عرض كتاب 25 يناير..مباحث وشهادات

خالد وليد محمود

المؤلّف: مجموعة باحثين. الناشر: المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات - الدوحة / 2013 / الطبعة الأولى. عدد الصفحات: 320 صفحة من القطع الكبير.

يسلط كتاب (25 يناير.. مباحث وشهادات) والصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2013، الضوء على الثورة المصرية التي تعرف باسم ثورة 25 يناير، ويعد صدور هذا الكتاب استكمالً للمشروع الذي بدأه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لتوثيق الثورة المصرية، بعد أن صدر كتاب (الثورة المصرية الدوافع والاتجاهات والتحديات)، وهو ما يشكل حدثًا معرفيًا مهمً كونه يتطرق لدراسة ظاهرة شكلت منعطفًا في التاريخ المصري المعاصر ويضعها تحت مجهر التحليل. جاءت البحوث التي ضمها هذا الكتاب - البحثي التحليلي- في أحد عشر فصل 320(صفحة) كحلقات متكاملة ومترابطة مع بعضها البعض، وتكاد كل حلقة من هذه الحلقات تفضي إلى الأخرى بشكل طبيعي. ويصلح هذا الكتاب أن يكون أرشيفا للأحداث؛ فهو يوثق ويؤرخ لأحداث الثورة المصرية في كرنولوجيا مميزة، لم تعالج مفاصل الربيع المصري وحسب، وإنما أيضًا، ركزت على مقدمات الثورة ووقائعها ودروسها وتداعياتها. وهي في جملتها تعطي القارئ فرصة لمراجعة مشاهد كثيرة من الثورة، وتفاصيل ربما لم تتم قراءتها بنَفَس تحليلي وعقلاني. وتعرض آخر فصول الكتاب صورًا إبداعية وفنية رسمها الشبان الثائرون في ميادين شتى من المدن المصرية.

في هذا الكتاب مجموعة من الدراسات لمجموعة من الباحثين الشباب والأكاديميين المصريين الذين عايشوا الثورة المصرية بكل تفاصيلها. ففي الفصل الأول يكتب أحمد بهاء الدين مقاله وافية بعنوان "من النطفة إلى الثورة"، أعاد فيها قراءة الأحداث بعين المشارك والخبير الذي رأى أن الثورة الشبابية المصرية، ثورة شعبية من طراز جديد. وأنها ثورة أعادت الكرامة إلى الشعب ورسخت ثقته بنفسه بعد عقود ظُن البعض خلالها أن الشعب المصري، نتيجة لأسباب تاريخية، شعب يتسم بالطاعة والخنوع. ولكن الثورة برهنت عكس ذلك. وعرض بهاد الدين تاريخ الانتفاضات المصرية التي اندلعت بعد هزيمة 9671، خصوصا انتفاضات الطلبة في الجامعات وصولا لثورة يناير.25 وتناول عبد القادر ياسين الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي مهدت لاندلاع الثورة وسرد بعض المحطات المهمة مثل قانون الضرائب الذي صدر عام 2005، وكان مجانبًا للعدالة بصورة مكشوفة، الأمر الذي ساهم في تحويل النظام المصري إلى سمسار للشركات الأمريكية والإسرائيلية، مما نتج عنه زيادة التضخم، وتراجع إنتاج المواد التموينية والقمح وهبوط مستوى دخل الفرد. كما عرج على سياسات الخصخصة التي أجهزت على بقايا القطاع العام، الأمر الذي زاد نسبة ارتفاع المديونية المصرية الخارجية وما رافق ذلك من مظاهر الفساد.

