العلاقات المغربية الجزائرية: العقدة الجيوستراتيجية
الملخّص
تناقش هذه الورقة التنافس الجزائري المغربي على موقع الدولة المركزية في إقليم المغرب العربي، وتعرض إلى مراحل تاريخ الصراع الجزائري المغربي. وترى الورقة أنّ التنافس بين هذين البلدين العربيين الجارين حول موقع "الدولة المركزية" هو المتغير الرئيس (وليس الوحيد)، لتفسير توتُّر العاقات بين البلدين وانعكاسه على مسيرة اتحاد المغرب العربي. وترى الورقة أن كلً مظاهر الصراع بين البلدين ليست إلا تعبيراتٍ مختلفة يختفي كلها وراء هذا المتغير الرئيس. يضاف إلى ذلك أنّ التوازن النسبي في موازين القوى بين البلدين هو العامل الذي يفسر تمركز الخاف بين هاتين الدولتين من دون بقيَّة دول المغرب العربي؛ إذ إنّ تونس وليبيا وموريتانيا تدرك جيدًا أنّ كل ا منها لا تمتلك مؤهات احتال موقع "الدولة المركزية."
الإطار النظري
يخبرنا علماء الجيوستراتيجية بأنّ إحدى مشكلات الأقاليم السياسية في العالم هي التنافس الحادّ بين دول كلّ إقليم على احتلال موقع "الدولة المركزية" state Core في الإقليم، نظرًا إلى أنّ الوصول إلى موقع هذه الدولة يجعل كلّ تفاعلات العالم مع الإقليم تمرّ عبْ إرادتها، ويمكِّنها من تكييف كلّ تلك التفاعلات لمصلحتها. وكلما كان التفاوت في موازين القوى بين وحدات الإقليم السياسي أكبر، خَبَا التنافس لمصلحة القوة الكبرى، في حين يشتد أُوَار التنافس كلما كانت موازين القوى بين تلك الوحدات أكثر تقاربًا. وتتغذَّى مظاهر هذا التنافس - على الدولة المركزية بين القوى الإقليمية المتقاربة - على مجموعة من المتغيرات ذات الصبغة التاريخية أحيانًا، أو المعاصرة والمتجدِّدة أحيانًا أخرى، فتبدو تلك المتغيرات تبايناتٍ في الاختيارات الإستراتيجية لكلّ من أطراف المنافسة. وتُعدُّ منطقة المغرب العربي (ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا) إقليمً جيوسياسيًّا بهوية تاريخية تكرَّست عبْ قرون طويلة، وظهرت عبْ مراحله التاريخية المختلفة "دول مركزية" تنقلت بين الوحدات، طبقًا للبنية الجيوسياسية للإقليم في كلّ مرحلة، على أنّ المغرب الأقصى كان الأكثر حُظوةً بموقع المركزية في أغلب الفترات التاريخية. ومع استقلال دول المغرب العربي وانحسار الوجود الاستعماري المباشر، بدأت تظهر دعوات وحدوية، أو تكاملية بين هذه الدول، لكن مشكلات الحدود السياسية، وتباين التوجهات والخيارات الإستراتيجية، وتبعات الإرث التاريخي لكلّ وحدة من وحدات إقليم المغرب العربي، شكَّلت عوائق تحقيق النزوع الوحدوي أو التكاملي. وقد تمركزت أبعاد هذه العوائق في العلاقات المغربية الجزائرية، من دون أن ننفيَ دَور عوائق أخرى مساعدة، سنشير إليها على عجلٍ في ثنايا هذا البحث.
قاعدة الصراع على «الدولة المركزية»
أشرنا سابقا إلى أنّ التوازن النسبي بين البلدين في موازين القوى يجعل قبول أيٍّ منهما بموقع "أعلى" من الدولة الأخرى أمرًا متعذرًا في ظلّ طبيعة النُّظم السياسية وبنية النُّخب الحاكمة من ناحية، والصورة التاريخية التي تختزنها كلّ من الدولتين عن ذاتها وعن الدولة الأخرى من ناحية أخرى. وعليه فإنّ توازن القوى النسبي أو الكلِّ بين طرفين في إقليم جيوسياسي معيَّ، هو الذي يحدِّد قاعدة الصراع بينهما. وإذا عددنا ميزانَ القوى مجموعةَ المتغيرات المادية والمعنوية وفنّ إدارة هذه المتغيرات، فإنّ المقارنة بين كلّ من الجزائر والمغرب في هذه الجوانب تشير إلى توازن نسبي تتّضح ملامحه في المؤشرات التالية:
مؤشرات المتغيرات المادية للقوة في الدولتين
تدل أغلب المؤشرات المادية من خلال الجدول 1() على توازن نسبي يميل، إلى حدّ ما، إلى مصلحة الجزائر، وهذا الأمر يعزّز نزعة هذه الدولة إلى أن تكون هي "الدولة المركزية"، في الوقت الذي يرى فيه المغرب أنّ الإرث التاريخي لمنطقة المغرب كرَّس مركزيتها على حساب الوحدات الإقليمية الأخرى.
مؤشرات المتغيرات المعنوية
نتبيَّ من الجدول 2() أنّ كلتا الدولتين تحتلُّ مرتبةً متأخرةً 118( و 115) في المؤشر العامّ للديمقراطية، وأنّ الفوارق النسبية بينهما في مؤشرات الفعالية الحكومية، والحرِّيات المدنية، والثقافة، والمشاركة السياسية، ليست كبيرةً، وأنّ كلّ دولة تتقدَّم على الأخرى في بعض المؤشرات، وتتخلف عنها في مؤشرات أخرى؛ ما يعزّز التوازن النسبي بين الدولتين.
