العلاقة بين إيران وسورية وحزب الله وآثارها في الدولة اللبنانية
الملخّص
تدرس هذه الورقة العاقة بين إيران وسورية وحزب الله وتأثيرها في الدولة اللبنانية من أكثر من منظور، وتقسِّ م الباحثة دراستها إلى خمسة أقسام يتناول الأول منها تحركات إيران في المجال اللبناني وعاقتها بنشأة حزب الله وتطوّره. أما القسم الثاني فهو مرك ز على تدخ ل سورية في لبنان وحزب الله، بوصفه من أدوات التدخ ل. ويتطرق القسم الثالث إلى عاقة حزب الله بالدولة اللبنانية منذ نشأة حزب الله، مرورًا بات فاق الطائف، وما أدَّى إليه من تغيُّر في أسس تلك العاقة، فيما يركز القسم الرابع على تدخ ل كل من إيران وسورية في العاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية، وذلك من خال التدخ ل في مجال العاقة الأمنيّة. وتختم الباحثة ورقتها بالتوقف عند القسم الخامس: تدخ ل حزب الله في الأزمة السوريّة وآثاره في دولة لبنان.
إنّ دراسة العلاقة بين إيران وسورية وحزب الله وتأثيرها في الدولة اللبنانية، تحتاج إلى أكثر من منظور لبحث فرضياتها، وخصوصًا من منظور السياسة الخارجية لدولة في علاقتها بفاعل ليس بدولة. ويُقصد بذلك إيران في علاقتها بنشأة حزب الله وتطوره، بوصفه فاعلً في إطار الدولة اللبنانية، وكذلك سورية في علاقتها بنشأة هذا الحزب وتطوره؛ إذ كان لإيران وسورية دور أساسي في نشأة حزب الله عام 982.1 وعلى الرّغم من أنّ الفاعلين الثلاثة واجهوا ضغوطًا خلال الفترة الممتدة من نشأة حزب الله إلى الآن، فإنّ العلاقات بينهم مازالت باقيةً. أمّا المنظور الثاني الذي يُستخدم لفهم العلاقة بين إيران وسورية وحزب الله وأثرها في الدولة اللبنانية، فهو منظور العلاقة بين دولتين هما إيران وسورية، وكذلك علاقتهما بدولة لبنان، وخصوصًا علاقة سورية بالدولة اللبنانية؛ وذلك على أساس أنّ توازنات العلاقة بين إيران وسورية، أو بمعنى آخر التحالف السوري – الإيراني هو الذي تحدَّد في إطاره نموّ حزب الله من جهة كونه تصديرًا إيرانيًّا لقوَّة عربية تعمل ضدّ إسرائيل. وإنّ علاقة سورية بلبنان تُعدّ كذلك منظورًا أساسيًّا لدراسة العلاقة بين سورية وحزب الله على أساس أنّها كانت تُدار على مصالح سورية الأمنية في لبنان. وبالنسبة إلى المنظور الثالث الذي من خلاله يمكن دراسة العلاقة بين سورية وإيران وحزب الله والدولة اللبنانية، فهو متعلق بكيفية نشأة الدولة؛ والمقصود في هذا السِّياق على وجه التحديد كيفية نشأة الدولة اللبنانية؛ إذ ترجع أهمية هذا المنظور إلى أنّ دراسة طبيعة العلاقة بين حزب الله وهذه الدولة وموقع الحزب في إطار المجتمع اللبناني الأوسع، تدلّنا على صورة مهمة لدوره في إطار الدولة، كما أنها تساعدنا على اكتشاف رؤية مغايرة - على نحوٍ أو آخر – متعلّقة بطبيعة علاقة الحزب بالدول الأخرى. ومن أهم ملامح هذه الرؤية المغايرة أنّ الدول الأخرى التي تدعم الحزب، أو ربما تتحالف معه إنما تتدخل في العلاقة بينه وبين الدولة اللبنانية، ومن ثمّة فهي لا تتفاعل مع الحزب من جهة أنه ليس دولةً فحسب، بل إنها تتدخل في العلاقة بينه وبين الدولة التي يوجد في إطارها أيضًا. ومن الرؤى المهمة في هذا الصدد منظور الدولة في المجتمع عند Joel Migdal؛ إذ إنّ هذا المنظور المجدالي أرجع مرةً أخرى دور الدولة في عملية صنع السياسة، فهو قد تمثَّل الدولة بوصفها مشاركًا له مصالح، لا حَكَمً في المصالح المجتمعية فحسب. فالدولة من خلال منظور الدولة في المجتمع عند Migdal، هي طرف ضمن أطراف عديدة تسعى لتأكيد سيطرتها على الجماهير، ولكنّ تميز الدولة يأتي نتيجة الاعتراف بأنها صانعة القوانين العليا في إطار إقليمها1. والمعنى المتضمن في هذا المنظور أنه لا مانع إطلاقًا من تنافس الدولة مع المجتمع المدني في جذب ولاء المواطنين؛ فبناء الدولة لا يعني دمج فصائل المجتمع المدني في إطارها، ولكنه يشير إلى إمكانية التنافس بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني في جذْب ولاء المواطنين. وكلّ ذلك يشير إلى أنّ هذا التفسير الفوضوي لما يقود إليه الولاء للدولة، يُطبَّق على نحوٍ خاص على حالة الدولة اللبنانية أثناء الحرب الأهلية وبعدها؛ فلقد تميزت نشأة الدولة اللبنانية بالتنافس بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني على الولاء نتيجة التنافس في تقديم الخدمات والأمن، وعلى رأس هذه المنظمات التي تنافست مع الدولة، حزب الله. وفي هذا الصدد يتحدث بعض المحللين عن الدور الذي تؤدّيه المجموعات الاجتماعية في لبنان على امتداد تاريخه القريب والبعيد؛ إذ يذهب عاطف عطية إلى أنّه "في لبنان وعلى امتداد تاريخه القريب والبعيد تلعب المجموعات الاجتماعية أدوارها في حقل سياسي يتميز برماله المتحركة، وبُؤر توتره الدائمة، وخطوط تماسه الساخنة [...] والخاضع في كلّ الأوقات لأهواء الأفراد وطموحات الجماعات وتناقض المعارضات طبقًا لتناقضات المصالح والغايات." ولعل من أكبر هذه المجموعات الاجتماعية ما انبثق من الطائفة الشيعية، وعلى رأسها حزب الله2. وبناءً على ذلك، فإنّ مدار الإشكالية البحثية لهذه الدراسة على ماهية طبيعة حزب الله بوصفه فاعلً من غير أن يكون دولةً، وماهية علاقته بالدولة اللبنانية منذ نشأته، وخصوصًا منذ إعادة بناء الدولة وفقًا لاتفاق 9891، وبناءً على طبيعة تلك العلاقة سواء كانت اندماجًا وتعاونًا، أو تنافسًا على جذب ولاء الجماهير. كما أنّ هذه الإشكالية تنظر في المجالات التي كان فيها هذا التنافس، أو بمعنى آخر؛ في تحديد وظائف الدولة التي كان يجري فيها هذا التنافس، وفي ماهية المتغيرات والعوامل التي أدَّت إلى رضا الدولة اللبنانية عن هذا التنافس نفسه، وعلى الأخص في المجال الأمني، ثمّ في دور القوى الدولية في دعم مجالات التنافس بين حزب الله والدولة اللبنانية أو حصرها.
