المشهد السياسي في تونس: الدرب الطويل نحو التوافق

أنور الجمعاوي

الملخّص

واجه المسار الانتقالي في تونس على امتداد شهور مرحلة تاريخيّة دقيقة، كادت تعصف بجهد إقامة الدّولة الدّيمقراطيّة الوليدة، وتقوِّض العمل الت أسيسي لدولة ما بعد الث ورة؛ فتزايدُ وتيرة العنف، وغاء المعيشة، واحتدام الصّراع على السّ لطة، وصعود العصبيّات الجهويّة والأيديولوجية والدّينية، من حين إلى آخر، وعودة أعام الن ظام القديم، وبروز ن ذ ر الث ورة المضادّة، وتراجع ترتيب تونس السّ يادي، كلَ ذلك أخبر الماحظ بأنّ الرّبيع العربيّ مُهدَّد في مهده الأوّل، وأورث في نفس المواطن إحساسً ا بالخوف وشوق ا إلى الطّ مأنينة والاستقرار. وقد زاد الوضع تعقيدًا الواقعُ السّ ياسيُّ المأزوم القائم على منطق الاستقطاب والت نافي بين الت رويكا الحاكمة والمعارضة. وتناقش هذه الورقة أوضاع أبرز القوى السياسية الفاعلة في تونس وتعقيدات الأزمة السياسية، كما تناقش احتمالات المرحلة المقبلة.

مدخل

على الرّغم من أهمّية مبادرة الحوار الوطني التي أعلنها الاتّحاد التّونسي للشّغل بمعيّة عدد من المنظمّات النقابيّة والعماليّة والحقوقيّة الفاعلة داخل الاجتماع التّونسي، ودورها الحيويّ في حلحلة المشهد السّياسيّ وإذابة الجليد بين الفرقاء السياسييّن، فإنّ التحوّل من واقع الشرعيّة الانتخابيّة إلى واقع الشرعيّة التوافقيّة الموسّعة يبدو أمرًا صعبًا، ومطلبًا عسيرًا، كلمّا رام النّاس الوصول إليه فرّ منهم إلى الأقاصي. ما هي أبرز القوى السياسيّة الفاعلة في تونس بعد انتخابات 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011؟ وما هي أسباب الأزمة السياسيّة التي شهدتها البلاد على امتداد شهور؟ وما هي العراقيل التي تواجه مشروع بناء توافق صُلبٍ بين الفرقاء السياسييّن بعد الثّورة؟ وما هي أولويّات المرحلة المقبلة؟ هذه الأسئلة وغيرها ستكون مدار نظرنا في هذه الورقة. وعندنا أنّ تقليب النّظر في المشهد السّياسي التّونسي مشغل راهنيّ مهمّ يتعلّق بتبيّ تشكلّات الفعل السّياسي، وتمثُلّاته، وعوائقه، وإخفاقاته في مرحلة الانتقال الديّمقراطي. فالوعي بجذور الأزمة السياسيّة وعوائق التحوّل نحو التّوافق يندرج في إطار التّحليل التّفكيكي والنّقد الآني لمنجَزات دولة ما بعد الثّورة. ولا نروم في هذه المقاربة إصدار أحكام نهائيّة أو قراءات معياريّة، أو الانحياز إلى طرف من أطراف الأزمة السياسيّة من دون آخر، بل إنّ المراد هو فهْم الموجود واستشراف المنشود.

ملامح المشهد السياسي بعد انتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 2011

القوى السياسيّة الفاعلة

عرف المشهد السّياسي بتونس بعد الثّورة حالةً من التعدّد والتنوّع، وتجلّ ذلك على نحوٍ خاصّ أثناء انتخابات المجلس التأسيسي بتاريخ 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011، تنافست خلالها 1500 قائمة حزبيّة ومستقلّة، ضمّت ما يقارب 10 آلاف و 500 مرشّح يمثّلون 100 حزبٍ سياسيٍّ، تنافسوا على 217 مقعدًا في المجلس. وساهمت الانتخابات في إنتاج خريطة سياسيّة جديدة تكوّنت من عدد من القوى البارزة التي تباينت برامجها ومواقفها من كيفيّة إدارة المرحلة الانتقاليّة. وانتقل المشهد الحزبي تدريجيًّا من التشتّت والكثرة إلى الانتظام ضمن جبهات سياسيّة وازنة؛ منها ما هو مؤيِّد للشرعيّة الانتخابيّة التي أنتجها صندوق الاقتراع في 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011، ومنها ما هو معارض لها. ويمكن أن نميّز في هذا السِّياق بين أربع جبهات سياسيّة هي: جبهة التّ ويكا الحاكمة، والجبهة اللبرالية، والجبهة اليساريّة / القومية، وجبهة الإنقاذ.

الترويكا

نعني بالترويكا الائتلاف الحزبي الثلّاثي الذي أدار تجربة الحكم بتونس بداية من 16 كانون الأوّل / ديسمبر 2011، وتكوَّن من حركة النّهضة ذات المرجعيّة الإسلاميّة (فازت ب 98 مقعدًا من مجموع 217 مقعدًا في المجلس التأسيسي؛ أي بنسبة 41,47 في المئة) وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة (حاصل على 29 مقعدًا بنسبة 9,68 في المئة)، وحزب التكتّل من أجل العمل والحرِّيات (حاصل على 20 مقعدًا من مجموع مقاعد المجلس.) وشكّل هذا التّحالف الجامع بين إسلامييّن وعلمانييّن ما مجموعه 138 مقعدًا في المجلس التأسيسي، وفاز بثقة 154 نائبًا لإدارة المرحلة الانتقاليّة، مقابل اعتراض 38 عضوًا، وتحفُّظ 11 آخرين من بين أعضاء المجلس ال .217 وعلى الرغم من أنّ هذا التّحالف، ظلّ مُمسكًا بزمام الحكم على مدى سنتين ونيّف؛ وذلك بتشكيله حكومة الترويكا الأولى بقيادة حمّ دي الجبالي (حركة النّهضة)، وحكومة الترويكا الثانية بزعامة علي العريّض (حركة النّهضة)، فإنّ حضوره الشعبيّ قد شهد تراجعًا

ملحوظًا1 بسبب بطء وتيرة الإصلاحات، وعدم تحقيق الوعود الانتخابيّة في الشّغل، والتّنمية، وضمان الاستقرار الأمني. كما أنّ فشل الترويكا في استباق العمليّات الإرهابيّة، والتصدّي لها جعل قطاعًا مهمًّ من المواطنين يعتقد أنّها غير قادرة على إدارة البلاد، وتأمين الاستقرار، وتحقيق التطوّر الاقتصادي المنشود. يُضاف إلى ذلك أنّ الأحزاب الممثّلة للترويكا عانت من حالات انشقاق داخليّ، ولا سيما بالنسبة إلى حزبيْ المؤتمر والتكتّل على نحوٍ خاصّ، فقد اعترض عدد كثير من قواعد الحزبين على قرار التحالف مع حركة النّهضة ذات المرجعيّة الإسلاميّة، وعدّ الاختلاف الأيديولوجي مانعًا من التّحالف السّياسي معها، لذلك اختار الانسحاب على مساندة الترويكا. كما انسلخ نوّاب من التكتّل والمؤتمر، وانضمّوا إلى أحزاب أخرى داخل المجلس التّأسيسي أو خارجه، وعمد نوّاب آخرون من حزب المؤتمر إلى تأسيس أحزاب جديدة؛ لاعتقادهم أنّ الترويكا لم تُفلح في تحقيق أهداف الثّورة، ولم تتقدّم في تكريس العدالة الانتقاليّة، ولم تكن حازمةً في مكافحة الفساد ومحاسبة رموز النّظام السَّابق. وفي هذا الإطار أسّس عبد الرّؤوف العيّادي حزب حركة وفاء، وأسّس محمد عبّو حزب التيّار الديّمقراطي، وكلاهما منشقّ عن حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة.

الجبهة اللبرالية

اتّخذت عدة أحزاب علمانيّة لبرالية موقعًا معارضًا من حكومة الترويكا، مباشرةً إثر تولّيها مهمّ تها في كانون الأوّل / ديسمبر 2011، واعتبرت أنّها غير معنيّة بالتّحالف معها، أو بالمشاركة في حكومة وحدة وطنيّة. ومن أبرز تلك الأحزاب الحزب الجمهوري الذي يعُدّ امتدادًا للحزب الديّمقراطي التقدّمي بزعامة أحمد نجيب الشابّ، وكان في صدارة الأحزاب المعارضة لنظام بن علي، ومنافسًا رئيسًا لحركة النّهضة قبل انتخابات 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011 2، لكنّ خسارته في الاستحقاق الانتخابي أضعفت حضوره في المشهد السّياسي. غير أنّه تدارك ذلك بدخوله لاحقًا في تحالف سياسيّ موسّع معارض للترويكا الحاكمة تَ ثَّل ب "الاتّحاد من أجل تونس" الذي ضمّ، إلى جانب الحزب الجمهوري، حزب آفاق تونس بزعامة ياسين إبراهيم، وهو حزب ذو توجّهات لبراليّة رأسماليّة، يضمّ إليه عددًا من رجال الأعمال، وحزب "نداء تونس" الذي تحصّل على تأشيرة العمل القانوني في آذار / مارس 2012، والذي يقوده رئيس الحكومة الانتقاليّة الثالثة الباجي قائد السّبسي، ويستتبع عددًا مهمًّ من أنصار الحزب الدّستوري على عهد الحبيب بورقيبة، وعددًا من أتباع التجمّع الدّستوري المنحلّ، الحزب الحاكم على عهد بن علي. وقد نجح هذا الحزب في استقطاب عدد من رجال الأعمال ووجوه النّخبة المثقّفة في تونس من المنادين بإحياء التّجربة البورقيبيّة. واستطاع هذا التّحالف أن يشكّل قوَّةً ضاغطةً على الترويكا، ونجح في تعبئة النّاس للقيام بتظاهرات احتجاجيّة سلميّة للمطالبة بالمحافظة على مكتسبات الحداثة في تونس (مجلّة الأحوال الشخصيّة، وحرِّية المرأة، وحرِّية الإعلام)...، كما كان في صدارة القوى السياسية الدّاعية إلى استقالة الترويكا.