مؤشرات إدارة متغيرات القوة
إذا عددنا مقياس العولمة تعبيرًا عن فنّ إدارة متغيرات القوة المادية والمعنوية للدولة في نطاق البيئة الدولية، فإنّ النتائج تُعزِّز فكرة التوازن النسبي بينهما، على نحو ما يتضح ذلك من خلال الجدول .)3(وعلى الرّغم من أنّ في الجدول إشارةً إلى فارق في الترتيب الدولي، في مؤشر العولمة، لكلّ من الدولتين 103(و 65)، فإنّ كلتيهما تقع ضمن مجموعة الدول الضعيفة العولمة في المؤشر الكلِّ أو المؤشرات الفرعية، بخاصة الاقتصادية والاجتماعية، ولكنهما متقدمتان في مؤشّ العولمة السياسية؛ ما يؤكِّد ثانيةًالتوازن بينهما، فهما – الاثنتين - متخلِّفتان في المؤشرات نفسها، ومتقدمتان معًا في المؤشر السياسي نفسه. وتوضح المؤشرات السَّابقة أنّ الجزائر متقدمة على المغرب في أغلب المؤشرات المادية للقوة، في حين أنّ المغرب يتقدم على الجزائر في أغلب المتغيرات المعنوية، وفي مؤشرات العولمة أيضًا.
| المؤشِّ الدولة | إ. الناتج المحلي | عدد السكان | الدخل الفردي | اإلمساحة | ارلإنفاق الدفاعي | مؤشر التنمية البشرية)**( | معدل البطالة | الدين العامّ من الناتج المحلي)%( |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| الجزائر | 208 مليارات دولار | 38,5 مليونًا | 5404 دولارات | 2,381 مليون كم2 | 9,8 مليارات دولار | 0,698 | %9,7 | %8,9 |
| المغرب | 100,345 مليار دولار | 32,9 مليونًا | 2924 دولارًا | 446,55كم2 | 3 مليارات دولار | 0,582 | %8,9 | %56 |
| الحرِّيات المدنية | الثقافة السياسية | المشاركة السياسية | فعالية املحكومة | التعدّدية والانتخابات | الديمقراطية بحسب الترتيب الدولي | ممعدل الديمقراطية | |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 4,41 | 5,63 | 3,89 | 2,21 | 3 | 118 | 3,83 | الجزائر |
| 4,41 | 5 | 2,78 | 4,64 | 3,50 | 115 | 4,07 | المغرب |
| العولمة السياسية | العولمة الاجتماعية | العولمة الاقتصادية | مؤشر العولمة الكلي | الترتيب الدولي | المؤشِّ الدولة |
|---|---|---|---|---|---|
| 83,94 | 35,28 | 47,13 | 52,37 | 103 | الجزائر |
| 90,03 | 50,77 | 51,61 | 61,38 | 65 | المغرب |
إدارة الصراع على "الدولة المركزية" بين الجزائر والمغرب
تتمثَّل قاعدة إدارة ال اررع بالعمل على توظيف عناصر القوة لطرف ما؛ من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب أو أقلّ قدر من الخسائر، والعمل على زيادة عناصر القوة الذاتية من ناحية، وتعميق ثغرات الضعف لدى الخصم المقابل من ناحية أخرى. وعند النظر في طبيعة الصراع بين الجزائر والمغرب، فإنّ كلًّ منهما (في ظلّ فرضيتنا السَّابقة) يسعى لتعزيز قدراته الذاتية وتحالفاته الإقليمية والدولية، ليكرس مؤهلاته المطلوبة للدولة المركزية من جهة، ونقاط ضعف الآخر في الاتجاهات نفسِها من جهة أخرى؛ من أجل تقليص فُرص فوز الخصم بمكانة الدولة المركزية. وعلى هذا الأساس سنعمل على تحليل شبكة العلاقات الجزائرية المغربية على النحو التالي:
ملابسات العلاقات التاريخية وعُقدة الصحراء الغربية
من دون العودة إلى فترات التاريخ المختلفة، يستشعر المتأمل في أدبيات التاريخ السياسي لكلّ من الدولتين أنّ المغرب لديه إحساس عميق (بغضِّ النظر عن مدى صحة هذا الإحساس تاريخيًّا) بأنه من الناحية التاريخية كان مركزًا لمعظم الدول التي عرفها الإقليم، وخصوصًا الإسلامية منها، وأنه بقيَ نحو خمسة قرون، حتى بداية القرن العشرين في منأى عن السيطرة العثمانية والأوروبية (ماعدا جيوبًا ساحليةً سيطر عليها البرتغاليون والإسبان.) في حين ترى الجزائر نفسها نموذجًا للدولة الثورية الأكثر تجذرًا في المغرب العربي والقارة الإفريقية، ولا ترى في المغرب إلا تعبيرًا عن الدولة التقليدية التي هي في طريقها إلى الانقراض. ذلك يعني أنّ المغرب يستند إلى التقاليد التاريخية، في حين أنّ الجزائر تستند إلى التاريخ المعاصر؛ ليثبت كلّ منهما شرعية حقِّه في "الدولة المركزية"، وهو الهاجس الذي عبَّ عنه بكل وضوح ملك المغرب السَّابق الحسن الثاني بقوله: "إنّ تحركات الجزائر في المنطقة تشير إلى نزوعها للعب دور بروسيا في المغرب العربي"1، ويكرر الحسن الثاني المضمون نفسه بقوله "لم أكن أسعى لمزاحمة الجزائر، ولكني لم أكن أقبل أن تزاحمني"2، ويضيف في معرض مقارنته بين المغرب والجزائر قائلا: "النفط يفرز عادةً، ما نسميه في علم الاجتماع "المجتمع النفطي." وهذا المجتمع[...]