الطائفية وفتيل الحرب الأهلية في اليمن
الملخّص
تناقش هذه الورقة جذور وتطورات المنافسة بين الحوثيين والسلفيين، استنادًا على ما جرى مؤخرًا من حصار جماعة الحوثي لقرية دماج والهجوم المسلح عليها في منطقة صعدة شمالي اليمن. ترسم هذه الورقة الخريطة المذهبية للمنطقة وأضاعها الثاثة؛ المذهب الزيدي الغالب، إضافة إلى القطبين الجديدين الذين انبثقا في المنطقة ممث ان في الحوثيين والسلفيين، وتعرض المابسات التاريخية التي قادت إلى هذا الوضع. أيض ا تناقش الورقة لعب الحكومة اليمينة، في فترة حكم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، على التناقضات المذهبية في هذه المنطقة، ودور ذلك في عسكرة المنطقة وتحويلها إلى بؤرة ملتهبة. كما تعرض الورقة موقف الحكومة الحاليّة من العنف في صعدة، وسلبيتها في التعاطي معه كما ترى الورقة ما قد يؤدي إلى اتساع رقعة النزاعات الطائفية في اليمن، وربما انزلاق الباد إلى حرب أهلية. وتعرض الورقة أيض ا الدور الإيراني في صعدة وفي جنوب اليمن، استنادًا على شحنات الأسلحة، وما صرح به المسؤولون اليمنيون بشأنها.
مقدمة
مع قرب عيد الأضحى عام 1434 ه (تشرين الأول / أكتوبر 2013)، تعرضت قرية دماج اليمنيّة لحصار وهجوم مسلح من حركة الحوثي، راح ضحيته عشرات القتلى من الطرفين المهاجمين والمدافعين على حدّ سواء. وعجزت لجنة الوساطة الرئاسية حتى اليوم عن إيقاف إطلاق النار، ووقفت الدولة موقف المتفرج على الأحداث و"الواعظ"، والمحذِّر من حرب أهلية. وهذه الصورة تختصر الواقع اليمني في بعده التفاعلي؛ إذ تتشكل قوى المستقبل في ظلّ الفراغ السياسي، وحالة الانفلات الأمني التي يعانيها اليمن منذ توقيع المبادرة الخليجية بصيغتها التي رأت في الثورة الشعبية أزمةً سياسيةً بين سلطةٍ ومعارضةٍ. تحاول هذه الورقة الإجابة عن سؤالين اثنين: هل يمكن أن تعود دورة الصراعات الطائفية في اليمن؟ وهل أنّ ما يجري في المنطقة العربية من استقطاب مذهبي وطائفي بعيد من اليمن؟
دماج وصعدة: المتحول والأصل
دماج هي قرية صغيرة تقع في إحدى أودية منطقة صعدة، شمالي اليمن، أخذت شهرتها من دار الحديث السلفية التي أسسها الشيخ مقبل بن هادي الوادعي. وتتلخص سيرة هذه الشخصية في كونها من أبناء قبائل صعدة المتعصبين للمذهب الزيدي. وقد دفعها شظف العيش إلى الهجرة إلى السعودية في مقتبل العمر. وفي هجرته تحوَّل مقبل الوادعي من عاملٍ بسيط إلى طالبٍ للعلم، فانتسب إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتخرَّج منها، في وقت ضمَّت فيه رموزًا من علماء السلفية من مختلف أرجاء العالم الإسلامي. وعقب أحداث جيهمان العتيبي الشهيرة في الحرم المكي، عام 1400 ه / 1979 م، جرى إبعاد مقبل بن هادي إلى اليمن، في مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم. وأثناء عودته إلى اليمن أسَّس في منطقته، وقد تحوّل عن مذهبه الزيدي - الهادوي إلى السلفية، معهدًا لنشر العلوم الشرعية. غير أنه واجه صعوبةً كبيرةً في نشر آرائه ومعتقداته (السلفية) الجديدة في بيئة تُ ثّل المعقل بالنسبة إلى المذهب الزيدي. بدأ الوادعي بنشر مذهبه الجديد داعيًا إلى الارتكاز على النصوص الشرعية بدلً من أقوال الرجال، ومن ثمَّة الانفتاح على كلّ المذاهب الفقهية بحسب قربها من النص، رافضًا فكرة امتلاك الحقّ المطلق، واحتكار الصواب الذي لا خطأ معه، بوساطة سلالة، أو مذهب معيَّ. كما أنه دعا إلى القضاء على العادات والتقاليد التي صاحبت المذهب الزيدي - الهادوي، تلك التي تقضي بتحريم زواج الهاشميات من بقيَّة أبناء القبائل، وإرغام الهاشميين على الزواج من الهاشميات وحدهنّ، بوصف ذلك إجراءً ضامنًا للطبقية الاجتماعية، والأساس العنصري للمكانة الدينية.