أمّا الفرضية الأساسية لهذه الدراسة فهي أنّ العوامل الدولية، ومنها دعم الدول الأخرى، كانت سببًا في دعم التوازن بين حزب الله والدولة اللبنانية. ويترتَّب على هذه الفرضية فرضية أخرى تتمثَّل بأنّ انسحاب الدور الدولي من لبنان - وخصوصًا دور سورية وإيران - قد يؤدِّي إلى اختلال التوازن بين حزب الله والدولة، وهذا الأمر قد يؤدِّي إلى زيادة قوَّة أحد الطرفين وطغيانه على الآخر طغيانًا أكبر.
وينقسم البحث إلى خمسة أقسام هي: القسم الأول: تحركات إيران في المجال اللبناني وعلاقتها بنشأة حزب الله وتطوره. القسم الثاني: تدخل سورية في لبنان وحزب الله، بوصفه من أدوات التدخل. القسم الثالث: علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية؛ والمقصود بذلك تلك العلاقة منذ نشأة حزب الله، مرورًا باتفاق الطائف، وما أدَّى إليه من تغيّ في أسسها. القسم الرابع: تدخُّل كلّ من إيران وسورية في العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية، وذلك من خلال التدخُّل في مجال العلاقة الأمنية. القسم الخامس: تدخُّل حزب الله في الأزمة السورية وأثره في الدولة اللبنانية (أيتجه إلى مزيد من التنافس أم التكامل؟.)
القسم الأول: تحركات إيران في المجال اللبناني وعلاقتها بنشأة حزب الله وتطوره
يمكن القول إنّ بداية تدخل إيران وتحركها في المجال اللبناني تعود إلى سبعينيات القرن الماضي؛ إذ ترجع إلى الحرب الأهلية في لبنان، وذلك أنّ إيران رأت أنّ مشاركتها في هذه الحرب وتدخلها فيها وسيلة أساسية للعمل وفقًا لخطابها المعادي للغرب. غير أنّ العديد من المحللين يرون أنّ الحرب الأهلية اللبنانية وتدخل إيران فيها لم تكن هي البداية الأولى لعمل إيران في المجال اللبناني، بل إنّ ذلك الأمر يعود في الحقيقة إلى العلاقات عبر القومية في ستينيات القرن الماضي، من خلال رجال الدين الشيعة الذين عملوا بنشاط في لبنان في هذه الفترة وعلى رأسهم موسى الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشيخ محمد حسين فضل الله3. فلقد كان عقد الستينيات على وجه الخصوص يُعدّ بدايةً لصحوة ثقافية وسياسية واجتماعية في أوساط شيعة لبنان، وخصوصًا بعد خروجهم من نظام الامتيازات سنة 9431، وفي الوقت نفسه تزامنت هذه الصحوة مع نشاط رجال الدين الشيعة، ومنهم موسى الصدر اللبناني الأصل الإيراني الجنسية الذي قدم إلى لبنان عام 9591 واستقر فيه. وفي هذا الإطار سعى الصدر إلى انبعاث تيار شعبي في الوسط الشيعي ودفعه إلى التماسك عن طريق الدفاع عن مصالح الطائفة المعرضة للحرمان، وقد ترتَّب على هذا السعي قيام ما يسمى "حركة المحرومين"، والعمل على وجود موقع رسمي للشيعة في الخريطة المؤسساتية للنظام اللبناني4. وما يبدو أهمّ من نشاط رجال الدين الشيعة وما ترتَّب عليه من نشاط سياسي بوصفه إحدى أدوات التحرك الإيراني في لبنان من خلال العلاقات عبر القومية، هو دور الثورة الإسلامية في إيران بالنظر إلى أنها محطة مهمة للتأثير في شيعة لبنان؛ فمن ناحية أولى ظهرت في لبنان لجان مساندة للثورة الإسلامية الإيرانية، وقد عملت هذه اللجان على نحوٍ جادّ على التواصل مع إيران5. ومن ناحية أخرى كانت الأداة الدعائية المتمثّلة بخطاب الثورة الإسلامية الإيرانية أداةً مهمةً للتأثير الإيراني في شيعة لبنان، وفي هذا الإطار كان خطاب قائد
الثورة الإسلامية آية الله الخميني، يُبدي تعاطفًا كبيرًا مع لبنان نتيجة الغزو الإسرائيلي6.
ومن ثمّة يمكن القول إنّ النشاط السياسي لشيعة لبنان قد تفاعل مع خطاب الخميني تفاعلً كبيرًا؛ إذ إنّ الثورة الإسلامية الإيرانية قامت بدور النموذج للتغيير بالنسبة إلى المجتمع الشيعي اللبناني. غير أنّ هذه الثورة لم تستطع أن تجد طريقًا للقيام بدور النموذج من خلال حركة أمل، نتيجة تحالفها مع سورية وعدم رغبتها في تبنِّى نظريات الخميني، ولذلك بدأت إيران في البحث عن حليف آخر، وترتَّب على هذا الجهد الإيراني ظهور عَلم جديد في الأراضي اللبنانية يحمل شعار "الثورة الإسلامية في لبنان"7. وهكذا كان الهدف الأساسي للدولة النموذج (وهي إيران) في علاقتها بالمنظمة الوليدة (وهي حزب الله)، هو تعليم الشيعة اللبنانيين نظريات آية الله الخميني السياسية والدينية؛ بمعنى آخر عملت هذه الدولة على التأثير في المجال المعرفي لحزب الله عملً كبيرًا. وبناءً على ذلك، تمثّلت المبادئ الأساسية التي شكَّلت أيديولوجية حزب الله في الاعتقاد في مشروع الدولة الإسلامية، والجهاد في سبيل الله، وولاية الفقيه8. ولم يتوقَّف النفوذ الإيراني في لبنان عند تعليم نظريات الخميني، بل دعمت إيران حزب الله بهدف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وقامت إيران بالتنسيق العملياتي معه في داخل لبنان؛ من أجل الهجوم على المصالح الغربية داخل الدولة. وكان ذلك التنسيق العملياتي بين إيران وحزب الله للقيام بعمليات عسكرية ضدّ مصالح غربية في لبنان، سببًا في تدهور العلاقة بين هذين الفاعلين من ناحية، وبين كلّ من حركة أمل وسورية من ناحية أخرى؛ ما ترتَّب عليه تهدئة من جانب إيران وحزب الله بحكم توازنات العلاقة بين سورية وإيران. وقد صاحبت هذه التهدئة في المجال الحركي من جانب كلّ من إيران وحزب الله، تهدئة في الجانب الأيديولوجي والفكري أيضًا؛ إذ حدث تطور كبير في توجهات حزب الله الأيديولوجية والفكرية منذ عام 9891، وارتبط هذا التطور بالتغير في القيادات الإيرانية. وبوصفها الممول والداعم لحزب الله، بدأت إيران مسارًا جديدًا في سياساتها بعد وفاة الخميني. وقد أثَّرت الصراعات على مستوى القمة بين القادة في إيران تأثيرًا كبيرًا في حزب الله؛ إذ ترتَّب عليها - على مستوى القمة في إيران - وجود تيارين رئيسين - على الأقل - يمثلّان جدلً في ما يتعلَّق بمستقبل حزب الله في لبنان؛ إذ لا يرى التيَّار الأول فائدةً لحزب الله في المقاومة أو الجهاد، في حين يرى التيَّار الآخر أنّ استمرار حالة الجهاد ضروري.. وفي إطار اجتماعٍ لهذين التيارين عُقد في طهران في تشرين الأول/ أكتوبر عام 9891، تحقّقت فيه الغلبة على نحوٍ أكبر للتيار الأول؛ إذ دعا محمد حسين فضل الله الحزب إلى أن يشارك في الحياة اللبنانية9. ومن نافلة القول إنّ إيران وإن كانت قد أدّت دورًا أساسيًّا في نشأة حزب الله وتطوره، فإنّ هذا الدور كان يهدف إلى تحقيق توازنات بشأن العلاقة بينها وبين سورية، ما أثَّر في حزب الله. وهذا هو موضوع القسم الثاني من البحث.
