جبهة النصرة لأهل الشام
الملخّص
تقف هذه الورقة على ظاهرة توض حت صورتها العامة، إلا أنّ تفاصيلها لا تزال تتوالى كاشفة اللثام عن مشهد لم يكن واضحًا في أذهان الكثيرين عندما بدأت الثورة السورية. وبناء عليه، تحاول الورقة إلقاء الضوء على الحركات الجهادية ذات التوجه الأممي، وتركز على "جبهة النصرة لأهل الشام"؛ إذ ترصد نشأتها، وتبلورها، والظروف التي ساعدت في انتشارها في سورية وازدياد تأثيرها، ثمّ تراجع نفوذها وانقساماتها التي مهدت لظهور تنظيم جديد هو "الدولة الإسامية في العراق والشام." وتوضح في خاتمتها التداعيات المباشرة وغير المباشرة التي نتجت من وجود هذه الحركات ونشاطها.
من التأسيس إلى الانقسام **
تمهيد: عن "الجهاد" والجهاديين في سورية قبل الثورة
ترجع جذور الحركة السلفية في سورية إلى نهاية القرن التاسع عشر في ما اصطلح على تسميته ب "السلفية الإصلاحية"، والتي كانت شبيهة إلى حد كبير بالسلفية الإصلاحية التي نشأت في مصر على يد الشيخ محمد عبدو؛ بمعنى أنها كانت حركة تنويريّة وتثقيفية نشأت لمواجهة حالة الاستبداد والتخلف الموروثة من العهد العثماني ولعل من أبرز رموزها آنذاك الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ محمد رشيد رضا. وقد تفرَّعت عن هذا التيار عدة جمعيات، كانت قد أدت دورًا مهمً في الحياة السياسية، ومن أبرزها: "الجمعية الغراء" التي تأسست عام 9241، وجمعية التمدن الإسلاميّة التي أسسها عام 9301 مظهر العظمة وبهجت البيطار (أحد تلامذة الشيخ جمال الدين القاسمي)1. وبخلاف التيار السابق، نشأت الحركة السلفية التقليدية (المحافظة) متأثرة بالمرجعيات التاريخية للتيار السلفي التقليدي، مثل ابن تيمية وابن قيِّم الجوزية، ولاحقًا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب. وتدين السلفية التقليدية بالفضل في إحيائها وتفعيل نشاطها في سورية إلى الشيخ محمد ناصر الدين 1)2الألباني 999-1914(، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وتلميذه الشيخ محمد عيد العباسي الذين نشطوا ضمن المعاهد الشرعية وركزوا على نشر الدعوة وأفكار التيار السلفي من دون الانغماس في العمل السياسي. أما بذور السلفية الجهادية في سوريّة، فإنها خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في سورية في منتصف الثلاثينيات وأعلن عنها رسميًا عام 9451، وانتخب مصطفى السباعي مراقبًا عامًا لها؛ فبعد عصيان حماة عام 9641 أسست مجموعة من أعضاء الجماعة بقيادة مروان حديد خطًا جديدًا يختلف عن توجهات مؤسسيها الذين كانوا يفضلون طريق العمل السلمي للوصول إلى السلطة، ومن أبرزهم مصطفى السباعي والشيخ عصام العطار. لقد تأثر مروان حديد بأفكار سيد قطب أثناء وجوده للدراسة في مصر، وكان يطمح في نقلها إلى سورية3.
كان مروان حديد مقتنعًا بأنّ "الجهاد" هو الطريق الوحيد للتخلص من "بلاء كحزب البعث." وفي سبيل ذلك، حاول إقناع التنظيم العام للإخوان المسلمين بالإعداد للمواجهة مع السلطة، وتشكيل ذراع عسكريّ للجماعة. ولمّا لم ينجح في ذلك، توجه مع تلاميذه للإعداد للقتال، وذلك من خلال العمل المسلح مع حركة فتح الفلسطينية في قواعد الشيوخ في غور الأردن 970-1968()1، وهناك تمكّن من إعداد النخبة الأولى لتنظيمه الجهادي4، الذي سماه "تنظيم الطليعة المقاتلة." كان تنظيم الطليعة المقاتلة أول تجربة جهادية في سورية تتخذ من العنف (الكفاح المسلح) سبيلً وحيدًا للتغيير. وقد شهد عقدا السبعينيات والثمانينيات مواجهات مسلحة بين هذا التنظيم (انضم إليه التنظيم العام للإخوان المسلمين عام 980)1، وبين السلطة؛ انتهت بخروج معظم قيادات التيار الإسلامي بعد موقعة (مجزرة) حماة عام 982.1 يمكن القول بأنّ تجربة الطليعة المقاتلة وفّرت تربة خصبة لولادة الحركة الجهادية في سورية؛ فالسلفية الجهادية المعاصرة تعتبر الشيخ مروان حديد "الشخصية الثانية" بعد سيد قطب التي ساهمت في نشأة التيار الجهادي. كما أنّ الجهاديين السوريين الذين "هاجروا" إلى ساحات الجهاد المختلفة نشأ معظمهم في كنف الطليعة المقاتلة. ولعل أحد أبرز وجوه تجربة مروان حديد هو أبو مصعب السوريّ؛
والذي سيصبح منظِّر الحركات الجهادية في أفغانستان والجزائر والعراق وسورية5.
