الاتّفاق النووي الإيراني

فاطمة الصمادي

الملخّص

تناقش هذه الورقة المؤثرات التي دفعت بإيران إلى توقيع اتفاقٍ بشأن برنامجها النووي. وترى أنه  جاء نتيجة لحاجةٍ داخلية ملحّة. فقد كان الرئيس الإيراني حسن روحاني مُلزمًا، بحكم الظروف التي أتت به إلى كرسي الرئاسة، أن يختم المئة يوم على تول يه الرئاسة بانفراجٍ سياسي على صعيد العاقة مع الخارج. ولم يكن لانفراج، وهو انفراج مطلوب بصورة ملحّة، أن يحصل دون اتفاق يتناول مسألة العقوبات. فخمس دورات متتالية من العقوبات الأميركية والغربية أنهكت ما سمي ب "الاقتصاد المقاوم"، وجعلته يلجأ إلى ما سُ مي ب "الدبلوماسية المرنة الشجاعة"، التي رسم خطوطها العريضة مرشد الثورة الإسامية علي خامنئي؛ ممهّ دًا لتغييرٍ في الخطاب والأداء السياسيَّين في ما يتعل ق بالعاقة مع الولايات المتحدة.

الحاجة والمصلحة وتحوّل الخطاب **

الحصار الذي آتى أُكله

صمدت إيران أمام العقوبات الاقتصادية لفترة طويلة. وكانت تجد طريقة أو أخرى للالتفاف عليها من خلال شبكة علاقات اقتصادية أدارها الحرس الثوري داخل إيران وخارجها. لكن ذلك لم يستمرّ مع تأثّر قطاعَي النفط والبنوك بهذه العقوبات. وجاءت النتائج لتُسكت وتيرة الأصوات المدافعة عن نهج التشدّد مع الخارج، أو تخفضها. وبدأت تخرج إلى العلن آراء لخبراء وسياسيين تجاهر بأنّ العقوبات فعلت فعلها في الاقتصاد الإيراني، وأنّها أثّرت فيه بصورةٍ لا يمكن معها إدامة النهج السابق. وفي الوقت الذي لم تجد وجهة النظر القائلة بضعف تأثير العقوبات ما يسندها من حججٍ منطقية، كانت وجهة النظر المعارضة تفرض حضورها مدعومةً بالأرقام الصادرة عن مؤسسات اقتصادية داخل إيران وخارجها1؛ فالعقوبات كانت سببًا رئيسًا في ارتفاع التضخّم ليصل إلى %30 وفقًا لأرقام البنك المركزي الإيراني، و%35 وفقًا لخبراء وأساتذة اقتصاد إيرانيين، و%42 وفقًا لتصريحات صدرت عن الرئيس الإيراني؛ "ما يجعلها نسبة مرتفعة للغاية إذا ما قورنت ببقية دول المنطقة، وربّ ا بدول العالم بأسره"2. ورافق ذلك ارتفاع نسبة البطالة إلى %13 وفقًا لبعض الإحصاءات التي تبُرز وجهة النظر الرسمية. وإن كانت إيران تحجم عن بيان المعدّل الفعلي للبطالة، إلا أنّها لم تشهد منذ 1998 رقمً من خانة واحدة لمعدّل البطالة التي ترجع في واحد من أسبابها إلى تراجع الاستثمارات الحكومية والخاصة. وإن كان معدّل البطالة في العالم في المتوسّط يصل إلى %9.7، وفي المنطقة %6.9، فإنّ خبراء اقتصاديين إيرانيين يتحدّثون عن معدّل يتجاوز %25 في وقت يجب فيه أن ينخفض إلى.%7 ولم يكن لاقتصادٍ يعتمد بصورة أساسية على عائدات النفط إلا أن يتأثّر بشدّة بالعقوبات؛ إذ انخفض تصدير النفط من 2.5 مليون برميل عام 2011 إلى 1.1 مليون برميل في عام 2013، بنسبةٍ تتجاوز %60. وقاد ذلك إلى انخفاض عوائد إيران من النفط من 100 مليار دولار عام 2011 إلى 35 مليار دولار عام.2013 وتراجع الإنتاج الإجمالي من النفط من 4 ملايين برميل إلى 2.7 مليون برميل يوميًّا. وصاحب ذلك تراجعٌ كبير في قيمة العملة الإيرانية أمام الدولار والعملات الأجنبية. ولم تتجاوز نسب النموّ الاقتصادي %0 خلال العامين الماضيين. وهذه نتيجة مخيّبة للآمال، بخاصّة لواضعي وثيقة "الرؤية المستقبلية لعام 2025، والتي تهدف لجعل إيران القوّة الإقليمية الأولى، والارتقاء بها على الصعد كافّة، من ضمن ذلك تحقيق نسبة نموّ اقتصادي تبلغ %8 حتّى ذاك العام3.