القسم الثاني: تدخ ل سورية في لبنان وحزب الله بوصفه أداة من أدوات التدخل
إنّ من أهم الحقائق التي شكلت العلاقة بين سورية وحزب الله، بل العلاقة بين سورية وإيران في لبنان، هي الوجود السوري في لبنان؛ إذ نتج عن هذا الاحتلال، أو عن الوجود السوري في لبنان، صعوبة،
بل استحالة وصول المساعدات الإيرانية إلى حزب الله أو إلى غيره من الناشطين الشيعة في لبنان من دون مساعدة سورية. وفي هذا إشارة إلى أنّ سورية كانت هي الشريك المسيطر في العلاقة بين إيران وسورية وحزب الله خلال الثمانينيات والتسعينيات؛ إذ إنها أفادت من سيطرتها على الأراضي اللبنانية على نحوٍ أكسبها قوةً في السيطرة على الاتصالات والإمدادات المباشرة من إيران لحزب الله، وهذا يعني أنّ موقع سورية في لبنان سمح لها بأن تقوم بتقييد أنشطة شركائها10.
ويشير ما سبق إلى حقيقتين أساسيتين: الأولى: - أنّ الوجود السوري في لبنان ارتبط بأدوات تدخلية عديدة استخدمتها سورية لتحقيق مصلحتها الأمنية والحفاظ عليها، وأنّ حزب الله كان واحدًا من هذه الأدوات التدخلية لسورية في لبنان. الثانية: - أنّ كلًّ من سورية وإيران أدارتا علاقتهما بحزب الله على أساس توازنات العلاقة في ما بينهما؛ بمعنى أنّ إيران قبِلت بتطويع سياسات حزب الله للخضوع للسيادة السورية في لبنان في مواقف كثيرة. وإذا حاولنا التفصيل بشأن الحقيقة الأولى المتمثلة بأنّ سورية استخدمت أدواتٍ تدخليةً عديدةً في لبنان فإنّ هذا يرجع إلى مصالح أمنية عديدة لسورية في هذا البلد؛ منها أنّ النظام السوري حاول التحكم في الحقائق الطائفية في لبنان من خلال محاولة إحداث التوازن بين الطوائف المختلفة، وقد كانت محاولات النظام السوري للتحكم في التوازن الطائفي في لبنان راجعةً إلى الحساسية الشديدة للنظام السوري تجاه الحقائق الطائفية، وذلك بحكم التركيبة الطائفية الضيقة للمجموعة الحاكمة في سورية11. ومن المعلوم أنّ أولى الأدوات التي استخدمتها سورية للحفاظ على مصلحتها الأمنية الأولى - وهي بمنزلة التوازن الطائفي في لبنان - كانت متمثّلةً بمحاولتها نشر الأيديولوجية البعثية، وأنّ الهدف الأساسي للنظام السوري من وراء نشرها في لبنان كان متمثّلً بالقضاء على النزعات الطائفية12. ونتيجةً لتراجع تأثير الأيديولوجية البعثية وضعفها، بدأت سورية تبحث عن أدوات أخرى لتحقيق مصلحتها الأمنية. وكانت أهمّ أداة استخدمتها سورية في هذا الشأن الأداة العسكرية؛ إذ قامت سورية بإدخال قوات عسكرية في غرب بيروت عام 9761، كان هدفها الأساسي استعادة المنظمات الموالية لها، والتي جرت إزالتها إزالةً كلّيةً في هذا العام، والعمل أيضًا على استعادة التوازن بين هذه المنظمات وبين الحركة القومية بقيادة كمال جنبلاط التي توحَّدت في إطارها العديد من الأحزاب العلمانية فضلً عن حركة أمل؛ إذ أثَّر هذا التحالف تأثيرًا كبيرًا في الخلايا التنظيمية والعسكرية للمجموعات الموالية لسورية13. وفي ما يتعلق بالمصالح الأمنية السورية في لبنان، إضافةً إلى مصلحة الحفاظ على التوازن الطائفي اللبناني، فإنّ سورية كان لها مصلحة إستراتيجية أخرى في لبنان لا تقلّ أهميةً عن مصلحة الحفاظ على النظام الحاكم السوري، وهي سيطرتها على خطّ مواجهتها مع إسرائيل بمنع المجموعات المختلفة من دفعها إلى مواجهة إسرائيل. ولتحقيق هذه المصلحة، استخدمت سورية أدواتٍ عديدةً على رأسها التحالف مع حركة أمل الشيعية بقيادة نبيه بري؛ إذ وجدت فيها الأداة الرئيسة للحفاظ على لبنان، فهو بمنزلة خاصرة لمواجهة إسرائيل.14. وقد كان ذلك راجعًا على نحوٍ أساسي إلى دور حركة أمل في المواجهة مع منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها القوة الرئيسة المناهضة لإسرائيل آنذاك15، وذلك على أساس أنّ دمشق التي كانت ترغب في إعادة الاستيلاء على "الورقة اللبنانية" قررت عدم فتح باب للشراكة مرةً أخرى مع منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصًا أنّ عرفات قد انتقل إلى تونس؛ ما يعني تحرره من الوصاية السورية وقدرته على اتباع سياسات مستقلة تخشاها دمشق. ونتيجةً لذلك قامت حربان في طرابلس والمخيمات الفلسطينية جنوب بيروت ترتَّب عليهما إلغاء العامل الفلسطيني في لبنان16. وعلى الرّغم من ذلك
كانت لسورية مصلحة في بلورة علاقتها بحزب الله، على أساس أنه رفع شعار المقاومة. ومن ثمّة هيَّأ المناخ لتستعيد سورية سيطرتها على لبنان في مواجهة إسرائيل17. ولم تعد سورية تثق بغير "حزب الله" أداةً لها لمقاومة السيطرة الإسرائيلية على لبنان، وخصوصًا أنّ الشيوعيين اللبنانيين الذين اتهموا ب "العرفيه" جرى قتْلهم لضمان احتكار "حزب الله" نشاطَ المقاومة، وأنّ الفوضى قد سادت في أنحاء بيروت؛ فمهَّد ذلك كله لعودة القوات السورية إلى بيروت عام 9871؛ إذ دخلت في ذلك العام دخول الفاتحين، بل إنها سيطرت على المناطق الشرقية عام 1995 18. وعلى الرّغم من هذا التوافق في المصالح بين سورية وحزب الله، في ما يتعلق باستخدام سورية لحزب الله أداةً لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فقد كانت هناك أدلة كثيرة على عدم التنسيق بين الطرفين؛ ويرجع ذلك بالأساس إلى أنّ كلّ طرف كانت له أولوياته وأجندته الخاصة داخل لبنان19، وعلى الرّغم من هذا الاختلاف فإنّ سلطة سورية في لبنان اقتضت ضرورةً تسليم حزب الله بهذه السلطة واستسلامه لها20؛ أي إنّ كلًّ من سورية وإيران رفضتا أيّ نفوذ لغيرهما في لبنان في الثمانينيات، ومن ثمَّة