الجبهة اليسارية / القومية

يتكوّن هذا القطب السّياسي المعارض من عدد من الأحزاب اليساريّة والقوميّة الرّاديكاليّة التي لا تحظى بتمثيليّة واسعة داخل المجلس التأسيسي، ولا تحظى بعمق شعبيّ كبير، غير أنّها ذات نفوذ داخل المنظمّات النقابيّة والجمعيّات الحقوقيّة والهياكل التمثيليّة العمّ لية. وتشكّلت الجبهة القوميّة اليساريّة ضمن ما يُعرف بالجبهة الشعبيّة، وهي تجمّع يضم 14 حزبًا من القومييّن وأقصى اليسار، ومن أبرز تلك الأحزاب حركة الشّعب ذات الخلفيّة القوميّة والمَيْل الناصريّ، وحزب العمّ ل بزعامة حمّة الهمّ مي الذي يُعدّ من بين الشخصيّات المشهورة بمعارضتها للدّولة القامعة على عهد بورقيبة وبن علي. وقد تبنّت الجبهة الشعبيّة توجّهًا راديكاليًّا في معارضة الترويكا الحاكمة عمومًا، وحركة النّهضة خصوصًا، متَّهمةً إيَّاها بأنّها خانت الثّورة، وأنها بتحالفها مع رجال أعمال فاسدين واستقطابها للأجهزة الأمنيّة التّابعة لنظام بن علي أعادت إنتاج النّظام القديم. كما حمّلت الثلاثي الحاكم مسؤوليّة تردّي الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة، وخصوصًا ما تعلّق بتفشّ البطالة، وتدهور المقدرة الشرائيّة للمواطن، وتنامي ظاهرة الإرهاب. ونجحت الجبهة الشعبيّة في استغلال فشل الحكومة في معالجة عديد الملفّات لتُحرِّك الشّارع من حين إلى آخر، وتدفع نحو تنظيم عديد الاعتصامات والإضرابات التي شملت عدّة محافظات وعدّة قطاعات مهنيّة؛ وهو ما ساهم في زيادة الضّ غط على الثلاثي الحاكم من ناحية، وفي تصعيد درجة الاحتقان السّياسي والاجتماعي من ناحية أخرى.

  1. انظر تراجع شعبية الترويكا، أفريكان مانجير  ، 2012/9/26، على الرابط: http://www.africanmanager.com/site_ar/detail_article.php?art_id=11593
  2. انظر: جيك ليبينكوت، "خلال الفترة السَّابقة للانتخابات: تصاعد نفوذ حزب النهضة وكالة إنتر بريس سيرفس، على الرابط الإسلامي في تونس": http://ipsinternational.org/arabic/print.asp?idnews=2284

جبهة الإنقاذ الوطني

علن عن تأسيس جبهة الإنقاذ الوطني يوم أ 26 تموز / يوليو 2013، وذلك إثر اغتيال عضو المجلس التأسيسي وزعيم التيّار الشّعبي محمد إبراهمي 25(تموز / يوليو 2013.) وتكوّنت الجبهة من عدد من الأحزاب السياسيّة المعارضة وفي صدارتها حركة نداء تونس، والجبهة الشعبيّة، وعدد من الأحزاب الاشتراكيّة واللبرالية، والتحق بها الاتّحاد من أجل تونس، وضمّت إليها حركة تمرّد السياسيّة وستّ عشرة منظّمةً مدنيّةً وحقوقيّةً. وعبّت الجبهة في بيانها التّأسيسي عن سعيها لتحقيق عدّة أهداف من بينها تشكيل الهيئة الوطنيّة للإنقاذ الوطني الممثّلة للأحزاب السياسيّة ومكوّنات المجتمع المدني التي تتولّ، بالاستعانة بخبراء القانون الدّستوري، استكمال صَوْغ الدّستور وعرضه على الاستفتاء الشّعبي، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشّح في الانتخابات المقبلة، ترأسها شخصيّة وطنيّة مستقلّة تكون محلّ وفاق، وتتّخذ ضمن برنامجها جملةً من الإجراءات الاستعجاليّة (الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والأمنيّة)، وتُعدّ لانتخابات ديمقراطيّة نزيهة وشفّافة3. ودعت جبهة الإنقاذ الوطني إلى تنظيم التّظاهرات والاعتصامات السلميّة في مقارّ السّلطة المحلّية والجهويّة لفرض حلّ المجلس التأسيسي وجميع السّلط المنبثقة عنه، من ذلك الحكومة ومؤسّسة الرّئاسة4. واستغلّت جبهة الإنقاذ الوطني الوضع المحلّ والإقليمي لتكسب مزيدًا من الأنصار، بعد أن وجدت في عجْز الحكومة عن مواجهة التّهديدات الإرهابيّة حجّةً أساسيّةً للمطالبة بإزاحة الترويكا عن الحكم بتعلّة أنّها غير قادرة على أن تتكفَّل بالأمن للمواطنين. وفي السّياق نفسه اغتنمت الجبهة حدث إطاحة الإسلامييّن في مصر في 3 تموز / يوليو 2013، تحت وطأة الاحتجاج الشّعبي وتدخّل العسكر لتؤلّب النّاس على حركة النّهضة والائتلاف الحاكم معها، ساعيةً إلى استمالة الجيش ورجال الأمن بدعوتهم إلى مساندة الحراك الاحتجاجي والتدخّل للإمساك بزمام السّلطة. وقد نجحت الجبهة في حشْد الشّارع طَوال صيف 2013 في إطار ما يُسمّى "اعتصام الرّحيل" الذي ضمّ آلاف المعتصمين المؤيّدين للنوّاب الستيّن الذين انسحبوا من المجلس التأسيسي، المحتجيّن على مقتل محمد البراهمي، والمطالبين الحكومةَ الائتلافيّة باستقالة فوريَّة. وقد أدَّى ذلك إلى تعليق أعمال المجلس لمدّة شهرين؛ ما ساهم في تعطيل مسارات استكمال صوغ الدّستور والتّهيئة للانتخابات. ولم تجد الجبهة الاستجابة المنتظرة من المؤسّسة العسكريّة التي حافظت على الحياد، والتزمت الوقوف على مسافة واحدة من مختلف الفرقاء السياسييّن، رافضةًالدّخول في معترك الصّاع على السّلطة. وفي المقابل وجدت جبهة الإنقاذ في اتّحاد الشّغل نصيرًا لها في جانب من مطالبها، إذ ساندت المركزيّة النقابيّة الحراك الاحتجاجي لأحزاب المعارضة ومكوّنات المجتمع المدني، وأيّدت المطالبة برحيل الحكومة، غير أنّها لم تقبل بنسْف المسار الانتقالي جملةً وتفصيلً؛ لذلك دعا اتّحاد الشّغل إلى استبقاء المجلس التّأسيسي إلى حين إتمام كتابة الدّستور وتحديد مواعيد الانتخابات المقبلة. وبذلك نتبيّ أنّ المشهد السّياسي في تونس عقب انتخابات 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011 شهد عدّة متغيّ ات لعلّ أهمّها: انتقال الأحزاب من التشتّت والتنوّع والتعدّد إلى الانتظام ضمن أقطاب سياسيّة بارزة هي: الترويكا من ناحية، وأحزاب المعرضة اللبراليّة (الاتّحاد من أجل تونس)، وأحزاب المعارضة اليساريّة (الجبهة الشعبيّة) من ناحية أخرى. تراجع شعبيّة الترويكا بسبب ما اعتراها من تفكُّك داخلي (بخاصّة حزب المؤتمر وحزب التكتّل) وبسبب تردّدها في الإصلاح ومكافحة الفساد وفشلها في مواجهة التّهديدات الإرهابيّة. تجاوز الأحزاب السياسيّة مُعطى تباينِ خلفيّاتها المرجعيّة والأيديولوجية وتنوّع برامجها لتندمج ضمن تحالفات سياسيّة موسَّعة تجتمع على معارضة الحكومة والمطالبة باستقالتها. صعود أحزاب جديدة في صدارتها حركة نداء تونس التي استقطبت عددًا مهمًّ من الدّساترة الذين همّشتهم الثّورة، وصعود الجبهة الشعبيّة التي استغلّت واقع التّدهور الاقتصادي والاجتماعي والانفلات الأمني لتزيد من أنصارها وتقوم بحشْد الشّارع ضدّ الترويكا. انتقال الأحزاب التونسيّة المعارضة من قوَّة اقتراح داخل المجلس التأسيسي وخارجه إلى قوَّة احتجاج وطاقة تغيير. محافظة المؤسّسة العسكريّة على الحياد؛ ما ساهم في استبعاد فكرة الانقلاب على الشرعيّة القائمة، وسمح بانتقالٍ سلسٍ للسّلطة. انحياز اتّحاد الشّغل إلى الحراك الاحتجاجي المدني والحزبي المعارض للترويكا، إلا أنه تبنَّى مبدأ الحوار في معالجة الملفّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة. انقسام المجتمع السّياسي في تونس بعد انتخابات 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011 قسمين: فريق مؤيّد للترويكا، وآخر معارض

  1. انظر: "الإعلان عن تأسيس جبهة للإنقاذ الوطني في تونس"، 3 تورس، 2013/7/26، على الرابط: http://www.turess.com/binaa/22204
  2. المرجع نفسه.

لها؛ ما ساهم في تكريس الاستقطاب الثّنائي والصّ اع الحادّ على السّلطة، وهو صراع أنتجته عدّة عوامل نُبيِّنها في القسم التّالي من هذه الورقة.