أدخلت هذه المعتقدات والآراء الوادعي في صراع فكري مع أبناء المنطقة الذين يدين أغلبهم بالمذهب الزيدي - الهادوي. وقد استمرّ ذلك الصراع عقودًا؛ فصعدة هي المحضن الأول الذي لجأ إليه الإمام يحيى بن الحسين (الهادي.) ومنها انطلق في تأسيس الدولة الزيدية في اليمن. كما أنها كانت المكان الذي تتحصَّن فيه الزيدية في حالات ضعفها، لتنطلق مرَّةً أخرى في الاتساع، واستمرّ هذه الحال على مدى زمني قارب الألف عام. لم يقتصر الوادعي في حياته على إدارة صراعه مع عشيرته، بل ذهب يبشر بدعوته حتى ذاع صيته، فتوافد عليه المريدون من عموم اليمن، ومن مختلف الدول العربية والإسلامية، بل الغربية أيضًا. وأصبحت دماج قِبلةً لطلَّ ب الحديث من جميع الأجناس والبلدان، وبدأت تشكِّل بهذه الروح تهديدًا لقلعة الزيدية فكرًا وحضورًا اجتماعيًّا. وأدَّى انتشار السلفية إلى نشوء الحوثية حتى تواجه ما مثَّلته تلك من تهديد للمذهب. وقد جاء في وصف يحيى بدر الدين الحوثي لتنظيمهم، المسمى "الشباب المؤمن"، أنها حركة ثقافية لمواجهة المدّ السلفي الذي قال عنه إنه "هاجمنا في بيوتنا باليمن"1. وجاء في حديث محمد بدر الدين الحوثي، عضو الهيئة الإدارية لتنظيم الشباب
المؤمن2، وأحد مؤسسّي موقع المنبر التابع لحركة الحوثي: "كانت نشأة المنتدى استجابةً للواقع الذي كان يعيشه شباب الزيدية من جهلٍ وضياعٍ، خصوصًا والدعوة الوهابية في صعدة في أوج نشاطها"3. وأخذ حسين الحوثي الذي أسَّس تحوُّل تنظيم الشباب المؤمن إلى وضعه الحالي على عاتقه، القيام بإعادة بناء الهيكل الذي بدأ يتهاوى على إثر سقوط دولة الإمامة عام 1962، وقيام نظام جمهوري محلها، يقوم على أساس المساواة في المواطنة والحقوق والواجبات. وعمل حسين الحوثي على إيجاد الحواجز النفسية لدى أبناء صعدة خصوصًا، وتابعي المذهب الزيدي عمومًا، تجاه ذلك المكون الدخيل على صعدة، وفقًا لرؤيته. فوجد بغيته في إثارة القصص التاريخية التي يتداولها الشيعة الإثني عشرية، بخصوص عداء صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لآل البيت، وتطبيق تلك القصص بإسقاط التاريخ الإسلامي كلِّه وصولً إلى الواقع المعاصر4.