تمسكتا بحلّ المشكلات ومحاولة التهدئة في ما بينهما للحفاظ على هذا النفوذ المتفرد. كذلك كان التوازن الذي أحدثته سورية بين الفصائل المختلفة في لبنان، سواء بين الموارنة والسنة والشيعة، أو بين حركة أمل وحزب الله، أو التوازن الذي أحدثته بين الدولة اللبنانية بعد بنائها من خلال اتفاق الطائف عام 9891 وحزب الله؛ إذ ساهمت سورية في بناء الدولة اللبنانية، وفي الوقت نفسه دعمت استمرارية حزب الله حليفًا أمنيًّا لها. وظلت دمشق هي المسيطرة بفعل التوزيع الجديد للسلطات الذي منع بروز أيّ سلطة فعلية لدى كلّ من الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية، ورئيس المجلس النيابي، ورئيس الحكومة. وباتت سورية مرجعًا للفصل في أيّ نزاع يطرأ، وأصبحت المعادلة السورية بعد اتفاق الطائف هي التحكم المطلق في لبنان، ما يعني التغلب على الضعف الداخلي للدولة سياسيًّا واقتصاديًّا بعد أن كانت المعادلة قائمةً على وجود قوَّة في الخارج تتستَّ على ضعفٍ في الداخل؛ ومعنى ذلك أنّ سورية أرادت بناء دولة لبنانية قوية بعد الطائف، على الرّغم من الرغبة في إحكام السيطرة عليها21.
القسم الثالث: علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية
تشكلت علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية في إطار ثلاثة أبعاد رئيسة، هي: البعد الأول: حزب الله دولةً داخل الدولة اللبنانية أثناء فترة الحرب الأهلية. البعد الثاني: حزب الله بوصفه فاعلً سياسيًّا داخل الدولة اللبنانية بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام.1989 البعد الثالث: أبعاد العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية: أهي للاندماج أم للتكامل الأمني؟
البعد الأول: حزب الله دولة داخل الدولة اللبنانية أثناء فترة الحرب الأهلية
ذكرنا سابقًا أنّ دراسة العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية في فترة الحرب الأهلية يمكن أن تصاغ في إطار النموذج الذي قدمه Joel Migdal، وهو الدولة الضعيفة التي يسيطر عليها المجتمع القوي state Weak – Society Strong؛ إذ هناك عوامل عديدةً أكسبت الدولة اللبنانية ضعفًا، وقد كان من أهمها الحرب الأهلية، والاحتلال الإسرائيلي، والاحتلال السوري، وكذلك انقسامها بسبب انقسامات السلطة ثقافيًّا ودينيًّا. ونتيجة لكلّ هذه العوامل أصبحت الدولة اللبنانية ضعيفةً وهشةً. وعلى الجانب الآخر كانت هناك عوامل عديدة أكسبت حزب الله قوَّةً؛ وهي حملته العسكرية لإنهاء
الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك تدخل إيران وسورية لدعمه 22. ولعل من أبرز ما قيل عن ضعف الدولة اللبنانية في فترة الحرب الأهلية في مقابل الطوائف هو تعبير الدكتور أنطوان مسرّة؛ فكلّ طائفة لجأت إلى ما سمَّ ه العنف والاستقواء23. وبناءً على أوضاع نشأة حزب الله في الدولة اللبنانية، وعلى نشأته الفاعلة في مجتمع مدني قوي، فإننا في حاجة إلى تطبيق منظور آخر، هو منظور الدولة في المجتمع الذي استفاض في شرحه Migdal؛ إذ يرى هذا المنظور أنّ الدولة في حالة تنافس مع المنظمات المجتمعية، بل إنّ المنظمات المجتمعية نفسها في حالة تنافس مع بعضها محورها ذوو القدرة على كسْب ولاء المواطنين، بحكم قدرة هؤلاء الفاعلين المتنافسين - بما في ذلك الدولة - على تقديم الأمن والخدمات لهم. وهذا يشير إلى أنّ هذا المنظور ينطبق على حالة حزب الله في إطار الدولة اللبنانية؛ فخلال فترة طويلة من الحرب الأهلية سيطرت المنظمات الدينية والعرقية والمجتمعية على الدولة؛ فقد كان المواطنون يعتمدون عليها من أجل تحقيق الحماية والحصول على الخدمات. وهذا على عكس ما ذهب إليه ماكس فيير حين عدّ الدولة هي المحتكرة للقوة والمحتكرة لتوزيع الموارد في المجتمع24. وما يؤكِّد سيطرة المنظمات الدينية والعرقية والمجتمعية على الدولة، هو ذلك التناقض الذي كان عليه الدستور اللبناني الذي أراد أن يعامل اللبنانيين بالتساوي أمام القانون، وفي الوقت نفسه أعطى الطوائف سلطاتٍ تناقضُ سلطة الدولة وتحدُّ من نفوذها. كما أنه أعطى اللبنانيين حقًّا في الوظائف بصفتهم أعضاءً في طوائفَ دينية، لا بصفتهم ينتمون إلى الدولة اللبنانية؛ ما يعني أنّ الولاء للدولة جاء بمنزلة حلقة أخيرة في سلسلة الولاءات25. وفي هذا الإطار، ساهمت عوامل عديدة في أن يسيطر حزب الله على الدولة اللبنانية إلى تقديم الحماية والخدمات للمواطنين، وخصوصًا الشيعة منهم. وتمثّلت هذه العوامل بأوضاع الشيعة المتدهورة، إضافةً إلى الثورة الإيرانية، والاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني. ومن ثمَّة فإنّ عددًا من المحللين رأى أنّ حزب الله قد وصل خلال فترة الحرب الأهلية إلى ما يُعدّ تقليديًّا مجالً للدولة. وفي هذا الإطار أيضًا يوضح نزار حمزة التنظيمَ المعلن لحزب الله منذ عام 1988 26. فهذا التنظيم، في حقيقة الأمر، يتضمن العديد من اللجان والأجهزة التي لها دور مشابه لدور أجهزة موجودة في بناء الدولة؛ مثل الجهاز الدعائي، والجهاز الخدمي، والجهاز الأمني والاستخباراتي27. وإن كان تحليل بعضهم - على الرّغم من هذه الأفكار السَّابقة – ينحو إلى أنّ تطبيق نموذج مجدال لا يصلح في الحالة اللبنانية، نظرًا إلى أنّ لِلُبنان خصوصيةً في البناء والشراكة قائمةً على ما يُسمى نموّ الوفاق القومي، فإنّ إدراك هذه الحقيقة يعني أنّ الدولة اللبنانية ليست ضعيفةً ومفككة - كما يشير إلى ذلك نموذج مجدال – بل هي قوية28.