ولذلك كانت إيران من الناحية الاقتصادية في حاجة إلى اتفاق يجد حلًّ لمعضلة العقوبات، على الرغم من أنّ الاتفاق يتضمّن تخفيفًا للعقوبات بصورة محدودة وموقتة يمكن الرجوع عنه إذا أخفقت إيران في الوفاء بالتزاماتها. كما ضمن الاتفاق للولايات المتحدة والغرب، المحافظة على هيكل العقوبات المتعلقة بقطاعات النفط والمال والبنوك. وعلى الرغم من أنّ هذه المحدودية هي المدخل الذي سيستخدمه خصوم روحاني ومعارضو فكرة التقارب مع أميركا لمهاجمة الاتفاق؛ فالتعهّد بعدم إقرار أيّ عقوبات جديدة من شأنه أن يمهّد لانفراجٍ كبير بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، بخاصّة فيما يتعلّق بالاستثمار الأجنبي. في المقابل، يدافع فريق روحاني عمّ حقّقه؛ بالتركيز على الفرق بين "الرفض والمقاومة التي لا تحقّق أيّ نتائج ولا تعدو أن تكون خضًّ ا للماء، و"المرونة الشجاعة" التي تبدي عند الضرورة مرونةً تكتيكية تضمن إمكانية المقاومة على المدى الإستراتيجي"4.

  1. تاثير تحريم اقتصادي عليه ايران در تحليل فصلنامه مركز پژوهشهاي مجلس(تأثير
  2. الرابط: 2 ديدار رئيس جمهور منتخب با نمايندگان مجلس شوراى اسلامى (لقاء الرئيس المنتخب مع نواب مجلس الشورى الإسلامي)، مركز الدراسات الاستراتيجية مجمع تشخيص مصلحة
  3. العقوبات الاقتصادية على إيران في تحليل لفصلية أبحاث مركز الشورى)، صحيفة شرق، العدد 1122، 7 آذر 1389، ص.4
  4. النظام، 23 تير 1392، 2013/7/14، على الرابط: http://www.csr.ir/Center.aspx?lng=fa&subid=-1&cntid=2702 3 محمد عدلى، روايت نماگرهاى اقتصادى از 8 سال گذشته (سرد المؤشرات الاقتصادية همشهرى، العدد للسنوات الثماني الماضية)، صحيفة 6030، مرداد 1392، 2013/7/28، على http://www.hamshahrionline.ir/details/224912 4 مهدى محمدى، توافق ژنو: مهارت، احتیاط وابهام (اتفاق جنيف: المهارة، الحذر، هسته اى ايران الابهام"،،5/9/92، على الرابط: http://www.irannuc.ir/fa/content/1952