بعد أحداث حماة 9821 وخروجه منتصرًا في المواجهة، نجح النظام السوري خلال عقد الثمانينيات والتسعينيات في تقليص حضور الإسلام الحركي، والتفكير الجهادي إلى أدنى حدوده. ويمكن ردّ ذلك إلى عاملين رئيسين: الأول، الإجراءات القمعية والقسرية ضد منتسبي الإسلام الحركي، ولا سيما أنصار جماعة الإخوان المسلمين. والثاني، تحفيز النظام شخصيات ومدارس إسلاميّة لإرساء تيار إسلامي "لاعنفي"، يبتعد عن العمل السياسي، ويركز على القضايا الدعوية والتربوية والعمل الاجتماعي. ومن أبرز هؤلاء الشيخ جودت سعيد ومدرسته "سلفيّة اللاعنف"، والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي كان مدافعًا عنيدًا عن الفقه الصوفي التقليدي في وجه الآراء السلفية، وجماعة القبيسيات والتي ستنشط بشكل كبير بعد تولي بشار الأسد منصب الرئاسة. لكنّ أحداثًا مفصلية حصلت في عقد التسعينيات ساهمت من جديد في إحياء التفكير الجهادي لدى بعض الشباب السوري (مثل تجربة "الأفغان العرب" وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان، وحرب الشيشان.) وعلى وقع هذه الأحداث، تشكلت مجموعات سلفية صغيرة مهتمة بالجهاد ومتأثرة بهذه التجارب من دون أن يكون هناك أي رابط تنظيمي في ما بينها6. مع ذلك، لم تعرف سورية نشاطًا جهاديًا خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي؛ فالمجموعات الجهادية الصغيرة التي تشكلت متأثرة بالفكر الجهادي العالمي لم تجد الحاضنة الشعبية والقبول المجتمعي، فوجد معظم منتسبيها طريقهم إلى خارج سورية، والتحقوا بجبهات "الجهاد" المفتوحة في بقاع متعددة من العالم (مثل البوسنة والشيشان)، وبخاصة بعد تأسيس "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال 1 7اليهود والصليبيين" في شباط/ فبراير.998 سعى النظام السوري منذ وصوله إلى الحكم للتضييق على الحركات الإسلامية واستئصال المجموعات الجهادية الناشئة، لكنّ هذا الواقع تغيَّ بشكل كامل مع ظهور بوادر الغزو الأميركي للعراق 003.2 فأثناء التحضيرات الأميركية لغزو العراق كانت الأجواء في سورية تشحن على الصعد كافة باتجاه إعداد الجهاديين للقتال في العراق واستقبالهم وتحت عناوين مختلفة من بينها استباحة الغرب "الكافر" للأراضي المسلمة؛ وهو خطاب غير مألوف لأحد الأنظمة العلمانية التي تعتبر متطرفة في رؤيتها وتعاملها مع الموضوع الديني. فقد دعا مفتي سورية الراحل الشيخ أحمد كفتارو في 62 آذار/ مارس 0032، على سبيل المثال، المسلمين عامة إلى الجهاد وإلى "استخدام كل الوسائل الممكنة في هزيمة العدوان، بما في ذلك العمليات الاستشهادية، ضد الغزاة المحاربين الأميركيين والبريطانيين الصهاينة"8. وأعاد الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي هذه الدعوة في خطبة الجمعة بتاريخ 13 حزيران/ يونيو 0032، وحثّ المسلمين الشباب على التوجه إلى "جهاد الفريضة" التي لم "تتجلَّ أسباب فريضتها في عصر من العصور كما تجلّت في هذا العصر على أرض العراق الإسلامية"9. استطاعت المجموعات الجهادية الصغيرة في الفترة 005-20032 إنشاء قواعد إسناد وإمداد في عدة مناطق من سورية، مختارة تلك التي تتوافر فيها حاضنة اجتماعيّة للفكر الجهاديّ. وقد تولت هذه المجموعات، والتي نشطت بشكل شبه علني تحت مسمى "لجان نصرة العراق" مهمة تجنيد المقاتلين السوريين، وتسهيل مرور "المجاميع القتالية" القادمة من خارج سوريّة إلى العراق، إضافة إلى جمع التبرعات من خلال جمعيات خيرية، وأحيانًا في مساجد الأرياف10.
يمكن القول إنّ ظروف حرب العراق عام 0032، جعلت من سورية ممرًا آمنًا للجهاديين إلى العراق. وتشير الكثير من الدلائل إلى أنّ النظام السوري اعتبر تدفق الجهاديين مصلحة حقيقية تتمثل في محاربة القوات الأميركية في محاربة الجهاديين وتنظيم القاعدة في العراق. يضاف إلى ذلك أنّ الولايات المتحدة الراغبة آنذاك في تحقيق الاستقرار الأمني في العراق كانت مضطرة إلى فتح قنوات اتصال وتعاون مع النظام السوريّ لتحقيق ذلك. استثمر النظام السوريّ ورقة القاعدة والجهاديين بشكل جيد في العراق في الفترة 008-20052 للخروج من عزلته الدولية المفروضة عليه؛ فالتضييق على حركة الجهاديين وضبط الحدود والتعاون الاستخباراتي كان الثمن المقابل لتخفيف الضغوط الأميركية عليه11. وقد أدى ذلك إلى افتراق المصالح بين تنظيم القاعدة والنظام السوريّ، فانتقل الأخير بنظر الجهاديين وتنظيم القاعدة من عدو مسكوت عنه، إلى عدو تتعين مواجهته. ضمن هذا السياق، شهدت العاصمة السوريّة دمشق في 27 أيلول/ سبتمبر 0082 تفجيرًا انتحاريًّا استهدف مجمعًا للفروع الأمنية في منطقة القزاز12. وقد اتهمت السلطات السورية مجموعة جهادية تابعة لتنظيم القاعدة بالوقوف وراء هذه التفجيرات13. لقد تركت التجربة العراقيّة تداعياتها المباشرة على التيار الجهادي في سورية؛ إذ ساهمت في خلق جيل جديد من الجهاديين السوريين. كما برزت خلالها أسماء عناصر قياديّة سورية من أبرزها خالد سليمان درويش الملقب ب "أبو الغادية السوري"14. أما على صعيد المقاتلين (المجندين) في العراق، فقد جاء السوريون في المرتبة الثانية من حيث العدد، وبنسبة بلغت %13 من إجمالي عدد الجهاديين هناك، وذلك بحسب إحصاءات نشرت في المنتديات الجهادية عام 007.2 وقد عاد معظم هؤلاء إلى سوريّة بعد تراجع نشاط التيار الجهادي في العراق، وقد أسهموا بصورة ملحوظة في الثورة السورية15.
أولا: التقاء المسارات: سياق نشأة جبهة النصرة
طرح نجاح الثورات العربيّة في تونس ومصر واليمن عام 0112 ونهجها المرتكز على الحراك الشعبي "السلمي" إشكاليات بالنسبة إلى الحركات الجهاديّة، ولا سيما حول الأسلوب والطريقة الواجب اتباعها لتحقيق التغيير؛ فمفهوم "الجهاد" العنفي الذي وضعته هذه الحركات في قلب أولوياتها كأيديولوجيا ثورية انقلابية تهدف إلى إطاحة الأنظمة الاستبدادية "الجاهلية" فقد حججه ومبرراته بعد نجاح الحراك الشعبي "السلمي" في تحقيق التغيير16.
