإيرانيين عن حبِّهم لبلادهم لا يجدون سوى كلمة "العبادة" ليبرزوا تلك العلاقة التي تربطهم بها، حتى أننا نقرأ عن بعض الإيرانيين ونسمع منهم "عبادة إيران"، وقد ساهمت الثقافة الأسطورية القديمة في تأليف الحسّ القومي الإيراني الذي يجعل "أرض إيران" من المقدسات التي ينبغي ألاّ يقع المساس بها أو التفريط في أيّ جزء منها مطلقًا، وكان العدوّ الخارجي على مرّ العصور هو المحرك الرئيس لهذه المشاعر، لذلك كانت كلّ الأُسر والأيديولوجيات التي حكمت إيران تستثمر بسهولة هذا المخزون العاطفي القومي لتثبيت سلطتها. ومن الملاحظ أنّ شيوع الثقافة القومية المُغالية في تقديس الأرض وتمجيد العرق، قد أدَّى إلى إفراز أزمة هوية عند الفرد الإيراني تمنعه في الغالب من التوافق مع شركائه في الثقافة أو الدين. لكنه يستطيع دائما أن يستفيد من هذه الخاصية في الأوقات الصعبة، وبخاصةٍ عندما يكون أمنه القومي معرَّضًا للخطر، وهذا الأمر ينسجم والتصورات الأيديولوجية القومية عمومًا، وهي تبشِّ الشعب بالأمن والاستقرار في أوقات الأزمات مقابل دعمهم وولائهم، وقد بدا هذا التوجه واضحًا يوم 41 حزيران/ يونيو عندما سادت قناعة بين فئات واسعة من الإيرانيين مفادها أنّ التصويت في الانتخابات الرئاسية هو تصويت مباشر لإيران نفسها، وأنّ مقاطعة الانتخابات لن تكون إلاّ دفعًا للبلاد نحو مصير جيرانها في أفغانستان أو العراق أو سورية.

