مراجعة كتاب شلومو زاند، متى وكيف توقفت أن أكون يهوديًا
المؤلّف: شلومو زاند. الناشر: كنيرت وزموراه بيتان.2013 / عدد الصفحات: 801 قطع متوسط.
كتاب "متى وكيف توقفت أن أكون يهوديا" هو ثالث كتب المؤرخ شلومو زاند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، التي يتصدى فيها إلى تزييف الحركة الصهيونية المنهجي والمستمر لتاريخ اليهود ولتاريخ فلسطين. فقد صدر لشلومو زاند في عام 2008 كتاب "متى خترع الشعب اليهودي"، وصدر له في عام وكيف أ 2012 كتاب "متى وكيف اختُ عت أرض- إسرائيل." وحظيت كتب شلومو زاند هذه باهتمام واسع، وأثارت ضجة ونقاشا في إسرائيل وفي أوروبا وأميركا وفي بلدان أخرى. وقد كتب شلومو زاند كتبه هذه بالعبرية، التي ما لبثت أن ترجمت إلى لغات أخرى، حيث ترجم كتابه "متى وكيف أُخترع الشعب اليهودي" إلى أكثر من عشرين لغة. ينتقد شلومو زاند بعلمية ومنهجية الهستريوغرافيا الصهيونية لتاريخ اليهود واليهودية وفلسطين، ويفكك ويدحض الرواية التاريخية الصهيونية المستندة إلى أساطير وخرافات دينية، ويكشف التزييف المتواصل الذي قام به قادة الصهيونية ومنظروها في سياق عملية البناء الهستريوغرافي الصهيوني من أجل شرعنة وتبرير إقامة دولة يهودية في فلسطين.
انتشار ديانة وليس شتات عرق
يؤكد شلومو زاند في كتبه المذكورة أن اليهودية ديانة وليست قومية أو عرق وأنها ديانة تبشيرية، كغيرها من الديانات التوحيدية، انتشرت في مناطق واسعة من العالم القديم، من خلال تهود أعراق وقبائل كثيرة وشعوب مختلفة، وليس من خلال انتشار عرق كما تدعي الصهيونية. لا يرجع زاند انحسار انتشار الديانة اليهودية إلى طابعها أو لعوامل داخلية فيها تأبى نشرها والتبشير بها، وإنما لانتصار الديانة المسيحية في القرن الرابع الميلادي عندما تبنتها الإمبراطورية الرومانية، التي فرضت بدورها قيودًا على نشر الديانة اليهودية في أراضيها. يضاف إلى ذلك، ظهور وانتصار وانتشار الديانة الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي. فالديانة اليهودية انتشرت قبل ظهور وانتصار الديانتين المسيحية والإسلامية المنافستين لها، في أرجاء العالم القديم في مختلف مناطق الشرق الأوسط وفي حوض البحر المتوسط. فقد انتشرت اليهودية في فلسطين وبلاد الشام وفي صفوف الكثير من القبائل العربية في أرجاء الجزيرة العربية وفي أوساط أعراق عديدة في شمال أفريقيا. وتبنت العديد من الدول الديانة اليهودية مثل تهود إمارة حدياب في شمال العراق في القرن الأول الميلادي وتهود مملكة حمير في اليمن في القرنين الخامس والسادس الميلادي. يشير شلومو زاند إلى أن انتشار الديانة اليهودية في مملكة الخزر كان له الأثر الأهم على تاريخ اليهود وعلى انتشار الديانة اليهودية وزيادة عدد أتباعها بنسبة مرتفعة للغاية. فقد كانت مملكة الخزر التي تأسست على سواحل