لقد أدت ثورات الربيع العربي إلى احتدام الجدل والنقاشات الفكريّة ضمن أوساط التيار الجهادي السلفيّ وتنظيم القاعدة بشأن مركزية التنظيم أو لامركزيته17 وكذلك بشأن التركيز على النشاط "الشعبي" بدلً من النخبويّ، وبخاصة بعد بروز ظاهرة "الأنصار" مثل جماعة أنصار الشريعة في تونس، وجماعة أنصار الدين في مالي. لكنّ التغيّ ات
التي طرأت على مسار الثورات العربيّة والاتجاه إلى العسكرة كما جرى في ليبيا وسورية، أعادت الحركات الجهاديّة وتنظيم القاعدة إلى واجهة الأحداث، وأعادت الزخم لمفهوم "الجهاد العنفي" والطروحات الأممية الأخرى. لم تكن الحركات الجهاديّة مهتمة بالثورة السورية عند انطلاقتها أو في مرحلة الاحتجاجات السلميّة كونها تعتمد "تقليد" الثورات العربية الأخرى في أدواتها ونهجها، والأهم في أهدافها الديمقراطية، وهو ما لا يتوافق مع أفكار الحركات الجهاديّة ونهجها. يصف عبد الله بن محمد في كتيبه إستراتيجية الحرب الإقليمية على أرض الشام18 ما يسميه التقاء المسارات الذي حصل بين الحركات الجهادية والثورة السوريّة، بالقول "فالشعوب العربية عبر رحلتها المفيدة والمريرة طوال العام الماضي وتطور أفكارها وانتقالها بالتقليد والمواءمة وصلت في إحدى أهم ثوراتها وأكثرها حساسية وجذبًا للأنظار والاهتمام الإقليمي والدولي إلى نقطة الالتقاء مع المسار الذي اختاره التيار الجهادي وتنظيم القاعدة على وجه الخصوص قبل ذلك بعقد ونيف بضرورة إسقاط هذه الأنظمة الفاسدة بالعمل العسكري القائم بذاته وإن اصطدم ذلك بمصالح الدول العظمى"19. لقد كان انتقال الثورة إلى العسكرة نقطة تحول مهمة بالنسبة إلى الحركات الجهاديّة، فقد كانت العسكرة بمنزلة الجسر الذي نقلها من فاعل "غير مرغوب" في مشاركته إلى فاعل "مُرَّحب به" في مواجهة عنف النظام الذي تصاعدت حدته وانتشرت رقعته. تأسيسًا على ذلك، بدأت الحركات الجهادية مرحلة "التعشيش" أو "البناء"؛ وذلك من خلال استطلاع البيئات الحاضنة للفكر الجهاديّ ومعرفتها من أجل التغلغل فيها، ومن ثمّ إرسال خلايا صغيرة إلى هذه البيئات أو تفعيل أخرى "نائمة"20. ثمة عامل آخر ذو أهمية كبيرة ساهم في إدخال الحركات الجهادية وإدماجها في معادلة الثورة، ويتمثل في إستراتيجية النظام؛ فقد خرج كثير من الجهاديين المعتقلين في السجون السوريّة بمراسيم العفو المتكررة التي دأب النظام على إصدارها منذ بداية الثورة21. مع بداية عام 0122 شهدت الثورة السورية تغيرًا جوهريًّا في مسارها باتجاه الكفاح المسلح كنهج رئيس في الصراع مع النظام وهو ما سيوفر معطيات تسمح بحضور الجماعات الجهادية وتشرعن وجودها وعملها ضمن صفوف الثوار، ومن أبرز هذه المعطيات22: اقتناع كثير من المحتجين بعدم جدوى النضال السلمي: تقاطع هذ الاقتناع مع طروحات الجماعات السلفية والجهادية بشأن عدم جدوى النضال السلمي، ما جعل حضورها يصبح شرعيًّا ومقبولً اجتماعيًّا، وبخاصة مع تزايد عدوانية النظام ووحشيّته23. وقد بررت وجودها بقاعدة فقهية وهي "دفع صائل العدو وأعوانه." غياب التدخل العسكري: أدى الشعور بالإحباط من المجتمع الدولي بموازاة ارتفاع حصيلة القتلى المدنيين إلى التحالف مع الجماعات الجهادية بوصفها فاعلً رئيسًا في محاربة النظام25. المجازر الطائفية: أسهمت المجازر الطائفية التي ارتكبها النظام في تنامي الخطاب المذهبي بين مؤيدي الثورة، ومن ثمّ، لم يعد التحفظ عن خطاب هذه الجماعات قائمًا كما كان في السابق. دعوات الجهاد: شهدت سوريّة بداية عام 0122 دعوات عدة "لإعلان الجهاد"، وبرزت في المظاهرات وفي وسائل التواصل الاجتماعي. واستغلت الحركات الجهادية هذه الدعوات لتشرعن وجودها. وقد تطرق المسؤول العام لجبهة النصرة أبو محمد الجولاني إلى ذلك في بيان الجبهة التأسيسي بالقول: "فتعالت
| أسس العمل | مقومات التنظيمات التقليدية | نظام عمل سرايا المقاومة |
|---|---|---|
| الـــــهـــــدف | إسقاط الحكومة وإقامة الحكومة الشرعية. | دفع صائل الغزاة وأعوانهم. |
| المــــنــــهــــج | فكر التنظيم الجهادي ومنهجه. | منهج دعوة المقاومة الإسلامية العالمية. |
| الـــقـــيـــادة | اإرألأمير المركزي والقيادة. | الإرشاد العام للسرايا العالمية. الأمير الخاص للسرية. |
| المـــخـــطـــط | برنامج عمل التنظيم. | مقاومة الاحتلال. |
| الــتــمــويــل | مصادر تمويل التنظيم وبرنامج إنفاقه. | التمويل الخاص بالسرية ومصدره الغنائم والتبرعات. |
| البيعة والعهد | بيعة مركزية للأمير. | عهد مع الله على الجهاد والمقاومة، وعهد على طاعة أمير السرية. |
أصوات النداء لأهل الجهاد، فما كان منا إلا أن نلبي النداء ونعود لأهلنا وأرضنا من الشهور الأولى لاندلاع الثورة"26. مهّدت جميع المعطيات السابقة الطريق للإعلان عن تأسيس "جبهة النصرة"، والتي أصدرت بيانها التأسيسي في 24 كانون الثاني/ يناير 012.2
ثانيًا: هل النصرة تنظيم جهادي تقليدي؟
1. المرجعيات الفكرية
تتعدد المرجعيات الفكرية والأدبيات الجهادية لجبهة النصرة، إلا أنّ كتابات "أبو مصعب السوريّ" وأفكاره تعتبر "مركزية" بالنسبة إليها، ونذكر أهم هذه الكتب: كتاب دعوة المقاومة الإسلاميّة العالمية، وينظِّر فيه لما يسميه "الجيل الثالث من الجهاديين." كتاب ملاحظات التجربة الجهادية في سوريا، ويقيِّم فيه التجارب الجهادية السابقة في سورية لا سيما تجربة الطليعة المقاتلة والإخوان المسلمين27. أهل السنة في الشام في مواجهة النصيرية والصليبية واليهود كتاب، يقدِّم أبو مصعب السوري رؤيته لما يعتبره "كفر" النظام السوري، ويحدِّد فيه ما يعتبره "أعداء" المشروع الجهادي في سورية وهم: اليهود الصهاينة، والعلويون، والشيعة، والدروز28. وتجدر الإشارة إلى أنّ اسم جبهة النصرة مأخوذ من أحد النداءات التي يوجهها في نهاية هذا الكتاب "من الشام المباركة في مطلع الستينات كانت بداية انطلاق الجهاد، وفيها ازدهرت في الثمانينات، وإليها تعود فالنصرة النصرة يا إخوة الجهاد اليوم إن شاء الله، "29. يعتبر أبو مصعب السوري أنّ أسس بناء التنظيمات الجهادية التقليدية ومقوماتها لم تعد صالحة في ظل المتغيرات الدولية، وأنّ الفكر الجهادي لا بد له من اجتراح أساليب تنظيمية. لذلك يطرح فكرة "سرايا المقاومة الإسلامية العالمية" والتي تقوم على أساس الجهاد الفردي أو المجموعات الصغيرة، وليس على أساس التنظيم المركزي30. ويقارن السوريّ بين مقومات التنظيمات التقليدية ومقومات نظام عمل "السرايا" وفق الجدول أعلاه31. يفيدنا استعراض هذه الأفكار في فهم كيفية تبلور جبهة النصرة وآلية عملها؛ فالمجموعات الجهاديّة الصغيرة والتي نشطت في الثورة أواخر عام 0112 (التي انتظمت في جبهة النصرة) لم تكن ترتبط بتنظيمات
جهاديّة معروفة ولم تعلن تبعيتها وولاءها إليها بل كانت عبارة "سرايا جهادية" تجتمع حول "فكرة" الجهاد والدعوة، وهدفها مقاومة قوات النظام "صائل الغزاة." وبناء عليه، يمكن القول إنّ النصرة لم تكن تنظيمً جهاديًا تقليديًا بقدر ما كانت وعاء يجمع هذه السرايا المتشابهة فكريًا وأيديولوجيًا ويطوِّر بنيتها التنظيمية، ويرفدها بعناصر ومنتسبين جدد، لتشكيل "جبهة عريضة" تكون عنوان الجهاد ومقصد المجاهدين في سوريّة.