ويمكن رصْد هذا التوجه من خلال عدّة جوانب، تبدأ من رأس النظام الإيراني نفسه؛ أي المرشد علي خامنئي الذي دعا معارضي نظام الجمهورية الإسلامية إلى المشاركة في الانتخابات، وختَم دعوته بإلحاح ملحوظ، قائلً: "هم أيضًا يجب عليهم أن يشاركوا في الانتخابات، يجب عليهم جميعًا أن يشاركوا"، وهذه أوّل مرّة يدعو فيها خامنئي معارضي النظام للمشاركة في الانتخابات، وهي دعوة مفهومة تمامًا في ظلّ شروط المرحلة التي أشرنا إليها، والتي لمَّح إليها خامنئي صبيحة يوم الاقتراع عندما خاطب الإيرانيين قائلً إنّ مصير البلاد مرتهن بمشاركتهم في الانتخابات. يبدو واضحا، إذن، أنّ خامنئي قد ميّز، من خلال دعوة معارضيه، بين الوطن والنظام الحاكم، وهو تمييز غير مسبوق في خطاباته التي ينعت فيها المعارضين، عادةً، بالقلة المعزولة والمُغَرَّر بها. وقد استجاب لتلك الدعوة، على ما يبدو، قطاع مهمّ من المعارضين، في توافق ضمني بين الطرفين - على الرّغم من التاريخ الطويل الذي تراكم بينهما من عداوات سياسية وأيديولوجية - من أجل تجنيب البلاد شبح الحرب والانهيار. ويبرز تأثير العامل الثقافي والقومي، أيضًا، من خلال موقف علي أكبر رفسنجاني، الشخص الثاني في الثورة الإيرانية ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام؛ فبعد أن جرى استبعاده من السباق الانتخابي بسبب ضغوط مورست على أعضاء مجلس صيانة الدستور، احترز رفسنجاني من إصدار أيّ ردّ فعلٍ غاضب انتقامًا من القوى التي تسعى لتحييده سياسيًّا، واكتفى بانتقادات عامة محذِّرًا من المخاطر المتربِّصة بالبلاد، ثمّ حشد دعمً كبيرًا لمرشحه حسن روحاني، ولم يتردَّد في تشجيع الناس على المشاركة في الانتخابات. وبعد إعلان النتائج اعتبر رفسنجاني إيران أفضل بلد ديمقراطي في العالم، وهنا يتَّضح أنّ رفسنجاني أعاد ترتيب أولوياته السياسية بنفسه؛ إذ قدَّم مصلحة الأمن القومي على ما بينه وبين القوى النافذة في النظام الحاكم من حساب. وهذا التمييز يمكن ملاحظته أيضًا عند الرئيس السابق محمد خاتمي الذي تعرض لضغوط أبعدته عن الترشح للانتخابات، ثمّ استهدفه التيار الأصولي بحملات تشويه واسعة، فذلك كلّه لم يمنعه من عقْد تحالف مع رفسنجاني، باسم التيار الإصلاحي، لدعم حسن روحاني، ولم يمنعه كذلك من دعوة أنصاره إلى ضبْط النفس والتزام تصريف إرادتهم السياسية عبْ صناديق الاقتراع. وسار الرئيس السابق أحمدي نجاد، بدوره، في الاتجاه نفسه، فعلى الرّغم من استبعاد مرشحه إسفنديار مشائي من الرئاسة، وعلى الرّغم من فشل محاولاته في إقناع المرشد خامنئي بمراجعة قرار مجلس صيانة الدستور، فقد حافظ هو وأنصاره على هدوئهم، بل إنهم ساهموا في دعوة الناخبين إلى تكثيف مشاركتهم، في حين التزموا الصمت تجاه المرشحين المتنافسين. ثمّ إنّ الزعيمين الإصلاحيَيّن المحاصرين مهدي كروبي ومير حسين موسوي، قد التزما الصمت، أيضًا، بخصوص هذه الانتخابات، ولم يصدر منهما أيّ موقف على الرّغم من أنّ دعوتهما إلى المقاطعة كانت ممكنةً، وهذا الأمر الذي فُهم لمصلحة المشاركة، انسجامًا مع التوجُّهَ العامّ للمعارضة، تؤكده أيضًا دعوة المشاركة التي وجَّهها سجناء التيار الإصلاحي من دخل السجن إلى أنصارهم. ولا شكّ في أنّ تأثير العامل الثقافي والقومي قد بدا واضحًا أيضًا في ما يتعلَّق بمواقف جزء مهمّ من نخبة المثقفين والإعلاميين وفئات من المعارضة السياسية بالخارج من خلال خطاباتهم؛ إذ تقاسم هؤلاء مجموعة من التقديرات الأساسية للحدث، أهمها اعتبار انتخابات 41 من حزيران/ يونيو، فرصةً تاريخيةً لإنقاذ إيران من هيمنة التيار الأصولي وسياساته التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار، ورأى هؤلاء في الذهاب إلى صناديق الاقتراع الوسيلة الملائمة لتحقيق التغيير المنشود، ومن ثمّة إبراز الطابع المدني والسلمي للمعارضة الإيرانية. وقد يكون الحَفْز القومي في الصراعات السياسية داخل بعض البلدان أداة لتحقيق أهداف مرحلية بعينها، لكنّ التاريخ السياسي والثقافي الإيراني يُثبِت أنّ هذا الحَفْز هو من مكوّنات الثقافة السياسية الإيرانية، وأنه انعكاس لمكانة العنصر القومي في الذهنية الإيرانية، لذلك يجد النظام الحاكم في التهديدات الغربية وما يصحبها من عقوبات اقتصادية، مادّة ملائمة لتثبيت شرعيته الثورية التي لا تنفصل بالنسبة إليه عن شرعيته القومية، وهذا ما دأبت أيديولوجيا الثورة

الإسلامية على صيانته وتكريسه منذ قيامها، وهو أيضًا ما عبَّ عنه المرشد علي خامنئي بعد إعلان نتائج الانتخابات حين فسَّ مشاركة معارضيه بكونهم يثقون بقدرة نظام الجمهورية الإسلامية على حفظ استقلال البلاد.