في أسباب الأزمة السياسية

لم تكن الأزمة السياسيّة المشهودة في تونس نتاج مستجدّات اللّحظة الرّاهنة فحسب، بل وليدة تراكمات الزّمن الانتقالي الصّعب الذي يمكن أن تعيشه أيّ جماعة بشريّة في انتقالها من حال الثّورة5 إلى حال بناء الدّولة. فتأسيس الدّولة العادلة بديلً من الدّولة القامعة، وإقامة النّظام السّياسي التعدُّدي بديلً من النّظام الأحادي الدّكتاتوري، وتمدين المجتمع بدل تنميطه، ودمقرطة الفكر بدلً من توجيهه، مطالب تقتضي المراس الطّويل مع الفكر التّنويري والتعلّميّة الديّمقراطيّة؛ ذلك أنّنا "أمام دولة مازالت تتصارع فيها قيم الثّقافة الديّمقراطيّة والأصوليّة الدّينيّة [والانغلاق الحزبيّ]، وثقافتا الخنوع والكرامة الإنسانيّة وثقافتا الحرِّيات وقمع الحرِّيات، وغيرها"6. وتَ يَّز المشهد السّياسي في تونس بعد الثّورة بحركيّة متسارعة وبظهور تحدّيات متعدّدة تباين الفاعلون السياسيّون في التعامل معها. ولا ندّعي في هذه الورقة أنّنا سنحيط بكلّ الأسباب التي أدّت إلى إنتاج الأزمة السياسيّة في تونس مدّة حُكم الترويكا، ولكنّنا سنسعى للوقوف عند أهمّ مدارات التّنازع بين الفرقاء السياسييّن التي ساهمت في تغذية مشهد الاستقطاب الثّنائي بين السّلطة والمعارضة. ومن بين أهمّ مسبّبات الأزمة السياسيّة نذكر:

تجاوز المدى الزمني للمرحلة التأسيسية

كان يُفترض أن يُنهيَ المجلس التأسيسي مهمّته الرئيسة المتمثّلة بصوغ الدّستور خ لاا سنة من تاريخ انتخاب أعضائه في 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011، ما اتّفق عليه 11 حزبًا من بينهم حركة النّهضة، والتكتّل من أجل العمل والحرِّيات، والحزب الجمهوري، وحزب المسار الاجتماعي الديّمقراطي، وغير ذلك من الأحزاب التي إعلان المسار الانتقالي يوم وقّعت وثيقة 15 أيلول / سبتمبر 2011 7 التي تحدّد المرحلة الانتقاليّة بعام واحد لا يقبل التّجديد. لكنّ ذلك الميثاق لم يُطبَّق، وذلك الوعد لم يتحقّق؛ إذ جرى تمديد المرحلة الانتقاليّة، ولم يجْرِ الانتهاء من صوغ الدّستور إلى حدّ اللّحظة. وهذا الأمر أثار حفيظة قطاع واسع من المعارضة التونسيّة (الجبهة الشعبيّة، والاتّحاد من أجل تونس، وجبهة الإنقاذ، وحركة تمرّد.)... وقد رأت هذه المعارضة في ذلك محاولةً من الترويكا للبقاء في الحكم والهيمنة على مفاصل الدّولة. وعدّ حزب نداء تونس، والحزب الجمهوري، وحزب العمّ ل، الشرعيّةَ الانتخابيّة منتهيةً بحلول 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2012، وطالبت هذه الأحزاب، بناءً على ذلك، بحلّ المجلس التأسيسي، وتشكيل حكومة كفاءات تستمد سلطتها من الشرعيّة التوافقيّة. وفي المقابل رفَض أنصار الترويكا هذا التوجّه، ورأوا أنه محاولة للانقضاض على الحكم، وتشبّثوا بالشرعيّة الانتخابيّة، عادِّين التّفويض الشّعبي للمجلس التّأسيسي باقيًا ما لم يُتمَّ مهمّ ته التأسيسيّة والدّستوريّة. وأورث هذا الجدل المتعلق بمدّة المرحلة الانتقاليّة وحدودها ومهمَّتها حالةً من الانقسام داخل المشهد السّياسي، وعمّق الأزمة بين الترويكا الحاكمة وعدد من أحزاب المعارضة.

الت نازع في صلاحيّات المجلس الت أسيسي

مثّل الجدل المتعلق بصلاحيّات المجلس التأسيسي المنتخب ومجالات نفوذه وطبيعة مهمّ ته مسألةً خلافيّةً حادّةً بين الائتلاف الثلّاثي الحاكم وأحزاب المعارضة اللبرالية واليساريّة؛ فقد جرى تصديق القانون 8المنظّم للسُّلط العموميّة في 02 كانون الأوّل / ديسمبر 2011، وقد نصّ على أنّ المجلس التّأسيسي سيّد نفسه، ومَنحه صلاحيّاتٍ واسعةً، انتقل بمقتضاها من مجلس مهمّته الأساسيّة صوغ الدّستور وتأسيس مرحلة الانتقال الديّمقراطي إلى مجلس برلماني من صلاحيّاته مراقبة

  1. في يوميّات ثورة تونس ودواعيها وآثارها، انظر: عزمي بشارة، 5 الثورة التونسية
  2. انظر نصّ القانون المنظّم للسّلط العموميّة، 8 بابنات، 2011/12/4، على الرابط: http://www.babnet.net/rttdetail-42029.asp
  3. المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات،.)2012
  4. 6 انظر: عزمي بشارة، "الثّورة ضدّ الثّورة والشّارع ضدّ الشّعب، والثّورة المضادّة"، مجلّة سياسات عربيّة، العدد  4، أيلول / سبتمبر 2013، ص .9 انظر: "فحوى وثيقة إعلان المسار الانتقالي"، 7 تورس، 2011/9/15، على الرابط: http://www.turess.com/tap/109067

أداء الحكومة، وتحديد صلاحيّاتها، ومنحها الشرعيّة أو حجبها عنها، وأنّ من صلاحيّاته أيضًا مراقبة مؤسّسة الرّئاسة ومتعلّقاتها، وسنّ التشّريعات؛ وبذلك جمع المجلس بين السّلطة التّأسيسيّة والسّلطة التشريعيّة والسّلطة التنفيذيّة في ربقة واحدة. ولقد اعترضت الكتلة الديّمقراطيّة والكتلة اليساريّة داخل المجلس وخارجه على هذا الأمر، ووجدتا فيه انزياحًا عن الدّور الأساسي الموكول للمجلس المتمثّل بكتابة دستور توافقيّ يحظى بقبول معظم التونسييّن في غضون سنة. وعدّت أحزاب المعارضة استئثار المجلس بسلطة القرار، وجمْعه بين صلاحيّات شتَّى تكريسًا لمنطق الدّكتاتوريّة المجلسيَّة القائمة على فرض هيمنة الأغلبيّة على الأقلّية9، والحال أنّ المرحلة الانتقاليّة تقتضي تغليب التّوافق على منطق المغالبة. وقد ساهم هذا التّباين في تقويم أدوار المجلس التّأسيسي وفي تشتّت المشهد السياسي، وتأجيل التّوافق نتيجة إحساس أحزاب المعارضة بأنّها مهمَّشة، وأنّ المجلس بات خادمًا لسياسة الترويكا ذات النّصيب الأكبر من المقاعد. وأدَّى ذلك إلى مقاطعة أحزاب المعارضة أكثر من مرّة فعاليّات المجلس التأسيسي؛ ما ساهم في تعطيل مسار الصَّوْغ التوافقيّ للدّستور، وتوتير الأجواء بين الفرقاء السياسيِيّن.

التنازع في صوغ الدستور

استغرق الجدل المتعلق بفصول الدّستور الجديد الذي كُلِّف أعضاء المجلس التّأسيسي بصوغه كثيرًا من الوقت والجهد. وتواصل الخلاف في مشاريع متعدّدة لمحامل المدوّنة الدستوريّة على امتداد عامين كاملين. وانصبّ النّزاع، أساسًا، بين العلمانييّن والإسلامييّن على مسائل تتعلّق بهويّة الدّولة، ونظام الحكم، والحرِّيات العامة والخاصّة، وحقوق المرأة. ففي مستوى هويّة الدّولة، افترق أعضاء اللّجان بين مُطالب بالتّنصيص على الشّيعة الإسلاميّة بوصفها المصدر الرّئيس للدّستور، وبين داعٍ إلى الاكتفاء بمنطوق الفصل الأوّل من دستور 1959 في هذا الشّأن، والقائل إنّ "تونس دولة مستقلّة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهوريّة نظامها." أمّا في مستوى طبيعة نظام الحكم، فتباينوا بين دعاة نظام برلماني (النّهضة)، ودعاة نظام رئاسيّ (حزب نداء تونس والحزب الجمهوري)، ودعاة حُكم مختلط تتوازن فيه صلاحيّات الرّئاسة مع صلاحيّات البرلمان (المؤتمر من أجل الجمهوريّة.) وأمّا في مستوى حقوق المرأة، فقد احتدّ الصّاع المتعلق بالتّسليم بمبدأ مساواة المرأة بالرّجل مطلقًا؛ ذلك أنّ اللبرالييّن ذهبوا إلى المطالبة بالتَّنصيص على المساواة التامّة بين الجنسين في الحقوق والواجبات في الدّستور. في حين ذهبت حركة النّهضة إلى القول إنّ العلاقة بين الطّرفين علاقة تكامل لا مساواة تامّة؛ بالنظر إلى استحالة نقْض أحكام الإرث في مجتمع مسلم. كما أنّ دعوة حركة وفاء والمؤتمر من أجل الجمهوريّة وعدد من أنصار حركة النّهضة إلى طرح قانون تحصين الثّورة10 على التّصويت، وإدماجه في الصَوْغ النّهائيّ للدّستور قد مثّل سببًا من أسباب التّنازع بين القوى السياسيّة؛ إذ رفضت مكوّنات اتّحاد تونس وغيرها من أحزاب المعارضة اللبرالية هذا المقترح، ورأت أنه يستهدف إقصاء أتباع الحركة الدستوريّة والتّضييق على الحرِّيات بحجّة حماية مكتسبات الثّورة. وقد ساهم الجدل الحادّ بشأن هذه المسائل الدّستوريّة وغيرها في إطالة المدى الزّمني للفترة الانتقاليّة، وفي تأخّر بلورة صَوْغٍ توافقيٍّ لمحتوى الدّستور.