يمكن تلمّس ذلك بوضوح في بيان الجبهة التأسيسيّ؛ فالجولانيّ لم يعلن عن قيام إمارة إسلامية أو دولة على غرار ما فعلت التنظيمات الجهاديّة في العراق، وفي شمال ماليّ، وإنما أعلن "تشكيل جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد." كما تجنّب الجولانيّ إعلان الولاء والتبعية لتنظيم القاعدة أو أي تنظيم جهاديّ آخر "إقليمي" مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق الذي أسهم في نشأة النصرة وإمدادها بالرجال والمال. وقد استمرت النصرة في اتّباع هذا المسار حتى تاريخ 01 نيسان/ أبريل 0132 عندما أعلن أبو بكر البغدادي عن حل الجبهة، وإدماجها في تنظيم واحد سماه "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، ورفضه الجولاني. ونرجّح أنّ إعلان الجولاني البيعة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري كان بمنزلة "المخرج الوحيد" للنصرة في مواجهة دعوة البغدادي، ومهربًا للجولاني من استنساخ الدولة الإسلامية في العراق في الحالة السوريّة32. يؤكد الشيخ محمد عبد الله نجيب سرور33هذا الأمر، ويذكر نقلً عن قيادات في النصرة "أنّ لدى الجولانيّ استيعاب لخصوصية بلاد الشام وتمايزها عن الساحات الجهادية الأخرى، وأنّ لدى النصرة مرونة في تطبيق المصالح والأحكام الشرعية، كما أنها لا تسعى لأخذ البيعة أو فرض سيطرتها على باقي الكتائب، وأنّ الجولاني سعى لإنشاء "مجلس شورى المجاهدين" لمنع حصر قيادة الجبهة بشخص واحد هو "الأمير" على التنظيمات الجهادية التقليدية"34.
2. البنية التنظيمية للجبهة
أما في ما يتعلق بالهيكلية التنظيمية العسكرية لجبهة النصرة، فهي كالآتي: المجموعات: تتألف من -1525 شخصًا، يقودها ويسيّ العمل العسكري فيها أمير عسكري، ويميز رقم محدد كل مجموعة. تؤخذ البيعة من قبل أفراد المجموعة لأميرها. وتعني البيعة الطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر من دون نقاش35. السرايا: لها مسميات مختلفة، ويتراوح عددها بين 00-1002 شخص، يقودها شخص يطلق عليه اسم "الأمير الميداني"، ويشرف على عمل المجموعات التابعة بحسب التقسيم المناطقيّ، ويحاسب أمراء المجموعات على أعمالهم بحيث لا يكون هناك مجال للارتجال أو التعسف37. تؤخذ البيعة للأمير الميداني من أمراء المجموعات، ويتمتع الأمير بهامش حريّة في اتخاذ القرارات بما يلائم تطورات الميدان، باستثناء العمليات الكبرى التي تعود إلى أمراء الأقاليم38. أمراء الأقاليم: بعضهم من العرب، وهم مسؤولون عن العمل العسكري والإغاثي والدعوي على مستوى المحافظات. يتمتع أمراء الأقاليم بصلاحيات عسكريّة واسعة، باستثناء القرارات الجوهريّة والمهمة؛ فهم بحاجة للرجوع إلى مجلس شورى المجاهدين بشأنها. مجلس شورى المجاهدين: يتألف من 12 عضوًا من أبرزهم الجولاني والظواهري (عضو مراقب) والبغدادي، و"أبو علي العراقي" و"أبو محمد العدناني" و"أبو مارية العراقي"، وغيرهم39.
3. الانتساب للنصرة
إنّ باب الانتساب إلى جبهة النصرة ليس مفتوحًا للجميع؛ إذ إن الجبهة تتبع إحدى طريقتين في تنسيب الأعضاء الجدد (الأنصار) إليها: الأولى: الترشيح والتزكية: ويشترط في المرشح أن يلتزم بدروس الإعداد الديني والتوجيه الجهادي لفترة لا تقل عن شهرين، وأن يحظى بموافقة الدعاة في منطقته. بعدها، يجب أن يحصل على تزكية من عضوين في الجبهة يشهدان بالتزامه وانضباطه. ثمّ تجرى له اختبارات قتاليّة لإرساله إلى الجبهات أو إخضاعه للتدريب مؤقتًا. الثانية: الاختيار: نتيجة لسمعتها القتالية وحضورها الواسع، كان الانضمام لجبهة النصرة يعتبر هدفًا وغاية بالنسبة إلى كثير من المقاتلين؛ فعلى سبيل المثال كان يوجد بالقرب من دارة عزة في حلب معسكر يسمى حاليًا معسكر الشيخ سليمان، وكان مخصصًا للبحوث العسكرية سابقًا، وتجرى فيه دورات عقائدية وعسكرية، ويخرِّج أسبوعيًا عشرات المقاتلين. وعند التخرّج كانت النصرة تنتقي نخبة المقاتلين وتختارهم للانضمام إليها40. وهناك منتسبون آخرون للنصرة من "المهاجرين" العرب والأجانب الذين يؤمنون بالفكر الجهادي، والذين خبروا القتال في ساحات "جهادية" أخرى.