ولعلّ من أهمّ ما حقّقته "المرونة التكتيكية" أنّها أدخلت مفهوم تخصيب اليورانيوم في أدبيات التخاطب والحوار مع الولايات المتحدة الأميركية في ما يتعلّق بالبرنامج النووي الإيراني. وهذا يعني أنّ التخصيب سيكون جزءًا مهمًّ في الاتفاق النهائي الذي يضمن حصول إيران على برنامج نووي سلمي. كما حفظ الاتفاق لإيران حقّ التطوّر العلمي والبحثي في المجال النووي. ولا يمكن التقليل من هذا الإنجاز الإيراني بخاصّة على المدى البعيد؛ فعند مراجعة التصريحات الأميركية نجد أنّ الإدارة الأميركية لم تكن تقبل بأن يكون "التخصيب" جزءًا من البرنامج النووي الإيراني. وضمن تقييمٍ لعمل حكومة روحاني في مئة يوم، تصدَّر وزير الخارجية محمد جواد ظريف قائمة الوزراء الأفضل أداءً في الحكومة، وكان اتفاق جنيف سببًا في تقدّم ظريف في هذا الاستطلاع5. عند الحديث عن الرؤية التي باتت سائدة داخل الأوساط السياسية الإيرانية تجاه الولايات المتحدة الأميركية، يجدر هنا التوقّف عند تصريحات صدرت مؤخّرًا عن هاشمي رفسنجاني؛ ففي إجابة عن سؤال بخصوص العلاقة مع أميركا، يقول مستعيرًا عبارة من ونستون تشرشل: "بالنسبة إلينا، لا يوجد عدوّ دائم أو صديق دائم، الدائم لدينا هو مصالحنا الوطنية." قول رفسنجاني في المقابلة التي نشرتها فصليّة الدراسات الدولية، إنّه قام في السنوات الأخيرة من عمر الإمام الخميني بمخاطبته من خلال رسالة خطّية، طرح خلالها سبعة موضوعات، نصح الخميني بوجوب حلّها في حياته؛ لأنّها بغير ذلك ستتحوّل إلى معضلة. وكان في مقدّمة هذه القضايا العلاقة مع أميركا. ويعتقد رفسنجاني أنّ هذا الشكل من العلاقة لا يمكن أن يستمرّ؛ فأميركا هي القوّة الأولى في العالم، وما دامت لدولٍ مثل الصين وروسيا حوارات وعلاقات معها، فلماذا لا يكون لنا كذلك؟ وتأتي تصريحات رفسنجاني في هذا الوقت، منسجمةً مع حالة نقاشٍ عامّ في إيران ترمي إلى القبول بالحوار مع أميركا؛ بمعنى أنّ المفاوضات لا تعني الاستسلام للإرادة الأميركية. وإذا كانت فكرة الولاء والبراء المستمدّة من القرآن هي التي حكمت جزءًا كبيرًا من التوجّه الإيراني نحو العلاقة مع واشنطن، فالآراء المرحّبة بالتفاوض اليوم تقول إنّ "الاسلام لم يأمرنا بقطع العلاقة مع من يختلفون عنّا في العقيدة." مع تلك الدعوات ما زالت إيران تنظر بالشكّ إلى سلوك أميركا السياسي نحوها حتى ذاك الذي يحمل دعوات للحوار، وتجعل من ملفّها النووي (بخاصّة مع التأكيد على سلميته، ونفيها السعي لامتلاك سلاح نووي) والموقف منه، محكًّا تحاكم من خلاله سلوك واشنطن نحوها. ولذلك مازالت وهي تتّجه إلى طاولة التفاوض، تصف السلوك بالمرائي الذي يهدف بصورة فعلية إلى عزل إيران والضغط عليها. والحديث عن صفقة مفترضة يجب أن تركّز من وجهة النظر الإيرانية على حدوث تغيير فعلي في السياسة الأميركية. في الخطاب الإيراني على هذا الصعيد لا بدّ من القيام بعملية تفكيك بين ثلاث مقولات، في ما يتعلّق بالعلاقات الإيرانية الأميركية، وهي: المفاوضات؛ والعلاقات الدبلوماسية؛ والعلاقات الحسنة6. إنّ صفقة قادمة بين الطرفين لا تعني بالضرورة الوصول إلى العلاقات الحسنة، بقدر ما يمكن وصفها بالإقرار المتبادل بمصالح كلّ طرف. والملاحظة التي يمكن التوقّف عندها هنا، هي أنّ الجميع بمن فيهم من ينظّرون عقائديًّا وفكريًّا لخيار القطيعة يحمّلون الطرف الأميركي مسؤولية قطع العلاقات، ويعتقدون أنّ الخطأ الأميركي حدث منذ أن قرّرت الولايات المتحدة قطع العلاقات مع إيران. يشير المستشار الخاصّ لوزير الخارجية الإيرانية منوجهر محمدي، إلى أنّ إيران لا تريد لعلاقتها مع الولايات المتحدة أن تكون "علاقة الذئب بالحمل"7؛ فأميركا من وجهة النظر الإيرانية تمارس سياسة سلطوية، والشروط الأربعة التي وضعتها للعلاقات مع إيران تصبّ في هذه الخانة8، وطوال تاريخ العلاقة لم تتعامل الولايات المتحدة مع إيران بوصفها دولة مستقلّة. ينفي محمدي وجود رغبة قويّة لدى إيران لإقامة علاقات مع الولايات المتحدة الأميركية. إنّ القول إنّ الخميني كان يرفض العلاقات مع أميركا بالمطلق مسألة تجانب الحقيقة؛ إذ كان يرى أنّ العلاقات القائمة بين واشنطن وطهران، هي علاقات "السادة بالعبيد ولذلك لا بدّ من تغييرها لتصبح علاقات سليمة"، كما ورد في كتابه "صحيفة النور." وإذا لم يكن