البعد الثاني: حزب الله فاعل ا سياسيًّا داخل الدولة اللبنانية بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1989
مثَّل اتفاق الطائف عام 9891 بدايةً جديدةً لتغير طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية والطوائف المختلفة على رأسها حزب الله؛ وذلك يرجع إلى ازدياد قوَّة الدولة في مواجهة الطوائف المختلفة، ويشير إلى أنها أصبحت أقوى الفاعلين في إطار المجتمع اللبناني وفقًا لمنظور الدولة في المجتمع ل Migdal Joel. ولئن كان بعضهم يرى أنّ دولة لبنان بعد الطائف ليست، على نحوٍ كبير، أحسن حالً مما كانت عليه قبله - إذ يرى رشيد جمالي أمين التجمع الوطني للعمل الاجتماعي على سبيل المثال، أنّ دولة الطائف عانت في بدايتها من فوضى دستورية وعجز عن البناء والإع راا29 - فإنّ الجديد فيها والأكثر بروزًا من قوَّة الدولة هو محاولات حزب الله الاندماج في الدولة اللبنانية. ولئن كان ذلك قد جرى بدرجات مختلفة، فهو يعني أنّ الحزب بدأ يتحول إلى فاعل داخل الدولة اللبنانية أكثر من كونه دولةً داخل الدولة. وقد كان ثمَّة عدد من المؤشرات دلّ على محاولات الحزب التحول إلى فاعل داخل الدولة؛ أولها قرار الحزب بقبول اتفاق الطائف، إذا كان هذا القرار يعني قبول الحزب تأجيل مسألة إقامة دولة إسلامية
وفقًا للنموذج الإيراني في لبنان30. وثانيها قبول المشاركة في الانتخابات البرلمانية عام 992.1 وتتضمن مشاركة الحزب في الانتخابات البرلمانية عدَّة أمور في ما يتعلق باستمرار توجه الحزب نحو دور فاعل داخل الدولة، من ذلك ما تشير إليه مشاركة الحزب في الانتخابات من توجهٍ على نحوٍ رضائي لإعطاء سلطة هذه الدولة شرعيةً31. ولئن كانت المشاركة في الانتخابات لا تعني في نظر بعضهم التحول إلى فاعل سياسي نظرًا إلى بعض المشكلات التي أحاطت بالانتخابات نفسها، فإنّ انتخابات 9921 اتسمت بالمقاطعة. أما انتخابات 9961 فقد أشار جورج ناصيف إلى أنها لم تحقّق نتائج مرجوَّة في ما يتعلق بنموّ المشاركة السياسية32. ولكن على الرّغم من ذلك، فإنّ المشاركة في الانتخابات تضمنت أحد مؤشرات التحول إلى فاعل سياسي من خلال تحالفات الحزب الانتخابية33. ولم يكتفِ حزب الله بأن تكون له حماسة أكبر في الاندماج في النظام السياسي اللبناني من خلال تحالفاته الانتخابية في الانتخابات المختلفة، بل وقَّع ما سُمِّيَ مذكرة تفاهم مع ميشيل عون سنة 006.2 وهذه المذكرة، كما وصفها ميشيل عون نفسه، ثورة تجاه تحول حزب الله إلى فاعل سياسي واندماجه في النظام السياسي اللبناني34؛ فضمن هذا التفاهم التزام حزب الله بأمور عديدة في المستقبل تؤكِّد له هذا الاندماج السياسي؛ من ذلك التزام الديمقراطية التوافقية، وبناء الدولة، ومحاسبة الفاسدين، والحوار بشأن مستقبل سلاح الحزب في إطار لبناني. كما جرى تأكيد إقامة علاقات دبلوماسية بين لبنان وسورية، وحماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته أيضًا35. غير أنّ هذا التحالف بين حزب الله وميشيل عون، وفقًا لعدد من المحللين، يُعدّ أحد التحالفات المتضاربة التي آل إليها العجز عن توليد إجماعات لبنانية، وهي الانقسامات التي نتجت من الانسحاب السوري من لبنان36؛ وهذا يعني أنه قد يكون نتيجةً منطقيةً لمزيد من الانقسام والرغبة في كسب الانتخابات، أي إنه تحالف تكتيكي، لا غير.
أمّا المؤشر الثالث الدالّ على تحوُّل حزب الله إلى فاعل سياسي، فهو ذلك المتعلق بموقعه في السلطة والقضايا التي طرحها من جهة تعبيرها عن أجندة فاعل سياسي أو انعدام ذلك؛ فلقد كان حزب الله في بداية اندماجه في الحياة السياسية يتمتع بموقع الفاعل في إطار البرلمان، وبالتحديد في إطار المعارضة في السلطة التشريعية. ومن خلال هذا الموقع وجدنا أنّ حزب الله حاول أن يطرح العديد من القضايا التي مثَّل بعضها تحديًا للنظام السياسي القائم، وأدّى ذلك إلى تعارض مع ديناميات تحوله إلى فاعل داخل هذا النظام. إلا أنه سرعان ما تراجع عن تلك القضايا وعن الدفع بها؛ ومن ذلك على سبيل المثال قضية إلغاء الطائفية37. ومن القضايا الأخرى التي أثارها حزب الله في البرلمان، قضية إعطاء المقاومة الشرعيةَ بوساطة البرلمان، إلا أنه وصفها بأنها مقاومة لبنانية، ولم يعدّها مقاومةً خاصةً بحزب الله38. وقد كان خطاب الأمين العام لحزب الله حافلً بالدفاع عن المقاومة في كلّ موقف، بما في ذلك الدفاع عنها في مواجهة قرارات حكومة السنيورة التي اتخذت قرارًا ضدّ حزب الله وشبكة اتصالاته، ومن ثمّة فقد عدّ نصر الله هذا القرار من جانب الحكومة بمنزلة إعلان حرب على حزب الله39.