بحر قزوين – الذي أطلق عليه العرب بحر الخزر- تدين بالوثنية حتى منتصف القرن الثامن الميلادي. وفي أواسط القرن الثامن تهود ملك الخزر مع قسم من رعيته، ثم ما لبثت الديانة اليهودية أن انتشرت شيئًا فشيئًا بين قبائل وأعراق دولة الخزر، التي شملت قبائل التتار والترك والتركمان. يشير زاند إلى أن ضعف وانحلال دولة الخزر في ما بين القرنين العاشر والثاني عشر، أدى إلى هجرة اليهود الخزر منها إلى روسيا وأكرانيا وليطا وبولندا وبيلوروس وغليسيا وهنغاريا وأيضا إلى أواسط أوروبا. ونتيجة لهذا الانتشار بات اليهود في أوروبا الشرقية من الأصول الخزرية يشكلون في القرن التاسع عشر ما يزيد عن ثمانين بالمئة من مجموع أتباع الديانة اليهودية في العالم. وبعد ظهور الثورة الصناعية هاجر أكثر من ثلاثة ملايين من هؤلاء اليهود إلى وسط وغرب أوروبا وإلى أميركا. لقد سبق وأن أرخ لدولة الخزر وظروف تهودها وانهيارها وهجرة يهود دولة الخزر إلى أوروبا الشرقية، الكثير من المؤرخين من غير اليهود ومن اليهود الصهيونيين وغير الصهيونيين. ويأتي في مقدمتهم ترر هركابي ال 919-1835()1، وأبراهام بولاك 970-1910()1، وآرثر كوستلر 983-1905()1، وشمعون دوفنوف 941-1860(.)1 بيد أن ما يميز شلومو زاند هو أنه يكاد أن يكون المؤرخ الإسرائيلي الوحيد الذي يؤرخ لتهود دولة الخزر في نصف القرن الأخير. فمنذ الخمسينات توقف صانعوا الذاكرة في إسرائيل من التطرق إلى الماضي الخزري، كما يؤكد زاند، فشبح الماضي اليهودي الخزري بات في نظر قادة إسرائيل ومفكريها يمس بشرعية المشروع الصهيوني في حال معرفة أن المستوطنين اليهود الصهيونيين في فلسطين ليسوا ورثة "بني إسرائيل" وليسوا من سلالة إبراهيم، وإنما من أحفاد قبائل دولة الخزر. يرى زاند أن ازدياد انتشار يهود دولة الخزر في مدن وسط وغرب أوروبا أدى إلى ظهور حركتين مهمتين كان لهما التأثير الأكبر على تاريخ اليهود الحديث وهما اللاسامية والصهيونية. ووضح زاند أن اللاسامية والتيار البروتستانتي الأصولي طرحا قبل ظهور الصهيونية فكرة أن اليهود يشكلون أمة وعرقًا، وأن فلسطين هي وطنهم القومي، وذلك في سياق عدائهم لهم وسعيهم للتخلص منهم وتهجيرهم إلى خارج أوروبا. ويستطرد زاند مؤكدا أن آباء الصهيونية تلقفوا أفكار اللاسامية المركزية وتبنوها، لا سيما تلك التي ادعت أن اليهود يشكلون قومية وعرق، وسعوا بجد ونشاط إلى تحويل الديانة اليهودية إلى قومية عرقية وإلى إعادة كتابة تاريخ اليهود واليهودية من هذا المنطلق وعلى أساسه. وفي هذا السياق قاموا بعملية اختراع للشعب اليهودي وأخذوا ينسبون للمصطلحات الدينية معان ومضامين "قومية" جديدة لم تكن بها أصلا، وقاموا كذلك باختراع فكرة "أرض-إسرائيل" كأرض جغرافية ذات أبعاد سياسية، وادعوا خلافا للوقائع التاريخية، أنه جرت عملية إجلاء ونفي لليهود من "أرض إسرائيل."