كثيرًا ما يُحدث نوعًا من الشيزوفرينيا السيكولوجية فتصاب القيادة السياسية بجنون العظمة، وتنظر خارج حدود بلادها لأنّ لها التمويل اللازم لإدارة النفوذ الوهمي"3. ومن الضروري الإشارة إلى الصورة الذهنية التي تشكَّلت تاريخيًّا، والتي يحتفظ فيها كلّ من طرفي العلاقة بجانب سلبي في ملامحها العامَّة تجاه الآخر، بدءًا من اتهام بعض الجزائريين للمغرب بتسليم الأمير عبد القادر الجزائري، مرورًا بصورة الجزائريين الذين كانوا في المغرب وتعاونوا مع فرنسا خلال فترة السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن وبعدها، ثمّ اختطاف الطائرة التي كانت تُقلّ قادة الثورة الجزائرية عام 1956، واتِّهام الجزائر المغربَ بالاضطلاع بدور في ذلك، ثمّ وقوع الحرب بين الطرفين عام 1963، بعد استقلال الجزائر بفترة قصيرة، ثمّ بروز أزمة الصحراء، وصولً إلى اتهام المغرب بمساندة حركات إسلامية تعمل ضدّ الحكومة الجزائرية في العقد الأخير من القرن الماضي، وانتهاءً بتجدُّد الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، المتعلقة بموضوع الصحراء، علاوةً على انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين من 1975 - 1988 4. بل إنّ الشاذلي بن جديد (الذي حكم من 1979 إلى 1992) يرى أنّ هناك بعدًا شخصيًّا في خلفيات الصراع المغربي الجزائري، ويشير في مذكراته إلى "أنّ العلاقة بين هواري بومدين والحسن الثاني كانت متصلِّبةً، وكأنما بين الرجلين حساب قديم يجب تصفيته، وح قد دفين لم يستطيعا تجاوزه، وخلق هذا كلّه جوًّا من الشك وانعدام الثقة، انعكس سلبيًّا على كلّ محاولات إرساء قواعد تعاون مُثمرٍ يصون تطلعات الشعبين إلى التحرر والاستقرار"5. وعلى الرّغم من تراجع بعض موضوعات الخلاف، ومحاولات تطوير اتحاد المغرب العربي منذ 1989، وتكرار اللقاءات الدبلوماسية بين الطرفين، فإنّ موضوع الصحراء أعاد خلال أواخر عام 2013 العلاقات إلى نقطة الصفر تقريبًا. وهذا الأمر يستدعي التوقف عند موضوع الصحراء لتحديد أبرز أبعادها وموقف الطرفين منها، حتى نؤكِّد مرَّةً أخرى أنّ الأمر ليس إلا مظهرًا من مظاهر التنافس على "الدولة المركزية" في الإقليم.
الإطار التاريخي لمشكلة الصحراء
المرحلة الأولى
في إطار التوسع الاستعماري الأوروبي، وصلت طلائع الإسبان إلى منطقة المغرب العربي مع بدايات القرن الخامس عشر، وكانت مدفوعةً بدوافع إستراتيجية لتأمين حركة النقل البحري المتجهة من أوروبا إلى القارة الإفريقية من ناحية، وإلى الهند من ناحية أخرى. ولم يكن الوجود الإسباني قد تجذَّر إلا مع بدايات القرن العشرين بعد أن تقاسمت فرنسا وإسبانيا النفوذَ في المنطقة، من خلال اتفاقيات أربع (من 1900 إلى 1912.) وقد كان آخرها معاهدة فاس التي جرى بموجبها فرْض الحماية على المغرب. ونتيجةً لتنوع القوى الاستعمارية في المنطقة برزت حركتا مقاومة؛ إحداها في الشمال يقودها عبد الكريم الخطابي، والأخرى في الجنوب يقودها ماء العينين، وأدَّى هذا الأمر مع الزمن إلى انفصام في حركة المقاومة؛ أحدهما "بنيوي" والآخر "وظيفي." وتعزّز الانفصام مع إعلان إسبانيا ضمّ منطقة الصحراء في أواخر الثلاثينيات، كجزء من توجهات الديكتاتورية الإسبانية في تلك المرحلة، وهذا الأمر أجَّج المقاومة خلال الفترة الممتدّة ب 1934 و 1956. وازداد الأمر تعقيدًا بعد إعلان استقلال المغرب عام 1956، من دون إشارة إلى منطقة الصحراء، كما أنّ اتفاقية سنترا بين المغرب لم تُشِوإسبانيا عام 1958ْ إلى منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب (الصحراء)، على الرّغم من الإشارة إلى حدود المغرب والاستقلال الذاتي لموريتانيا. نتيجةً لذلك كلِّه، عقدت الحركة الوطنية في الصحراء عددًا من المؤتمرات، بدءًا من مؤتمر "أم الشكاك" الذي لم يحضر فيه إلا الصحراويون تقريبًا، ومؤتمر "بوخشيبة" الذي غلب عليه الطابع المغاربي عام 1968. وتداخل الموضوع الموريتاني مع موضوع الصحراء، عندما رفض المغرب الاعتراف باستقلال موريتانيا عام 1960، فردَّت إسبانيا عام 1961 مؤكِّدةً أنّ الصحراء جزء من الأراضي الإسبانية، وتعزّز التوجه الإسباني مع اكتشاف الفوسفات في الصحراء عام 1963 6. وقد اتخذت القوى السياسية المغربية موقفًا مساندًا للقصر في مطالبه، بل إنّ حزب الاستقلال بقيادة علال الفاسي دعا منذ 1955 (أي قبل استقلال المغرب) إلى عدّ المنطقة الممتدة من "أغادير إلى ضفة نهر السنغال، إلى المغرب الأقصى، وحدةً واحدةً، وهو توجُّهٌ سانده القصر أيضًا، ولا سيما مع لجوء الزعيم الموريتاني أحمد ولد حرمة ببانا إلى القاهرة، ثمّ إلى المغرب عام 