4. مصار التمويل
على الرغم من وجود مصادر تمويل شبه دائمة للجبهة تأتي من التبرعات أو من التنظيمات الجهادية، فإنّ هذه المصادر بحكم وظائف الجبهة العسكريّة والإغاثية والخدمية تشكل جزءًا بسيطًا من تمويلها فحسب41. فالجبهة تعتمد بشكل رئيس في التمويل على الغنائم؛ فقد تشترط قبل المشاركة مع فصائل المعارضة الأخرى في أي معركة "حصة الأسد" من الغنائم. لقد حصل ذلك أثناء مهاجمة الثكنات العسكريّة كافة في الشمال السوريّ، مثل قاعدة الشيخ سليمان والفوج 64 وخان طومان وغيرها، ما جعلها الفصيل العسكري الوحيد في سورية الذي لا يشكو شحَّ الذخيرة42. إضافة إلى ذلك، وضعت الجبهة يدها على صوامع الحبوب في حلب، وتولت حماية المصانع فيها، فحصلت من التجار الخائفين على مصانعهم من السرقة والنهب على مقابل مادي، كما سيطرت على عدة آبار للنفط في المنطقة الشرقية واستخدمتها في تمويل نشاطاتها. وأقامت مشاريع خدمية مثل مشروع "باصات النقل العام" في حلب وريفها والتي عادت على الجبهة بمردود مالي كبير.
ثًالث ا: جبهة النصرة: التغلغل والانتشار
يعبِّ التغلغل السريع والانتشار الواسع لجبهة النصرة في سوريّة، وبخاصة في المنطقة الشمالية، عن تخطيط مدروس من قبل الجبهة نجحت في تطبيقه بذكاء مستغلة ظروف الثورة ومسارها. بعد مرحلة التأسيس وإنشاء قواعد الارتكاز التي أوضحناها سابقًا، بدأت مجموعات من النصرة أواخر عام 0112 بمشاركة الجيش السوري الحر في المواجهات43. نشرت الجبهة مقاتليها على جميع الجبهات الساخنة في ريف حلب وإدلب، وقد استطاع هؤلاء اكتساب احترام مقاتلي الجيش الحر الذين رحبوا بتولي هؤلاء الجهاديين خط الاشتباك الأول مع النظام، نظرًا لقدرتهم على الثبات والصمود وإلحاق خسائر كبيرة بقوات النظام44. ومع تدفق المقاتلين العرب والأجانب، وزيادة انتساب السوريين، انتقلت الجبهة إلى توسيع نشاطها القتالي وتفعيله في عموم ريف حلب، واختارت بعناية مواقع تمركزها بالاستناد إلى نقطتين: أولاهما، الثكنات العسكرية الكبيرة، والقواعد العسكرية الحصينة في ريف حلب الغربي مثل الفوج 64 في منطقة الأتارب؛ إذ استطاعت الجبهة مع كتائب أخرى السيطرة عليه في 91 تشرين الثاني/ نوفمبر 0122 وغنمت كميات كبيرة جدًا من الأسلحة والذخيرة45، وقاعدة الشيخ سليمان التي سيطرت عليها كتيبة المهاجرين التابعة لجبهة النصرة، واستولت على آليات عسكرية ودبابات وكميات كبيرة من الذخيرة46.
وبسيطرتها على هذه الكتيبة - التي تحولت كما أشرنا إلى معسكر تدريب للمقاتلين - فرضت النصرة وجودها في منطقة مهمة جغرافيًا وتعتبر نقطة التقاء بين محافظتي حلب وإدلب. والنقطة الثانية، اختيار مناطق في الريف الشرقي من أجل التغلغل فيها، وكسب رضا الأهالي عبر المساعدات والإعانات، والمساعدة في "تحريرها" من قوات النظام. وتعتبر منطقة الباب أهم مناطق وجود النصرة في الريف الشرقي، فقد استطاعت نتيجة انتشارها في هذا الريف السيطرة على ثكنات عسكرية مهمة مثل كتيبة الصواريخ والرادار في قرية الطعانة، وكتيبة الصواريخ في تل حاصل بالقرب من السفيرة، وحصار معامل الدفاع في السفيرة بريف حلب الشرقي. منح انتشار جبهة النصرة في ريفي حلب الغربي والشرقي القدرة على التحكم بخطوط الإمداد والتموين بين تركيا وحلب، ما جعل التعاون والتنسيق معها غاية كل الكتائب العاملة في حلب وريفها في ظل الحاجة إلى التسليح والتمويل. كما ساعد الانتشار والتغلغل في ريف حلب الشرقي مقاتلي الجبهة على التمدد شرقًا باتجاه مدينة الرقة، والقيام منذ شباط/ فبراير 0132 بسلسلة عمليات عسكريّة بالاشتراك مع الجبهة الإسلامية السورية، وبخاصة حركة أحرار الشام، ونجحت خلالها بالسيطرة على مناطق إستراتيجية مثل سد تشرين وسد الفرات في مدينة الطبقة، وانتهت بالسيطرة على مركز مدينة الرقة. وبذلك تمكنت الجبهة من وضع يدها على أهم المرافق الإستراتيجية في سورية في المنطقتين الشمالية والشمالية الشرقية. أما في دير الزور فقد دخلت النصرة إلى المدينة بعد عام من اندلاع الثورة. يقول عضو مجلس ثوار دير الزور فيصل أبو سعود "دخلت النصرة إلى المدينة عندما هُيّئت لها الأجواء باشتداد الصراع المسلح وقلة الدعم الذي يحصل عليه الثوار، فكان ثوار المدينة كالغريق الذي يتعلق بقشة بعد أن تخلى الغرب والعرب عنهم. لقد أحدث دخول جبهة النصرة على خط القتال فارقًا نوعيًا في قتال قوات النظام. بعد ذلك أصبحت عنوانًا لكثير من المقاتلين في المدينة الذين انضموا من أعضاء جبهة النصرة في المدينة"47إليها، فأصبحوا يشكلون %80. على عكس الانتشار السابق الذي فرضه مسار الأحداث على الأرض، جاء الانتشار في جبال اللاذقية وفي ريف حماه الغربيّ وقرى إدلب القريبة من الساحل مدروسًا لغايات تعتبرها الجبهة إستراتيجية على المدى البعيد أكثر مما هي راهنة. لقد بدأ انتشار الجبهة في منطقة جبل الأكراد في اللاذقية منذ آذار/ مارس 0122، على يد أعضاء في الجبهة ينتمون إلى محافظة اللاذقية (أنصار)، ورافقهم عدد من المقاتلين العرب والأجانب (مهاجرون.) يذكر أبو سليمان السوري أحد جنود جبهة النصرة في محافظة اللاذقية ما يلي "بعد أن توطنت في جبل الأكراد، انتقل الجزء الأكبر من مقاتلي الجبهة إلى جبل التركمان، وقد كان هذا الانتقال ضروريًا لقناعة الجبهة أنّ النظام قد يضطر إلى إقامة دولة علوية في الساحل، وبالتالي لا بد من تطويق جبال "العلويين" لإحباط قيام هذه الدويلة، ويتحقق للجبهة هدف مرحلي يتمثل بقصف القرى العلويّة، والرد على "اعتداءاتهم" على أهل السنة في اللاذقية وفي عموم سورية"48. ساهم عامل آخر في تغلغل جبهة النصرة وتعاظم نفوذها، ويتمثل بعلاقاتها مع المجتمعات المحلية التي تنتشر فيها. لقد حرصت النصرة بداية تشكلها على عدم الاختلاط بالمدنيين ما أمكن، خشية حصول احتكاكات ومواجهات بين المدنيين وعناصرها، وخشية اختراق مجتمع المدينة لمقاتليها في سلوكياتهم وطباعهم. لكن بعد دخولها إلى حلب وانتشارها في مدن الريف وقراه اضطرت للاختلاط بالمدنيين والاحتكاك بهم. ولتجنّب تجربة العراق، حرص مقاتلو النصرة على عدم استفزاز المدنيين، والعمل على استرضائهم، وتأمين حاجاتهم، ما اضطر الجبهة إلى القيام بدور خدمي في المناطق التي خرجت عن سلطة الدولة، مثل توزيع عبوات الغاز، والمحروقات، وتأمين الطحين اللازم للمخابز، وتنظيم السير وغيرها. استطاعت الجبهة التمايز عن باقي ألوية المعارضة وكتائبها في ما يتعلق بالعلاقة مع المجتمعات المحلية التي تتنشر فيها من أجل تأمين "الاستقرار الأمني" وحاجات الناس. وابتعدت عن سلوكيات الحركات الجهادية التقليدية مثل تطبيق الحدود الإسلاميّة، انطلاقًا من اجتهاد فقهي ينص على أنه "في الحروب لا تطبق الحدود"49. وبناء عليه، فإنّ النصرة لم تظهر تجاهلً متعمدًا للحياة البشرية، فهي لم تنشر
مقاطع توضح تطبيق الحدود أو قطع الرؤوس والأيادي والإعدامات بحق المدنيين51.