العامل السياسي

أدَّى العامل السياسي دورًا محوريًّا في متغيّ المشاركة الانتخابية وفوز روحاني، وقد ساهمت كلّ القوى والأطراف السياسية الفاعلة في حَفْز هذا العامل، بدءًا من المرشد علي خامنئي والقوى المرتبطة به، إلى طيف أحمدي نجاد في الحكومة، وتيار المعارضة بكل أطيافه أيضًا. وكانت الأحداث التي عقبت الانتخابات الرئاسية، سنة 2009، هاجس السلطة الحاكمة التي لم ترغب في تكرار أخطائها على الرّغم من ميلها نحو هندسة العملية الانتخابية والتحكم في نتائجها. ونلمس هذا الميل بوضوح في خطابات المرشد علي خامنئي الثمانية التي ألقاها خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت يوم الاقتراع، وكانت خطوطها العريضة تتفاوت بين تأكيد عدم تكرار أخطاء سنة 2009، وانفتاح المجال أمام كلّ التوجهات السياسية، ثمّ الخصائص المطلوبة في رئيس الجمهورية المقبل. وقد سارت الإجراءات السابقة للعملية الانتخابية ضمن إستراتيجية عدم التدخل المباشر، وذلك بمنع الأطراف المزعجة من الوصول إلى مرحلة المنافسة، وتقليل الحضور الإعلامي الدولي. وباستبعاد هاشمي رفسنجاني وإسفنديار مشائي من المنافسة، ضَ مِن علي خامنئي أنّ العملية الانتخابية وإن لم تكن سائرةً، بالضرورة، في اتجاه ما يريده، فإنّ ذلك في أسوأ نتائجه لن يمثِّل أيّ تهديد بالنسبة إليه، وهذا ما يعنيه فوز حسن روحاني حتى الآن. وكان واضحًا أنّ خامنئي قد نجح في إقناع الحرس الثوري بالابتعاد، ما أمكن، عن ساحة المنافسة الانتخابية، على الرّغم من دوره في الدعم غير المباشر لمرشحه محمد باقر قاليباف. وهكذا يكون المرشد قد ساهم في تحقيق الحدّ الأدنى من رغبات معارضيه دون أن يخسر هو والحرس الثوري الشيء الكثير. وأمّا الطرف الثاني الذي ساهم في حَفْز العامل السياسي فهو الرئيس السابق أحمدي نجاد، إذ على الرّغم من وجوده على رأس السلطة التنفيذية لم يصدر منه أي ردّ فعل غير متوقَّع بسبب استبعاد مرشحه إسفنديار مشائي، بل حاول التعبير عن سخطه من خلال امتناعه عن دعم أيّ منافس كان، وعبَّ عن ذلك أيضًا في اللحظات الأخيرة، قبل إغلاق صندوق الاقتراع. وفي هذا الأمر وذاك دلالة واضحة على رغبته في الحفاظ على العملية الانتخابية، ومن ثمة يكون قد ترك الأمور تسير إلى نتائجها على نحوٍ طبيعي. وهذا الوضع المحايد كان مفيدًا جدًّا لروحاني، لأنه وفّر له عبء مواجهة جبهة الطيف النجادي الموجود في الحكومة، والذي لا يزال يحتفظ بنسبة معينة من دعْم الشارع.

وإذا كانت الأدوار السياسية للمرشد علي خامنئي والرئيس السابق أحمدي نجاد قد ساهمت بقوة في متغيّ فوز حسن روحاني، فإنّ أدورا المعارضة كانت أكثر بروزًا في إقناع المواطنين بضرورة الذهاب إلى صناديق الاقتراع؛ إذ عرفت الأسابيع السابقة يوم الاقتراع نقاشًا كبيرًا، في مواقع التواصل الاجتماعي، بين أطياف المعارضة الإيرانية، الداعين إلى المشاركة والداعين إلى المقاطعة، وقد انتهت نتيجة النقاش إلى مصلحة دعاة المشاركة. ويمكن تقسيم تيار المعارضة إلى فئتين رئيستين: فالفئة الأولى هي المعارضة من داخل النظام، وهي تتكوَّن أساسًا من الإصلاحيين، ومن أنصار رفسنجاني والمقربين من الجبهة القومية الدينية. وأمّا الفئة الثانية فهي المعارضة الجذرية للنظام التي يستقر رموزها خارج إيران. وقد أعطت أحداث سنة 2009 دفعة قوية لمجموع أطياف المعارضة، وكان ذلك تحت مسمّى "الحركة الخضراء" التي فشلت في بلورة برنامج سياسي يضمن لها الاستمرار والفاعلية. وممّ ساهم في هذا الفشل أيضًا الاختلافات الأيديولوجية، وتباين أطرافها في الأهداف المرحلية. وهذا الأمر هو الذي رسَّخ قناعة القبول بالحدّ الأدنى المتاح حاليًّا داخل النظام؛ وهو الخيار الذي توفّره الانتخابات الرئاسية سنة 2013. وبرز هذا التوجه بعد الضربة التي تلقَّتها المعارضة عندما مُنع خاتمي واستُبعد