تاريخ الطائفية في اليمن
لم يكن اليمن عبر تاريخه بمنأى عن الدعوات الطائفية التي ظهرت منذ القرن الأول للإسلام. فبحكم قربه من أرض الحجاز والحرمين الشريفين، ولكونه أرضًا محصَّنةً لوعورة جباله وبأس رجاله، قصده دعاة مذاهب رغبوا في اتخاذه منطلقًا لثوراتهم المسلحة. وكان من بين هؤلاء أئمة ينتسبون إلى آل البيت. لهذا قامت في اليمن دول لبعض الفرق والطوائف الإسلامية، كالخوارج والقرامطة6 والإسماعيلية7 والزيدية8 وغيرهم. وشهد اليمن حروبًا واسعةً على مدار قرون عدّة لترسيخ هذه الدول وتوسيع نفوذها. وقد ساعدت هذه الدعوات والحروب على تقسيم المجتمع خلال تلك الحقبة التاريخية إلى طبقات وسلالات وطوائف مذهبية متعصبة. وتزخر كتب التراث اليمني بصور من التعصب الطائفي والآراء الداعية إلى الإقصاء والتهميش والتحريض، وبأحداث التضييق والعنف، وأحيانًا بالإبادة الجماعية التي مارستها بعض الطوائف ضدّ مخالفيها. فأغلبيّة هذه الفرق كانت ترى أنها الحقّ، وأمَّا ما عداها فهو كُفر. ومن ثمَّة كفَّرت عموم المسلمين وضلَّلت مذاهبهم ودخلت معهم في معارك وحروب، إمّا لإخضاعهم وحمْلهم على المذهب، وإمَّا لإبادتهم9 وعلى الرّغم من البأس الذي كانت تتمتع به هذه الفرق والتدابير التي كانت تتخذها في إرهاب خصومها ومخالفيها، فإنّ هذه الفرق سرعان ما اندثرت دولها واندرست مذاهبها، حتى باتت فِرق الباطنية بطوائفها، والخوارج قلةً نادرةً في المجتمع اليمني. وتذكر بعض المصادر أنّ نسبة الزيدية في اليمن الشمالي قبل الوحدة كانت تصل إلى 35 في المئة؛ على الرّغم من عدم وجود إحصائيات
دقيقة وعلمية في هذا الشأن. في حين تتحدث مصادر أخرى عن أن نسبة الإسماعيلية - حاليًّا - لا تتجاوز 0.2 في المئة11. ولربما تكون الزيدية قد صمدت في اليمن أكثر من ألف عام بسبب اعتدالها، مقارنةً ببقية طوائف التشيع الباطني وفِرق الخوارج، وذلك في العموم الأغلب من علمائها وأئمتها. لذا شهدت بعض عهود حكمها نوعًا من التعايش مع المكوِّن السني الأكثر انتشارًا، المنتسب إلى المذهب الشافعي. وقد أثَّر هذا الاعتدال والتعايش في تحوُّل عدد غير قليل من علماء الزيدية المجتهدين إلى مذهب أهل السنة، أو في الاقتراب منه، كأمثال ابن الوزير 775( – 408 ه)، والمقبلي 1047( ه – 1108 ه)، والجلال 1014( – 1084 ه)، والصنعاني 1099( – 1182 ه)، والشوكاني 1173( – 1255 ه)، وغيرهم الكثير. وحتَّى لا تستمرّ حالات التحول هذه، سعى الحوثيون جاهدين في طمس معالم هذه المراحل التاريخية، وهذه الرموز العلمية، تحت مظلَّة التعصب لآل البيت، وميراثهم العقدي والفقهي في رؤيته "الهادوية." وهذا ما تحفل به دروس حسين بدر الدين الحوثي ومحاضراته التي فُرضت على نحوٍ ملازم، وهي تطبع، ويجرى تداولها كأدبيات شرعية وفكرية وحركية. إنّ الطائفية، بهذه الصورة التي تختصر الأمة في فئة مقدسة والدين في مذهب حق، تحفِز المنتمين إلى المذهب الزيدي على الانخراط في مشروع الحوثيين السياسي بأبعاده الفكرية والسياسية والعسكرية، بالنظر إلى أنّ اليمن بلد مغلق على الزيدية. وقد تنبَّه محمد محمود الزبيري 1910( - 1965) إلى هذا التوظيف الذي يجرى باسم المذهب، فقال: "إنّ الإمامة من أساسها فكرة مذهبية طائفية يعتنقها من القديم شطْر من الشعب وهم "الزيدية - الهادوية"، سكان اليمن الأعلى فقط، أمّا أغلبية الشعب فإنهم جميعًا لا يدينون بهذه الإمامة، ولا يرون لها حقًّا في السيطرة عليهم، بل إنهم يرون فيها سلطةً مفروضةً عليهم سياسيًّا ودينيًّا. وهذه الإمامة لا تقف عند حدود سلطانها السياسي، بل تفرض على شطْر الشعب معتقداتٍ وطقوسًا وأحكامًا مذهبيةً لا تتَّفق مع مذهبه. وهكذا نجحت الإمامة في تصنيف الشعب إلى فريقين مختلفين كلّ منهما مطية إلى هدف من أهدافها"12.