  1. معرفی موفق ترین وناکام ترین وزرا در 100 روز نخست دولت (الإعلان عن أنجح
  2. من مائدة مستديرة حول العلاقات الإيرانية الأميركية، عقدت في جامعة أمير كبير جام جم الصناعية، ونشرتها صحيفة، 03 آذر 1388 (ديسمبر.)2009
  3. في ذلك استعادة لخطاب آية الله الخميني في ما يتعلق بالحوار مع أميركا وهو: لماذا يتحاور الذئب مع الحمل؟ الذئب ليس مهتمًّ بالحوار مع الحمل بل يريد أكله. لقد قلت مرارًا: إنّ العلاقة بين أميركا وإيران، هي علاقة الذئب والحمل، فلا يمكن أن يقع بينهما صلح أبدًا)1988/11/11(8 ال وررط الأربعة هي: رعاية حقوق الإنسان، وعدم دعم الإرهاب، وعدم السعي للحصول على أسلحة الدمار الشامل، وعدم التدخّل في عملية السلام بين العرب وإسرائيل.
  4. الوزراء وأفشلهم في الحكومة خلال 100 وكالة انباء ارنا يوم)،، 2013/11/25، على الرابط: http://www.irna.ir/fa/News/80921390

تغييرها متاحًا فلا حاجة إليها. وكان يردّد "ماذا نفعل بالعلاقة مع أميركا نحن لا نحتاج إليها، هم الذين يحتاجون إلى العلاقات معنا." وفي خلاصة، نستطيع القول إنّ خطاب الخميني الذي ما زال حاضرًا بقوّة إلى اليوم، تجاه الولايات المتحدة الأميركية، لم يكن يرفض العلاقة بصورة مطلقة، لكنّها كانت مشروطة بأن لا تكون قائمة على التبعية، ووضَ ع حدودًا واضحة وحادّة بين العلاقة والتبعيّة. يرى الخطاب الإيراني في أغلبه أنّ مسألته مع الولايات المتحدة الأميركية هي مسألة "الاستكبار والاستضعاف." وترى إيران أنّها تقف في جبهة المستضعفين في مواجهة الجبهة الأخرى "المستكبرين"، مع ملاحظة أنّ إيران وإن كانت تدّعي حماية المستضعفين إلا أنّها تتحدّث عن نفسها دائما كمستضعف. واليوم يجري إعادة "تأويل" لخطاب الخميني على هذا الصعيد، وبدأت تنتشر أحاديث عن أنّ الخميني لم يكن موافقًا على اقتحام السفارة الأميركية. و"مصلحة النظام" قد تكون السبب الأبرز الذي جعل مرشد الجمهورية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، يُظهر قبولً للتفاوض مع أميركا، بعد أن كان يصف التصريحات الأميركية والمتضمّنة الرغبة في التفاوض، بأنّها لا تعدو أن تكون "خدعة"9. وغابت عن أحاديث مرشد الثورة الإسلامية مسحة السخرية من اعتقاد البعض أنّ "التفاوض سيزيل العداء"؛ فالخصومة من وجهة نظره لا تزول بالتفاوض. لكن خامنئي لم ينْفِ قيام علاقات بصورة قطعية، وإنّ ا أبقى الباب مواربًا جاعلً المسألة محكومة بمصلحة إيران. وسبق أن قال خامنئي في حديث للنخب الثقافية في مدينة يزد عام 2007: "العلاقة مع أميركا في الوقت الحاضر لا تحمل أيّ نفع لإيران." ويقول: "في اليوم الذي ستكون فيه العلاقات ذات نفع للشعب الإيراني سأكون أوّل شخصٍ يؤيّد ذلك"10. في العام الماضي، نشُرت أحاديث صحفيّة لرئيس مجلس الشورى علي لاريجاني تتحدّث عن تفاوضٍ واسع يفتح جميع ملفّات الخلاف11. وعقب فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية، قال محمد جواد لاريجاني، شقيق رئيسَ السلطتين القضائية والتشريعية، وواحد من منظّري التيار الأصولي في إيران: "مستعدّون للتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية ولو في قعر جهنّم12، إذا ما اقتضت مصلحة الجمهورية الإسلامية ذلك"، و"المفاوضات مع أميركا ليست تابوهًا حتى تكون محرّمة." وانضمّ الأخ الثالث صادق لاريجاني، وأدلى بدلوه في هذه المسألة في اجتماع لكبار المسؤولين في السلطة القضائية التي يرأسها، مشدّدًا على أنّ "على الأميركيين أن لا يظنّوا أنّه بإمكانهم ابتزاز شعبنا عبر الجلوس على طاولة المفاوضات مع إيران"13. وعند إمعان النظر في مجمل التصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانييّن على هذا الصعيد، نجد أنّها تنوّعت من حيث مستويات المسؤولية، لتشمل رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، ورئيس مجلس الشورى، ورئيس السلطة القضائية، وقبل ذلك كلّه نخبًا وشخصيات أصولية مقرّبة من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية. والحال ذاتها نجدها في مؤسسة الرئاسة الإيرانية.