رفسنجاني من دخول المنافسة، ممّ دفع الجميع إلى الاتفاق على دعْم حسن روحاني في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، ويمكن اعتبار هذا الأمر تحوّلً سياسيًّا نوعيًّا في سلوك المعارضة التي خسرت مجموعةً من معاركها الانتخابية بسبب تشتُّت أصواتها بين أكثر من مرشّح، وقد جرى هذا الحدث سنة 2005 وتكرر سنة.2009 ونُذكِّر في هذا السياق بأنّ تأثير العامل الثقافي والقومي قد جاء متمِّمً لتأثير العامل السياسي؛ إذ ساد الاقتناع بين أهمّ أطياف المعارضة الإيرانية بأنّ معركتها ضدّ النظام الحاكم والقوى المرتبطة به ينبغي أن تكون معركةً مدنيةً سلميةً، من خلال كلّ الوسائل المتاحة، ولا يضيرها، بعد ذلك، أن يكون الزمن سلاحًا في المعركة، ذلك أنّ معظم التجارب الثورية التي خاضتها إيران خلال المئة سنة الأخيرة أثبتت لجزء من النخبة أنّ التحوُّل الديمقراطي المنشود لا يأتي دفعةً واحدةً، وأنّ فاعلية المجتمع وإصراره على التغيير هو الحاسم. وهذا ما أثبتته الحركة الإصلاحية سنة 9971 والحركة الخضراء، أيضًا، سنة 2009. ويعتقد هؤلاء أنّ خيار الاستنجاد بالخارج لإسقاط النظام في هذه المرحلة ليس مضمون النتائج في ظلّ التجارب المنظورة في العراق وليبيا وسورية. ويبدو أنّ التوجه السياسي للمعارضة قد وجد استجابة عند المواطن الإيراني الذي يبحث عن حلول لمشاكله الاقتصادية والاجتماعية بأقلّ الأثمان، وهذا ما ترجمه، عمليًّا، التصويت لمرشح الاعتدال حسن روحاني، والمشاركة الملحوظة في العملية الانتخابية.

العامل الاقتصادي

جاءت الانتخابات الرئاسية 2013 ضمن سياق اقتصادي إيراني متأزّم، مهدّد بالانهيار الشامل، وذلك نتيجة مسلسل حصارٍ اقتصادي غربي طويل ضدّ إيران، بدأ منذ قيام الثورة الإيرانية سنة 9791، وجرى الإمعان فيه بعد سنة 2005، بناءً على خلفية المطالب الغربية والإسرائيلية بخصوص الملف النووي الإيراني، ليدخل مسلسل العقوبات مرحلة خطِرة خنقت الاقتصاد الإيراني بعد سنة 2011، مستهدفًا القطاعات الحيوية الإيرانية مثل النفط والغاز والمعاملات البنكية الدولية، وقد أثَّرت هذه العقوبات تأثيرًا مباشرًا في الصادرات النفطية الإيرانية؛ ففي غياب أرقام رسمية عن نسبة هذه الصادرات، تحدثت مصادر إعلامية عن تراجع صادرات النفط الخام الإيراني سنة 2012 إلى 1.1 مليون برميل يوميًّا، مقارنةً بسنة 2011 التي سجّلت تصدير 2.2 مليون برميل. وأمّا من ناحية المؤشرات الاقتصادية فقد عرفت نسبة النموّ الاقتصادي الإيراني تراجعًا سلبيًّا سنة 2012، بلغ 91.، مقابل 3.0 في المئة سنة 2011. ويُتوقَّع أن تبلغ هذه النسبة 31. في المئة سنة 2013 ، في حين بلغت نسبة البطالة سنة 2012 نحو 21 في المئة. وبلغ معدّل التضخُّم نسبة 31.5 في المئة حتّى آذار/ مارس سنة 2013 (نهاية السنة الإيرانية الرسمية 391)1، بحسب مركز الإحصاء الإيرانيّ الرسمي. وعلى الرّغم من تمرّس النظام الإيراني الحاكم بأساليب التعامل مع الحصار الاقتصادي الغربي وسياساته، فإنّ قدرته على مواجهة عقوبات من نوع جديدة، أصبحت تضعف على نحوٍ واضح، خصوصًا في أوضاع الأزمات الاقتصادية الهيكلية المتفاقمة؛ مثل التضخُّم والبطالة والنموّ الضعيف، وهي الأزمات التي فشلت حكومة أحمدي نجاد -2005( 2013) في القضاء عليها، بل إنّ عددًا من السياسيين والاقتصاديين يحمِّل هذه الحكومة مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية بنسبة لا تقلّ عن ستين في المئة. ومن المهمّ تأكيد أنّ معظم المؤشرات الاقتصادية الإيرانية عرفت منحنيات تنازلية منذ سنة 9791، إلا أنها باتت بارزةً ومقلقة في سنوات حكومة الرئيس السابق أحمدي نجاد، وتكفي الإشارة في هذا السياق مثلً، إلى وضعية العُملة الوطنية التي فقدت نحو 270 في المئة من قيمتها في عهده. أمّا معدل التضخُّم فقد عرف زيادة بنسبة عشرة في المئة في الفترة نفسها، فعندما ترك خاتمي منصب الرئاسة، سنة 2005، كان معدل التضخُّم المعلن رسميًّا هو 21.1 في المئة، في حين