البيئة الاجتماعية وبنية الدولة
تقوم البيئة الاجتماعية في صعدة وعموم اليمن، غالبًا، على العصبية القبلية على نحوٍ ملحوظ، إلى الحد الذي تطغى فيه القبيلة على الفرد، ويصبح ولاؤه لها أكبر من ولائه للدولة، أو الوطن بمفهومه الشامل. وهذا الوضع نتاج طبيعي لمنطقة ظلَّت فيها الدولة غائبةً عن أدوارها لكونها باتت محلَّ نزاع وصراع مستمرَينّ بين الطوائف والقوى. فالقبيلة أصبحت الملجأ الآمن والسدَّ الدفاعي الأول لحقوق الأفراد ومصالحهم، وهي التي تمتلك السلاح والرجال المقاتلين للقيام بهذه المهمة. وهنا لا يمكن إغفال تاريخ صعدة التي ظلَّت عصيَّةً على الوقوع تحت سيطرة الدولة الحديثة بعد قيام الجمهورية عام 1962، فقد بقيت معقلً للملكيِيّن الدَّاعين إلى إعادة دولة الإمامة الزيدية؛ ما جعلها خارجةً عن سيطرة النظام السياسي في صنعاء، وسوقًا مفتوحةً للسلاح، كما أرادها بعضهم.
لم تصل الجمهورية إلى الطريق الصحيحة حتى بعد 50 عامًا من قيامها. فقد تصارعت أجنحة الحكم عليها، وظلَّت مهدَّدةً من قوى خارجية بأنواع من صور التدخل. ولم تحقق أيًّا من شعاراتها في العدل والمساواة في الحقوق والواجبات والتنمية والشورى، لتنتهي في عهد علي عبد الله صالح إلى ملكية بلباس جمهوري. وأصبح اليمن، وفقًا للتقارير الدولية المختلفة، دولةً "هشةً"، "فاشلةً"، "مؤهلةً للانهيار." فحتى الإعلان عن النظام الديمقراطي التعدُّدي الذي شهدته البلاد عام 1990، بالتزامن مع قيام الوحدة، لم يكن سوى تحوُّل شكلي وانكشاف لحالة "الاهتراء" و"التمزق" التي وصل إليها اليمن؛ نُخبًا سياسيةً ومجتمعًا. فعلى الصعيد الحزبي جرى، في ذلك الوقت، الإعلان عن أكثر من 40 كيانًا سياسيًّا، ينتمي إلى أطياف من التيارات المذهبية والفكرية والسياسية، في مجتمع لم يتجاوز تعداده السكاني 15 مليون مواطن.