ويمكن القول: إنّ باحثين وأساتذة جامعات من أصول إيرانية، ساهموا في إحداث التقارب، وخلقوا حالة من النقد للعقوبات وازدواجية السياسة الأميركية تجاه إيران. وربّ ا يكون ذلك سببًا في بدء الحديث عن "لوبي إيراني" في الولايات المتحدة الأميركية. وسط تراجع وتيرة الخطاب الأيديولوجي في الجمهورية الإسلامية، يتعالى الحديث عن ضرورة قيام إيران بمضاعفة فرصها على صعيد سياستها الخارجية من خلال تعزيز قدرتها في مجال الطاقة (النفط الخامّ، والغاز الطبيعي)، وإيجاد شبكة من العلاقات العامّة على مستوى العالم. وفي الوقت الذي تتقافز إلى السطح من جديد ملفّات

  1. مذاكره ورابطه با آمريكا از ديگاه رهبر معظم انقلاب، على الرابط: http://www.edalatkhahi.ir/005465.shtml
  2. رهبر معظم انقلاب در جمع نخبگان دانشگاهی یزد "، 15 دي 68، على الرابط: http://www.adlroom.ir/vdch.inzt23nziftd2.html
  3. لاريجاني: مذاكره با آمريكا خط قرمز نیست" (لاريجاني: التفاوض مع أميركا ليس خطا
  4. مذاکره با آمریکا حتی در قعر جهنم؟"! (التفاوض مع أميركا ولو في قعر جهنم)، تابناك، 17 آبان 2012/11/7(1391)، على الرابط: http://goo.gl/4ciMeL 13  " مواضع تازه برادران لاريجاني درباره رابطه با آمريكا" (مواقف جديدة للإخوة دنياي اقتصاد، العدد لاريجاني بشأن العلاقة مع أميركا)، صحيفة 2781، 1991/8/18، ص.8
  5. الف أحمر)،، 9 بهمن 1391، على الرابط: http://alef.ir/vdcj8aeviuqeayz.fsfu.html?177025

الخلاف وكمّ كبير من الأسئلة بشأنها، يتقدّم السؤال الجذري المتعلّق براية "مواجهة الاستكبار" التي ترفعها إيران، وإذا ما كانت جزءًا جوهريًّا ومكوّنًا أساسيًّا في الثورة أم لا؟ وتبُرز بعض الإجابات الصادرة من طهران اليوم مقدار التحوّل؛ فالبعض يقدّم إجابة نافية، مفصّلً أنّ ظروفًا ومجريات سياسية هي التي فرضت هذا الشكل من العلاقة بين الجانبين، وهذا لا يعني ضرورة استمرار الحالة. باتت "المصلحة الوطنية" هي الثابت الذي تتحدّث عنه إيران اليوم. تبعًا لذلك تطفو إلى السطح القاعدة التي تحكم العلاقات الدولية: لا يوجد عدوّ دائم أو صديق دائم.

