مراجعة كتاب مقدمات ثورة 25 يناير 2011 صراع الطبقات في مصر المعاصرة

نيروز ساتيك

المؤلّف: أحمد بهاء الدين شعبان. الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب/ القاهرة.2012 / عدد الصفحات: 246 صفحة.

ينقل هذا الكتاب الخبرة السياسية والتاريخية للمؤلف عن مراحل الصراع ضدّ الاستبداد وبرامج التحرير الاقتصادي. وتأتي أهميته من الطابع التوثيقي للعديد من القضايا التي كانت بمنزلة مؤشرات لثورة 25 يناير، إضافةً إلى التحليل الاقتصادي والاجتماعي لواقع المجتمع المصري في مرحلة ما قبل الثورة. كما يمكن الاستفادة من الكتاب في تعرُّف رواية اليسار المصري لسردية ثورة.25 يناير إنّ الكتاب هو عبارة عن تجميع للعديد من المقالات والدراسات السابقة كتبها المؤلف خلال مرحلة نشاطه السياسي ضدّ نظامي السادات ومبارك. ويمكننا استخلاص أفكارها ووضعها ضمن العناوين الآتية:

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية

يبدأ الكاتب سرده لمقدمات ثورة 25 يناير بالإشارة إلى واقع الريف المصري، إذ يشير إلى أنّ نظام مبارك استصدر قوانين عام 9961 يجري بموجبها نزع الأراضي التي وُزِّعت على الفلاحين وفقًا لقوانين الإصلاح الزراعي بعد ثورة 9521، وإعادتها إلى أغنياء الريف، ممّ مهَّد لمواجهات مسلحة واحتجاجات متكرِّرة بين الفلاحين وقوى الأمن المصرية في السنوات العشر الأخيرة. ولكن الأزمة الكبرى في الريف المصري بحسب الكاتب هي مشكلة العطش والنقص الحاد في توفير مياه الشرب والرّي، في مقابل تصريف طبقة الأغنياء كمياتٍ كبيرةً من المياه في المسابح... ويلمح إلى أنّ السلطة سعت عمدًا إلى تأزيم مياه الشرب والري بقصد خلق الذرائع لخصخصة شركاتها وبيع المياه للفلاحين. وسيطرت جماعات من الرأسماليين الجدد على السلطة السياسية الحاكمة في مصر التي سعت إلى إرضاء المؤسّسات المالية الغربية "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" وفق برامج اقتصادية نيولبرالية، قلَّصت من الملكية العامة لوسائل الإنتاج لمصلحة القطاع الخاص، فأصبح مئات الآلاف من العمال والمستخدمين معطَّلين من العمل، وارتفعت نسبة الفقر. كما نتج عن هذه العوامل انتشار أحزمة البؤس حول المدن التي استمرّ ازديادها بفعل الهجرة من الريف إلى المدينة، وهي أحزمة يعيش سكانها في أدنى أحوال الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

الدولة المصرية

لم يكن قمع حرّية الرأي والتعبير وليدًا لسياسات نظام مبارك، بل كانت له جذوره التاريخية منذ تشكُّل الدولة المصرية، ولكنّ الكاتب يذكر أنّ تقنين القمع اكتمل بالقانون رقم 96 سنة 9961 الذي غيَّ قوانين العقوبات والمنجزات الجنائية للحدّ من حرّية النشر والرأي. كما استشرى التعذيب وامتهان حقوق الإنسان؛ ففي السجون وخارجها تنفِّذ عناصر من قوى الأمن - وصل عددها في عهد مبارك إلى أكثر من مليون وربع المليون - سياسةً شبه منهجية شملت أبشع الطرق في التعذيب بطريقة ساديّة؛ مثل الحرْق، والتعرية، واغتصاب النساء، والتسلية في التعذيب. فكان تدمير الحياة السياسية نتيجةً طبيعيةً لتلك الممارسات الهمجية للنظام السياسي. وأكمل مبارك مسيرة سَنّ القوانين المكبِّلة للحريات مثل القانون 001 بشأن تنظيم النقابات المهنية، فهو يتيح فرْض الحراسة على النقابات المهنية العصيَّة على السيطرة. ولكنّ أخطر تلك القوانين المفروضة كان ذلك القانون الممتد إلى "حالة الطوارئ" منذ اغتيال السادات عام 981.1 كما استُنسخ قانون استبدادي آخر هو قانون "مكافحة الإرهاب" من أجل مواجهة التحركات الشعبية، حتى أضحى النظام المصري معزولً عن الشارع، تتنازعه المصالح، ولا يملك سوى تصدير جهازه الأمني في مواجهة كلّ حدثٍ اجتماعي أو سياسي. ونتجت عن النظام السياسي المصري، بفعل هذه الممارسات والسياسات أزمات هيكلية ذات أبعاد سياسية واجتماعية ثقافية ووطنية شملت كلّ قطاعات الشعب المصري. ولكن كانت الأزمات في المناطق الحدودية، في سيناء والنوبة بخاصة، أكثرها خطورة على الأمن الوطني المصري. ويرى الكاتب أنّ حركة الإخوان المسلمين قد جَنَت في الانتخابات التشريعية عام جهْد الحركات الاجتماعية الجديدة 2005 في الضغط على النظام والمطالبة بالإصلاح من خلال تنظيم التظاهرات والاحتجاجات؛ إذ إنّها كانت الأكثر تنظيمً والأشدّ التصاقًا بالقواعد الشعبية والأكثر إمكاناتٍ، مقارنةً بكلّ الأحزاب والقوى المعارضة. وقد وضع الكاتب ثلاث ملاحظات، بشأن برنامج عمل الإخوان المسلمين، تتنافى ومبادئ الديمقراطية، وهي قضية هيئة كبار العلماء، وقضية المواطنة والموقف من الأقباط، وقضية وضع المرأة المصرية. ولكن أهمّ مشكلة في برنامج العمل هي عدم وجود مضمون طبقي يعالج القضايا الاقتصادية للدولة؛ إذ إنّ أغلب التصورات الإخوانية للاقتصاد كان يغلب عليها التبسيط والمعالجة الأخلاقية، فضلً عن الانحياز إلى آليات السوق والقطاع الخاص. وأمّا بالنسبة إلى رجال الدين