اقتل تركيّا واسترح
يعالج شلومو زاند في كتابه "لماذا وكيف توقفت أن أكون يهوديا"، الذي جاء في 801 صفحة، ماهية يهودية إسرائيل وماهية اليهود الصهيونيين في إسرائيل والعالم، لا سيما أولئك الذين يعرفون أنفسهم "يهودًا علمانيين"، ويقف على تعاظم سطوة القيم العنصرية في إسرائيل وانحطاط القيم الإنسانية فيها، وفي أوساط قطاعات من "اليهود العلمانيين" في العالم، الذين باتت وظيفتهم الأساسية الدوران في فلك تبرير جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين. وفي سياق نقده وتعريته انحطاط قيم اليهود الصهيونيين في إسرائيل والعالم، يروي زاند نكتة يهودية قديمة مليئة بالسخرية الذاتية، ليدلل بها على الطابع الجمعي لأخلاق اليهودي الصهيوني في العصر الحديث، فيقول: تعطي أم يهودية روسية ابنها، الذي جُنِّد في الجيش الروسي في حرب القرم في القرن التاسع عشر، زوادة من الطعام وتوصيه قائلة: "اقتل تركيًّا ولا تنسى أن تجلس فورا بعد ذلك لتأكل." فيجيبها ابنها: "حاضر يا أمي." ثم تلف الأم منديلا حول رقبة ابنها وتضيف قائلة: "أيضا، عندما تطلق النار على التركي لا تكشف نفسك للريح." ويجيبها ابنها: "حاضر يا أمي." وتضيف الأم موصية ابنها: "من المهم أن ترتاح قليلا كل مرة بعد أن تهجم وتقتل أتراكا." "طبعا طبعا" يجيب الابن. وبعد تردد قليل يسأل الابن أمه: "وماذا إذا قتلني التركي؟." تدهش الأم من سؤال ابنها وتفتح عينيها الواسعتين وتسأله باستغراب: "لماذا يقتلك؟ ماذا فعلت له حتى يقتلك؟." يشير زاند إلى أن اليهود في العالم وفي إسرائيل درسوا التلمود وتأثروا به في القرون الماضية أكثر بكثير من تأثرهم بالتوراة. ويرى زاند أن استمرار تأثر اليهود المتدينين والعلمانيين بالتلمود يشكل مشكلة أخلاقية تستدعي المعالجة. فالتلمود كما يؤكد زاند وغيره، ينضح بالعنصرية وتتنافس قصصه ورواياته الوعظية في ما بينها في احتقار وكراهية غير اليهود وفي تجريدهم من إنسانيتهم. وليس صدفة، كما يقول زاند، أن يكتب الحاخام أفراهام يتسحاق هكوهين كوك، الحاخام الرئيسي للمستوطنين اليهود في فلسطين: "إن الفرق بين الروح اليهودية، في جوهرها ورغباتها وصفاتها ومواقفها؛ وبين روح كل الأغيار بمختلف أنواعهم، هو أكبر وأعمق من الفرق بين روح الإنسان وروح الحيوان." يصب شلومو زاند جام نقده اللاذع على اليهود الصهيونيين العلمانيين في العالم الذين ما انفكوا في عصرنا الحاضر يرددون ويتبنون قيما عنصرية. وفي هذا السياق يقول زاند أنه يوجد في "حكاية عيد الفصح"، التي يكررها اليهود في كل عيد فصح، دعوات بإلحاق الأذى بمن هم من غير اليهود، وهناك دعوة صريحة بإبادة الشعوب التي لا تؤمن بإله اليهود "يهوه." ويضيف زاند أن هذه الدعوات لا يزال يكررها "يهود علمانيون" في نيويورك ولندن وباريس، وهؤلاء هم أنفسهم الذين يدعون أنهم يتميزون عن غيرهم بالتزامهم بالقيم الإنسانية والأخلاق المثالية العليا. ويلحظ زاند الفرق الكبير بين النخب اليهودية في فترة انتشار اللاسامية في القرنين الماضيين، وبين النخب اليهودية في زمن أفول اللاسامية في العقود الأخيرة. ففي فترة انتشار اللاسامية تبنى الكثير من المثقفين اليهود في العالم قيمً وأفكارًا إنسانية كونية، ودافعوا عن الملاحقين والمظلومين. ولكن مع أفول اللاسامية، بات الكثير جدًا من المثقفين اليهود العلمانيين، محافظين، يبررون السياسات الإسرائيلية العدوانية، والعنصرية ضد الفلسطينيين والعرب. ويعتبر زاند أن أفول اللاسامية في أوروبا وأميركا يشكل مشكلة لإسرائيل والصهيونية، إذ يعزز ذلك من اندماج اليهود في مجتمعاتهم الأوروبية والأميركية ويزيد من نسبة الزواج المختلط مع غير اليهود، التي تصل نسبته في الوقت الحاضر إلى خمسين بالمئة في الأجيال الشابة. ويرى زاند أنه في ضوء عدم وجود ثقافة يهودية علمانية وأفول اللاسامية، يبقى عاملان أساسيان يحافظان على الهوية اليهودية العلمانية في أوروبا وأميركا وهما العلاقة مع إسرائيل وإحياء ذكرى الكارثة. ويؤكد زاند أن دور الكثير من هؤلاء " اليهود العلمانين" في أوروبا وأميركا بات يقف مع العدوانية والظلم في العالم، ولا سيما في الدفاع عن سياسات إسرائيل العدوانية.