رابعًا: العلاقة مع الكتائب
ناا عن إنشاء جبهة النصرة بداية عام عند الإع 0122، لم تكن التشكيلات المقاتلة قد تبلورت بوصفها بنية تنظيمية ذات هيكلية واضحة كما هو الحال الآن، وكان العمل المسلح بأغلبيته يعتمد على كتائب أهليّة في القرى والمناطق تعمل تحت يافطة الجيش الحر. منعت النصرة - عند تأسيسها - مقاتليها من الاختلاط والتواصل والتنسيق مع كتائب الجيش الحر لأسباب عدة تتعلق بضبابية خارطة العمل المسلح وتشرذمه، ونظرتها السلبية تجاه مقاتلي الجيش الحر فهؤلاء بحسب الجبهة فيهم "مروق"، وليس لهم ضوابط دينيّة وأخلاقية (كونهم يدخنون، ويشتمون، ويقولون الألفاظ البذيئة، ولا يلتزمون بالصلاة، وغير ذلك)، ويفتقرون إلى أدبيات التربية والتنشئة الجهاديّة52. تغيّ الواقع السابق مع اتساع المواجهة واشتدادها بين قوات النظام وكتائب الثوار؛ إذ استطاعت الأخيرة بحكم معرفتها بجغرافية المناطق التي توجد فيها وطرق الإمداد وطريقة قتال الجيش النظامي، تحقيق انتصارات مهمة على الأرض، فرضت على الجبهة تغيير طريقتها، والانتقال إلى التنسيق مع هذه الكتائب. أحدث التعاون بين الجبهة والجيش الحر فارقًا نوعيًا في عمليات كتائب الثوار وانتصاراتهم؛ فالثوار كانوا يطلبون قبل كل عملية مشاركة جبهة النصرة، والتي ترسل لهم بدورها "انتحاريًا" أو سيارة مفخخة تنفجر في النقطة المستهدفة ومقاتلين يتصدرون الصفوف الأمامية للمواجهة، ويُقتل الكثير منهم، فيما يكون دور كتائب الثوار مساندًا ومكملً لما بدأته النصرة53. لقد تصرفت كتائب الثوار بانتهازية مع الجبهة في بداية الأمر من أجل تحقيق انتصارات سريعة تحقق لهم غنائم تفيدهم في الحصول على السلاح والذخيرة من دون تضحيات أو مجهود حقيقي، الأمر الذي ساهم في "أسطرة" جبهة النصرة، وربط الانتصار بمشاركتها، حتى إنّ معارك ألغيت أو أوقفت لأنّ الجبهة رفضت المشاركة فيها أو الالتحاق بها54. ونتيجة لذلك، أصبح التقرب من جبهة النصرة والعمل معها كما ذكر قائد حركة أحرار الشام حسان عبود "خيارًا إستراتيجيًا لكل فصيل على الأرض لأنهم أشداء وعندهم بسالة وعندهم ثبات في المعارك"55. وقد استغلت النصرة هذه "الأسطرة"، وبدأت في أواخر عام 0122 تفرض شروطها على الكتائب قبل المشاركة في العمليات كحصولها على النسبة الكبرى من الغنائم العسكريّة56. توصِّف أغلبية الكتائب (لواء التوحيد، وألوية صقور الشام، والجبهة الإسلامية السوريّة) علاقتها بجبهة النصرة بأنها "جيدة"، على الرغم من الاختلاف في المشروع السياسيّ، ونادرًا ما حصل خلاف أو صدام عسكري بين النصرة وأحد التشكيلات الرئيسة ما عدا كتائب الفاروق، وبعض العشائر في منطقة دير الزور. وعلى الرغم من انفتاح النصرة على أغلبية الكتائب، فإنها تجد نفسها أقرب للتعاون والتنسيق مع حركة أحرار الشام، وباقي فصائل الجبهة الإسلامية السوريّة57 لأسباب عدة منها: التقارب الفكري والم وررع السياسي؛ إذ تتطابق أفكار الجبهة ومشروعها السياسي مع حركة أحرار الشام في ما يتعلق بإقامة الدولة الإسلامية، وتختلفان حول التوجه "الأممي" للجبهة58. الانضباط التنظيمي: تعتبر حركة أحرار الشام من أكثر التشكيلات المسلحة في سورية تنظيمً وانضباطًا، وتتشابه هيكليتها التنظيمية إلى حد كبير مع جبهة النصرة. ومنح هذا التنظيم الحركة فاعليّة كبيرة في المواجهات مع النظام، لذلك تميل النصرة إلى التنسيق معها في أغلبية المعارك59.
أما علاقة النصرة مع جبهة تحرير سوريّة الإسلاميّة التي أعلن عن تشكيلها في 12 أيلول/ سبتمبر 0122، فتختلف بحسب كل فصيل من مكونات هذه الجبهة؛ فعلى سبيل المثال، قامت النصرة بالتعاون مع حركة أحرار الشام بتشكيل غرفة عمليات مشتركة ومع ألوية صقور الشام لتحرير مطار تفتناز بداية عام 0132، كما شاركت النصرة مع كتائب أخرى مثل حركة أحرار الشام ولواء التوحيد في معركة فك الأسرى لاقتحام سجن حلب المركزي، ونفذت سلسلة عمليات "انتحاريّة" في محيطه60. وفي دمشق وريفها، حصل تنسيق على مستوى عال بين جبهة النصرة ولواء الإسلام لصد هجوم النظام على جبهتي جوبر القريبة من العاصمة، والعتيبة والعبادة والقاسمية61. أما العلاقة مع كتائب الفاروق فقد كانت متوترة جدًا ووصلت في مرات عديدة إلى مرحلة الصدام المسلح والتصفية المتبادلة62.