والمؤسّسات الدينية الإسلاميّة والقبطية، فقد اخترقتها أجهزة السلطة ووظَّفتها لتبرير التوريث أو تمريره. وأمّا باقي قوى المعارضة التقليدية فقد حاولت الحفاظ على بقائها بغطاء من النظام السياسي، مكتفيةً بجريدة يومية محدودة التأثير، ولكنّ الفاعل الجديد الذي كان في الساحة السياسية المصرية، هو، ما سمّ ه الكاتب "دولة الفيس بوك الديمقراطية" التي قادها عشرات الآلاف من جيل الشباب الناشطين والمعارضين ضمن مجال عامّ افتراضي، يتيح لهم قدرًا كبيرًا من الحرّية والمناقشات. وفي ظلّ هذه الأوضاع دخلت مصر أزمة حُكم شاملة ذات طبيعة اجتماعية حادة تمسّ مسألة توزيع الثروة في المجتمع، بعد أن احتكرت فئة قليلة من كبار رجال الأعمال، متداخلة عضويًّا مع السلطة، رأس المال والثروة، مقابل انحدار الطبقة الوسطى إلى الطبقات الدنيا. وتُعدُّ شخصية أحمد عز، محتكر تجارة الحديد في مصر والقيادي في الحزب الوطني ورئيس اللجنة الاقتصادية ب "مجلس الشعب"، نموذجا لعلاقة التزاوج بين المال والسلطة. وقد أدّت هذه السياسات إلى تحلّل دور الدولة، فاستشرى الفساد في معظم مؤسّساتها حتى غابت مهمّة السلطة السياسية في الدولة عن أداء أدنى ما يكون من مهماتها وواجباتها. ويوثِّق الكاتب العديد من الحوادث التي تدلّ على سيطرة طبقة رجال الأعمال على السلطة وتحكُّمها عن بُعد في معظم مفاصل مؤسّسات الدولة المترهِّلة والفاسدة. ولعل أهمّها حادثة غرَق العبَّارة في شباط/ فبراير 2006 التي ذهب ضحيتها أكثر من 4001 مواطن مصري، إضافةً إلى حادثة انهيار صخرة الدويقة في جبل المقطم على بيوت الأهالي، وقد أظهرت هذه الكارثة أيضًا بشاعة نتائج هذه السياسات الاقتصادية النيولبرالية المولدة لتلك العشوائيات، وكشفت كشفًا واضحًا مأساة سكانها الذين يتراوح عددهم بين 271 و 1 مليون مصري. ووصل الكاتب من خلال هذه الأحداث إلى أنها مؤشِّ مُؤذن بغروب شمس النظام المصري، وبإشراق شمس الشعب المصري. ولقد دخل النظام السياسي في صراع تُجاه الأحزاب السياسية المعارضة، والحركات الاحتجاجية، والجماعات المحظورة؛ مثل الإخوان المسلمين، والأقباط، والبدو، والنوبيين، وأهالي سيناء، وأهالي غزة في فلسطين. وفي المقابل اختزل القضايا القومية والاجتماعية في الاستعداد والتجييش لربح "معركة" مباراة في كرة القدم مع المنتخب الجزائري الشقيق، في وقت كان فيه جنوب السودان يستعدّ للانفصال عن دولة "السودان" العربيّة، في غياب كلِّ للدور المصري.