روابط حماية الثورة

تشكّلت الرّوابط الوطنيّة لح يااة الثّورة إبّان ثورة 17 ديسمبر 2010 - 14 جانفي 2011. وتكوّنت في البداية على نحوٍ عفويٍّ، من مواطنين تطوّعوا لحماية الأحياء والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصّة في فترة شهدت غيابًا شِبه كلّ لأجهزة الدّولة الأمنيّة والإداريّة والمؤسّساتيّة. وقد جرت شرعنة هذه الرّوابط لاحقًا، وتحصّلت على ترخيص العمل القانوني، وأصبحت لها تنسيقيّات منتشرة في محافظات الجمهوريّة كلّها، وأوكلت إلى نفسها عدّة مهمّ ت من بينها مواجهة الثّورة المضادّة، والمحافظة على الشرعيّة الانتخابيّة التي أنتجتها منظومة 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011، والعمل على تحقيق أهداف الثوّار. وهذه الرّوابط مدار تنازع بين الترويكا وعدد من أحزاب المعارضة؛ إذ رأت فيها الجبهة الشعبيّة وحركة نداء تونس والحزب الجمهوري خطرًا على الديّمقراطيّة، ودعت إلى ضرورة اتّخاذ قرار سياسيّ سياديّ

  1. انظر: أحمد نجيب الشابّ، "التوافق ضروريّ... ومكمن الأزمة في القصبة لا في قرطاج "، السفير صحيفة، 2013/12/25، على الرابط: http://www.assafir.com/article.aspx?EditionId=2656&ChannelId=64329&Art icleId=2541
  2. المراد بتحصين الثورة: قانون العزل السياسي الذي ينصّ على استبعاد قيادات حزب التجمّع الدّستوري الديّمقراطي المنحلّ، ورموز النّظام السَّابق من الحياة السياسيّة لمدّة زمنيّة لا تقلّ عن خمس سنوات؛ حتّى لا تساهم في تعطيل المسار نحو الديمقراطيّة، أو تعيد إنتاج منظومة الدّولة الدّكتاتوريّة على عهد بن علي.

فوريّ بحلّها، عادَّةً أنّ حماية الثّورة ومكتسباتها ليست من مسؤوليّتها، بل من مسؤوليّة المؤسّسات الأمنيّة، والحقوقيّة، والقضائيّة في الدّولة. وفي المقابل تمسّكت حركة النّهضة، وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، وحركة وفاء، وأنصار الترويكا برفض حلّ هذه الرّوابط، عادَّةً هذا الأمر من اختصاص القضاء.

الدور الملتبس لاتحاد الشغل

سِّس اتّحاد الشّغل عام أ 1944 على يد الزّعيم فرحات حشّاد الذي اغتيل سنة 1952. والاتّحاد منظّمة نقابيّة مهنيّة عريقة تولّت الدّفاع عن حقوق العمّ ل، وعملت على تحسين أوضاعهم الاجتماعيّة والمادّية، وقد كان الاتّحاد في صدارة القوى المدنيّة المكافحة للاستعمار، وأدَّى دورًا كبيرًا خلال دولة الاستقلال في الدّفاع عن الطّبقة الشّغيلة، وفي مواجهة تفرّد الحبيب بورقيبة بالحكم 1956( - 1987)، وشكَّل قوَّةً ضاغطةً ساهمت في تحريك الاحتجاجات الشعبيّة في نهاية السّبعينيّات ومطلع الثمّانينيّات (أحداث 1978 وأحداث 1984)، فكان في صدارة القوى الدّاعية إلى التعدّديّة السياسيّة والنّظام الديّمقراطي. غير أنّ دوره في المشهد السّياسي آل إلى الانحسار على عهد الرّئيس المخلوع زين العابدين بن علي 1987( - 2011)، فجرى تدجينه وتوظيفه لتزكية الخيارات السياسيّة والتنمويّة والاقتصاديّة للنّظام القائم. وعلى الرّغم من ذلك لم يفقد ثقله الشّعبيّ، وحافظ على استقطابه لآلاف المنخرطين، واستعاد حضوره في المشهد السّياسي إبّان الثّورة؛ فقاد عدّة تحرّكات احتجاجيّة سلميّة لمطالبة الحكومات الانتقاليّة المتعاقبة بتسوية وضعيّات الأجراء والفلَّ حين والموظّفين في المؤسّسات العموميّة والخاصّة، وللمطالبة بتحسين المقدرة الشرائيّة للمواطن، ووضْ ع حدّ لارتفاع الأسعار وكثرة الضّائب واستنزاف الطّبقة الوسطى. وقد تباينت مواقف الأحزاب السياسيّة من دور الاتّحاد داخل المشهد الاجتماعي بعد الثّورة، فذهبت الترويكا إلى تحميله مسؤوليّة تزايد الإضرابات والاعتصامات المطلبيَّة، على نحوٍ ساهم في إثقال كاهل ميزانيّة الدّولة وتعطيل حركة الاقتصاد وإطالة المرحلة الانتقاليّة. وعدّته الواجهة الخلفيّة الدّاعمة لعدد من الأحزاب السياسيّة اليساريّة واللبرالية التي لم تحظَ بتمثيليّة عالية في المجلس التّأسيسي؛ فوجدت فيه المنظّمة النقابيّة القادرة على تحريك الشّارع وتوظيفه للضّ غط على الحكومة والدّفع نحو استقالتها. بدا، في أكثر من مناسبة، سعي عدد من الأحزاب - وفي صدارتها نداء للدّفع باتّحاد الشّغل إلى معترك الصّتونس والجبهة الشعبيّة -اع السّياسي. فطالب كلّ من الباجي قائد السّبسي11 وحمّة الهمّ مي12 بألَّ يكتفيَ الاتّحاد بدور الوسيط بين الفرقاء السياسييّن، وأن يكون طرفًا فاعلً في إدارة الحوار، وفرْض أجندة سياسيّة معيّنة. بل بلغ الأمر بحمّة الهمّ مي حدَّ ترشيح حسين العبّاسي رئيس المركزيّة النقابيّة لاتّحاد الشّغل ليرأس الحكومة المقبلة. وبناءً على ذلك فإنّ تلبيس النّقابي بالسّياسي ومحاولة بعض الأطراف تحزيب الاتّحاد، ساهمَ، على نحوٍ ما في تأزيم الوضع السّياسي، على الرّغم من تصريح المركزيّة النقابيّة بأنّها غير معنيّة بالوصول إلى السّلطة، وأنّها تقف على مسافة واحدة من كلّ الفرقاء السياسييّن.

تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي

على الرّغم من الانتعاشة التي شهدها قطاع السّياحة في تونس إلى؛ ذلك أنّ مؤشّحدود نهاية حزيران / يونيو 2013 اته سجّلت ارتفاعًا بنسبة 3.4 في المئة، مقارنةً بسنة 2012 - وهو قطاع يشغّل 15 في المئة من اليد العاملة، ويؤمِّن 7 في المئة من مجمل الناتج الدّاخلي13 - فإنّ ما شهدته البلاد من حوادث عُنف وعدم استقرار سياسيّ ساهم في تراجع إقبال السيَّاح على تونس في النّصف الثّاني من سنة 2013؛ وذلك بحسب بيان صادر عن صندوق النّقد الدّولي بتاريخ 2 كانون الأوّل / ديسمبر 2013 14. وفي السّياق نفسه، شهد الاقتصاد التّونسي عدّة مشاكل مردّها تراجع احتياطي البلاد من العملة الأجنبيّة15 وارتفاع قيمة الدّين الخارجي 2.5( مليار يورو سنة 2013)، وتفاقم عجز الميزان التّجاري 8.8(في المئة)16؛ ما أثّر سلبيًّا في الوضع الاجتماعي. وقد تجلّ ذلك

  1. انظر: الباجي قائد السبسي: "مطلوب أن يكون الرباعي طرفًا في الحوار لا وسيطًا "، التونسية، 2013/12/9، على الرابط: http://www.attounissia.com.tn/details_article.php?t=41&a=107745
  2. انظر: حمة الهمامي: "الاتحاد غدر بنا ونحن نعارض حكومة مهدي جمعة وربما الشاهد، على الرابط سنواصل تعطيل المسار التأسيسي والانتخابي"،: http://www.achahed.com/2013-12/article-69100.htm
  3. انظر: "وزير السياحة: السياحة في نسق تصاعدي... 1200 مليار مداخيل هذه السنة... 7 تورس  مليون سائح سيزورون تونس"،، 2013/6/28، على الرابط: http://www.turess.com/almasdar/17211
  4. International Monetary Fund, Statement by the IMF Mission at the End of a Visit to Tunisia, 2/12/2013, at: http://www.imf.org/external/np/sec/pr/2013/pr13482.htm
  5. انظر: "الشاذلي العيّاري يحذّر من تدنّ مستوى احتياطيّ العملة الصّعبة"، 15 الرقمية، 2013/6/27، على الرابط: http://goo.gl/nDK1ed
  6. Statement by the IMF, Ibid.

من خلال ارتفاع أسعار الموادّ الغذائيّة، والزّيادة في سعر المحروقات مرّتين متتاليتين سنة 2013 بنسبة 7 في المئة؛ فزادت أوضاع الطّبقة الوسطى تفاقمً، وأدّى ذلك إلى اتّساع دائرة الفقر لتشمل 24.7 في المئة من مجموع السكّان. كما أنّ مناطق الظلّ؛ أي الجهات المهمّشة التي لم تنلْ حظّها من التنمية طَوال دولة الاستقلال، لم يتجاوز عدد المشاريع المنجزة فيها خلال سنة 2013 نسبة 11 في المئة؛ ما زاد الأعمال الاحتجاجيّة تصاعدًا، وأدّى إلى اتّساع التظاهرات المطلبيّة التي دعّمتها المعارضة لتساهم في توسيع دائرة شعبيّتها من ناحية، ولتوظّف الغضب الشّعبي في المناطق المحرومة للضّ غط على حكومة الترويكا من ناحية أخرى. وكلّ ذلك ضاعف حدّة توتّر المشهد الرّاهن؛ الاجتماعي والسّياسي، وأثّر سلبيًّا في الاقتصاد.