بلغ هذا المعدل حتى آذار/ مارس سنة 2013 ، نسبة 31.5، بحسب مركز الإحصاء الإيراني، والملاحظة نفسها تنطبق على معدل البطالة وإن كانت بنسبة أقلّ، إذ بلغت نسبة البطالة في نهاية رئاسة أحمدي نجاد 2.21 في المئة، في حين سجّلت في نهاية ولاية الرئيس السابق سنة 2005 نسبة 511. في المئة. وكان لهذه الإخفاقات الاقتصادية المتراكمة تأثير مباشر في الأوضاع الاجتماعية؛ إذ وجد الإيرانيون أنفسهم أمام تفاقم مشاكل الغلاء والبطالة ونقصٍ كبير في بعض الأدوية الأساسية، إضافةً إلى تضرُّر مصالح رجال الأعمال والتجار من جرّاء الصعوبات التي أوجدتها العقوبات البنكية في تحويل الأموال والمعاملات التجارية. ويفهم المواطن الإيراني جيّدًا أنّ الجزء الأكبر من أسباب الوضعية المتأزمة يعود إلى الاختيارات الإستراتيجية للنظام الحاكم، وبخاصةٍ في الملف النووي، أو في بعض السياسات الاقتصادية الداخلية، لذلك يعتقد هذا المواطن أنّ المشاركة الانتخابية هي الوسيلة الأكثر تأثيرًا لتغيير هذا الواقع ورفْع معاناته اليومية. وهذه القناعة كانت أيضًا قناعة المرشحين للرئاسة أنفسهم؛ إذ تحولت معظم النقاشات بين هؤلاء إلى ما يشبه نقاشات خبراء الاقتصاد، فكلّ مرشّح يحاول إبراز قدرته على إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية، في غفلة من الجميع، أو تغافل منهم، عن الجذور السياسية للأزمة الاقتصادية. وعلى هذا الأساس كان العامل الاقتصادي مؤثّرًا في متغيّ المشاركة الانتخابية، كما كان تأثيره ظاهرًا في فوز حسن روحاني الذي احتلّ الاقتصاد مساحةً كبيرةً من خطابه الانتخابي، والذي اقترح منهجية الاعتدال مدخلً إلى إحداث انفراج اقتصادي وإخراج البلاد من وضعية الاختناق، وقد كان واضحًا أنّ روحاني يسعى لإعطاء الاقتصاد الوطني فرصةً لالتقاط أنفاسه، من خلال سياسة تفاوضية في الملف النووي تخفِّف من وطأة العقوبات الاقتصادية الغربية. وقد عبَّ روحاني عن هذه المعادلة بقوله: "ستدور المولِّدات النووية، لكن ينبغي أيضًا لحياة الناس أن تدور"، ففي اعتقاده لا يمكن الحديث عن استقلال وطني وعزّة قومية وأهداف ثورية في ظلّ مجتمع يعاني الفقر والحرمان والفرص غير المتكافئة. ولقد فتح هذا الخطاب نافذةَ أملٍ عند الناخب الإيراني الذي يريد أن يعيش حياةً كريمةً، ولا يريد أن يجعل حُلْمه في الاستقرار قربانًا للنزعة الأيديولوجية وطموحات السياسيين.

اعتدال روحاني بين التأويل والتنزيل

كانت الانتخابات الرئاسية امتحانًا قوميًّا استطاع من خلاله الشعب الإيراني أن يفرض على النظام الحاكم احترام الحدّ الأدنى من إرادته الانتخابية، في حين كان هذا الامتحان فرصةً تاريخيةً للمرشد علي خامنئي أكَّد بها لخصومه في الداخل والخارج أنّ شرعية نظام الجمهورية الإسلامية مازالت قويَّةً. لكن لم تكن هذه النتيجة الانتخابية، في ما يبدو، سوى مبتدأ لخبر لم يأتِ بعد. وهذا المبتدأ السياسي هو شعار "الاعتدال" الذي رفعه الرئيس حسن روحاني، وأراده أن يكون مفتاحًا لكل أقفال البلاد المؤصدة؛ إذ حاول أن يشرح في عناوين عريضة ما يقصده بالاعتدال، كما حاول أن يطلق بعض الإشارات الدالة أحيانًا، والمبهمة أحيانًا أخرى. لكنّ المعطيات والتطورات المتتالية، بدءًا من إعلان فوزه إلى اليوم، تجعلنا نتوقع الخبر الذي لم يظهر في مبتدأ روحاني، ونقصد به، على وجه التحديد معركة تأويل الاعتدال وتنزيله سياسيًّا وحكوميًّا. فكيف ذلك؟ لم يكن حسن روحاني إصلاحيًّا، لكنّ قربه من رفسنجاني جعله يقترب من زعيم الإصلاحيين محمد خاتمي، وفي الوقت نفسه فرضت عليه خبرته الدبلوماسية بالملفّ النووي أن يكون قريبًا من المرشد ومن عموم التيار الأصولي أيضًا، وهكذا فقد كان مؤهلً للاضطلاع بتجسير الهوَّة بين الإصلاحيين والأصوليين التي عمقتها أحداث الانتخابات الرئاسية سنة.2009 وفي أوّل خطاب انتخابي له، عرَّف حسن روحاني نفسه بالمعتدل المستقلّ عن كلّ التيارات السياسية، وقال إنه يريد أن يضع يده في يد جميع المعتدلين من داخل كلّ هذه التيارات بهدف إنقاذ البلاد، وعلى عكس محمد خاتمي بدا روحاني غير معنيٍّ بقضية الديمقراطية ومفاهيم الدولة الحديثة، كما أنه لم يطلق وعودًا سخيّة لناخبيه، بل حاول أن يقف موقفًا وسطًا بين نخبوية الأول وشعبوية الثاني.