هذا الواقع، مع تغيرات المشهد الدولي، عقب سقوط بغداد عام 2003، أتاح لإيران أن تكون حاضرةً بقوَّة في السياسة الإقليمية بالشرق الأوسط، ما مهَّدَ الطريق أمام حركة الحوثي للتشكل كقوة مسلحة ذات خطاب "أيديولوجي" تعبوي تتلمَّس طريقها نحو السلطة. وخلال ستة أعوام 2004( - 2010)، خاضت فيها الحركة الحوثية ستة حروب مع نظام صنعاء، ظلَّت فيها رؤيتها في علاقتها بعلي عبد الله صالح ضبابيةً. ولم تكن أسباب الحرب وأبعادها، عبر هذه السنوات الستّ، واضحةً، على الرّغم من أنّ الحوثيين انضووا إلى حزب علي عبد الله صالح في فترة سابقة للحرب. فإمدادات السلاح والذخيرة والتمويل لم تنقطع عن الحركة خلال حروبها، وحالات إعلان الحرب والتوقف عنها لم تكن تخضع، في ما يبدو، لأيِّ معايير قانونية أو اعتبارات سياسية واضحة، عدا المزاج الشخصي لرئيس الجمهورية وبعض الوساطات المحسوبة على الحوثيين أنفسِهم. وفي الوقت الذي كان فيه كلّ طرف يغالي في اتهامه للطرف الآخر أمسِ، أصبح الطرفان، بعد الثورة الشعبية 2011()، متوافقين ومتناغمين في مواقفهم وخطابهم الإعلامي13، وخصوصًا في مؤتمر الحوار الوطني. كما أنّ تسليم علي عبد الله صالح محافظة صعدة للحوثيين على إثر الثورة الشعبية، وتزويدهم بأسلحة الجيش المختلفة14، جعل من حركة الحوثي التي كانت توصف بالمتمردة، سلطةً نافذةً في صعدة. وهدف صالح من ذلك، في ما يبدو، هو الانتقام من الثورة الشعبية التي أفشلت مشروع بقائه في السلطة وتوريثها لابنه من بعده.
أنصار الله: تزاوُج المذهب والسلالة ضدّ الطائفية
في الفكر الزيدي تزاوُج بين المذهب والسلالة؛ ف "الفقه" و"الولاية" لآل البيت. وآل البيت المعتبرون في الفكر الشيعي هم من كانوا على فكر "الطائفة" من "البطنين." وأمَّا غيرهم من آل البيت المنتسبين إلى المذاهب المخالفة، سواء داخل التيار الشيعي، أو في التيار السني، فلا وزن لهم، بل قد يطعن في نسبهم، أو في دينهم بسبب أيِّ خلافٍ مذهبيٍّ.
وقد أطلق الحوثيون على أنفسهم مؤخرًا مسمَّى "أنصار الله"15. وهذه التسمية، على نحو ما هو ظاهر، مقاربة في اللفظ والتوظيف لمسمى "حزب الله." وعلى الرّغم من أنّ الحوثيين يعُدُّون "القاعدة" توجُّهًا تكفيريًّا؛ بالنظر إلى أنهم يصفون أنفسهم ب "أنصار الشريعة"، فإنهم يحتفظون لأنفسهم بحق التسمية "أنصار الله." ولم تمنع هذه التسمية الجديدة الحوثيين من طرح موضوع الطائفية والتبرُّؤ منه، كإجراء استباقي لأيّ تنديد بنهجهم الطائفي وأعمالهم في صعدة. فقد بادر قسم المجتمع المدني وحقوق الإنسان ل "أنصار الله" بتنظيم ندوة بحثية بعنوان "الفتنة الطائفية وخطرها على اليمن"، في 2 نوفمبر 2013. وصبَّت جميع الأوراق في اتجاه اتِّهام الطرف الآخر، وتبرئة الحوثيين في المواجهات القائمة16. وعقدت رابطة علماء اليمن
أيضًا - وهي مؤسّسة رسمية محسوبة على النظام السَّابق، تغلب على تكوينها الإداري شخصيات زيدية - مؤتمرًا بعنوان: "التصدي للفتن الطائفية والمذهبية"، حضرته مرجعيات زيدية محسوبة على حركة الحوثي، أو مؤيّدة لها، ومرجعيات محسوبة على التيار الصوفي. في حين غابت عنه رموز زيدية معتدلة وعلماء محسوبون على المذاهب السنية الأخرى17.