الخطاب الإعلامي التحريضي

شهدت تونس عقب الثّورة حالةً من الانفلات الإعلاميّ، فتعدَّدت وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمكتوبة، واتّسع مجال حرِّية التّفكير والتعبير اتّساعًا غير مسبوق. غير أنّ عدم وجود قانون منظّم للقطاع الإعلاميّ ساهم في نشأة كتابات موغلة في التعصّب مروّجة لمنطق الإقصاء والتّخوين. وجاء في تقرير أعدَّته المجموعة العربية لرصد الإعلام وجمعيتان تونسيتان، هما: المجلس الوطني للحرِّيات بتونس وشبكة تحالف من أجل نساء تونس، أنّ الإعلام التونسي بات يضطلع بدور التحريض وتنمية مشاعر الحقد والكراهية بين مختلف أطياف الشعب التونسي. وورد في التقرير أيضًا أنّ القنوات التلفزيّة والإذاعيّة تحوّلت إلى أبواق حزبية تروّج خطابًا مشتملً على التخوين، والتكفير، والقذف. وأخبر التّقرير بأنّ الصحف الناطقة باللغة العربية نشرت نحو 90 في المئة من خطابات الكراهية في حين اكتفت مثيلتها الناطقة بالفرنسية بالنسبة المتبقية. واشتمل على نحو 13 في المئة من هذه الخطابات دعواتٍ ضمنيةً، أو صريحةً، إلى العنف. وأشار التقرير إلى أنّ أكثر من 58 في المئة من المادة التي تضمنت خطابات الكراهية تعلَّقت على نحوٍ مباشر، أو غير مباشر، بمحوري الأحزاب والدين17. وبذلك ساهم الخطاب الإعلاميّ التّحريضيّ في تغذية أسباب الاحتقان الاجتماعيّ والعنف السياسيّ.

تنامي ظاهرة العنف السياسي

تنامت حوادث العنف السّياسي في تونس فترة حكم الترويكا، فشهدت البلاد مقتل المنسّق الجهوي لحركة نداء تونس في تطاوين لطفي نقّض في 18 تشرين الأوّل / أكتوبر 2012، واستخدمت قوّات الأمن "الرّش" لصدّ المحتجيّن على السّلطة بمدينة سليانة في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2012، كما جرى الاعتداء على المقرّ المركزي للاتّحاد العامّ التونسي للشّغل يوم 04 كانون الأوّل / ديسمبر 2012؛ ما زاد في توتير الوضع السياسيّ بالبلاد. غير أنّ الاحتقان بلغ أوجه بين الحكومة والمعارضة إثْر مقتل المعارض اليساري شكري بلعيد زعيم تيّار الوطنييّن الديّمقراطييّن 6(اررير  شباط / ف 2013)، وإثْر م عرر محمد براهمي 25( تموز / يوليو 2013) أحد نوّاب المجلس التّأسيسي وزعيم التيّار الشّعبي، على يد إرهابييّن منسوبين إلى التيّار السّلفي الجهادي (أنصار الشّيعة)، وذلك بعد فشل حركة النّهضة في سياسة مدّ اليد للسلفييّن18، وعجزها عن إقناع عدد منهم بالإقلاع عن التمرّد المسلّح على الدّولة، والانخراط في النّسيج المجتمعي، والتّنافس السّياسي السّلمي. وقد مثّل الاغتيال حدثًا صادمًا لعموم التونسييّن، وترتَّب عليه استياء واسع عندهم؛ وذلك لانتقال الصّاع السّياسي من حيّز السّجال إلى حيّز قتْل الخصم على خلفيّة هويّته السياسيّة. وبادر بعض أعلام المعارضة بعد سويعات معدودة من حدوث عمليّة الاغتيال الأولى والثّانية إلى توجيه الاتِّهام إلى حركة النّهضة، قبل أن يُدليَ التّحقيق بنتائجه النهائيّة في الجريمتين؛ فزاد ذلك الاتِّهام القبلْي المضاعف الوضع السّياسي توتيرًا، وأدَّى إلى زرْع بذور الفتنة، وهدّد بانزلاق البلاد في مهواة الحرب الأهليّة. وقد تمكّنت المجموعة الوطنيّة من تجاوز أزمة الاغتيال الأوّل باستقالة حكومة حمّ دي الجبالي، وتشكيل حكومة وحدة وطنيّة، وزراء السّيادة فيها من التّكنوقراط (وزارة العدل، ووزارة الخارجيّة، ووزارة الداخليّة، ووزارة الدّفاع.) أمَّا بقيَّة الوزراء فهُم من المستقليّن، أو من أتباع الترويكا.

  1. المجموعة العربية لرصد الإعلام، 17 تقرير حول رصد خطاباتت الحقد والكراهية في وسائل الإعلام التونسية، كانون الثاني / يناير – آذار / مارس  2013، على الرابط: http://goo.gl/VHyK67
  2. في محاولات النّهضة إدماج السلفييّن في دورة التّنافس السّياسي المدني وفشلها في ذلك، انظر: Kevin Casey "A Crumbling Salafi Strategy", 21/8/2013, at: http://carnegieendowment.org/sada/2013/08/21/crumbling-salafi-strategy/gjkq

وأمّا الاغتيال الثاني فمازالت انعكاساته مستمرّةً، ومازالت آثاره تُلقي بظلالها على الوضع السّياسي الرّاهن؛ فمنذ شهور من الصّاع على الشّارع، والتّجييش والتّجييش المضادّ بين السّلطة والمعارضة، لم يحسم أيّ فريق من الفريقين الأمر لمصلحته.

تداعيات الوضع في مصر

كان لما شهدته مصر من حراك احتجاجي شعبيّ في 30 حزيران / يونيو 2013 أدَّى إلى إزاحة أوّل رئيس مصري منتخب عن السّلطة، وأفضى إلى صعود العسكر إلى الحكم 3( تمّوز / يوليو 2013) الأثر البيّ في المشهد السّياسي التّونسي الذي عرف حالةً من الانقسام الشّديد إزاء متغيّ ات الوضع المصري. فذهب عدد من السياسييّن إلى تأييد التحوّل المشهود في مصر، عادًّا ما حصل تصحيحًا لمسار الثّورة، وإيذانًا بنهاية الإسلامييّن وفشلهم في إدارة المرحلة الانتقاليّة. في هذا الإطار تنزّل موقف حركة نداء تونس والجبهة الشعبيّة؛ إذ باركتا عزْل الرّئيس محمد مرسي، وعمدتا إلى ترويج خطاب سياسيّ يهدف إلى حشْد الشّارع وتقويض المسار الانتقالي، ويتقصّد إطاحة الترويكا، وإقامة منظومة حُكم بديلة. فدعت حركة نداء تونس بزعامة الباجي قائد السبسي إلى حلّ الحكومة، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني يشرف عليها تكنوقراط، وطالبت بوضع خريطة طريق للانتخابات، وتكوين لجنة فنّية لإصلاح مشروع الدّستور والإعلان عن حلّ روابط الثّورة، داعيةً إلى ضرورة الإصلاح الفوري للمسار الانتقالي19. وفي السّياق نفسه دعت الجبهة الشعبيّة إلى حلّ المجلس الوطني التأسيسي، وتشكيل هيئة تتولّ استكمال صوغ الدّستور، عادَّةً المجلس التأسيسي فاقدًا لشرعيّته بعد أن "استبدّت به حركة النّهضة وحلفاؤها، وحادت به عن مهمّ ته الأصليّة، وحوّلته إلى وكْر للتآمر على مكاسب الشّعب"، على حدّ قولها20. كما طالبت ب "تشكيل حكومة إنقاذ وطني ذات برنامج مستعجل لحلّ الأزمة تشرف على الانتخابات القائمة"21. وجرت محاولات حثيثة لاستنساخ المشهد المصري، فجرى الإعلان عن إحداث حركة تمرّد التونسيّة بتاريخ 3 تموز / يوليو 2013، المشابهة لحركة تمرّد المصريّة، وجرى أيضًا تأسيس جبهة إنقاذ تونسيّة على الشّاكلة المصريّة وذلك بتاريخ 26 تموز / يوليو 2013. وكان المراد من جانب المعارضة تهيئة الشّارع للقبول بتحوّلٍ في هرم السّلطة، يكون مصدره ضغط الاحتجاج الشّعبي وتدخّل المؤسّسة العسكريّة. وفي المقابل تفاعلت الترويكا والحزب الجمهوري بطريقة مخالفة مع مستجدّات المشهد السياسي المصري، فالتقت عند التّنديد بما حصل، وعَدِّ إطاحة حُكم الإسلامييّن عملًانقلابيًّا بامتياز. وقد ذهبت حركة النهضة إلى أنّ "الانقلاب كرّس تقسيم المصرييّن وأبرز مطالب جزء منهم على حساب جزء آخر دعَم الرّئيس المنتخب؛ ما أدَّى إلى التّيئيس من الديمقراطية22. وعلى الرّغم من سعيِ طيفٍ من أحزاب المعارضة لاستيراد التّجربة المصريّة بعد 3 تموز / يوليو 2013 وإجرائها داخل الاجتماع التّونسي، فإنّ تلك المساعي لم تُؤْتِ أكلها، بل زادت المشهد السّياسي احتقانًا. ويمكن أن نفسّ فشل المعارضة التونسيّة في استنساخ السّيناريو المصري بعدّة معطيات: أوّلها: اختلاف المسار الانتقالي بين البلدين، وتباين تموقع الإسلامييّن فيهما؛ فلئن استأثر الإخوان المسلمون في مصر بالرّئاسة ومقاليد الحكم، فإنّ حركة النهضة في تونس بدت ميّالةً إلى الحكم الائتلافي الجامع بين الإسلامييّن والعلمانييّن. فرئيس الجمهوريّة من حزب المؤتمر، ورئيس المجلس التأسيسي من حزب التكتّل، أمّا رئيس الحكومة فمن النّهضة. ونتيجةً لذلك لم يجد قول المعارضة إنّ الحزب الحاكم مستأثر بالسّلطة صدقيّةً واسعةً لدى الرّأي العامّ بسبب ميْل حركة النّهضة إلى البحث عن صيغ تآلف ممكنة مع منافسيها، على الرّغم من اختلاف الخلفيّات الأيديولوجية بينها وبينهم. ثانيها: عدم نجاح المعارضة في عزل الترويكا، وفكّ الارتباط بينها وبين مكوّنات المجتمع المدني؛ من قبيل النّقابات العماليّة والحقوقيّة والمحامين والقضاة. فقد ظلّ الثلاثي الحاكم محافظًا على علاقات التّشاور والتّواصل مع المنظمّات المدنيّة، ولم يدخل في مواجهة معها. بل إنه كفل لها هامشًا كبيرًا من الاستقلاليّة حتى أنّ الترويكا أعربت لتلك المنّظمات عن استعدادها للتّنازل عن السّلطة في إطارٍ من الانتقال السّلمي التوافقي للحكم؛