وظلّ روحاني يؤكّد، في كلّ خطاباته الموالية، مفهوم الاعتدال مُرجعًا كلّ أسباب الانسداد والفشل إلى التطرُّف الصادر من كلّ الجهات. ويبدو واضحًا، في هذا السِّياق أنّ مَا يقصده روحاني بالاعتدال هو المنهج السياسي المعتدل، واعتماد مقاربات تنتهج التدبير والوسطية لإصلاح المشاكل السياسية داخليًّا وخارجيًّا، وأمّا من الناحية الاقتصادية فيعتقد أنّ الاعتدال يقتضي العدالة والتدبير العقلاني مفتاحًا لحلّ المشاكل المعلَّقة. واستبطن تقييم حسن روحاني لأوضاع البلاد انتقادًا لسياسات الحكومات التي تعاقبت على السلطة التنفيذية من إصلاحيين وأصوليين. ولم تخلُ انتقاداته، أيضًا، من التلميح إلى الجهات النافذة والمقرَّبة من المرشد؛ فهو يحمِّل الجميع المسؤولية، وفي الوقت نفسه يريد أن يتعاون مع جميع المعتدلين، وأن يكون حلقة وصلٍ بينهم جميعًا، وهذا ما دفعه أحيانًا إلى بعض الإبهام، فهو لا يريد، بالنظر إلى رغبته في استقطاب أصوات الإصلاحيين، أن تفسد علاقاته بالمرشد والقوى المرتبطة به في التيار الأصولي. وقد برز هذا الأمر حين صرّح، في أوّل حوار صحفي له بعد فوزه، بأنه سيعمل وفق أسلوب "خُطوةً فخُطوةً"، وأنّ الأمور تحتاج إلى وقت. وقد أكَّدت هذا الأمر مقالات وتصريحات مقربين منه، ردًّا على الذين يطالبون الرئيس الجديد برفع الحصار عن رمزَيِ التيار الإصلاحي مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وإطلاق سراح السجناء السياسيين. لقد كان مجيء حسن روحاني إلى قصر الرئاسة بفضل أصوات تحالف الإصلاحيين وطيف رفسنجاني. وهذا التحالف هو الذي يضع المسألة السياسية على رأس أولوياته، فهؤلاء في حاجة إلى مفتاح روحاني لفتح الأبواب التي أغلقت في وجوههم طَوال السنوات الماضية، في حين تأتي المسألة الاقتصادية في الدرجة الثانية عند أقطاب هذا التحالف. وأمّا روحاني فيجد نفسه مرغمً على مجابهة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، والشروع عاجلً في تدبير ملفّ المفاوضات النووية للتخفيف من العقوبات الاقتصادية، وهذا ما سبق للمرشد أن ذكَره مرارًا في معرض شرح المهمّ ت التي ينبغي للرئيس الجديد أن يباشرها ويهتمّ بها. وفي الوقت الذي ينشغل فيه الرئيس حسن روحاني ببناء حكومة وحدة وطنية بمشاركة كلّ الأطراف، تقوم معركة إعلامية بين الإصلاحيين والأصوليين بشأن تأويل "اعتدال روحاني"، فعندما أوَّلَ بعض الإصلاحيين اعتدال الرئيس بما يعتقدون أنه خريطة طريق جديدة، مع الحديث عن أسماء إصلاحية يمكنها أن تتقلد مسؤوليات وزارية في حكومته، اتهمهم خصومهم في التيار الأصولي بالرغبة في مصادرة انتصار روحاني، والتخطيط للعودة إلى الساحة السياسية تحت غطاء الاعتدال، وقد وَرَدَ جانب من هذه الاتهامات في مقال نشَه الصحافي حسين شريعتمداري، المقرَّب من المرشد خامنئي. وأمّا عضو مجلس الخبراء المتشدِّد أحمد خاتمي فقد طلب من الرئيس روحاني تقديم توضيح دقيق لما يقصده بالاعتدال؛ ذلك أنّ الاعتدال الصحيح في رأي خاتمي هو اعتدال المرشد خامنئي، وأنّ أيّ شيء آخر غيره، لا يعدو أن يكون نوعًا من الانحراف. وأعاد هذا التجاذب المصحوب بالشكّ والاتهامات المتبادلة بين الطرفين حالة الانقسام إلى الحياة السياسية التي اختفت أيَّامًا قليلةً عندما كان الجميع، عند صناديق الاقتراع، موحَّدًا بمشاعر قومية. وهذا السلوك هو الذي طبع الحياة السياسية الإيرانية على نحوٍ بارز في عهْد الجمهورية الإسلامية؛ إذ يكون للخطر القومي دور فعَّال في توحيد القوى والتيارات المتصارعة، غير أنها سرعان ما تعود إلى صراعاتها بعد عبور منطقة الخطر. ويبدو أنّ جزءًا مُهمًّ من فترة رئاسة حسن روحاني سيشغله الجدل، المتعلق بمفهوم الاعتدال، بين من يطالب بالاعتدال داخل الاعتدال، ومن يحذِّر من التطرف داخل الاعتدال. والطرفان الفاعلان في هذا الجدل هما التيار الإصلاحي والتيار الأصولي، وهذا الأمر يرجِّح بقوّة عودة تداعيات كلّ الصراعات القديمة إلى الساحة الجديدة، فالإصلاحيون مستعدُّون لاسترداد جزء من المواقع التي فقدوها قبل مجيء أحمدي نجاد؛ أيْ قبل ثماني سنوات، ويعتقدون أنّ فتْح المجال لعودتهم هو أوّل تجَلٍّ لمفهوم الاعتدال، ذلك أنّ تحييدهم من الحياة السياسية كان عملً متطرِّفًا غير محسوب العواقب، وفي رأيهم سيكون فتح باب الحرّيات وإيقاف سياسة القمع والمصادرة في جميع النواحي، من أهمّ العوامل الدَّالة على صدق الاعتدال سياسيًّا واجتماعيًّا. وفي المقابل يتمسك الأصوليون، وخصوصًا المتشددين منهم، بأنه لا مكان للإصلاحيين في الساحة السياسية، بعد أن كشفت أحداث 2009 عن نيّاتهم الانقلابية المرتهنة بالخارج، فهم يعتقدون أنه ليس من الاعتدال على الإطلاق، التسامح مع أعداء النظام، وتقويض مباني الثورة الأيديولوجية، حتى أنّ بعضهم قد اشترط في مسألة عودة رموز الإصلاحيين، إعلان توبتهم ممّ صدر منهم سنة.2009