ودعا البيان الختامي الصادر عن المؤتمر إلى التسامح، والتصالح، والألفة، ونبْذ الطائفية والفتنة المذهبية18. في حين عرَّض بالتكفيريين، وبأعمال "القاعدة"، من دون أن يسميها، واستنكر انتهاك سيادة اليمن عبر الطائرات من دون طيار. غير أنه تجاهل كليًّا ما يجري في صعدة من حرب يشنُّها الحوثيون على مخالفيهم من دون مبرِّر. لكنّ البيان أكّد أنّ الجرائم التي تُرتكب، نتيجة الاختلاف المذهبي أو الطائفي، من أنواع الفساد في الأرض الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿ولَاَ تُفْسِدُوا فِ الأ رْضِ بَعْدَ إِصلْاَح هَا ذَلِكُمْ خَيْ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنيِنَ﴾، وقوله عزّ وجل: ﴿وَإِذَا تَوَلَّ سَعَى فِ الأ رْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُح بُّ الفَسَادَ﴾، وقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أ نْ تُفْسِدُوا فِ الْ رْضِ وَتُقَطِّعُوا أ رْحَامَكُمْ﴾. وكرَّر البيان الاتهامات التي يسوقها الحوثيون في خطابهم التعبوي تجاه مناهج التعليم، عادًّا إيَّاها منحازةً إلى طرف من دون آخر. فقد دعا المؤتمرون: "الحكومة إلى العمل على مراجعة المناهج الدراسية، وتنقيتها، وتهذيبها من لغة التكفير والتفسيق والتضليل، أو ما يوحي بها بأيِّ شكل من الأشكال، ووجوب تضمينها لآراء المذاهب المعروفة في اليمن، وعدم حصْها في رأي مذهب معين، أو اتجاه ديني معين، كما هو حاصل في المناهج الحالية. وكذا إشاعة روح التسامح، واحترام الآخر، وثقافة التنوع والتعدُّد في تلك المناهج." هذه اللغة التحذيرية انتقلت إلى مؤتمر الحوار الوطني الذي يضمُّ كلّ القوى والمكونات السياسية والثورية والاجتماعية على أساس المبادرة الخليجية لرسم ملامح المستقبل اليمني. فقد اتَّهم حسين العزي، في بيان ل "أنصار الله"19، من سمَّهم "العناصر التكفيرية" بتحويل مركز دماج إلى "ثكنة عسكرية"، ومنطلقٍ ل "أعمال إجرامية"، حتى صار "مركزًا للتدريب يضم بداخله الآلاف من العناصر الأجنبية المسلحة، ينتمون لأكثر من 120 دولةً ويتواجدون في اليمن بشكل غير قانوني." كما اتَّهم البيان اتِّهامًا واضحًا أبناء الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، بالوقوف وراء حشد الجماعات التكفيرية، والسعي لتفجير الوضع، وحمَّل السلطات ومن وصفها ب "القوى التكفيرية المعتدية، ومن يساندها" كامل المسؤولية تجاه أيِّ تداعيات تحدث، محذِّرًا من انزلاق اليمن في أتون فتِنٍ طائفية وحروبٍ داخلية. ولقد جاء ضمن مطالب علماء الزيدية التي وُجِّهت في رسالة إلى الرئيس السَّابق علي عبد الله صالح، لوقف الحرب الدائرة بين الدولة وأنصار الحوثي [هكذا جرى وصفهم]، سحْب مركز دماج السلفي من المحافظة بوصفها زيديةً. فوجود المركز، بحسب رأيهم، استفزاز ومحاربة للمذهب الزيدي. وجرت المطالبة بمنع نشْ جميع الكتب السلفية في المناطق الزيدية20؛ علمً أنّ (دماج) وأهلها لم يشاركوا في تلك الحروب، ولم يحملوا السلاح، ولم يشكِّلوا تهديدًا بالنسبة إلى حركة الحوثيين وتنقّلهم وعيشهم في المنطقة. فهذا الحديث الذي لا يدعمه واقعُ مركزِ دماج، خلال الثلاثين عامًا الماضية، وما يكتنف علاقاته ب "القاعدة" والجماعات الدعوية وحركات الإسلام السياسي من نفور، نظرًا إلى اقتصار القائمين عليه على الشأن العلمي وحده، يجري التسويق له من أجل المطالبة بإخراجه من صعدة، وجعلها محافظةً مُغلقةً على المذهب الزيدي.