  1. انظر: "حركة نداء تونس تطالب بحلّ الحكومة الحاليّة"، 19 الصباح، 2013/7/5، على الرابط: http://www.turess.com/assabah/92045
  2. انظر: "الجبهة الشعبيّة على خطى نداء تونس تدعو إلى إسقاط التأسيسي، وتشكيل أفريكان مانجر حكومة إنقاذ وطني"، تونس،، 2013/7/5، على الرابط: http://www.africanmanager.com/site_ar/detail_article.php?art_id=18856
  3. المرجع نفسه.
  4. انظر: راشد الغنّوشي، "بعض الشّباب يمكن أن يحلم بأن ينقل ما يقع في مصر لتونس الشّق الأوسط ولكنّ هذا إضاعة للجهود"،، 2013/8/4، على الرابط: http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=734910&issue no=12637

وهو ما جعل استتباع المعارضة وحركة تمرّد للمنظمّات النقابيّة والحقوقيّة، وإقناعها بضرورة العصيان المدني، وتقويض النّظام القائم بمختلف مؤسّساته (المجلس التأسيسي، والحكومة، والرّئاسة) أمرًا غير ممكن. ثالثها: مراهنة حركة تمرّد وعدد من أحزاب المعارضة على إمكانيّة استمالة الجيش التونسي ورجال الأمن ليلتحقوا بركب المطالبين بإسقاط الترويكا لم يسلم لهم؛ ذلك أنّ المؤسّسة العسكريّة في تونس لزمت الحياد، ونأتْ بنفسها عن التدخّل في الشّأن السّياسي منذ العهد البورقيبي، على خلاف المؤسّسة العسكريّة في مصر التي ظلَّت قوَّةً فاعلةً في المشهد السياسي. رابعها: ما أدَّى إليه الانقلاب العسكري في مصر من سفكٍ للدّماء وقمعٍ للحرِّيات العامة والخاصّة، وإقصاء للآخر، وتقسيمٍ للمجتمع، وإذكاء لأسباب الاستقطاب الثّنائي بين داعين إلى حُكم الجيش ومعارضين له، زاد التونسييّن ارتيابًا في عواقب التّغيير بالقوّة، ودفَع بالفرقاء السياسييّن نحو طاولة الحوار.

من التنازع إلى التوافق: التوجه نحو الحوار

تمكّن الرّباعي الرّاعي للحوار - نعني الاتّحاد العامّ التونسي للشّغل، والاتّحاد العامّ التونسي للصّناعة والتّجارة، وعمادة المحامين، والرّابطة التونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان - من تجميع الفاعلين السياسييّن حول طاولة تفاوض واحدة، وانخرط الرّباعي في إدارة مشاورات ماراطونيّة عسيرة بين واحد وعشرين حزبًا تتوزّع بين منتمين إلى الترويكا الحاكمة ومنتمين إلى المعارضة. وتنصّ خريطة الطّريق التي اقترحها الرّباعي الرّاعي للحوار الوطنيّ يوم 17 كانون الأوّل / ديسمبر 2013، والتي جرى توقيعها من جانب الأطراف السياسيّة المشاركة في الحوار يوم 5 تشرين الأوّل / أكتوبر 2 013، على استكمال أعمال المجلس التأسيسي، واختيار أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وتركيزها في مدَّة لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا، وإصدار القانون الانتخابي في مدَّة أقصاها أسبوعان، وتحديد المواعيد الانتخابية بمدَّة لا تتجاوز أسبوعين، وتصديق الدستور خلال مدَّة لا تتجاوز أربعة أسابيع بالاستعانة بلجنة خبراء، وتشكيل حكومة جديدة من الكفاءات المستقلّة، على أن تلتزم الأطراف السياسية مواصلة الحوار الوطني برعاية المنظمات الأربع إطارًا للتفاوض لحل بقيَّة المشكلات الخلافية23. وبعد زهاء شهرين ونصف من انطلاق الحوار الوطني 5(تشرين الأوّل / أكتوبر 2013) وما اعتراه من ثغرات وتجاذبات سياسيّة، أعلنت المركزيّة النقابيّة بزعامة حسين العبّاسي، يوم السّبت 14 كانون الأوّل / ديسمبر 2013، عن اتّفاق الرّباعي الرّاعي للحوار وعدد من الأحزاب السياسيّة 9( أحزاب من مجموع 18 حزبًا حضرت الاجتماع) على اختيار مهدي جمعة 51( سنةً) رئيسًا للحكومة الانتقاليّة المقبلة. ويُذكر أنّ الرّجل من التّكنوقراط، وقد شغل خطّة وزير الصّناعة في حكومة الترويكا الثانية بزعامة علي العريّض.

عراقيل في وجه التوافق

مع أهمّية الخطوة التي قام بها الرّباعي الرّاعي للحوار في الدّفع نحو الانفراج السّياسي بالبلاد والتقدّم شوطا كبيرًا في حلحلة المسار الحكومي والالتفات إلى تشكيل فريق جديد يشرف على إدارة شؤون البلاد في المرحلة المقبلة، فإنّ التوجّه نحو الحكم الوفاقي يواجه عدّة عراقيل، لعلّ أهمّها:

أجواء التشكيك وانعدام الثقة

من المعلوم أنّ انتشار حالة اللَّ يقين، أو الإحساس بالخوف من الحاضر والمستقبل، حالة طبيعيّة مشهودة في دول الانتقال الديّمقراطي24، وذلك بسبب ما يعتري أغلب المواطنين من خشية تدهور الوضع الاقتصادي وانفراط السّلم الاجتماعي. لكن أن يتحوّل التّشكيك إلى سلوك يومي ملازم لعدد من أعلام الطبقة السياسيّة، فإنّ ذلك يشكّل خطرًا على مسارات الحكم التّوافقي. فبدلً من أن يكون السّاسة في موقع مَن يبعث برسائل طمأنة إلى عموم المواطنين، نجدهم في بعض الأحيان ميّالين إلى التّخويف والتّشكيك في كلّ شيء، وهذا الأمر يورث في نفس المواطن حالةً من القلق وعدم الاستقرار نفسيًّا وذهنيًّا؛

  1. انظر: "نص خارطة طريق الرباعي الراعي للحوار"، وكالة تورس للأنباء،2013/10/5، على الرابط: http://www.turess.com/binaa/26361
  2. انظر: برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، " 24 مسارات التحوّل الديّمقراطي؛ تقرير موجز حول التّجارب الدوليّة والدّروس المستفادة، والطريق قدمًا "، عام  2011، على الرابط: http://www.undp.org/content/dam/rbas/doc/DemGov/1110_Cairo%20 Report%20WEB_Arabic.pdf

ما يزيد في عزوف النّاس عمومًا، والشّباب خصوصًا، عن السّياسة وصنّاعها25. وإنّ من يتابع ردهات الحوار الوطنيّ يلاحظ في غير عناء استحكام الإحساس المتبادل بعدم الثّقة بين الفرقاء السياسييّن؛ فقد دخلت النّهضة الحوار وهي مسكونة بهاجس الخوف26 من أن تتحوّل المعارضة من قوَّة احتجاج إلى قوَّة انقلاب على الشرعيّة الانتخابيّة القائمة، تأسِّيًا بالتّجربة المصريّة، ودخل خصوم الترويكا الحوار وفي نفوسهم خوف من أن تطول الفترة الانتقاليّة وتستولي النّهضة على مفاصل الدّولة، وتؤسلم المجتمع على حدّ تعبيرهم. وعلى الرّغم من أهمّية هذه المخاوف ومشروعيّتها النسبيّة، فإنّ استمرارها والعمل على تغذيتها، بعد الاتّفاق على تشكيل حكومة توافقيّة بزعامة شخصيّة وطنيّة مستقلّة، يبقى أمرًا غير صحيٍّ وغير خادمٍ لمطلب التّوافق؛ ذلك أنّ المرحلة تقتضي التّنازل بدل التنابز، والتّعاون بدل التنافر. وقد بدا جليًّا أنّ حملات التّشكيك في الحكومة التوافقيّة الوليدة بدأت مبكّرًا27، فجرى الحكم عليها بالفشل قبل أن ترى النّور، ونعَتها آخرون بأنّها نسخة ثالثة من الترويكا، بالنظر إلى أنّ مهدي جمعة قد كان وزيرًا في حكومة علي العريّض. وبلغ الأمر ببعض المغالين حدَّ تجييش النّاس ودعوتهم إلى النّزول إلى الشّارع ليحُولوا دون ممارسة الحكومة الجديدة مهمّتها28. في حين انصرف شقّ آخر إلى الطّعن في تمثيليّتها، عادًّا إيَّاها غير مجسّدة للإجماع الوطني. والواقع أنّ الحجج التي يتمسّك بها المعترضون على رئيس الحكومة الجديدة لا تسلم لأصحابها؛ لأنّ الرّجل تكنوقراطيّ، مستقلّ، شغل خطّته في حكومة الترويكا الثانية من دون أن يستظلّ بأيّ يافطة حزبيّة. كما أنّ الادّعاء بعدم تمثيليّة الحكومة المقبلة وعدم حصولها على الإجماع قول متهافت؛ لأنّ الإجماع، في الديّمقراطيّات الحديثة، قريب إلى المحال أكثر منه إلى الإمكان، وفوز الحكومة الجديدة بتزكية المركزيّة النقابيّة والمنظمّات الرّاعية للحوار يعطيها سندًا شعبيًّا ومدنيًّا لا يستهان به. لكنّ الثّابت أنّ استمرار أجواء عدم الثّقة بين الفرقاء السياسييّن لن يخدم مطلب التّوافق المأمول؛ وذلك راجع إلى تغليب بعضهم المصلحة الحزبيّة على المصلحة العامّة.