وإنه لَيصعب التنبُّؤ بالمنهج العملي للرئيس الجديد حسن روحاني، في وجود هذا الاستقطاب الحادّ بين الطرفين، وممّ لا شكّ فيه أنّ فهْم روحاني ل"الاعتدال" يؤسَّس أوَّلً على تجاوز حالة الاستقطاب والتشنُّج القائمة منذ سنوات، وهذا أقلّ ما يتطلَّبه بناء حكومة وحدة وطنية، ونعتقد أنه سيكون أكبر امتحان لشعار الاعتدال. وإذا كانت مواقع الإصلاحيين لا تتجاوز حاليًّا بعض المنابر الإعلامية الإلكترونية، أو الشبكات الاجتماعية التي يحافظون عليها، فإنّ خصومهم من التيار الأصولي يستمدُّون قوَّتهم من المواقع الحيوية التي يشغلونها في مؤسّسات الدولة الأمنية والاقتصادية والدينية، إضافةً إلى قربهم من المرشد علي خامنئي. وهذا الوضع غير المتكافئ، بين الطرفين، سيؤثر حتمً في أداء حكومة حسن روحاني الذي سيُضطرّ إلى تنزيل اعتداله تنزيلً لا يصطدم برغبة الطَّرف القوي في المعادلة، ونقصد في هذا السِّياق الأصوليين؛ فروحاني سيحتاج إلى دعم هؤلاء في البرلمان، وسيحتاج إلى تعاونهم للخروج من الأزمة الاقتصادية، وأمّا من الناحية السياسة الخارجية فسيكون مضطرًّا إلى التوافق مع المرشد والحرس الثوري في تدبير الملف النووي، والعلاقات بالغرب. ومن المرجّح أنّ روحاني سيكون حريصًا على عدم تكرار أخطاء أحمدي نجاد الذي لم ينفعه خروجه من رح م الأصوليين في تنظيم الاختلاف معهم. وإنّ اقتناع المرشد خامنئي ومقرَّبيه من الأصوليين بأنّ نتائج الانتخابات الرئاسية 2013، هي، تصويت شعبي مباشر للجمهورية الإسلامية، سيؤدِّي - لا محالة - إلى إصرارهم على استمرار السياسات القديمة، أو على الأقل سيدفعهم إلى إفشال أيّ محاولة من الرئيس الجديد لمعالجة الأوضاع من منطلق أنها محاولات تمسّ بتماسك النظام وسلامته. وهذا التفكير المهيمن حاليًّا على توجه النظام الحاكم سيضرب في العمق إنجاز 41 حزيران/ يونيو، وسيُدخل "اعتدال" روحاني في وضعية انتظار، في حين سيُعيد المجتمع الإيراني إلى حالة اليأس؛ وسبب ذلك أنّ أصواته الانتخابية لم تُقرأ مرّةً أخرى قراءةً صحيحةً.