من هو اليهودي في إسرائيل
يشير شلومو زاند إلى أن إسرائيل تعرف نفسها أنها دولة يهودية، وأنها دولة "الشعب اليهودي في العالم بأسره"، إلا أنها رغم ذلك لا تستطيع تعريف من هو اليهودي في خارج المضمون الديني اليهودي. فجميع المحاولات الإسرائيلية والصهيونية في إسرائيل وفي خارجها التي جرت لتعريف من هو اليهودي من خلال الانتماء العرقي بواسطة بصمات الأصابع أو بواسطة ال DNA قد باءت بالفشل. ويستطرد زاند، وبما أنه ليس لليهود في العالم، لغة واحدة مشتركة، ولا ثقافة علمانية مشتركة، أصبح المعيار الديني هو الوحيد المتبقي لتعريف من هو اليهودي. وقد نجم عن ذلك أن شددت إسرائيل ومؤسساتها المختلفة على يهودية الدولة، وحرصت دوما على تعزيز المضمون الديني اليهودي في المؤسسات التربوية والثقافية، وفي مختلف مؤسسات الدولة على حساب القيم الإنسانية. ولكن من ناحية أخرى، ما انفكت النخب الفكرية العلمانية وقسم واسع من الطبقة الوسطى العلمانية تشتكي من الإكراه الديني في إسرائيل. وهذا الانفصام في الشخصية لا يزال يؤرق النخب واليهود العلمانيين في إسرائيل، لأنهم يريدون أن يبقوا يهودا من دون اليهودية، ولم يستوعبوا أن ذلك غير ممكن. يعزو شلومو زاند ازدياد العنصرية في إسرائيل وازدياد التشديد على يهودية الدولة في إسرائيل في العقود الأخيرة إلى أسباب عديدة أبرزها:
أولً، وجود عدد كبير من الشعب الفلسطيني تحت الحكم الإسرائيلي المباشر، سواء العرب الفلسطينيون الذين يعيشون في داخل الخط الأخضر أو العرب الفلسطينيون الذين يعيشون في "مناطق الأبارتهايد في الأراضي الفلسطينية المحتلة." ثانيًا، فاقم انتصار اليمين الصهيوني، وقيادته لإسرائيل في العقود الأخيرة، المدعوم من اليهود الشرقيين الذين يطلق عليهم زاند "أحفاد العرب- اليهود" النزعة العنصرية. فهؤلاء شددوا لأسباب عديدة ومختلفة على هويتهم اليهودية على حساب إسرائيليتهم، وأمعن قسم واسع منهم في عدائه للعرب لإثبات يهوديته وانتمائه للدولة اليهودية. ثالثًا، "استيراد اليهود الروس" في عقد التسعينات من القرن المنصرم، الذين لم يكن لهم لا ثقافة ولا تقاليد يهودية، ما دفع إسرائيل ومؤسسات الدولة المختلفة إلى التشديد على يهوديتهم. ولم يكن ذلك سهلا إطلاقا، لا سيما وأن قسمً ليس بقليل من هؤلاء لم يكن أصلا يدين باليهودية، فبات "اليهود الروس" يكتشفون يهوديتهم بواسطة العنصرية الفظة ضد العرب تحت إشراف نخبهم العنصرية والجو العنصري العام السائد في إسرائيل ضد العرب. وفي أجواء الاحتلال والبطش بالفلسطينيين وتجريدهم من إنسانيتهم وازدياد الكراهية ضد العرب الفلسطينيين، المصحوب بهوس يهودية الدولة، أخذت النخب السياسية الإسرائيلية تشرع القوانين العنصرية في العقدين الأخيرين التي تشدد على يهودية الدولة وتميز ضد العرب الفلسطينيين، للمضي قدما في الانتقاص من حقوقهم الأساسية. ويؤكد زاند أن القصد الدائم من طرح يهودية الدولة وسن هذه القوانين العنصرية هو تجريد العرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر من حقوق المواطنة. ولكي يوضح درجة الحالة العنصرية التي وصلتها إسرائيل، والمستوى الذي وصله الهوس العنصري بشأن يهودية الدولة، يجري زاند عدة مقاربات. فيقول إن الوضع القائم حاليًا في إسرائيل يشبه كما لو قامت الولايات المتحدة باتخاذ قرار بأنها ليست دولة جميع مواطنيها الأميركيين، وإنما هي دولة الأنجلوساكسونيين البروتستانت المنتشرين في العالم، فتميز ضد كل من لا ينتمي