خامسًا: انقسامات النصرة وظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام
في ظهرت تباينات جبهة النصرة إلى العلن 9 نيسان/ أبريل 0132 عندما ظهر شريط مسجل ل "أبو بكر البغدادي" أمير ما يسمى ب "دولة العراق الإسلامية"، أعلن فيه اندماج "جبهة النصرة لأهل الشام" و"دولة العراق الإسلامية"، وتأسيس ما سماه "الدولة الإسلامية في العراق والشام." ودعا البغدادي "المجاميع الجهادية" في العراق والشام، إلى التخلي عن أسمائها والانصهار في الدولة الإسلامية في العراق والشام64. في اليوم التالي 0(1 نيسان/ أبريل)، أعلنت مؤسسة المنارة البيضاء عن كلمة ل "أبو محمد الجولاني" تضمنت ما يلي65: نفى الجولاني علمه بقرار البغدادي في ما يتعلق بإعلان الدولة. ذَكّرَ الجولاني البغدادي، بأنه أعلن منذ تأسيس جبهة النصرة أن هدفها يتمثل "إعادة سلطان الله إلى أرضه، ثم النهوض بالأمة لتحكيم شرعه ونشر نهجه." ن وهّ الجولاني إلى أنّ إعلان "دولة الإسلام" يجب أن يشترك فيه جميع من شارك في الجهاد (من فصائل، وشيوخ معتبرين، ومهاجرين)، ومن دون إقصاء أي طرف. استخدم الجولاني لغة غير صداميّة لرفض دعوة البغدادي، وقال إنه يستجيب لدعوته "بالارتقاء من الأدنى إلى الأعلى"، بتجديد البيعة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري66، وطلب منه التحكيم في المسألة. برز هذا الخلاف إعلاميًا كحدث طارئ ومفاجئ؛ أي من دون أيّ مقدمات أو مؤشرات تمهد له، ما جعل الاهتمام الإعلامي والسياسيّ ينصب عليه بوصفه حدثًا وعلى تداعياته المحتملة. ولم يقدِّم أحد - في المنتديات الجهاديّة أو في وسائل الإعلام الأخرى - تفسيرًا يوضح أسباب الخلاف. وحاولنا استقصاء أسباب الخلاف ومعرفته من خلال شهادات ومقابلات عدة أجريناها مع أعضاء في جبهة النصرة، ومع شخصيات مقربة منها أو على دراية ومعرفة ميدانية وسياسية بالجبهة. يشرح أبو عبيدة المصري قائد جيش محمد في مدينة إعزاز أسباب الخلاف بين الجولاني والبغدادي67، بالقول: "بدأت الخلافات تدب بين الجولاني والبغدادي عن طريق أتباع البغدادي الذين سلطهم لمراقبة الجولاني وتصرفاته وجعلهم وصاة عليه وبخاصة المدعو "أبو علي العراقي"، الذي كُلِّف بمراقبة الجولاني وإيصال رسائله للشيخ أيمن الظواهري. بدأ العراقي فرض آرائه على الجولاني وأحدها - على سبيل المثال - عرض تفجير مقر الائتلاف الوطني في تركيا، وهو ما رفضه الجولاني. ومن هنا بدأ يشعر أتباع البغدادي أنّ الأمر يخرج من أيديهم وأنّ الجولاني سيخلعهم بمرور الوقت. بعث اثنان من المقربين
للبغدادي رسالة قالوا فيها (سيفعل الجولاني معك كما فعل بيبرس بقطز)، فجنّ جنون البغدادي وقرر جمع مجلس الشورى باستثناء خمسة أعضاء من أرض الشام، منهم الجولاني، وناقشهم في كيفية التصرف مع الجولاني وطُرحت مسألة إعلان الدولة." يضيف محمد الأمين68 أسبابًا للخلاف بين الجولاني والبغدادي تتمحور حول رفض الجولاني تكرار أخطاء تجربة العراق، والتي يراها البغدادي ضرورية لفرض سلطان الله وتحكيم الشريعة. ومن هذه الأسباب: التوسع في التكفير واستباحة دماء من خالفهم. الاستهتار بحياة المدنيين أثناء العمليات؛ إذ إن أغلب المهاجرين كانوا يفضلون العمليات الانتحارية كأسلوب للقتال، وهو ما قيّده الجولاني. الاستكبار على الآخرين وإلزامهم بيعة أمير مجهول، واعتبار أنّ من لا يبايع الجبهة يعد خارجًا عن سلطان الله، وهو اتجاه كان يدفع به البغدادي. التعاون مع الآخرين: كان البغدادي يتحفظ من طريقة عمل الجبهة عندما كانت تخوض معاركها بالاشتراك مع فصائل أخرى إسلامية أو من الجيش الحر، ويعتبر البغدادي أنّ هذا الأسلوب سيقوّي هذه الفصائل التي قد تحارب الجبهة في المستقبل. الإشراف على المناطق المحررة: كان البغدادي يطالب ببسط سلطة الجبهة على المناطق المحررة كافة وتسخير مواردها والضرائب المفروضة عليها والغنائم لخدمة المشروع الجهادي. بعد إعلان البغدادي عن الدولة الإسلامية في العراق والشام وعن دمج التنظيمين، ومن ثم رفض الجولاني للدمج، حصلت انقسامات داخل جبهة النصرة؛ إذ إنّ أغلبية المقاتلين الأجانب (المهاجرون) رحبوا بإعلان الدولة وبايعوا البغدادي أميرًا، فيما قرر قسم من السوريين (الأنصار) عدم الانضمام للتنظيم الجديد، فمنهم من بقي مبايعًا للجولاني، ومنهم من تخوف من البيعة للظواهري، فانسحب وانضم إلى فصائل إسلامية سورية مثل أحرار الشام التي استقبلت كثيرًا منهم69. حاولت قيادات النصرة تجنب الوقوع في مصادمة مسلحة مع أنصار البغدادي، وفضلت انتظار تحكيم الظواهري لأنها كانت مقتنعة أنه سيأتي لمصلحتها، وهو ما حصل بالفعل؛ إذ أصدر الظواهري بيانًا ألغى فيه الدمج، وأبقى الجولاني في منصبه "مسؤولً عامًا" لجبهة النصرة في الشام70. لم يقلص بيان الظواهري الخلافات والصدامات، فأتباع البغدادي شككوا في بيانه عند إعلانه واتهموا النصرة بتزويره، وقد وصف هؤلاء الجولاني وأنصاره بأنهم "ليسوا موطن ثقة." وحتى بعد نشر المنتديات الجهادية بيان الظواهري وتأكيده، رفض البغدادي ما جاء في رسالة التحكيم؛ فقد بثت مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي كلمةً للبغدادي في 15 حزيران/ يونيو 2013 71، تضمنت ما يلي: ردَّ البغدادي على النقاش في