الحضور الإيراني المتزايد
يقول نبيل البكيري:
"مسألة الطائفية في اليمن اتخذت بعدًا آخر جديدًا بارتباطها بمنتج هذه النظرية السياسية وعرابها الأكبر، وهي الثورة الإسلامية الإيرانية ممثلةً بجمهورية إيران الإسلامية التي بدأت بتنزيل هذه النظرية على مدى العشرية الماضية من عالم التنظير (تصدير الثورة) في تسعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى واقع الممارسة والعمل مع بداية الألفية الحالية؛ بفعل سقوط بغداد وتسلمها من الأميركيين. لذا نجد مفارقاتٍ عجيبةً في ثنايا هذه الظاهرة الأحدث في المنطقة التي تتمثّل في تجميع كلّ فرق التشيع تحت مظلة الإثني عشرية الحاكمة في طهران، بعد أن كانت عبارة عن فِرق متنافرة يكفّر بعضها بعضًا على مدى قرون من الزمن، كما كان حاصلً بين الإثني عشرية والزيدية الهادوية في اليمن التي تُعدُّ الحوثية امتدادها الأحدث، والتي كفَّر مؤسِّسها التاريخي الإمام الهادي يحيى بن الحسين المذهب الإثني عشري في فتوى شهيرة له"21.
هذا التقارب الذي جاء نتيجةً لأسباب داخلية وعوامل خارجية، مثَّل سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي سنة 2003 تحوّلً إضافيًّا فيه، كما يرى ولي نصر، مؤلف كتاب: "صحوة الشيعة"؛ إذ يقول: "إنّ احتلال العراق أطلق تفاعلً متسلسلً، وإنّ هذا التفاعل سيشتعل على نحوٍ مغايرٍ في لبنان والبحرين والسعودية، لكنّ الحصيلة الإجمالية ستكون قوَّةً شيعيةً أكبر، ومزيدًا من الصِلّات الثقافية الظاهرة الجلاء على امتداد الهلال الممتدّ من لبنان إلى باكستان"22. وهذا، في ما يبدو، هو ما تسعى إيران لاستثماره، بوقوفها المستمرّ إلى جانب الحوثيين في مشروعهم السياسي في اليمن، سواء عبْ المواقف السياسية والتبني الإعلامي، أو الدَّعم المادي والمالي بما في ذلك السلاح. وقد صرَّح وزير خارجية اليمن أبو بكر القربي مؤخرًا، بأنّ اليمن "يتمنى من إيران موقفًا واضحًا وصريحًا بالتوقف عن التدخل في شأنها الداخلي"، ويأتي هذا التصريح بعد ثبوت تزويد إيران الحوثيين بأسلحة متمثِّلة بعدّة بواخر وشاحنات تحمل شحنات من الأسلحة، جرى احتجازها خلال السنوات الثلاث الماضية23. يمثّل الوضع الراهن في اليمن بما يكتنفه من انقسام وتوزُّع في القوى، بيئةً رخوةً ملائمةً للتوظيف الخارجي. وهذا الأمر تراه إيران ملائمًا لبناء نفوذ لها عبر مدِّ الجسور لأكثر من طرف، ومن ذلك الطرف الحوثي. فإيران تدعم اليوم الحراك الجنوبي، جناح علي سالم البيض، وتسانده في بناء منظومته السياسية والإعلامية، بل في قدراته العسكرية والتسليحية أيضًا.
ولقد كشف الرئيس عبد ربه منصور هادي أنّ لبعض فصائل الحراك الجنوبي ارتباطاتٍ بإيران، وذلك في أوّل تصريح رسمي له، وأضاف أنّ الحراك الجنوبي الذي بدأ مطلبيًّا عام 2007، انتهى ببعض فصائله إلى حراك غير سلمي بفعل التدخلات الخارجية والإقليميه، المرتبطة بإيران خاصةً. وقال صحافي، كان يعمل في صحيفة أُطلِقَت مؤخرًا باسم الحراك الجنوبي، طلب حجب اسمه لدى نشر تصريحه: "إنّ الفصائل الجنوبية الداعية للانفصال، وبات لها قنوات وعدَّة إصدارات من الصحف، وأسّست عدَّة مواقع إلكترونية وتستعين بالشارع في دعم توجه الانفصال يأتي دعمها المالي من إيران عبر متعاونين من لبنان"24. ويؤكِّد هذه العلاقة القيادي في الحراك الجنوبي محمد مسعد العقلة، كما يؤكِّد وجود علاقة لفصيل البيض بجماعة الحوثي، وأنّ هناك شراكةً بين الطرفين للعمل المشترك على مستوى الساحة اليمنية عمومًا، وليس في الجنوب فحسب. وأكَّد العقلة ل "الجزيرة نت"، وجود علاقة للطرفين بإيران، عوضًا من أن تجمعهما بها مصالح مشتركة، ولا سيما سعي الطرفين؛ الحوثيين والحراك الجنوبي، للانفصال عن صنعاء؛ إذ
يطالب الحوثيون بإقامة حُكمٍ ذاتيٍّ، ويسعى الحراك لاستعادة دولة الجنوب25.