اجتماعيًّا: قطيعة مع الشعارات الكبرى

لعلّ نظرة أعمق إلى الأمور تكشف عن علاقة تربط بين صعوبة الحفاظ على هذه المعادلة والتحولّات التي شهدتها إيران على الصعيد الاجتماعي وتعدّد الأجيال في مجتمعٍ واحد، مع وجود فجوة بدأت تتّسع بين أبنائها، ونوع من القطيعة تتّضح ملامحها يومًا بعد آخر وبصورة مركّزة بين الجيلين الأوّل والثاني للثورة من جهةٍ، والجيل الخامس من جهةٍ أخرى. الجيل الأوّل: وهو جيل السبعينيات (في الفئة العمرية 30-20 سنة) وفقًا لتقسيم كثير من علماء الاجتماع الإيرانيين. ظهر في إيران بعد إصلاحات الأرض وظهور الطبقة المتوسطة التي تسكن المدن من جهة، واتّساع طبقة العمّ ل من جهةٍ أخرى. وشكّل هذا الجيل القاعدة الاجتماعية والسياسية التي قامت عليها الثورة الإسلامية عام 1979. وحمل ثقافة مزدوجة في نضاله ضدّ القوّة الحاكمة. ولأسبابٍ مختلفة، اختلط الاتجاه الإسلامي بالاتجاه الاش ارركي في عملية الثورة هذه. وتميّز هذا الجيل بالحركة والنشاط والمبادرة. وحمل شعارات أيديولوجية واضحة تجاه العلاقة مع الغرب وأميركا على وجه الخصوص. الجيل الثاني: وهو الجيل الذي كان ضحيّة الحرب الدموية التي نشبت مع العراق عقب الثورة الإسلامية بوقتٍ قصير. وبقي هذا الجيل تحت تأثير الأجواء الأيديولوجية والسياسة التي طغت في تلك الفترة. وقدّم حياته بسخاء في سبيل شعاراته في جبهة الحرب. والجيل الثاني هو الجيل الأكثر عرضةً وتأثّرًا من بين أجيال الثورة، مع ما تميّز به من فاعلية ومبادرة. الجيل الثالث: وهو الجيل الذي وصل إلى سنّ ال 30-20() في الثمانينيات والسنوات التي تلت الحرب. وهذا الجيل وإن كان من مواليد السبعينيات ورأى النور في عهد حكم الشاه محمد رضا بهلوي، لكنّ فترة نضوجه العمري والاجتماعي كانت في السنوات الأولى للثورة وسنوات الحرب. وهو الذي اختبر الحرب وغياب الأمن، وكان محتقنًا ومهيَّأ للانفجار. شهد هذا الجيل سنوات إعادة البناء الاقتصادي والثقافي التي عرفتها بلاده بخاصّة في عهد هاشمي رفسنجاني. وكان يصارع لتعزيز مكانته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية حتى لا يتأخّر عن مسيرة التنمية. وهذا الجيل هو أوّل من قام بالاعتراض الذي كان ممزوجًا بخيبة الأمل الاجتماعية والإحباط في أواخر التسعينيات. وأطلق من خلال حضوره المليوني في انتخابات عام 1997، ومن خلال حركة الاحتجاج الطلابية عام 1999، العنان لسخطه على سنوات الحرب والتضييق على الحريات. الجيل الرابع: وهو الذي بدأ تدريجيًّا في التسعينيات الدخول إلى الدورة السِنّية من 30-20(.) قطع هذا الجيل ارتباطه بالجيل الأوّل. أمّا فلسفته وأهدافه، فلا تلتقي مع أهداف الجيل الأوّل، كما لو أنّه حدثت فجوة بين الجيلين. رأى هذا الجيل النور وطوى طفولته في الثمانينيات، وفي عقد التسعينيات كان ينهي تعليمه المدرسي. ويختلف هذا الجيل تمامًا عن الجيلين الأوّل والثاني، ولكنّه يشترك مع الجيل الثالث في سعيه للمواجهة وتقديمه الخطط الجديدة للانسلاخ عن البنى الاجتماعية والسياسية القديمة. وهو الجيل الذي شارك في الانتخابات الرئاسية العاشرة ولديه آمال في إحداث تغيير جذري. لكنّه يميل إلى مواجهة سلمية، وإن كان ينقصه الاتّجاه الواحد والقيادة. وجاء تحرّكه نتيجة للمطالبات التي لم تجد صدى لدى الجيل الحاكم الذي يملك السلطة. وإن كان هذا الجيل هو من حمل على عاتقه مسؤولية بدء التغيير الاجتماعي، لكنّه لن يكون من يكتب الخاتمة على ما يبدو. وإن كان العنف والمواجهة قد صبغا الجيل الأوّل والثاني، فإنّ الجيل الثالث والرابع يميلان إلى تغييرٍ سلمي وبناء ديمقراطي للقدرة السياسية. وهو ما يتوقّع كثيرون أن يقطف ثماره الجيل الخامس. الجيل الخامس: هو الذي سيصل إلى الفئة العمرية) 30-20(في العقد الحالي. وهذا الجيل لم يشهد الثورة ولا عنف الحرب. وصار بينه وبين تعاليم الجيل الأوّل والثاني مسافة واسعة، وحتى بالنسبة إلى علاقته بالجيل الثالث لا يبدو الوضع أحسن. ولهذا