المنتديات الجهاديّة حول (المصالح والمفاسد) في خطوة إعلان الدولة، وبخاصة أنّ كثيرًا من المنظرين الجهاديين مثل أبو بصير الطرطوسي اعتبروا خطوة إعلان الدولة فيها من المفاسد ما يفوق المصالح، وهي الحجة ذاتها التي قدَّمها الجولاني عند رفضه لها72. في نبرةٍ من التحدي والإصرار، أعلن البغدادي عن بقاء الدولة الإسلامية في العراق والشام وبأنه لن يتنازل عنها73. رفض البغدادي رسالة الظواهري بفض الاندماج، واعتبر أنّ عليها مؤاخذات شرعية ومنهجية، وأنه اختار ما بين أمر الله والمخالف لأمر الله، فاختار الأول المخالف لرسالة التحكيم. وبهذا الإعلان توسع الشرخ بين الجبهة وتنظيم الدولة، وبدأ كلا الطرفين بالعمل على تعزيز مواقعهما ميدانيًا، ومحاولة جذب عناصر كل تنظيم إلى الآخر. ويمكن تلخيص تبعات الانقسام ميدانيًا بالآتي: تراجع حضور جبهة النصرة في حلب المدينة باستثناء بعض المواقع في بستان القصر، ومحيط سجن حلب المركزي، ويكاد ينعدم
في الريف الحلبي بعد أن استولى أنصار البغداديّ على جميع مقرات الجبهة ومكاتبها، وطردوا من بقي تحت راية الجبهة. وعلى الفور، أعلن تنظيم الدولة عن إلحاق المناطق والمدن التي سيطر عليها بالإمارة الإسلاميّة، وأجبر الناس والكتائب على مبايعة البغداديّ أميرًا عليهم. ورث تنظيم الدولة جبهة النصرة بشكل كامل في مدينة الرقة، ولم يبق للنصرة أي وجود فيها، حتى إنّ مقاتليها الذي رفضوا مبايعة البغدادي انضموا إلى حركة أحرار الشام الموجودة هناك أو احتموا بها. استطاعت جبهة النصرة أن تحافظ على وجودها وحضورها في ريف إدلب بسبب الحمايّة التي وفرتها لها حركة أحرار الشام، والتي منعت أنصار البغدادي من تكرار ما حصل في حلب من اقتحام للمقرات والمعسكرات وإجبار منتسبي النصرة على الانضمام للتنظيم الجديد. انقسمت النصرة بحدة في دير الزور، وقد أدى وقوف المسؤول الشرعي للنصرة "أبو مارية العراقي" (الموجود في المدينة) مع الجولاني إلى منع تلاشي جبهة النصرة لصالح البغدادي. أما في الريف، وبخاصة في مدينتي الميادين والبوكمال القريبتين من العراق، فتنظيم الدولة هو الأكثر حضورًا في تلك المناطق. أنصار البغدادي في اللاذقية هم الأغلبية، وقد تراجع حضور جبهة النصرة هناك؛ إذ تفرّق مقاتلوها بين الكتائب. لا تزال النصرة موجودة في دمشق وريفها لأنّ أميرها "الشيخ أبو سمير" رجع عن بيعته للبغدادي، وبايع الجبهة من جديد. في حوران انضم قسم من أعضاء الجبهة إلى البغدادي، وانسحبوا من حوران إلى مناطق الشمال لدعم تنظيم الدولة. ولا تزال النصرة تحتفظ بتنظيم قوي هناك يقوده أبو أنس الحوراني.
الجهاديون مأزق الثورة
أقحمت الحركات الجهادية نفسها في مسار الثورة السوريّة، وأصبحت بحكم عوامل عدة أحد الفاعلين في المشهد السوريّ. وتعاملت القوى الثوريّة السياسية والمسلحة بقصر نظر مع هذه الحركات عندما غضت الطرف عن نشاطها وممارساتها، وفي بعض الأحيان عندما حاولت إدماجها في الثورة، أو التصدي لمنتقديها. تعاملت بعض قوى الثورة بانتهازية وبراغماتية مع موضوع الحركات الجهاديّة، بمعنى "دورها" في قتال قوات النظام، ما أدى إلى تزايد تغلغل هذه الحركات ونفوذها ميدانيًا. وقد تحولت بعض هذه الحركات كتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" في مراحل متقدمة عن قتال قوات النظام إلى قتال كتائب الثوار وطردهم من المناطق التي سيطروا عليها؛ إذ حصل ذلك في مدينة الرقة عندما قام تنظيم الدولة الإسلامية باستهداف مقرات لواء أحفاد الرسول التابع للجيش السوري الحر في مدينة الرقة منتصف آب/ أغسطس 0132، وفي مدينة إعزاز عندما سيطر التنظيم على المدينة بعد مواجهات مع لواء عاصفة الشمال التابع للجيش للحر منتصف أيلول/ 2 سبتمبر 013، وفي مناطق أخرى مثل قرية الدانا في ريف إدلب، والشدادي في ريف الحسكة. فرض وجود الحركات الجهادية مخاوف لدى شرائح كبيرة من السوريين، وبخاصة أنّ تنامي وجودها ترافق مع معطيات تخرج عن أهداف الثورة ورموزها مثل انتشار الرايات الإسلامية السوداء التي تشير إلى علم القاعدة، وظهور المحاكم الدينيّة الشرعية وانتشارها، وتصنيف الشعب السوري إلى "مؤمنين" (المسلمون السنة)، وأهل ذمة (المسيحيون)، ومرتدين كفار (العلويون)، بما لا يتوافق مع الشعارات الجامعة التي بلورتها الثورة السورية. يضاف إلى ذلك نوعية العنف الذي تمارسه الحركات الجهادية، ولا سيما العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة التي تعد من أساليبها القتالية، وتتجلّ نتائج هذا العنف المعنويّة الرمزيّة بالنسبة إلى منتسبي هذه التيّارات في القدرة على استهداف المقرّات الأمنيّة للنظام أو مرتكزات قوّته الرّئيسة، بيد أنّ نتائجه الماديّة كانت مقتل مئات المواطنين الأبرياء لأنّهم وُجدوا مصادفة في أماكن التّفجيرات. كما أدى الحضور الواسع لهذه الحركات في معادلة الثورة إلى تغيّ اتجاهات الرأي العام العالمي تجاه الثورة السوريّة من كونها قضية عادلة ضد الاستبداد إلى حرب أهلية يؤدي فيها الجهاديون دورًا مهمً. وقد قدَّم هذا الحضور "أدلة وبراهين" كان النظام بحاجة إليها لإثبات مقولته التي أطلقها في بداية الثورة - عندما كانت الاحتجاجات سلمية - بأنّ المحتجين هم "مجموعات سلفية إرهابية."