الأمن الوطني المصري

يرى الكاتب أنّ الموقف المصري من القضية الفلسطينية أوضح على نحوٍ قاطع أنّ مصر في عهد مبارك لم تعد موحَّدة، وأنّ الانقسام الطبقي والتمايز الاجتماعي ما بين "مصر العشة" و"مصر القصر" دخل قضيةً أخرى حاسمةً، على المستوى الوطني؛ إذ أبدى الشعب المصري، من خلال التظاهرات والاعتصامات، تضامنه على نحوٍ مستمرّ مع الانتفاضة الفلسطينية، ضدّ العدوان الإسرائيلي على غزة، في حين أدارت الطبقة الحاكمة ظهرها لتلك التظاهرات والاعتصامات، وناصبتها العداءَ، وجرى تجنيد آلة ضخمة من المثقفين والإعلاميين والفنانين للترويج ضدّ المقاومة - وخصوصًا حركة حماس - وتقديمها على أنها حركة إخوانية تسعى للسيطرة على سيناء. ويرى الكاتب، أيضًا، أنّ نظام مبارك قد انقلب على المفهوم الموروث للأمن القومي المصري الذي يرتبط عضويًّا بأمن الوطن العربي، والذي ينظر إلى الخطر الصهيوني نظرة الخطر على المصالح المصرية، وأنه قد عقد تحالفًا غير مصرَّح به مع إسرائيل، من خلال تركيزه على خطر الإسلام السياسي في الداخل والخارج؛ ولذلك كان لا بدّ للنظام المصري أن يغلق معبر رفح، وأن يدمِّر الأنفاق التي توصل الحاجات الأساسية إلى أهالي غزة. وكما سقطت القضايا العربية من حسابات مفهوم الأمن الوطني المصري خلال حكم مبارك، تقهقرت مصر تجاه القضايا الأفريقية، مقابل تغلغل إسرائيلي لملْ ء فراغ الدَّور المصري؛ ولذلك اشتدَّت الأزمات مع دول المنبع الأفريقية لنهر النيل بشأن تقاسم حصص المياه وإنشاء السُّدود. كما انفصل جنوب السودان عن شماله، وازداد التوتر في منطقة حوض النيل من دون أن يكون لمصر أيّ دور أو موقف، بشأن مصلحتها الحيوية، ومن ثمّة غاب الدور المصري عن الاضطلاع بأيّ أدوار إيجابية في دول جوارها الإقليمي في أفريقيا وبلاد الشام، وأصبح الأمن الوطني المصري مهدَّدًا تهديدًا كلّيًّا.

الاحتجاجات المصرية قبل 25 يناير

يُوثِّق الكاتب العديد من الاحتجاجات والتظاهرات التي شملت مختلف الفئات الاجتماعية المصرية، للمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصًا العمالية منها التي اتسع نطاقها الجغرافي