الجيل صفات خاصّة لا يشترك فيها مع الأجيال السابقة. وسيدخل هذا الجيل في العقد القادم الميدان الاجتماعي. وسيكون له المعدّل الأكبر من حيث تعداد السكّان. وفي الوقت الحاضر، فإن %70 من سكّان إيران تقلّ أعمارهم عن 30 عامًا، وهذه النسبة سترتفع بصورة ملحوظة في العقد القادم. والمرحلة القادمة ستكون مرحلة غياب الجيل الأوّل والثاني وتقاعدهما. ومن صفات هذا الجيل المهمّة الحضور المتساوي والفعّال للفتيات؛ فهو جيلٌ يتوق إلى المشاركة والمساواة بصورة لا سابق لها. ومن الناحية الاجتماعية، فإنّ نسبةً كبيرة من هذا الجيل ستنمو في فضاء المدن، وجزءًا كبيرًا أيضًا هو من الطبقة المتوسطة التي تعيش في المدن. ومن ناحية أخرى، فالفئة الأكثر قابلية للتأثّر بالمشكلات هي الفئة التي تعيش على أطراف المدن ومن العائلات الفقيرة المكافحة. وستكون المدن الكبيرة والمتوسطة هي مركز نشاط هذا الجيل. ومن الناحية الثقافية تشير معطيات كثيرة إلى أنّ المسافة واسعة بينه وبين الأجيال السابقة. وهو شديد العداء للثقافة الرسمية الحكومية. ومع وصول هذا الجيل إلى وسائل الاتصال الحديثة من إنترنت وغيرها، لن يكون للوسائل التثقيفية القديمة والتقليدية أيّ أثرٍ فيه. وهو ما سيوسّ ع من دائرة مطالباته.

أمّا من الناحية السياسية، فهذا الجيل أكثر بعدًا عن الطروحات الشعاراتية التي فرضتها الحكومة على مدى سنواتٍ طويلة. وهو الجيل الأقلّ ميْلً للاعتقاد المذهبي، بخاصّة في المجال السياسي والاجتماعي. ويميل إلى رؤية الدين بوصفه مسألة فردية ضيّقة الحدود.

المآخذ الإيرانية على الاتّفاق

وتأثيرها. على الرغم من أنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني تحدّث عن اعتراف رسمي بحقّ إيران في التخصيب، فنصّ الاتفاق لا يتضمّن ذلك مطلقًا. كما أنّ الاتفاق يتضمّن نقاطًا ستُحدث جدلً ومعارضة داخل إيران، نلخّصها في التالي: لم يرد في الاتفاق أيّ جملة تنصّ على الاعتراف رسميًّا بحقّ إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، طبقًا للمادّة الرابعة من معاهدة وكالة الطاقة الذرّية. ولا يمكن عدّ عبارة "استمرار التخصيب" التي وردت في نصّ الاتفاق تعني "الاعتراف رسميًّا"14. عند الحديث عن الخطوات النهائية في الحلّ، وضعت مجموعة 1+5() ثلاثة شروط ليكون التخصيب جزءًا من البرنامج النووي الإيراني. وهذه الشروط، هي: -1 أن يكون محدودًا من حيث المستوى والقدرة وحجم المخزون المخصب، ونطاقه وموقعه. -2 أن يخضع لرقابة مشدّدة. -3 إثبات الحاجة العملية إليه Consistent with practical-needs، وهذا الشرط تحديدًا يعطي الجانب الغربي فرصة القول إنّ الحاجة العملية لا تتطلّب قيام إيران بالتخصيب داخل أراضيها؛ وذلك بسبب الحاجة إلى وقود للمفاعلات. وهذه الشروط تبُرز في حقيقتها سعيًا لتفكيك البنية التحتية لتخصيب اليورانيوم. نصّ اتفاق جنيف صراحةً على ضرورة التزام إيران بقرارات مجلس الأمن الدولي. وهذا يعطي للقوى الغربية الحقّ في أن تطلب تعليق التخصيب حتى بالنسبة إلى ما دون %5 الذي جرى القبول به. وهو ما ينصّ عليه قرار مجلس الأمن. ما ستحصل عليه إيران في ما يتعلق بالعقوبات قليل لا يُذكر، مقارنةً بما هو مطلوب من إيران أن تلتزم به.