1956، وتأسيس جيش لتحرير موريتانيا. ثمّ تلاه الأمير محمد فال ولد عمير (أمير منطقة الترازة في جنوب موريتانيا) ومعه اثنان من وزراء الحكومة الموريتانية في عهد الاستقلال الذاتي7. ومع استقلال الجزائر عام 1962، ازداد الأمر تعقيدًا، إذ اتَّسعت المطالب المغربية تُجاه الجزائر إلى جانب مطالبها في موريتانيا؛ فلقد طالب المغرب الجزائر بتطبيق ما اتفق عليه خلال الثورة، في ما يتعلَّق بمساندة المغرب للثورة الجزائرية مقابل إعادة النظر في أراضٍ مغربية ضمَّتها فرنسا إلى الجزائر. إلَّ أنّ الجزائر - بعد الاستقلال - عدَّت الأمر اتفاقًا "تمّ في ظروف غير مواتية لها، كما أنّ المغرب دولةً مؤسِّسة لمنظمة الوحدة الإفريقية، عليها أن تطبِّق مبدأ القبول بالحدود الاستعمارية الموروثة الذي أقرَّته المنظمة، وهو ما دفع لمواجهات طلق عليها حرب الرمال عام "8عسكرية أ 1963. أمَّا في منطقة الصحراء (الساقية الحمراء ووادي الذهب)، فقد برز تياران9: التيار الاندماجي: هو التيار الذي انخرط ممثلوه في التنظيمات الإدارية الإسبانية (مثل مجلس الأربعين عام 1960، والجماعة الصحراوية عام 1967، تلك التي شكَّلت نوعًا من التنظيم المحلي لتمثيل السكان في الإدارة الإسبانية، ومِثل دخول ستة أعضاء في "الكوريتس" الإسباني "البرلمان" عام 1971، لكنهم تراجعوا عام 1975، تأييدًا للموقف المغربي)، وذلك بعد أن أعلنت إسبانيا عام 1973 عن فترة انتقالية مُدَّتُها عشرون عامًا لتهيئة منطقة الصحراء للاستقلال، وقامت بإجراء إحصاء سكاني عام 1974 دلّ على أنّ عدد السكان في الصحراء هو 74 ألف نسمة تقريبًا. التيار الوطني: اتخذ هذا التيار شكلين من المقاومة للمشاريع الإسبانية، منها المقاومة السلمية والدعوة إلى المقاومة العسكرية، وتمثّل ذلك بالأحزاب؛ مثل حزب المسلم، وحركة تحرير الصحراء،
والتجمع الشعبي، وجبهة تحرير الساقية الحمراء. وقد تداعى بعض هذه القوى عام 1973 لتشكيل الجبهة الشعبية وتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو10) بالقوة العسكرية.
المرحلة الثانية
تبدأ هذه المرحلة باتفاقية مدريد عام 1975 بين إسبانيا وكلٍّ من المغرب وموريتانيا. وقد نصَّت على: تسليم الأراضي الصحراوية لقوات الدولتين خلال فترة انتقالية تمتدّ من نوفمبر 1975 إلى فبراير 1976 (أعلنت إسبانيا موعد انسحابها في 26 فبراير 1976.) تقديم تنازلات مغربية في ما يتعلق بمدينتي سبتة ومليلة. السماح لإسبانيا بالصيد قبالة السواحل المغربية والصحراوية. الاحتفاظ بنصيب 35 في المئة من منطقة بوكراع، حيث مناجم الفوسفات، وتعويض المغرب عن 65 في المئة الباقية. وكانت محكمة العدل الدولية قد قضَ ت قبل ذلك بأنَّ الإقليم الصحراوي "مستعمرة" وليس أرضًا إسبانية، وهو الأمر الذي دفع الحكومة المغربية إلى تنظيم ما عُرف بالمسيرة الخضراء التي عبَ فيها 350 ألف مغربي الحدود الصحراوية إلى الصحراء. أمّا الجزائر فقد أعلنت عن تأييدها لوجود الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وذلك بعد يوم واحد من موعد انسحاب القوات الإسبانية. وخلال هذه الفترة، عرف النزاع تطورًا آخر، وهو تخلي موريتانيا عن مطالباتها بأجزاء من الصحراء. وهذا الأمر يستحقّ التوقُّف عنده؛ فمن المعروف أنّ دولتي موريتانيا والمغرب مُنِحتَا - بمقتضى اتفاقية مدريد - حقَّ السيطرة على الإقليم الصحراوي. فأخذت موريتانيا إقليم وادي الذهب؛ ما أدَّى إلى تكثيف البوليساريو هجماتِها على موريتانيا، مستندةً في حملتها هذه إلى الدعم الكلِّ من الجزائر التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية بموريتانيا في مارس عام 1976 11. ومع اشتداد هجمات البوليساريو على القوات الموريتانية التي وصلت في بعض الأحيان إلى مشارف العاصمة نواكشوط، بدأت ملامح عدم استقرارٍ في موريتانيا؛ ما عزَّز ارتباطها بالمغرب وفرنسا، على أمل تلقي المزيد من المساعدات، وتصاعد عدد القوات الموريتانية من 2000 فرد إلى 18 ألف فرد. وارتفعت النفقات الدفاعية إلى 60 في المئة من الميزانية الوطنية12. وفي 10 يوليو 1978، وقع انقلاب عسكري في موريتانيا، وتشكلت اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني التي أعلنت أنّ أهمّ بنود برنامجها وقْف الحرب الصحراوية، وجرى توقيع اتفاقية سلام بين موريتانيا والبوليساريو، في 15 أغسطس 1979، تقهقرت بمقتضاها موريتانيا من الصحراء، واعترفت بالجمهورية العربية الصحراوية في 27 فبراير 1984، لكنّ القوات المغربية احتلت الأجزاء التي تراجعت منها القوات الموريتانية.