ولم يكتفِ الحزب بموقع المعارضة، بل تدرَّج حتى دخل في التشكيل الوزاري لحكومة السنيورة في بداية عام 0052، ولم تكن تلك نهاية طموحات الحزب في العمل من داخل موقع السلطة؛ إذ إنّ الحزب أثار أواخر عام 0062 قضية الثلث المعطل التي أراد بها أن يحصل أعضاء المعارضة في الحكومة اللبنانية المنتمون إلى حزب الله، وعددهم أحد عشر عضوًا من إجمالي ثلاثين عضوًا، على حقّ الفيتو أو النقض للقرارات الصادرة من الوزارة. وقد أثارت هذه القضية أزمةً كبيرةً في الحياة السياسية اللبنانية40. وبالفعل، استطاع الحزب الحصول على هذا الثلث المعطل وفقًا لاتفاق الدوحة عام 0082، ولكن بعد أحداث كثيرة، من بينها حرب بيروت في هذا العام42.
البعد الثالث: أبعاد العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية، أهي للاندماج أم للتكامل الأمني؟
ذلك43. على الرّغم مما ذُكر بشأن مؤشرات تحوله إلى فاعل سياسي، فقد بقيت مجالات عديدة لم يندمج فيها الحزب مع الدولة اللبنانية. ومن ثمَّة مثَّلت هذه الأبعاد والمجالات أدلةً على انعدام اندماج الحزب، على نحوٍ كامل، في الدولة، فكانت أدلَّة على انعدام تحوّله إلى فاعلٍ سياسيّ، على نحوٍ كامل أيضًا. ومن أهم مجالات ذلك الاندماج، المجال الأمني؛ إذ يمكن القول إنّ انتقال حزب الله من موقع مستقلّ شبيه بموقع الدولة إلى موقع منظمة مجتمعية أو فاعل سياسي داخل الدولة قد تميز بخصوصية معينة، هي أنّ الدولة اللبنانية أعطت حزب الله تصريحًا خاصًّا للاحتفاظ بسلاحه والاستمرار في المقاومة العسكرية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثمّة كان الحزب يمثّل الميلشيا الوحيدة التي احتفظت بهذه الميزة، وكان ذلك الأمر متميزًا ذا خصوصية معينة؛ وذلك لأنّ السماح بقوَّة عسكرية أقلّ من الدولة – وفقًا لرؤية Migdal - كما سبق الذكر، أمر لا يمكن تخيله بالنسبة إلى حكومة ضعيفة تسعى لتأكيد سيطرتها داخل المجتمع. وإنّ السؤال الذي يطرحه Early R. Bryan في هذا الشأن هو "لماذا لم تقم الدولة اللبنانية بهذا الأمر عند إعادة بنائها وبالتحديد وفقًا لاتفاق الطائف"44. لقد أجاب عن هذا التساؤل قادة حزب الله من قبلُ، وبخاصة صبحي الطفيلي؛ إذ أكد أنّ استمرار سلاح حزب الله معلّق بقدرة الدولة اللبنانية على بناء جيش قادر على مواجهة الغزو الإسرائيلي45. ومعنى ذلك أنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للبنان هو الذي أدَّى إلى أن تسمح الدولة اللبنانية لحزب الله بالاحتفاظ بمكانة منافسة لها في المجال الأمني. ومن ثمّة، يصبح السؤال الثاني الذي يطرحهBryan Early R. في هذا الشأن هو: لماذا سمحت الدولة اللبنانية لحزب الله بالاستمرار في المقاومة والاحتفاظ بسلاحه على الرّغم من الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني46؟ ونستطيع القول في هذا الشأن إنّ دوافع الدولة اللبنانية للسماح لحزب الله بالاحتفاظ بسلاحه ومقاومته، ومن ثمّة استمرار تنافسه الأمني معها غير واضحة، وإنها قد تعود إلى عدَّة أسباب تتعلق باستقرار دعم سورية لقتال حزب الله ضدّ إسرائيل، وقد يكون جيش الدولة غير قادر على إخراج حزب الله من الصراع مع إسرائيل، أو غير راضٍ عن
وبعد الانسحاب السوري من لبنان أصبحت مجالات التنسيق بين الحزب والدولة اللبنانية في حالة تخبُّط؛ فتارةً يَحدث تنافس أمني في الدولة والحزب مثلما كانت عليه الحال عام 0082، عندما حاولت الدولة اللبنانية إحكام السيطرة الأمنية على إقليم الدولة كلّها، حين اتخذت قرارًا في هذا العام يشير إلى عدّ إجراءات المقاومة الأمنية أو شبكة الاتصالات التابعة لحزب الله بمنزلة اعتداء على أمن الدولة، وقرارًا آخر بإقالة قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير من منصبه47. غير أنّ الحزب رفض الامتثال لهذين القرارين وطالب الحكومة بالتراجع عنهما. وترتَّب على ذلك سلسلة من المواجهات العنيفة بين حزب الله وحركة
أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي من جهة، وأنصار تيار المستقبل الحزب الاشتراكي التقدمي من جهة أخرى48، ولكن هناك تارةً أخرى، تكامل أمني من خلال التنسيق في مواقفَ أمنية معيَّنة. وتشير تلك الأحداث إلى أنّ المجال الأمني مازال غامضًا في علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية، وإلى أنّه يقبل مزيدًا من التنافس أو التكامل بين الطرفين.
القسم الرابع: تدخل كل من إيران وسورية في العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية
إذا أردنا تحليل تدخُّل إيران في العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية، فسنجد أنّ هذا التدخُّل سار في وقت واحد في اتجاهين ربما يكونان متضادين؛ فمن جهة أولى ظلَّت إيران تدعم تنافس حزب الله مع الدولة في المجال الأمني، وذلك من خلال إمداد الحزب بالمساعدات المادية والسلاح، بدعمه قصد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي؛ من أجل تأكيد تنافسه مع الدولة في هذا المجال. وهذا يعني أنّ إيران دعمت القدرة التنافسية للحزب مع الدولة في أحد مجالات وظائفها الأساسية، وهو الأمن.