العصبية الحزبية

الانتماء الحزبي حقّ مشروع لكلّ مواطن في تونس بعد الثّورة، وهو شكل من أشكال الانتقال من الأحاديّة إلى التعدّديّة، ومظهر من مظاهر تشريك المواطن في الشّأن العامّ، لكنّ الإشكال متمثّل بتحويل الانتماء الحزبي إلى دوغما منغلقة تؤسّس الذّات عبْ تقويض الآخر، والمتابع للمشهد السّياسي في تونس في الزّمن الانتقالي يتبيَّ أنّ حالة الاستقطاب الثّنائي بين أنصار الترويكا ومعارضيها قد بلغ أوجه في الفترة الأخيرة؛ إذ توزّع النّاس قسمين: قسم مناصر للائتلاف الحاكم مطلقًا، وقسم يدعو إلى تقويض ما أنتجته انتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 2011 من مؤسّسات سياديّة (الحكومة، والرّئاسة، والمجلس التّأسيسي.) فبدا الانتقال من الشرعيّة الانتخابيّة إلى الشرعيّة التوافقيّة أمرًا عسيرًا؛ ذلك أنّ التحوّل من التحزّب إلى البناء المشترك أمر لم تتعوَّدْه الطّبقة السياسيّة، والتعصّب الحزبي انعكس على تفاعلات الحوار الوطني حتى أنّ كلّ حزب اصطفّ خلْف مرشّح يراه ضامنًا لمصلحته، مواليًا له في الفترة الانتقاليّة، وتبادلت الأطراف السياسيّة الاتِّهامات لتعطيل الحوار الوطني29. وبلغ الأمر بنداء تونس والحزب الجمهوري حدّ الانسحاب من الحوار لمّا تبيَّ أنّ نتيجة التّسابق على رئاسة الحكومة ستؤول إلى اختيار غير الشخصيّة التي يريد. وكاد منطق "لا أريكم إلّ ما أرى"، المؤسّس على مقولة "أنا، ومن بعدي الطّوفان"، يعصف بالحوار الوطني لولا قيام شبه توافق بين عدد من الأحزاب بشأن ترشيح مهدي جمعة لتولّ

  1. في عزوف قطاع كبير من التونسييّن، وفي صدارتهم الشّباب عن السّياسة، ورد في دراسة ميدانية قام بها المرصد الوطني للشباب ومنتدى العلوم الاجتماعية شملت 2438 مستجيبًا أن حالةً نسبيةً من اليأس تعتري تونس بسبب المناخ السياسي السائد. وكشفت الدراسة عزوف الشباب عن المشاركة في الحياة السياسية؛ إذ لم تتجاوز نسبة انخراط الشّباب في الأحزاب السياسية 2.7 %، في حين ذهب 65.1 % من الشباب إلى أنّ الثورة لم تحقّق أهدافها، رغم أنّها سُميت ثورة الشباب، انظر على الرابط: http://goo.gl/ZufVNM
  2. في مخاوف النّهضة على مستقبلها السّياسي، انظر: Naim Ameur, “Tunisia: Ennahda’s Uncertain Future”, Atlantic Council , 18/9/2013, at: http://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/tunisia-ennahda-s- uncertain-future
  3. في ردود المعارضة التونسيّة على ترشيح مهدي جمعة لرئاسة الحكومة الانتقاليّة الخامسة، انظر: "أحزاب تونسية معارضة تنتقد اختيار مهدي جمعة رئيسًا للحكومة"، راديوسوا، 2013/12/16، على الرابط: http://www.radiosawa.com/content/Tunisia-national-talk-politics-/239198.html
  4. انظر: المنذر بالحاج علي: "الآن لم يبق لنا سوى اللجوء للشارع لإسقاط الحكومة لأن النهضة لم تفهم بالمعقول"، بابنات، 2013/12/15، على الرابط: على الرابط: http://www.babnet.net/rttdetail-76461.asp
  5. انظر: خميس بن بريك، "التجاذبات تعرقل الحوار بتونس"، 29 الجزيرة. نت، 2013/12/6، http://www.aljazeera.net/news/pages/476a2071-d9be-4be1-acd4-f26a1cffb8e4

رئاسة الحكومة وتزكية الرّباعي لذلك. وكان أحرى بالمتحزّبين خلال هذه المرحلة الدّقيقة من تاريخ تونس التّفكير في مصلحة المجموعة الوطنيّة، بدلً من التمترس خلْف المسلمّات الأيديولوجية والعوامل الحزبيّة؛ لأنّ التعصّب ومقتضيات الحكم التّوافقي يتعارضان.

الثورة المضادة

نعني بها مجموع القوى التي تسعى لتعطيل مسيرة التحوّل نحو الاجتماع الديّمقراطي والدّولة الجمهوريّة العادلة، وتحاول الشدّ إلى الوراء، واسترجاع حقبة ما قبل الثّورة على نحوٍ أو آخر؛ لأنّها ترى في التوجّه نحو الإصلاح تهديدًا لمصلحتها، وإيذانًا بإمكان مساءلتها ومحاسبتها، ولذلك فهي تَجِدُّ في تغذية الأزمات والهروب إلى الأمام. ومن أهمّ قوى الثّورة المضادّة التي يمكن أن تعطِّل الحكم الوفاقي في المرحلة المقبلة: أتباع النّظام السَّابق السّاعين لإرباك المسار الانتقالي. مافيات الفساد الإداري المنتشرة في مفاصل الوزارات الحيويّة وهياكل المحافظات والمؤسّسات السياديّة. عدد من الأحزاب التي فشلت في الاستحقاق الانتخابي في 23 تشرين الأوّل / أكتوبر 2011، ولم يأتِ الحوار الوطنيّ بقيادة الرّباعي في كانون الأوّل / ديسمبر 2013 بالشخصيّة التي رشّحتها لتولّ منصب رئاسة الحكومة، وبدت محكومةً بالسلبيّة، ميّالةً إلى تأبيد الأزمة السياسيّة في تونس. عدد من الأطراف التي تبذل جهدها في السّعي للزجّ باتّحاد الشّغل في حمأة الصّاع السّياسي، وتضغط لتجعله خادمًا لطرف سياسيّ معيّ فتخرج به من رعاية الحوار إلى الوصاية عليه، وهو ما يتنافى ودوره الوفاقيّ. العصبيّات الجهويّة والقبليّة والدينيّة والأيديولوجية السّاعية لتحويل معركة البناء في المرحلة الانتقاليّة إلى معركة صراع هويّاتي وتناحر داخليّ، تقضّ أسباب التّوافق، وتهدّد الوحدة الوطنيّة.

أولويات المرحلة المقبلة

تواجه الطّبقة السياسيّة عمومًا، والحكومة الانتقاليّة السّادسة في تونس ما بعد الثّورة خصوصًا، عدّة صعوبات في مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة لا يمكن أن نأتيَ على تفصيلها كلّها في هذه الورقة، ولكنّنا نلفت الانتباه إلى عدد من الاستحقاقات التي ينتظرها جلّ التونسييّن، وإلى أنه أحرى بالفاعلين السياسييّن وصنّاع القرار التوجّه إلى تحويلها من حيّز الحُلم إلى حيّز الواقع المعيش، وأهمّها ما يلي:

استكمال المسار التأسيسي والتحضير للانتخابات

يتطلّع التونسيّون في المرحلة المقبلة إلى أن تتجاوز الكتل السياسيّة الممثّلة في المجلس التأسيسي خلافاتها بخصوص محتوى الدّستور، وأن تنتهيَ من صَوْغ بنوده بطريقة توافقيّة تضمن تصديق مدوّنة دستوريّة ديمقراطيّة تُولي الاعتبار الأوّل لحقوق الإنسان وسلطة القانون، وتُرسي دعائم الدّولة المدنيّة العادلة، وتضبط حدود السّلط التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، وتحدّد صلاحيّاتها على نحوٍ يساهم في بناء مجتمع مؤسّساتي، وإقامة دولة مواطنيّة يكون المواطن فيها فاعلً في الشّأن العامّ، مساهمً في اختيار ممثّليه وحكّامه؛ ذلك أنّ التّأسيس الدّستوري مرحلة فارقة في الانتقال نحو الديّمقراطيّة، والانقطاع عن عصر الدّولة القامعة وحُكم الحزب الواحد. ويُفترض في السّياق نفسه التّعجيل في صوغ قانون الانتخابات وتشكيل الهيئة المستقلّة التي ستشرف عليها، وتحديد مواعيد الانتخابات الرّئاسيّة والتشريعيّة تحديدًا دقيقًا؛ من أجل المساهمة في بثّ رسائل طمأنة إلى الرّأي العامّ، والسماح بالتقدّم خطواتٍ مهمّةً في مسار تجاوز المرحلة الانتقاليّة وبناء دولة القانون والمؤسّسات.

تشكيل حكومة كفاءات

من أوكد الخطوات في المرحلة المقبلة تكوين حكومة كفاءات مستقلّة تكون على مسافة واحدة من جميع الفرقاء السياسييّن، وتُقدّم رسائل طمأنة إلى جموع التونسييّن، وإلى المستثمرين، وتنكبّ على معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعيّ والسّياسيّ والأمني بتعقيداته المختلفة، وتساهم بسلوكها الحياديّ في إزالة أسباب الاحتقان بين المتنازعين في السّلطة، وتسمح بدخول البلاد في هدنة اجتماعيّة تقلّ معها وتيرة الإضرابات والاعتصامات والفوضى الاحتجاجيّة المطلبيّة، ليتجّه الجميع إلى ترتيب أوراق البيت الدّاخلي، والاتّحاد في مواجهة الإرهاب، والسّعي لتجاوز تحدّيات الأزمة الاقتصاديّة، والاستعداد لإجراء الانتخابات المقبلة في كنف النّزاهة والشفافيّة.

توسيع دائرة التوافق

لقد اتَّضح أنّ تونس لا يمكن أن تحكم خلال المرحلة الانتقاليّة بمنطق الأغلبيّة والأقلّية، وأنّ التوجّه نحو الحكم الوفاقي يمكن أن يكون قاطرة النّجاة الضّ امنة لالتفاف معظم التونسيين حول حكومة لا ترتهن بأجندة حزبيّة معيّنة، بل تتوجّه نحو المصلحة العامّة وخدمة المجموعة الوطنيّة. ولقد كرّست تجربة الحوار الوطني سلوكًا سياسيًّا تفاعليًّا يمكن أن يكون قاعدةً لبناء أركان الدّولة المقبلة. وقد أبدت حركة النّهضة والمتحالفون معها قدرًا من المرونة والاستعداد للتّنازل عن رئاسة الحكومة بطريقة سلسة، وحظيَ رئيس الوزراء الجديد بمقبوليّة مبدئيّة من جانب الرّباعي الرّاعي للحوار بما يمثّله من ثقل رمزيّ وبشريّ داخل الاجتماع التّونسي، كما حظيَ بتأييدٍ من تسعة أحزاب من مجموع 18 حزبًا شهدت الحوار التّاريخي يوم 14 كانون الأوّل / ديسمبر 2013. ومن المهمّ في المرحلة المقبلة توسيع دائرة التّوافق لتشمل الأحزاب المعترضة على مهدي جمعة، والعمل على تشريكها هي وبقيَّة الفرقاء السياسييّن، وبقيَّة مكوّنات المجتمع المدني، في إقامة دعائم الدّولة الديّمقراطيّة الجديدة على أساس توافقيّ. وأولى الخطوات على ذلك الدّرب استكمال صَوْغ المسار الحكومي والمسار التأسيسي الانتقالي على أساس التّشاور والاحتكام إلى الرّأي والرّأي الآخر، وبلورة دستور وفاقيّ يحظى برضا أكبر عدد من المواطنين.