وهنا لا بدَّ من تسجيل الملاحظات التالية: يقول قاصدي مرباح رئيس الوزراء الجزائري السَّابق الذي شغل عددًا من المناصب السياسية والأمنية: "إنني أنطلق من تاريخ 10 يوليو 1978، وهو يصادف وصول ولد السالك إلى الحكم في موريتانيا، وهو الانقلاب الذي كنَّا على علمٍ به كجهاز قبل وقوعه بأسبوع"13، كما يؤكِّد الشاذلي بن جديد دعْم الجزائر للمعارضة الموريتانية بأمر مباشر من هواري بومدين14. إنّ ذلك يعني أنّ تغير النظام السياسي في موريتانيا – المتمثّل بشخْص الحاكم - أدَّى إلى تغيُّ في توجه الدولة من ناحية، ولكنه يدل على أنّ الجزائر كانت تسعى لسلب المغرب أيّ مكاسب مع موريتانيا من خلال دورها في تدبير الانقلاب من ناحية أخرى.
قطعت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وموريتانيا منذ مارس 1981، وعرفت هذه الفترة محورين في المغرب العربي أوّلهما الاتحاد المغربي الليبي الذي أعلن في 1983، والثاني معاهدة الإخاء والوئام التي عقدت في 1983 بين الجزائر وتونس، وانضمت إليهما موريتانيا بعد نحو ثمانية شهور. وأدَّت هذه التطورات إلى بقاء المغرب والبوليساريو (المدعومة كلِّيًّا من الجزائر) في ميدان القتال. وبدأ المغرب في إقامة الأسلاك المكهربة والسواتر الرملية على امتداد آلاف الكيلومترات. ونجح مقاتلو البوليساريو في كثير من الأحيان في إلحاق خسائر كبيرة بالقوات المغربية. لكنّ هذه القوات بقيت تسيطر على الجزء الأكبر من الصحراء 85( % من أراضي الصحراء.) على أنّ تزايد الاعتراف الدولي بالجمهورية العربية الصحراوية 68(دولة حتى عام 1987)، وقرار منظمة الوحدة الإفريقية المتعلِّق بالاعتراف بها 1980() دفعَا المغرب إلى القبول بفكرة إجراء استفتاء شعبي لتحديد مصير الصحراء. وفي عام 1987، قامت بعثة من الأمم المتحدة بزيارة الصحراء، وقدمت تقريرًا أدَّى إلى تقديم الأمين العام للأمم المتحدة عام 1988 مبادرةً تدعو إلى إجراء استفتاء في مصير الصحراء، وقابل ملك المغرب للمرة الأولى وفدًا من جبهة البوليساريو في مطلع عام 1989. غير أنّ الأزمة الجزائرية المتمثّلة بعدم الاستقرار الداخلي، نتيجة تنامي دور الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بدأت ملامحها تلوح في الأفق؛ ما دفع المغرب إلى التباطؤ في عملية التسوية وتأجيج القتال من جديد، لكن الأطراف عادت إلى وقْف إطلاق النار في سبتمبر / أيلول 1991؛ من أجل إفساح المجال للأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في يناير 1992. إلَّ أنّ ذلك لم يَجْر،ِ وبقيت عمليات التأجيل متواصلةً لسبب جوهري هو تحديد الأفراد الذين لهم الحقّ في المشاركة في الاستفتاء؛ إذ تباينت آراء طرفي النزاع المتعلقة بتحديد من له حقّ المشاركة في الاستفتاء على النحو التالي: تنطلق قاعدة النقاش في هذا الموضوع من الإحصاء السكاني الذي أجرته إسبانيا، عام 1974، على سكان الصحراء، الذي يُتبيَّ منه أنّ عدد السكان هو نحو 74 ألف نسمة. الموقف المغربي: يشكك المغرب في هذا الإحصاء ويقول إنّه في عام 1958، أثناء الحملة التي قامت بها إسبانيا وفرنسا في ما عُرف بعملية المكنسة غادر آلاف الصحراويين إلى خارج المنطقة هربًا من العمليات العسكرية، وتوجهوا إلى شمال المغرب؛ ولذلك فإنّ الإحصاء لم يشملهم. ويُقدِّر المغرب عددهم الحالي بنحو 120 ألف نسمة. وقد بدأ المغرب في جلْب هؤلاء الأفراد من أراضيه ونقلهم إلى الصحراء (في مناطق العيون، والداخلة، وسمارة)؛ ليكونوا ضمن الذين سيشاركون في الاستفتاء. موقف البوليساريو: تستند البوليساريو إلى الإحصاء الإسباني عام 1974، وترى إمكانية إضافة ما بين 10 و 15 في المئة من العدد ممَّن وُلدوا في الصحراء منذ الإحصاء الإسباني. الاقتراح الوسط: وهو الذي قدمته الأمم المتحدة، ويقوم على أساس: اعتماد الإحصاء الإسباني قاعدةً. اعتماد المنحدرين ممن هم مسجلون في الإحصاء الإسباني. اعتماد أفراد العائلات الصحراوية التي أقامت في الصحراء ستَّ سنوات متصلة أو 12 سنةً غير متصلة. تتضمن لجان تحديد الهوية ممثلين عن الأفخاذ القبلية في منطقتي تندوف والعين، لكنّ ممثلي البوليساريو في هذه اللجان تغيبوا عن الاجتماعات على أساس أنّ ذلك يخدم المصالح المغربية. وقد أبدت الأمم المتحدة في عام 1996 نوعًا من اليأس في هذا الجانب عندما لمَّحت إلى احتمال تخليها عن متابعة الموضوع على نحوٍ تدريجي، ما لم تُعد الأطراف المعنيّة النظرَ في مواقفها. نتيجةً لكلّ هذه الخلافات، بقيَ الموضوع مطروحًا، ودعا المغرب إلى منْح الصحراء حكمً ذاتيًّا. وهذا الأمر لم تقبله البوليساريو أو حكومة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة؛ ما أبقى التوتر قائمًا.