وإنّ الاتجاه الثاني في تدخل إيران في العلاقة بين الحزب والدولة اللبنانية، من جهة أخرى، متمثّل بالمحافظة على التوازن بينهما؛ فمن الناحية الأمنية، على الرّغم من تدعيم إيران القدرة التنافسية للحزب في مواجهة الدولة فإنها كانت دائمًا تستجيب للضغوط السورية في أن يكون هذا الدعم في حدود معينة لا يتجاوزها. وتشير التقديرات إلى تراجع التمويل الإيراني لحزب الله منذ التسعينيات، وخصوصًا منذ بداية القرن الحادي والعشرين؛ فمنذ عام 0042 تراوح الدعم المالي الذي يتلقاه حزب الله من إيران بين 60 مليونًا و 80 مليون دولار سنويًّا؛ إذ تشير التقديرات نفسها إلى أنّ حزب الله تلقَّى تمويلات أكبر من الشيعة في لبنان والكويت والسعودية، ومن ملايين اللبنانيين الذين يعيشون في الخارج49. وينقلنا ذلك مباشرةً إلى تدخل سورية في تحديد شكل العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية؛ إذ كان لهذا التدخل خطٌّ أساسيٌّ لم يحد عنه طوال فترة الوجود السوري في لبنان، وحتى بعد الانسحاب منه. ويتمثّل هذا الخطّ بالحفاظ على التوازن في علاقة الدولة بالحزب. ونستطيع القول إنّ خطّ الحفاظ على التوازن انقسم إلى فرعين؛ أحدهما يتمثّل بالميل إلى دعم الدولة على حساب الحزب، والآخر يتمثّل بدعم الحزب على حساب الدولة. ونجد أنّ الوقائع والأدلة التي تشير إلى دعم سورية للدولة اللبنانية على حساب الحزب كانت بارزةً في كثير من الأحيان حتى أنّ كثيرًا من المحللين رأى أنّ من ضمن الأسباب التي أدَّت إلى عدم قيام الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله عند إعادة بنائها وفقًا لاتفاق الطائف، هو اطمئنان الدولة إلى أنّ وجود القوات السورية من شأنه أن يمنع حزب الله من محاولة السيطرة على الحكومة أو الدولة50. ولقد كانت سورية تدعم الدولة على حساب الحزب من خلال تحديد دوره في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي قبل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، وبعده من خلال تضييق نطاق الصراع العسكري لحزب الله في مزارع شبعا فقط، ما يعني أنّ سورية كانت الدولة الوحيدة القادرة على فرض إرادة الدولة اللبنانية على حزب الله51. أما الفرع الثاني في الخط السوري للحفاظ على التوازن في إطار الدولة اللبنانية، فهو المتمثّل بالميل إلى دعم الحزب على حساب الدولة؛ فهناك العديد من الحقائق التي تؤيّد بروز هذا الدعم السوري لحزب الله في كثير من الأحيان، ومنها أنّ سورية كانت تمنع الحكومة اللبنانية من التدخل في أنشطة حزب الله. فإذا كانت سورية قيَّدت على نحوٍ كبير أنشطة الحزب في المقاومة، فإنها أصرت على بقاء قتاله
ضدّ إسرائيل، ولكن على أن يكون ذلك محصورًا في مزارع شبعا كما سبق الذكر. ويدفعنا هذا إلى القول إنّ الانسحاب السوري من لبنان ساهم في بقاء التوازن بين الحزب والدولة اللبنانية، ولكن بطريقة مختلفة؛ فمن ناحية أولى كان هذا الانسحاب سببًا في قوَّة الحزب سياسيًّا من خلال إعطاء الحزب فرصة ملء الفراغ الذي نجم عن الانسحاب السوري. ومن ناحية ثانية، كان هذا الانسحاب سببًا في قوَّة الدولة اللبنانية على أساس أنّ وجود القوات السورية في لبنان وإن كان استُخدم لمصلحة دعم الدولة اللبنانية، أثار العديد من التساؤلات بشأن مدى استقلاليتها، وهذا يعني امتلاكها كلّ مقومات الدولة الفيبرية والمجدالية السَّابقة الذِّكر. وفي هذا الإطار جاءت التحليلات لتشير إلى أنّ الانسحاب السوري دعم اندماج الحزب في الدولة اللبنانية على أساس أنّ الانسحاب أنهى العلاقة المباشرة بين حزب الله وسورية53. ومن ناحية ثالثة، يذهب عدد آخر من المحللين إلى القول إنّ الانسحاب السوري من لبنان كان دافعًا إلى دعم اندماج حزب الله في الدولة اللبنانية بدرجة أكبر، من دون أن يعنيَ ذلك الانفصال الكلّ بين الحزب وكلّ من سورية وإيران، في حال استمرار الدعم السوري والإيراني له حتى بعد حرب تموز/ يوليو 0062؛ وذلك من خلال إمداده بالسلاح ومساعدته على تعويض ما دُمِّر منه خلال الحرب55. غير أنّ تطورات الأزمة في سورية أثبتت أنّ الاندماج الكامل للحزب، أو تنسيقه الأمني مع الدولة اللبنانية ربما يتأثر كثيرًا بتطورات الوضع في سورية؛ إذ إنّ تدخل الحزب على نحوٍ مباشر في هذه الأزمة أدَّى، بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، إلى توتر أمني كبير.
القسم الخامس: تدخل حزب الله في الأزمة السورية وأثره في الدولة اللبنانية
تتناول الدراسة في هذا القسم التطورات الجديدة في العلاقة بين حزب الله والنظام السوري من حيث تدخُّل حزب الله تدخُّلً مباشرًا في الصراع الدائر في سورية لمصلحة نظام بشار الأسد. وإنّ هذه التطورات، في حقيقة الأمر، تبرز مضامين جديدةً للعلاقة التي اهتمت بها الدراسة؛ هي العلاقة بين إيران وسورية وحزب الله وأثرها في الدولة اللبنانية، وهذه المضامين هي: إنّ المضمون الجديد الذي يحمله تدخل حزب الله مباشرةً في الصراع الدائر في سورية مختلف، على نحوٍ ما، عن تدخل الدول الأخرى المدعمة للحزب في العلاقة بينه وبين الدولة اللبنانية؛ فهو يشير، هذه المرة، إلى أنّ شكل العلاقة معكوس نوعًا ما؛ إذ لا تتدخل سورية في العلاقة بين الحزب والدولة اللبنانية، ولكن يأتي تدخُّل الحزب إلى جانب النظام السوري على نحوٍ مباشر ليؤثِّر في الدولة اللبنانية، وفي علاقة الحزب بها. والسؤال في هذا السِّياق هو: كيف يكون تدخل الحزب إلى جانب النظام السوري مؤثِّرًا في الدولة اللبنانية من جهة، ومؤثرًا في علاقة الحزب بهذه الدولة من جهة أخرى؟ ينبغي أن نشير إلى أنّ تدخل الحزب لمصلحة النظام السوري، قد أثَّر في الدولة اللبنانية من خلال التراشق بين العديد من التيارات في لبنان، المؤيّد منها نظام بشار والمعارض له، وخصوصًا أنّ الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني قد تأثرا بالأحداث السورية منذ بدايتها، حتى قبل تدخُّل الحزب فيها تدخُّلً مباشرًا. ومنذ بدء الأزمة السورية، جدير بنا ذِكر وقوع عدَّة حوادث في لبنان تعود كلّها إلى الانقسامات اللبنانية تجاه ما يحدث في سورية؛ فعلى سبيل المثال عدّ بعضهم اشتباكات طرابلس المتجددة نموذجًا مصغرًا للحرب بين نظام بشار الأسد ومعارضيه؛ ذلك أنّ المواجهات فيها تجري، من جهة، بين مسلحين يسيطرون على منطقة فيها كتلة سكنية تعدُّ نحو 05 ألف مواطن، ومسلحين سُنة في منطقة باب التبانة المقابلة المتصلة بطرابلس التي 4 ألف أغلبهم من السنة، من جهة أخرى56يقطنها نحو 00. ولكل طرف من الطرفين انتماؤه المذهبي كما سبق الذِّكر، إضافةً إلى انتمائه السياسي؛ فجبل محسن العلوي يدين بالولاء لبشار وحافظ الأسد وحسن نصر الله، أمّا باب التبانة فيدين بالولاء للجيش السوري الحر ولتيار رفيق الحريري173. وما سبق يعني أنّ تدخل الحزب في هذا الصراع قد أدَّى إلى زيادة هذه المناوشات والتراشقات بين التيارات اللبنانية المؤيّدة لنظام
بشار والمعارضة له، وأنّ هذا الأمر يمكن أن يؤدِّيَ إلى انقسام الدولة وتفكُّكها. إلا أنّ الدولة ظلت غير قادرة على منع حزب الله من التدخل في الأزمة السورية مباشرةً، أو غير راغبة في ذلك. ومن ثمّة فإنّ هذا يُعدُّ وفقًا لوجهة النظر تلك، تنافسًا أمنيًّا حتى لو كانت الدولة تُسهل له هذه المهمة في بعض الأحيان؛ إذ ترجع هذه التسهيلات إلى عدم قدرة الدولة على أن يندمج الحزب في إطارها. ولم يتوقف الأمر عند التنافس الأمني بين حزب الله والدولة اللبنانية عندما اتَّخذ قرارًا منفردًا مفاده التدخل في الأزمة السورية فحسب، بل كان ذلك من خلال الإعلانات التي صرَّح بها حسن نصر الله في أيار/ مايو الماضي. ومن هذه الإعلانات إعلان استعداده لتلقِّي سلاح نوعي كاسر من سورية للتوازن، وهنا قد يكون المقصود السلاحين الكيماوي والجرثومي. وربما يعني هذا الإعلان ضمن مضامين أخرى وضع لبنان دولةً في مواجهة مع إسرائيل. أمّا الإعلان الثاني، فهو إعلانه القتال ضدّ التكفيريين في سورية، وهذا يعني تعريض الدولة اللبنانية لخطورة متعلقة بتنظيم القاعدة. وينقلنا هذا إلى النقطة الثانية في شأن ما تحمله التطورات الإقليمية الحالية المتعلقة بالأزمة السورية من مضامين جديدة للعلاقة بين إيران وسورية وحزب الله، وأثرها في الدولة اللبنانية. فإذا كان حزب الله في الوقت الحالي هو الذي تحوَّل إلى مساند للنظام السوري، وليس العكس، فإنّ ذلك يعني إطلاق يد إيران بدرجة أكبر في دعم الحزب، سواء لتراجع دور النظام السوري بوصفه موازنًا للعلاقة بين الحزب والدولة اللبنانية، أو لاضطلاع إيران بدور فاعل في قيام الحزب بدور إقليمي مؤثِّر في الأزمة السورية. والسؤال في هذا السِّياق هو: هل أنّ انتخاب روحاني رئيسًا لإيران من شأنه أن يؤدِّيَ إلى تغيير في الدور الإيراني في دعم حزب الله في علاقته بالدولة اللبنانية، سواء كان هذا الدعم مؤديًا إلى مزيد من التنافس الأمني بين الحزب والدولة على المستوى الداخلي من خلال رفع مستوى تسلحه، أو على المستوى الخارجي من خلال دعم دوره في الأزمة السورية؟ والإجابة عن هذا التساؤل تتمثَّل بأنّ انتخاب الإصلاحيين في إيران منذ رفسنجاني في ثمانينيات القرن الماضي قد تجلَّ، على نحوٍ أو آخر، في التهدئة من جانب إيران في دعم حزب الله على المستوى الفكري والأيديولوجي، ومن ثمّة قد يكون انتخاب روحاني امتدادًا لهذا الأمر. ولكن بما أنّ السياق الإقليمي مختلف تمامًا عما كان عليه الوضع من قبل، وذلك من حيث تطورات الأزمة السورية، فمن غير المتوقع أن يكون انتخاب روحاني سببًا في تراجع دعم إيران حزبَ الله؛ لأنّه لم يعدْ دعمً لفاعل داخل الدولة اللبنانية فحسب، ولكن بوصفه لاعبًا إقليميًّا؛ ولذلك فمن المتوقع أن يزداد الدعم الإيراني للحزب إقليميًّا، ما سيؤدي إلى مزيد من التنافس الأمني بين حزب الله والدولة اللبنانية داخليًّا. وأمّا المضمون الثالث للتطورات الإقليمية الحالية وانعكاساتها على العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية فهو أهمية الدور الدولي في مسرح الأحداث وتزايده - وعلى الأخص دور روسيا - فقد استطاعت روسيا الوقوف في مواجهة ضدّ المجتمع الدولي كلّه ممثلً بقمة الدول الثماني الكبرى في حزيران/ يونيو 0132، وذلك من حيث تجنُّب ذكر مصير الأسد في بيان القمة الختامي، إضافةً إلى تأكيد بوتين إمداد بشار الأسد بالسلاح الإضافي (وهذا من شأنه أن يكون كاسرًا للتوازن الإقليمي.) والمقصود في هذا السِّياق على وجه الخصوص التوازن مع السلاح الإسرائيلي، ومن ثمّة فإنّ بوتين بهذا التأكيد نفسه يُثبت أنه مستعد لكسر التوازن الإقليمي العسكري في علاقة الدول العربية بإسرائيل؛ وهذا يعني أنه يشير، على المدى البعيد، إلى بناء أسس ومبادئ جديدة يقوم عليها الشرق الأوسط بوصفه نظامًا إقليميًّا، ويعني أيضًا مزيدًا من التنافس الأمني بين حزب الله ودولة لبنان؛ لأنّ وجود سلاح نوعي أكثر تقدمًا لدى سورية يشير إلى إمكانية انتقاله إلى حزب الله، ما يعني، أيضًا، مزيدًا من التنافس الأمني مع الدولة اللبنانية، بل قد يؤدِّي في وقت من الأوقات إلى المزيد من التجزئة داخل لبنان، وربما انقسام هذه الدولة. ولكنّ ذلك يشير، في ضوء التفاهم الروسي الأميركي الأخير بشأن نزع السلاح الكيماوي السوري، إلى الإبقاء على المنطقة وتوازنها على نحو ما هي عليه، ومن ثمّة الحفاظ على قدر من العلاقات المتوازنة في المنطقة، بل في داخل الدولة اللبنانية نفسها.