للأنجلوساكسيين البروتستانت. ويشبه الواقع العنصري في إسرائيل تلك الحالة التي تنشأ إذا ما قررت فرنسا، مثلا، أنها ليست دولة لجميع مواطنيها، وإنما هي دولة الغال الكاثوليك، فتميز ضد كل من لا ينتمي للغال الكاثوليك. وهو يشبه أيضا تلك الحالة التي تنشأ إذا ما أعلنت بريطانيا أنها ليست دولة جميع مواطنيها وإنما هي دولة حصرية للإنجليز الأنجليكان، فتقوم بالتمييز ضد الاسكتلنديين والويلزيين والإيرلنديين وأبناء المهاجرين. ورغم كل هذا الهوس في إسرائيل بيهودية الدولة يرى شلومو زاند أن إسرائيل لا تسير وفق الديانة اليهودية ولا وفق التقاليد اليهودية، وذلك باستثناء قطاع من اليهود المتدينين الذين لا تزيد نسبتهم عن سدس مجموع السكان اليهود في إسرائيل. فيطرح زاند السؤال المهم: ما معنى إذن أن تكون يهوديًا في إسرائيل؟ يجيب زاند على ذلك بتأكيده أن الأمر الأهم والحاسم في كونك يهوديًا في إسرائيل هو أن تكون مفضلً على غير اليهود في إسرائيل، وأن تتمتع بامتيازات وبحقوق أفضلية، لا يتمتع بها غير اليهود. أن تكون يهوديًا يعني أن لا تكون عربيا. اليهودية بهذا المفهوم وفق زاند هي النافية للعربي الفلسطيني والنافية لحقوقه الفردية والجماعية. أن تكون يهوديًا في إسرائيل يعني أنك تستطيع أن تستوطن عنوةً في أرض ليست لك، في أرض يملكها العربي الفلسطيني، ويعني أنك تستطيع أن تسافر في طرق في الضفة الغربية المحتلة المخصصة لليهود فقط، ولا تتوقف في الحواجز العسكرية المنتشرة في الضفة الغربية المحتلة، ولا تعتقل ولا تتعرض للتعذيب ولا يطلق عليك النار فتردى قتيلً من دون ذنب ترتكبه ولا يهدم بيتك. فكل هذه الأعمال، التي هي غيض من فيض جرائم الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة، موجهة ضد العرب الفلسطينيين فقط. يرى شلومو زاند أن وضع المواطن اليهودي في إسرائيل في بداية القرن الحادي والعشرين يماثل وضع الرجل الأبيض في جنوب الولايات المتحدة في العقود التي سبقت ستينيات القرن الماضي، ويماثل وضع المستوطن الفرنسي في الجزائر في العقود التي سبقت استقلالها في عام 9621، ويشبه وضع المستوطن الأبيض في دولة جنوب أفريقيا إبان نظام الأبارتهايد قبل عام 9941، ويشبه وضع الألماني الآري في ألمانيا في عقد الثلاثينات من القرن الماضي. ثم يتساءل شلومو زاند كيف يمكن لإنسان نزيه غير متدين، إنسان ديمقراطي ولبرالي، ولديه الحد الأدنى من القيم الإنسانية، أن يستمر في اعتبار نفسه يهوديًا. أليس مجرد تعريفك لنفسك كيهودي يحتوي على عملية اتخاذ قرار في الانتماء إلى فئة مفضلة تتمتع بامتيازات في إسرائيل التي تنتج حولها ظلما لا يمكن تحمله؟ ويؤكد زاند أنه يعيش في أحد المجتمعات الأكثر عنصرية الموجودة في العالم الغربي. ويضيف، صحيح أن العنصرية موجودة بشكل أو بآخر في كل المجتمعات ولكن العنصرية في إسرائيل متفشية في كل مكان، وفي كل حيز عام، وتقوم الدولة بمؤسساتها المختلفة برعايتها ويجري تدريسها في مختلف المؤسسات التربوية والتعليمية في إسرائيل، وهي مغروسة في روح القوانين التي ما انفك الكنيست يشرعها. لقد بلغت العنصرية من الهيمنة والسطوة في إسرائيل درجةً لم يعد يدرك العنصريون فيها أنهم عنصريين، ولا يشعرون إطلاقا أن عليهم الاعتذار عن عنصريتهم. لذلك باتت إسرائيل منذ سنوات طويلة، وفق ما يراه زاند، نموذجًا يجله ويبجله العنصريون وحركات اليمين المتطرف في أنحاء العالم، تلك الحركات التي كانت في السابق تعرف بأنها معادية للسامية.