تحليل الأزمة
يُ كن أن نبدأ التحليل بفرضيتين: لو لم يكن هواري بومدين هو رئيس الجزائري في لحظة حدوث الأزمة، هل كان النزاع سيحدث بالضرورة؟ لو لم تساند الجزائر حركة البوليساريو، هل كان النزاع سينشب بالضرورة ويستمرّ كلّ هذه المدة؟ يستدعي التحليل السَّابق الإشارة إلى النقاط التالية: إنّ الفترة التي تشكلت فيها الأزمة من 1973 إلى 1978 (ظهور البوليساريو – موت بومدين) هي الفترة التي عرفت الارتفاع الكبير في أسعار النفط؛ ما منَح الجزائر إمكاناتٍ ماليةً كبيرةً، عزَّزت بقدراتها سلطتها السياسة؛ فقد ارتفع إجمالي دخل الجزائر من مبيعاتها النفطية في المرحلة الأولى، من سنة 1973 إلى سنة 1974، من مليار
دولار إلى 6 مليارات دولار15، ثمّ عرفت سنة 1979 القفزة الثانية في أسعار البترول؛ إذ بلغ سعر البرميل 30 دولارًا. وأدَّى هذا الأمر إلى انخفاض قيمة الديون الخارجية من 12,6 مليار دولار عام 1973 إلى 78, مليار دولار عام 1975، وانخفاض مستوى البطالة، واتساع دائرة الإنفاق الحكومي على السكن والتعليم16. ولعل ذلك ما جعل الجزائر تستشعر القدرة على تحديد المكانة المغربية في الإقليم؛ نتيجة الشعور بالإمكانات التي بدأ النفط يحقِّقها، بما في ذلك القدرات العسكرية. ويؤكِّد الشاذلي بن جديد في مذكراته أنه ناقش احتمالات بدْء الجزائر عملياتٍ عسكريةً ضدّ المغرب في فترات سابقة. لكنه أقنع الرئيس بومدين بأنّ الإمكانات المتوافرة للجيش، في ذلك الوقت، لم تكن ملائمةً، ما دفعه إلى القول لوزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة حينئذ إنّه يستعد للعمل؛ أي للتحول نحو العمل الدبلوماسي، بدلً من العمل العسكري الذي تجدَّد في مراحل لاحقة في السبعينات17.
الآثار النفسية والمعنوية التي تركها الخلاف الحدودي بين الجزائر والمغرب عام 1963 الذي استمر حتى عام 1969، والذي تخلَّلته اشتباكات مسلحة، إضافةً إلى عبورٍ متبادلٍ للحدود، ومحاولات متبادلة من كلّ طرف لمساندة المعارضة السياسية لدى الطرف الآخر. ويؤكِّد الشاذلي بن جديد في مذكراته أنّ "المعارضة المغربية الموجودة في بلادنا التي ورثناها عن حكم بن بلّه، تشكِّل عقبةً في طريق نزْع التوتر بين البلدين، وكان الملك الحسن الثاني يصُرُّ على حلّ هذه المعارضة عادًّا ذلك شرطًا أوليًّا لإعادة بعْث الدفء في العلاقة بيننا. وكان يتَّهم الجزائر بدعم غريمه السياسي المهدي بن بركة؛ إذ كانت القيادة السياسية للمعارضة المغربية في الجزائر العاصمة. أمَّا تنظيمها المسلح فكان في مركزين بغرب البلاد[...]وكان الجيش الجزائري يشُرف على تسليح هذه المعارضة وتدريبها، أما الإشراف اللوجستي والسياسي فكان من صلاحيات جبهة التحرير الوطنية"18. مركزية المؤسّسة العسكرية في الجزائر في عملية صنع القرار السياسي، بخاصة في فترة هواري بومدين. فقد أدَّى نزاع الصحراء إلى تعزيز هذه المكانة، وإلى التجاوب مع النزعة العسكرية التي طغت على البنية السيكولوجية لهواري بومدين19. استخدام المغرب قضية الصحراء أداةً لتعزيز الالتفاف الشعبي بشأن مؤسّسة العرش، ومن المعلوم أنّ جميع الأحزاب المغربية المركزية المعارضة تساند الموقف الرسمي في القضية الصحراوية، في حين أنّ القضية الصحراوية لا تحظى بمثل هذا التأييد لدى الأحزاب الجزائرية، إذا استبعدنا التأييد الكبير في المؤسّسة العسكرية الجزائرية. وهذا الأمر يدفعنا إلى تساؤلٍ مركزيٍّ: ما هو السبب الرئيس لنزاع الصحراء؟ إنّ تحليل بنية النزاعات الدولية تدل على مستويين من النزاعات هما المستوى الدولي؛ بالنظر إلى التناحر بين القوى المركزية على احتلال مواقع عليا في بنية الاستقطاب الدولي (سواء كان النظام الدولي أحادي القطبية أو ثنائيّها، أو متعدّد الأقطاب، بغضِّ النظر عن مدى تماسك البنية الداخلية للنظام الدولي طبقًا للنماذج المعروفة لدى مورتون كابلان)20. أما المستوى الثاني فهو المستوى الإقليمي؛ إذ يبدو لنا أنّ المجتمع الدولي مقسم بفعل تقاليد التفاعل التاريخية إلى أقاليم جغرافية تعرف تاريخيًّا نوعًا من التنافس على مركز الإقليم. وهذا يعني أن كلًّ من الجزائر والمغرب يسعيان لتأكيد مركزيتهما الإقليمية بهدف التحول إلى "قطب إقليمي"؛ من أجل حصاد سلسلة من المكاسب، أبرزها إقرار القوى الدولية بأنّ أيّ ترتيبات إقليمية في المغرب العربي لا بدَّ أن تمرَّ عبْ أخْذ مصالح "القطب الإقليمي"، أو الدولة المركزية بحسبان. وهكذا تتنافس الدول الكبرى على استرضاء هذا القطب الإقليمي لتوظيف مكانته في صراعها الدولي الأوسع، فتعمل على تقويته من ناحية، وعلى ضمان استقراره من ناحية أخرى. ويشكِّل توازن القوى قاعدة التنافس كما ذكرنا سابقًا، ولكنّ وجود قيادات لديها نزوع إلى تعظيم القوة، استنادًا إلى سيكولوجياتها، أو إلى تقاليد تاريخية في كلّ من الدولتين، يعزّز ديمومة النزاع.