البعد الأعمق والوسيط السرّي

يمكن القول إنّ اتفاق جنيف بمنزلة إعلانٍ واعتراف بإيران بوصفها قوّة إقليمية، وهو ما سيقود على المدى البعيد إلى رفع قدرتها الإستراتيجية. وبات مؤكدًا أنّه لا يمكن تجاهل حضور إيران بوصفها لاعبًا إقليميًّا بخاصّة في الساحة السورية والعراقية. وباتت دعوة إيران إلى مؤتمر "جنيف 2"، والمزمع عقده بشأن سورية في كانون ثاني / يناير 2014، مطروحة بقوّة. ما يعني أنّ طهران حصلت على إقرارٍ دولي بدورها

  1. انظر النص الكامل لاتفاق جنيف، على الرابط: http://media.farsnews.com/media/Uploaded/Files/Documen ts/1392/09/03/13920903000147.pdf

وعلى صعيد العلاقة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، لا يغادر هذا الاتفاق إطار تطبيع مسألة التفاوض بين الجانبين؛ إذ غادرت إطار السرّية وصارت شأنًا معلنًا، متجاوزة حدود التجريم في الساحة السياسية الإيرانية. ومن المؤكّد أنّ هذا الاتفاق كان جزءًا من خمس جلسات محادثات سرّية بين الجانبين استضافتها عمُان على مدى الأشهر الماضية15؛ إذ سبق بعض هذه اللقاءات انتخاب حسن روحاني رئيسًا لإيران، وكانت الجلسة الأخيرة الحاسمة بحضور ويندي شيرمان وكيلة وزارة الخارجية التي ترأّست الوفد الأميركي في المفاوضات بين إيران والدول الستّ الكبرى قبل محادثات جنيف. وتعدّ شيرمان واحدة من أبرز خبراء العقوبات في الحكومة الأميركية، ما يعني أنّ الاتفاق بشأن العقوبات قد يكون أوسع ممّ أعلن عنه في اتّفاق جنيف. وتُرجع بعض التسريبات المحادثات السريّة إلى تاريخٍ يسبق ذلك بكثير، وتعيده إلى الفترة التي كان فيها منوجهر متكي وزيرًا لخارجية إيران، وأنّ ثلاثًا من خمس جلسات جرت في عهد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد؛ إذ أشيع أنّ تسريب أنباء لقاء إيراني - أميركي في عمُان برعاية السلطان قابوس، كان سببًا في إقالة متكي من منصبه بطريقة مشينة16. ويبدو أنّ الدور العماني على هذا الصعيد، يتجاوز مستقبلً دور الوساطة إلى ما هو أعمق، بخاصّة مع التقارب الكبير الذي شهدته العلاقات العمانية الإيرانية خلال الأعوام الماضية، وما تداولته مراكز بحثية في إيران بشأن اتفاق أمنيّ في منطقة الخليج. ويعتقد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آية الله هاشمي رفسنجاني، أنّ إيران نجت من مأزق17. ويُجري رفسنجاني مقاربة بين اتفاق جنيف وإع ناا وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية؛ "كان هناك معارضون شديدو العناد لوقف الحرب منهم قادة عسكريون بارزون، لكن لم يكن من الحكمة الاستمرار في القتال." ويختم السياسي الإيراني الذي يدافع بشدّة عن التفاوض مع أميركا، بأنّ إيران اليوم "تعيش ظرفًا مشابهًا، وكما استطاعت أن تتجاوز تلك المرحلة وتنهيها لمصلحتها، ستختم المحادثات بشأن برنامجها النووي."

خلاصة

يحقّق اتفاق جنيف بالنسبة إلى إيران حدًّا من المطالب يمكّنها من التقاط الأنفاس. ومن أهمّ ما تركه الاتفاق على الصعيد الداخلي أنّه رصّ صفوف الجبهة الداخلية الإيرانية التي عانت من شرخٍ عميق بعد انتخابات الرئاسة العاشرة عام 2009. لا نقلّل هنا من تأثير معارضي الاتفاق وحضورهم، لكن جبهة المعارضين تعاني من غياب الانسجام الذي تشهده الجبهة المؤيّدة بعد أن أصبحت تضمّ في صفوفها الحرس الثوري؛ فهذا الاتفاق لم يكن ليتمّ من دون مباركة مؤسّسة الحرس. ويمهّد هذا الاتفاق بلا شكّ لبداية تنهي حالة العزلة التي أحاطت بالجمهورية الإسلامية خلال السنوات الماضية؛ فقد "فتحت لها الطريق" على حدّ تعبير رفسنجاني. وإدامة إنجاح مسار التفاوض تأتي مرتبطة بدور لإيران في مسائل سورية وفلسطين أيضًا. سيقود ذلك إلى علاقاتٍ وتحالفات وتقارب من جانب عددٍ من الدول مع إيران، ودول الخليج ليست بمنأى عن ذلك. ومن الممكن أن تقوم عمان بدور بارز على صعيد حلحلة الموقف الخليجي تجاه إيران18؛ فالتقارب بين البلدين مرشّح للتطوّر إلى أبعد من دور الوساطة، إلى اتفاقيات أمنيّة وعسكرية.