وفي الفصل الثاني، ناقش محمد فرج المقدمات السياسية للثورة، ورأى أن خروج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات كان المنعطف الأهم الذي أدى إلى نهايته. ورأى فرج أن نزع السياسة من المجتمع وإلغاءها من الحياة اليومية، كمنع القوى السياسية من العمل بين الطلاب والعمال والموظفين في القطاع العام، أديا إلى الاستبداد السياسي، إضافة إلى تزوير الانتخابات والسعي لترسيخ فكرة التوريث، ثم إقفال أبواب التغيير الديمقراطي، ومَّل كل ذلك مقدمة للانفجار الأخير واندلاع الثورة. وقد لاحظ شعبان يوسف في الفصل الثالث الكيفية التي اندلعت بها الثورة بصورة غير متوقعة، حيث لم تشارك الأحزاب السياسية المعروفة في فعالياتها في البداية. لكن هذه الأحزاب ما لبثت أن التحقت بالقطار. وعرض يوسف بعض الأعمال الروائية التي رصدت الحياة اليومية قبيل اندلاع الثورة وقدمت مادة تحريضية ضد النظام المصري؛ مثل رواية "عمارة يعقوبيان" و"شيكاجو" لعلاء الأسواني، وكتاب "تاكسي" لخالد إسماعيل، وغيرهم.

وتناولت ماجدة موريس في الفصل الرابع الحديث "الفن وثورة 25 يناير" مسلطة الضوء على الفن السينمائي بالدرجة الأولى، وتحدثت عن مجموعة من الأفلام السينمائية التي نقدت الأوضاع القائمة، مثل فيلم "القاهرة منورة بأهلها"، وفيلم "هي فوضى"، ليوسف شاهين. كما تحدثت عن أفلام أخرى قام بعملها مخرجون معارضون، وعن مسلسلات درامية فضحت تحالف رجال الأعمال والسياسة (المال والسلطة.) وفي الفصل الخامس رصد محمد قاياتي، بطريقة السينما، اثنتين وسبعين ساعة سبقت سقوط حسني مبارك. وفي هذا الرصد السردي ركز الباحث على ظهور الحركات المطالبة بالتغيير في الشارع المصري، مثل "كفاية" و "شباب 6 أبريل." أما عماد عبد اللطيف فقد كتب في الفصل السابع "بلاغة الثورة المصرية تجليات وسمات"، عن العبث باللغة، وعن البلاغة الجديدة التي ساهمت في تثوير الخطاب السياسي ومن ثم تثوير المجتمع. وقدم سيد ضيف الله ملاحظات ثقافية على مواقف المعارضة السياسية في مصر، وركز على الرهانات السياسية، وعلى مضمون الموقف السياسي للحركات الحزبية المعارضة، ووضع النتائج التي توصل إليها في جدولين إيضاحيين مفعمين بالدلالات السياسية. وفي الفصول الأخ ةرر (الأصداء العربية)، والأصداء الإسرائيلية)، و(الأصداء الدولية) تقصى كل من ناصر حجازي وخالد سعيد ومحمد حسني ردود الفعل العربية والعالمية، وتبدل المواقف والاصطفافات. يقدم هذا الكتاب، دون شك، قراءة تحليلية توثيقية متعددة الأبعاد للثورة المصرية. وهو مليء، على نحو خاص، بالإمتاع والعمق. ويشكل معينا حقيقيا للباحثين في مختلف الظروف التي أحاطت بثورة 25 يناير. كما أنه يهب القارئ العادي فرصة جيدة للتعرف على أسباب الثورة، والأطر النظرية المعينة على فهمها، إضافة إلى الأبعاد والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية التي أطرتها، ومواقف القوى الدولية وطريقة تعاطيها معها. الكتاب يحوي أحداثًا ووقائع وتواريخ ذات نفع كبير للباحثين، وخصوصًا المقدمات السياسية والاقتصادية التي أفضت للثورة. وأحداث الثورة كانت بحاجة إلى الرصد بأقلام متعددة، تتناولها من زوايا مختلفة. كما يمثل الكتاب ثبتًا للوقائع، وتحليلا مهمً لمجريات الثورة، ولصورة المشهد المصري الراهن، ويعطي إجابات عن الأسئلة الضرورية والمهمة، بشكل موضوعي، دون الوقوع في صنمية التقديس، أو صلافة التبخيس.