وذلك يعني أنّ ميل الأطراف إلى تسوية النزاع مرهونة بمتغيرات القوة والضعف في كلّ منها، ولعل أحد تصريحات بومدين تكشف عن هذه المعادلة؛ إذ قال: "لو كنت أعرف أنّ المغرب سيصمد في حرب الصحراء ثلاث سنوات لغيرت موقفي قبل اندلاع الصراع"21.
البعد الدولي في الأزمة
من دون العودة إلى الإرث الاستعماري ودوره في نشوء المشكلة، شكَّلت العلاقات الأميركية الجزائرية البعد اللافت للنظر منذ البداية؛ إذ سعى بومدين إلى خلْق توازن مع العلاقات المغربية الفرنسية (على الرّغم من بعض التوتر في فترات سابقة)، وقد لوحظ تنامٍ في العلاقات التجارية الجزائرية الأميركية خلال فترة تنامي مشكلة الصحراء، بل إنّ نسبة الصادرات النفطية الجزائرية إلى الولايات المتحدة قد ارتفعت خمسة أضعاف بين سنتي 1974 و 1978 22. إلا أنّ الموقف الأميركي من موضوع الصحراء مازال أقرب إلى الموقف المغربي الداعي إلى منْح الصحراء حكمً ذاتيًّا موسعًا، وهو موقف مخالف لموقف الأمم المتحدة والجزائر اللتين تنظران إلى موضوع الصحراء على أنه ضمن سياسات حقّ تقرير المصير، وإلى أنّ الموضوع جزء من الظاهرة الاستعمارية. ولعل هذا الموقف الأميركي يتضح من خلال رفْض واشنطن أن تشتمل اتفاقية التجارة الحرَّة على منطقة الصحراء23. وهذا يعني أنّ مشكلة الصحراء لا تؤثِّر في شبكة علاقات دول المغرب العربي الدولية تأثيرًا حاسمً. ويُبدي كلٌّ من المغرب والجزائر تعاونًا مع الدول الغربية (اتفاقيات مع الناتو، أو على نحوٍ ثنائي، أو من خلال الحوار والتعاون مع الاتحاد الأوروبي) في مجال ضبط الحركات الإسلامية المتطرفة. وهما مدفوعان إلى ذلك، نظرًا إلى أسباب داخلية أمنيَّة من ناحية، ومن أجل ضمان تدعيم عوامل مساندة القوى الدولية، في نطاق المنافسة الإقليمية من ناحية أخرى24.
الاستنتاجات
يشير تاريخ النزاع الصحراوي على نحوٍ خاص، واضطراب العلاقات المغربية الجزائرية بوجهٍ عامّ، إلى أنّ تطور متغيرات القوة (المادية، والمعنوية، وفنّ إدارتهما)، لدى أيٍّ من الطرفين، يدفع إلى محاولة تحقيق مكانة "الدولة المركزية"، ويتضح ذلك في المؤشرات التالية: تراجع الحماس الجزائري بشأن قضية الصحراء خلال الفترة الممتدَّة بين 1989 و 2000، تقريبًا، بسبب انخفاض معدل دخْل الدولة نتيجة انخفاض أسعار البترول؛ الأمر الذي أثَّر في النفقات الدفاعية والقدرة على توافر حاجات جبهة البوليساريو25. وقد انعكس ذلك على انخفاض معدل دخْل الفرد الجزائري من 2800 دولار إلى 1300 دولار26، إضافةً إلى أنّ انهيار البنية السياسية الحاكمة في المجتمع الجزائري من خلال تفكُّك جبهة التحرير الوطني، واعتزال عدد من كوادرها القيادية، وهروب النُّخب السياسية والعلمية للخارج، عزَّز متغيرات ضُ عف السلطة الجزائرية، وتجلَّ ذلك كلُّه في أنّ الحكومة الجزائرية تغيرت خلال الفترة الممتدَّة بين 1979 و 1989 سبع مرات27. انعكس التراجع الجزائري في تلك الفترة على جبهة البوليساريو، وامتدّ إلى بعض أعضاء البوليساريو في المكتب السياسي، مثل إبراهيم حكيم، وعمر حضرمي، وكجمولة أبي؛ ما جعل عدد المنسحبين من المكتب السياسي يصل إلى سبعة أعضاء، وهو ما يعادل ربع المكتب السياسي. وتواصل الأمر، في مرحلة لاحقة، مع بعض الوزراء، على غرار ما وقع مع أحمد ولد بركلا وزير التعاون في الحكومة الصحراوية. وهذه الظاهرة (أي انعكاس التغيرات في الجزائر على القوى السياسية الصحراوية) عرفتها سابقًا حركة الرجال الزرق (موريهوب) ذات التوجه اليساري التي تزعمها إدوارد موحا28. يبدو أنّ موارد الصحراء (كالفوسفات) ليست عنصرًا جاذبًا، إلا أنّ إلقاء نظرة على خريطة الصحراء (مساحتها 266 ألف كم 2) يشير إلى وجود نفوذ جزائري فيها يشكِّل تطويقًا للمغرب من الغرب والجنوب؛ ما يجعل التواصل البري للمغرب مع الخارج غير ممكن، إذ إنّ الصحراء تعزله عن موريتانيا، وعن القارة الأفريقية من الجنوب. في حين تعزله الجزائر عن بقيَّة دول المغرب العربي، فلا يبقى له إلا المنافذ البحرية.