في يونيو الماضي قال مستشار الرئيس هادي لشؤون الدفاع والأمن اللواء علي محسن الأحمر، في تصريحات صحافية: "إنّ جماعة الحوثي والحراك الجنوبي أرسلوا مئاتٍ من المقاتلين إلى إيران للتدريب"، مُنوِّهًا بوجود أسلحة متطورة بيد جماعة الحوثي والحراك الجنوبي، من بينها صواريخ أرض جو، وألغام مضادَّة للطائرات. وأكَّد الأمين العامّ للمجلس الأعلى للحراك الجنوبي قاسم عسكر أنّ بعض الشباب في الحراك ذهبوا إلى إيران للتدريب، ومن ثمَّة بحثوا عن التمويل والتدريب من أجل مواجهة الاحتلال الشمالي. ونوَّه عسكر بأنّ "بعض القادة البارزين في الحراك ذهبوا إلى الحوثيين من أجل السلاح، ونحن حذَّرناهم بأن يتوقفوا." وأضاف عسكر أنّ حزب الله اللبناني قدَّم "بعض التمويل لقيادة الحراك، وحصلوا على التدريب الإعلامي لقناة "عدن لايف"، التابعة للحراك، المناوئة للحكومة اليمنية، والتي تبثّ من بيروت"26.
الخلاصة
إنّ عودة الخطاب الطائفي المستند إلى رؤية دينية، وعنصر سلالي، وتعصب مذهبي مسنودٍ بالسلاح وبالقوة العسكرية، كما هو حاصل مع الحوثي، بات أمرًا يتهدَّد السلم الاجتماعي لليمن، والأمن القومي لشبة الجزيرة العربية. فموقع صعدة المحاذي للحدود السعودية الجنوبية يمثِّل حساسيةً خطرةً، وخصوصًا أنّ منطقتي جيزان27 ونجران اللتين يوجد بهما أقلية من الطائفة الإسماعيلية ترتبطان بصعدة قبليًّا وأسريًّا. ويرى أتباع هذه الطائفة أنهم ضحايا لتهميشٍ ممنهجٍ وتمييزٍ مذهبيٍّ من جهة النظام السعودي. كما أنّ منطقة صعدة تتميز بكونها مرتفعاتٍ جبليةً وعرةً؛ ما يجعلها مثاليةً لحرب العصابات، وأرضًا صعبةً أمام الجيش النظامي. وهي واحدة من أشدّ مناطق اليمن فقرًا، علمً أنّ اليمن نفسه يُعدُّ من أشدّ دول العالم فقرًا. وهذا الأمر من شأنه أن يؤهِّل حركة الحوثي لأنْ تجد قبولً نفسيًّا واجتماعيًّا في بيئة محرومة وناقمة، متَّسمة بالعصبية والقدرة القتالية. وفي الوقت الذي تنشغل فيه الحكومة بمواجهة الأزمات التي تقوم بها القوى المعرقلة لتنفيذ المبادرة الخليجية، ويحرص الرئيس اليمني على إنجاح الحوار الوطني وإنهاء فعالياته بتوافق يؤسِّس مرحلةًانتقاليةً توافقيةً، بعيدًا من غياب أيّ مكون سياسي، يصبح تحوُّل الصراع في دماج وحولها، مع غياب الدولة عن حسمه وإنهائه، إلى حرب أهلية طائفية، فرضيةً يتعزّز احتمالها مع الوقت. فالصراع كما يصوِّره بعض الزيدية: هو صراع وجود أو لا وجود.