خاتمة

إنّ النظر في مجموع المعطيات التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران يبُرز بجلاء وجود منهجية اجتماعية سياسية حَكمت سلوك الأطراف المؤثِّرة كلّها في العملية. ويأتي العامل الثقافي والقومي في مقدمة عناصر تلك المنهجية، يليه، على الترتيب، العاملان: السياسي والاقتصادي. وقد بدا واضحًا أنّ الذهنية الإيرانية كانت قبل عملية الاقتراع مرتكزةً، أساسًا، على أولوية الأمن القومي، من دون أن تقلِّل من أهمية مطالبها الاقتصادية. وبعد إعلان فوز الرئيس الجديد حسن روحاني كان سلوك الانقسام وال اررع بين الإصلاحيين والأصوليين السِّمة الأساسية لما سمَّيناه المنهجية الاجتماعية والسياسية المتحكِّمة في سلوك الفاعلين في العملية الانتخابية. ويمكننا رصْد عملِ هذه المنهجية في مراحل متعدّدة من مسار الحياة السياسية الإيرانية، فالإجماع القومي يكون دائمًا بتأثير التهديد الخارجي، وينتهي بسبب انعكاسات الصراعات الداخلية بين الأطراف المتنافسة على السلطة، ممّ يكرِّس في النهاية السلطة الأبوية للحاكم ملكًا كان في العهد الملكي، أو مرشدًا في عهْد الجمهورية الإسلامية. ويُعدُّ الجدل المتعلّق بتأويل "اعتدال روحاني"، اليوم، أهمّ موضوع يقسم المثقفين والسياسيين في إيران، ومن شأن هذا الأمر أن يطرح أسئلة ملحَّة بشأن تنزيل هذا الاعتدال، وأن يضع رئاسة روحاني تحت محكّ الضغوط من أيّ جهة كانت؛ من حلفائه المعارضين، أو من أصدقائه النافذين في الحُكم. ويبقى التحدي الأكبر بالنسبة إلى الرئيس الجديد هو الحفاظ على توازنه وعدم التورُّط في صراعات هامشية، وهذا يتطلّب منه عدم الدخول في صدامات مع القوى المقرَّبة من المرشد، والمتحكمة في الدولة ومؤسّساتها أيضًا. إنّ الاختلاف السياسي في تأويل اعتدال روحاني هو في عمقه اختلاف بشأن تنزيل هذا الاعتدال، ذلك أنّ أيّ خطاب للاعتدال سيكون مطالبًا بإعادة تعريف مجموعة من المسمَّيات والمفاهيم، أصبحت في السنوات الأخيرة من أدوات التيار الأصولي التي يستخدمها في التخلُّص من خصومه السياسيين، ونعني بذلك مثلً: "الفتنة"، و"الانحراف"، و"الخاصة غير المبصرة." وهكذا سيؤثِّر تأويل الاعتدال تأثيرًا مباشرًا في علاقة الرئيس حسن روحاني بالمرشد علي خامنئي، وسينعكس ذلك على كلّ الملفات والقضايا المتأزمة، ابتداءً من الوضع السياسي الداخلي، إلى الوضع الاقتصادي والعلاقة بالبرلمان والحرس الثوري والملف النووي. وختامًا، فقد تراكمت لدى الإيرانيين تجارب متكرِّرة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية، وفي كلّ مرة كانت الأسباب نفسُها تؤدِّي إلى النتائج نفسِها، فهل تكون رئاسة حسن روحاني هي الاستثناء؟ أم هل تظلّ، مثل سابقاتها، حبيسة الصراعات السياسية، والمشاكل الهيكلية في نظام الجمهورية الإسلامية؟