الاحتمالات المستقبلية
منذ أن أعادت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية بالمغرب عام 1988، لم تتمكن الدولتان من تطوير العلاقات الثنائية من خلال تفعيل اتحاد المغرب العربي. وعلى الرّغم من بعض الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، فإنّ العودة إلى إقفال الحدود عام 1994 كانت مؤشرًا دالًّ على أنّ التنافس بين البلدين لم يَزُلْ، بل كان يخبو. فبعد أن ألغى المغرب تأشيرة دخول الجزائريين إليها عام 2004، وبادلته الجزائر الإجراء نفسه عام 2006، أعلنت الجزائر أنها على استعداد لتزويد المغرب بالغاز عام 2011، إلَّ أنّ رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى أعلن عام 2012 أنّ فتح الحدود بين البلدين ليس أولويةً للجزائر، على الرّغم من أنّ نسبة التهريب بين البلدين، عبْ حدودهما، تتجاوز ثلاثة أضعاف نسبة التبادل التجاري الرسمي؛ وهو 1,2 مليار دولار، مقابل نحو أربعة مليارات دولار في تجارة التهريب29. وإنّ البعثة الدولية التي شرعت في عملها منذ 1991 من ناحية أخرى، مدَّدت عملها في الصحراء إلى عام 2014 للعمل على ضمان استمرار وقْف إطلاق النار، والإشراف على تنظيم الاستفتاء المقترح، إضافةً إلى أنها تتابع، من طرفي النزاع، التقارير المتضاربة بشأن حقوق الإنسان للسكان الصحراويين، ولا سيما الذين فرُّوا من مناطق النزاع تُجاه الأراضي الجزائرية في تندوف وغيرها30. وممَّ يثير القلق، أنّ نسبة الإنفاق الدفاعي لكلّ من البلدين تتصاعد تصاعدًا يوحي بأنهما يستعدان لجولة صراعية، فقد ارتفع معدل إنفاق الجزائر من 3,6 مليارات دولار عام 2006 إلى 9,8 مليارات عام 2012، في حين ارتفع الإنفاق في المغرب من 2,4 مليار إلى 3 مليارات.31 ويبدو أنّ المؤسّسة العسكرية الجزائرية تميل إلى تصعيدٍ محسوبٍ؛ ليبقى القرار السياسي رهين إرادتها، بخاصة أنّ غياب الرئيس الحالي (بوتفليقة) أمر محتمل، نظرًا إلى تقدُّمه في السن ومرضه. في حين أنّ النظام المغربي يميل إلى التصعيد؛ لأنّ الصحراء تمثّل نقطة تلاقٍ بين كلّ التيارات السياسية المغربية والنظام، وهذا يساعده على استثمار المشكلة داخليًّا لحشد المجتمع خلفه في فترة الخوف من امتدادات الربيع العربي. ولعل تصريحات زعيم حزب الاستقلال المغربي تُؤكد ذلك؛ إذ قال في تموز / يوليو 2013 إنّ "تندوف جزء من الأرضي المغربية وعليها استعادتها"32. أما ضبط الحدود بينهما فأمرٌ صعبٌ للغاية، ولا سيما أنها تمتد أكثر من 1600 كيلومتر. ولعل استدعاء السفير المغربي من الجزائر، في ديسمبر 2013، يشير إلى خطوة تجاه التصعيد. وتصب المشكلة المتجددة بين الطرفين (مثل الاتهامات الأخيرة للمغرب بتهريب المخدرات إلى الجزائر)، وتبادل الحملات الإعلامية بين الطرفين خلال عام 2013 في تأزيم العلاقات مرَّةً أخرى بينهما، مع الأخذ بحسبان أنّ الأوضاع الداخلية للدولتين ليست مستقرةً؛ فطبقًا لمقياس كوفمان عام 2011 كان معدل استقرار المغرب هو 31,1 في المئة، وهو يساوي على المقياس -0,47، في حين كان معدل استقرار الجزائر 9,4 في المئة، وهو يساوي -1,3533. أمّا على مقياس جيني الذي يقيس الفروق في توزيع الثروة، فقد تمثَّل في الجزائر ب 65,6، وب 79,6 في المغرب34، وهما مؤشران قد يدفعان الدولتين إلى امتصاص أزماتهما الداخلية من خلال أزمة خارجية. إنّ تراجع حدَّة التنافس بين الدولتين مرهون بمدى تطوُّر البعد التكاملي لدول المغرب العربي، الأمر الذي سيحوِّل العلاقات من منظورها الصفري كما هو الحال حاليًّا، إلى منظور غير صفري؛ ما يضيِّق الخناق على موضوع الصحراء، لكنّ الأزمات الداخلية في كلّ من ليبيا وتونس نتيجة تداعيات الربيع العربي، وتنامي النزعة العسكرية في كلّ من المغرب والجزائر، لا تشي إلا بسيناريو استمرار الأزمة، تأكيدًا لتواصل التنافس على "الدولة المركزية"، وتوظيف بعض القضايا (مثل قضية الصحراء)؛ لتحسين موقع الدولة في هذا التنافس من ناحية، وامتصاص الأزمات الداخلية بتوظيف التأزيم الخارجي في ذلك من ناحية أخرى.