لتشمل جميع أرجاء مصر. ويرى الكاتب أنّ تلك الاحتجاجات قد ذوَّبت الفوارق الطبقية بين "مصر العشة" و"مصر القصر"، وأنها وحَّدتها في مواجهة الاستبداد. ويرى الكاتب، شأنه في ذلك شأن أغلب الباحثين، أنّ تأسيس حركة كفاية هو الذي دشَّن بداية عصر الاحتجاج الجماهيري، وأنّ هذه الحركة جاءت بوصفها وريثًا للنضالات الجماهيرية السابقة، وخصوصًا الحركات الطلابية الديمقراطية في سبعينيّات القرن الماضي، لمواجهة التطبيع مع العدوّ الإسرائيلي، ودعم الانتفاضة الفلسطينية، ومناهضة الحرب على العراق؛ إذ إنّ أغلب أعضائها هم من أبرز قادة تلك الاحتجاجات والتحركات. وممّ يميّز حركة كفاية أنها ضمّت مختلف التيارات الوطنية من يساريين وقوميين ولبراليين وإسلاميين، وأنها اتفقت على أنّ أيّ مشروع تحرُّري ملتزم بالتغيير الديمقراطي ومواجهة الأخطار الخارجية يجب أن ينطلق من استعادة القيمة والروح المفقودين بالنسبة إلى المواطن المصري. وكان نجاح حركة كفاية في تنظيم الكثير من التظاهرات أو الاحتجاجات بمنزلة أفق جديد لظاهرة نشوء الحركات الاجتماعية الجديدة في مصر. وقد كان من أهمّ نتائجها تراكم إرث من الخبرة الاحتجاجية في المجتمع المصري خلال سنوات عشر. ويشير الكاتب إلى أنّ الحركات الاحتجاجية قد جرت في سياق الفئات الاجتماعية التي تنتمي في أغلبها إلى الطبقة الوسطى المصرية المتضررة من التدهور الكبير في أوضاعها الاقتصادية. ولكن المتغيّ الإستراتيجي في الحركة الاحتجاجية هو الحضور الطاغي لحركة الطبقات الفقيرة، وفئات المجتمع المهملة من العمال والفلاحين والمهمَّشين وسكان "العشوائيات" في ظلّ استمرار حركة الطبقة الوسطى. وعلى الرّغم من نجاح حركة كفاية في بدايات انطلاقتها فإنّ الكاتب يعتقد أنها لم تستطع أن تبنيَ نفسها بناءً من شأنه أن يجعلها قوّةً رائدةً في عملية التغيير، فقد ظلَّت مكتفيةً برفع الشعارات العامة من دون أن يكون لها برنامج واضح وجبهة حقيقية قادرة على التغيير. كما أنّ حركة الاحتجاجات ظلَّت فئويةً وجزئيةً تركِّز على مطالب محدَّدة أغلبها متعلّق بطابع اقتصادي، كما أنه لا يربطها بغيرها من التحركات سوى أنها نتاج حالة السخط العام والتململ من سياسات النظام. ولقد تُوِّجت هذه التحركات الاحتجاجية بانتفاضة المحلَّة الكبرى عام 2008 التي كان لها أثر كبير في خلق الحالة الثورية في المجتمع المصري لأنها كانت أوّل تحرّك شعبي غير فئوي في مصر منذ انتفاضة الخبز عام 9771؛ وذلك عندما تحولت دعوة إلى إضراب عمالي في المحلة الكبرى، عن طريق الفيس بوك، إلى دعوة شاملة إلى إضراب في كلّ مصر، انتهت بتظاهرات شعبية عارمة في المحلة الكبرى يومي 6 و 7 أبريل/ نيسان 2008. ويوثِّق الكاتب مواقف القوى السياسية من الدعوة إلى الإضراب، إذ تحفَّظت جميع الأحزاب التقليدية بما فيها الإخوان المسلمون بحجة أنهم "لم يشاركوا في تنظيمه"، في حين أيَّدته الحركات الاجتماعية الجديدة والأحزاب السياسية الناشئة حديثًا (الغد، والكرامة، والوسط.) وتكرَّر السيناريو نفسه في الدعوة إلى إضراب يوم 4 مايو/ أيار، بمناسبة يوم ميلاد مبارك. وناقش الكاتب في ظلّ هذه الأوضاع السياسية والاقتصادية خمسة سيناريوهات لمستقبل مصر لكلٍّ منها فرصها وعوائقها، وهي تتراوح ما بين الهبَّة الشعبية، والثورة الشعبية، والفوضى الشاملة، والانقلاب العسكري، والتوريث مع التغيير الشكلي. وترك الباب مفتوحًا لمدى قدرة الطبقات الشعبية والشباب على تنظيم الصفوف وتوحيد الإرادة.

ثورة 25 يناير

يرى المؤلِّف أنّ مبادئ الدولة المدنية الديمقراطية هي أفضل صيغة للخروج من واقع الدولة المصرية قبل ثورة 25 يناير. ولا يشترط لتحقيق ذلك العداء للدين، ولكن ينبغي، في نظره، تحديد المجال الحيوي له، بحيث لا يطغى على كلّ مجالات الحياة، حتى يتحوَّل إلى قوة دافعة، لا معطلة. ويرى المؤلِّف أيضًا أنّ ثورة 25 يناير بمنزلة ولادة عهدٍ جديد في أقطار الوطن العربي من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويعرض أهمّ سماتها التي تميزها من الثورات الأخرى في العالم؛ إذ يعدّها أوّل ثورة تقنية في التاريخ المعاصر، بالنظر إلى اعتمادها التكنولوجية الحديثة، كما أنها ثورة فجَّرها الشباب، ولكن الشعب المصري بجميع فئاته وطبقاته شارك فيها، وممّ يميّز هذه الثورة أيضًا أنّ الطبقة الوسطى هي عمادها الأساسي، وأمّا شعاراتها التي رُفعت فقد كانت: "خبز - حرّية- عدالة اجتماعية" و"خبز – حرّية -عدالة إنسانية" و"الشعب يريد إسقاط النظام." وعلى الرّغم من أنّ الكتاب يحمل طابعًا صحفيًّا فيه العديد من الإسقاطات الإيديولوجية فإنه يحمل الكثير من الفائدة في تحليل أوضاع المصريين في عهد نظام مبارك ودوافع ثورة.25 يناير