استعادة هيبة الدولة ومكافحة الإرهاب

من المهمّ في المرحلة المقبلة إعادة الاعتبار إلى الدّولة بما هي جهاز ضامن للحقوق وحارس للحرِّيات والواجبات، فهي صمام الأمان في بناء المجتمع المدني، وإقرار السّلم الأهلي. وقيام الثّورة لا يعني تفكُّك الدّولة وتراجع نفوذها في المجال العامّ، فذلك مؤذن بخراب العمران؛ لأنّ من حقّ الدّولة ممارسة الرّدع الشّعي بحسب ما يقتضيه القانون لفرض الأمن، ومكافحة الإرهاب، وحماية الممتلكات العامة والخاصّة. ومن المهمّ في هذا الإطار "إعادة بناء المؤسّسة الأمنيّة وتأهيلها للتّعامل مع المواطنين بطريقة حضاريّة من ناحية، وإعادة بناء الذهنيّة المواطنيّة الجماعيّة من ناحية أخرى؛ لتتعامل مع رجل الأمن بوصفه فاعلً مدنيًّا، يضطلع بدور خدماتيّ، ويسهر على ضمان الاستقرار الأمني ومكافحة غَول الإرهاب الدّاهم الذي يهدّد السّلم الاجتماعيّ والوحدة الوطنيّة، ويحول دون تحقيق النّهضة الاقتصاديّة المرجوَّة.

تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي

ورثت تونس عن عصر الدّكتاتورية اقتصادًا هشًّا، ولم تخرج من عُنق الزّجاجة في المرحلة الانتقاليّة. وعلى الرّغم من تحسّن نِسَب النموّ، فإنّ الوضع المالي للبلاد لم يستقرّ، وترتيبها السّياديّ لم يتحسّن على النّحو المأمول، إضافةً إلى أنّ الكثير من انتظارات المواطن في الشّغل، والتّنمية الجهويّة، والعدالة الاجتماعيّة، لم تتحقّق بعدُ. وعلى الرّغم من انخفاض نسبة البطالة من 17,6 في المئة سنة 2012 إلى 15,7 في المئة مع موفّ السّنة الحالية، فإنّ عدد العاطلين عن العمل من أصحاب الشّهادات العليا في تزايد. يُضاف إلى ذلك تدهور المقدرة الشرائيّة للمواطن، وانحسار الطّبقة الوسطى، والغلاء المشطّ للأسعار. وقد يُفسَّ هذا الوضع الاقتصاديّ الصّعب بمحدوديّة الموارد الذاتيّة الوطنيّة، وعدم استقرار الأوضاع السياسيّة والأمنيّة على الصّعيدين المحلّ والإقليميّ، وخصوصًا في ليبيا التي تُعَدُّ الشّيك الاقتصاديّ العربيّ الأوّل لتونس. كما أنّ تصاعد وتيرة العنف والأعمال الإرهابيّة، وكثرة الإضرابات الاحتجاجيّة، وتزايد نسق المطلبيّة المجحفة، قد أثّر سلبيًّا في الواقع الاقتصاديّ للبلاد. لقد أشار تقرير البنك الدولي الصادر يوم 2 كانون الأوّل / ديسمبر 2013 إلى أنّ نسبة النمو الاقتصادي في تونس ستستقر عند 2.6 في المئة خلال سنة 2013، بعد أن توقعت الحكومة تحقيق 4.5 بالمئة سابقًا. وبيَّ التقرير أنّ النمو الاقتصادي في تونس بدأ يفقد نسقه بسبب انعدام الرؤية السياسية، والأحداث الأمنية التي أضرَّت بالسياحة التونسية وانعكست سلبيًّا على الاستثمار الأجنبي، إضافةً إلى استمرار النمو ضعيفًا ببلدان الاتحاد الأوروبي.30 والمطلوب من الفريق الحاكم، في الأيّام المقبلة، اتّخاذ إجراءات استعجاليّة لإعادة الاعتبار إلى الدّينار التّونسي وتحريك عجلة الاقتصاد، ويفترض في هذا الإطار الاشتغال الفوريّ بعدّة ملفّات، لعلّ أهمّها: إعادة الثّقة إلى المتدخّلين والمستثمرين من الدّاخل والخارج، وتقليص الضّ غوط على ميزانيّة الدّولة، واعتماد الحوكمة التجاريّة الرّشيدة ومكافحة الفساد، وتوسيع الشّاكات الاقتصاديّة وتنويعها، وتحسين الدّخل الفردي، وإحداث مواطن شُغل تستوعب آلاف العاطلين من ذوي الشّهادات العليا. ومعلوم أنّ تحقيق هذه المطالب وغيرها رهين تفعيل الوفاق الوطنيّ، وتظافر الجهد لكسب معركة التنّمية، ورهين دخول المنظمّات النقابيّة

  1. Statement by the IMF, Ibid.

في هدنة اجتماعيّة تساعد الحكومة الوفاقيّة على رفع التحدّيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

استنتاجات

يمكن أن نخلص من خلال ما سبق إلى إثبات النّتائج التّالية: بدا بعد ثلاث سنوات من الثّورة أنّ الحكومات الخمس المتعاقبة على تونس بعد ثورة 17 ديسمبر 2010 - 14 جانفي 2011، ونعني بها حكومتيْ محمد الغنّوشي، وحكومة الباجي قائد السّبسي، وحكومة الترويكا الأولى بقيادة حمّ دي الجبالي، والثّانية بقيادة علي العريّض، لم تنجح على اختلافها، وأنّ الوضع الانتقاليّ موسوم بعدم الاستقرار، وبعدم تمكّن الحكومات المتتالية من تحقيق تطلّعات قطاع كبير من التونسييّن إلى التّنمية والشّغل والعدالة الاجتماعيّة؛ وهو ما ساهم في توتير الواقع السّياسي وتصاعد الاحتجاجات المطلبيّة. كان لقوى المجتمع المدنيّ من جمعيّات حقوقيّة ونقابيّة وأحزاب سياسيّة ونُخب مثقّفة الدّور الفاعل في فرْض الرّقابة على حكومة الترويكا وتكثيف العمل الاحتجاجيّ السّلميّ؛ ما ساهم في تأمين تنازلها السّلس عن السّلطة. ظهر جليًّا أنّ إدارة تونس في المرحلة الانتقاليّة لا تلين بتحكيم منطق تسويد الأغلبيّة على الأقلّية، بل تكون بتحكيم التّوافق تأسيسًا لشكلٍ من أشكال الديّمقراطيّة التشاركيّة البنَّاءة. إنّ انخراط اتّحاد الشّغل في المعترك السّياسي وسعيه لإحداث الوفاق بين المتنازعيِن في السّلطة يظلّ، على الرّغم من خروجه عن السّياق النّقابي، ذا دورٍ إيجابيٍّ لمساهمته في نزع فتيل الاحتقان الاجتماعي والدّفع إلى الوفاق. لكنّ إيجابيّة هذا الدّور تبقى رهينة التزام النّقابييّن الحياد، وعدم انزلاقهم في مهواة التحزّب والانتصار لفريق على حساب آخر. أقدمت حركة النّهضة ذات المرجعيّة الإسلاميّة على التّنازل عن الحكم بطريقة سلسة، وذلك على الرّغم ممَّ تحظى به من حضور مهمّ في المجلس التّأسيسي31، وقبلت بتسليم السّلطة إلى حكومة كفاءات، مستجيبةً للحراك الاحتجاجي المعارض لها. فدشّنت بذلك سابقةً في تاريخ الإسلام السّياسي32، وبرزت في موقع أوّل حزب تونسي يكرّس مبدأ التّداول على السّلطة، ويقبل بالشرعيّة الوفاقيّة بديلً من الشرعيّة الانتخابيّة. حافظت المؤسّسة العسكريّة في تونس على لزوم الحياد إزاء الفرقاء السياسييّن، وهو ما مثَّل ضمانةً أساسيّةً لمشروع التحوّل السلميّ نحو بناء الدّولة الديّمقراطيّة المأمولة والجمهوريّة الثانية المنشودة. من المهمّ أن تتجاوز الأحزاب في تونس هاجس الانحياز إلى الدّوغما والانغلاق داخل الأيديولوجيا، وتتّجه صوب الأفق الرّحب للتعدّديّة والوفاق. من المهمّ الإشارة إلى أنّنا داخل المشهد التونسي بصدد متابعة تشكّلٍ تدريجيّ لنموذج عربيّ في الديّمقراطيّة33 يُؤسَّس على الفاعليّة المواطنيّة، والتعدّديّة الحزبيّة، والتّداول السّلميّ على السّلطة، ومن المهمّ في هذا الإطار تشريك الشّباب في التّغيير، والقيادة، وصُنع القرار. اتَّضح من خلال التّجربة الديّمقراطيّة في تونس أنّ التعلّمية الديّمقراطيّة مسار طويل تكتسبه الشّعوب بطول الممارسة، وبتحويل الوعي السّياسي من متصوَّر ذهني إلى مُنْجَز عمليّ خلَّ ق؛ ذلك أنّ "المواطنة تُ ارس ولا يمكن التثقّف بها نظريًّا دون ممارستها[...] فتحقيق الديّمقراطيّة وبناؤها ونشرها في المجتمع بعد حقبة الاستبداد مهمّة نضاليّة تبقى مركزيّةً حتّى بعد إطاحة حُكم الاستبداد وهي تتمّ عبر المشاركة وليس الإقصاء"34.