هل الدولة والمجتمع في مصر مستعدّان للعدالة الانتقاليّة والمصالحة الوطنية؟

راوية توفيق

الملخّص

في مصر بادرت منظمات حقوقية وحركات اجتماعية، منها حركة شباب 6 أبريل، إلى بلورة قانون للعدالة الانتقالية استندت فيه إلى تجارب سابقة، منها تجربة جنوب أفريقيا. وكانت تونس، الدولة التي انطلقت منها شرارة الثورات العربية، قد سبقت مصر في هذا المجال، متعاونة مع وزارة العدل في جنوب أفريقيا. كما أنشأ المغرب عام 2003 "هيئة الإنصاف والمصالحة" للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة 1999-1956. تناقش هذه الورقة إمكانية تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية في مصر، وتحاول استخدام اقتراب يضع آليات المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية الناجحة في إطارها الأشمل، وهو التحول الديمقراطي والإصاح المؤسسي القائم على التفاوض بين القوى السياسية. تعرض الورقة الفلسفة التي تحملها فكرة العدالة الانتقالية، والسمات التنظيمية التي تساعد على نجاح آلياتها، والشروط التي تساعد في التغلب على التحديات التي تواجهها، وعلى المقاومة التي يمكن أن تتعرض لها.

دروس من جنوب أفريقيا

مقدمة

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 في مصر، طالب عدد من الحقوقيين والناشطين السياسيين بتدشين آلية للعدالة الانتقالية للتعامل مع أخطاء نظام الرئيس السابق حسني مبارك وخطاياه. وقد تجدد هذا المطلب بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي في الثالث من تموز/ يوليو 2013، وأعلنت الحكومة الجديدة تبنيها له مستحدثة وزارة جديدة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ومشيرة إلى سعي مصر للاستفادة من تجارب الدول الأخرى، وعلى رأسها تجربة جنوب أفريقيا. فبعد أيام قليلة من توليه منصب مستشار الرئيس المؤقت للشؤون السياسية، صرح الدكتور مصطفى حجازي في مؤتمر صحفي على هامش مؤتمر المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية في تموز/ يوليو الماضي أنّ مصر ستشكل أطرًا مؤسسية لتحقيق العدالة الانتقالية كما حدث في دول حققت نجاحًا في هذا المجال، ومنها جنوب أفريقيا. وفي حديثه لإحدى القنوات الفضائية في أيلول/ سبتمبر الماضي أشار الدكتور حسام عيسى، نائب رئيس الوزارء ووزير التعليم العالي، إلى اهتمامه بتجربة جنوب أفريقيا في العدالة الانتقالية وإلى ضرورة استفادة مصر منها. ومن ناحية أخرى، بادرت منظمات حقوقية وحركات اجتماعية، منها حركة شباب 6 أبريل، إلى بلورة قانون للعدالة الانتقالية استندت فيه إلى تجارب سابقة، منها تجربة جنوب أفريقيا. وكانت تونس، الدولة التي انطلقت منها شرارة الثورات العربية، قد سبقت مصر في هذا المجال؛ إذ تعاونت وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية التونسية مع وزارة العدل في جنوب أفريقيا لتشكيل لجنة على غرار لجنة الحقيقة والمصالحة التي شكلتها جنوب أفريقيا عام 1995. كما أنشأ المغرب عام 2003 "هيئة الإنصاف والمصالحة" للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة 1999-1956 1. ولكن هل الدولة والمجتمع في مصر على استعداد لتقديم التنازلات اللازمة لنجاح العدالة الانتقالية؟ وما هي الشروط التي ساهمت في النجاح النسبي للعدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا؟ وهل هذه الشروط متوافرة في الحالة المصرية؟ وما هي التحديات التي تواجه آليات العدالة الانتقالية والمصالحة؟ وما هي الدروس المستفادة من خبرة هذه الآليات؟

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذه التساؤلات باستخدام اقتراب يضع آليات المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية الناجحة في إطارها الأشمل، وهو التحول الديمقراطي والإصلاح المؤسسي القائم على التفاوض بين القوى السياسية. وتفصِّل الدراسة في تحديد المناخ الذي يجري فيه صوغ آليات المصالحة وتشكَّل فيه لجان العدالة الانتقالية، والفلسفة التي تحملها فكرة العدالة الانتقالية، والسمات التنظيمية التي تساعد على نجاح آلياتها، والشروط التي تساعد في التغلب على التحديات التي تواجهها وعلى المقاومة التي تتعرض لها. ولذلك، تعتمد الدراسة على مراجعة أدبيات التحول الديمقراطي المرتبطة بفكرة التفاوض على آليات المصالحة والعدالة الانتقالية كجزء من تسوية سياسية تمهد لعملية التحوّل. كما تستند الدراسة إلى القانون المنشئ للجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا لتحلل فحوى فكرة العدالة الانتقالية وأسسها الفلسفية، ومكوناتها التنظيمية. وتراجع الدراسة بعض الدراسات التحليلية والاستقصائية لتقف على شروط نجاح آليات العدالة الانتقالية وتمتعها بالصدقية، وكذلك التحديات التي تواجه تطبيقها. وتهدف الدراسة من تحليل تلك القضايا إلى المساهمة في النقاش حول العدالة الانتقالية وفلسفتها ومتطلبات نجاحها، وما يمكن أن تحمله من خصوصية في الحالة المصرية، بعدما شهده هذا النقاش من انحسار في ظل التركيز على "الحرب على الإرهاب"، والحشد الشعبي لمساندة مؤسسات الدولة في تلك الحرب. كما تهدف إلى الإضافة إلى المكتبة العربية في دراسات العدالة الانتقالية في ظل نقص هذه الدراسات وحداثتها النسبية. وفي تحليلها لخبرة جنوب أفريقيا ومحاولة الاستفادة منها في الحالة المصرية، لا تتجاهل هذه الدراسة اختلاف الإطار التاريخي وطبيعة الفاعلين السياسيين في الحالتين. فلا شك أنّ طبيعة الصراع بين أقلية حاكمة سيطرت على الحكم لعقود طويلة وحركة تحرر وطني تمثل الأغلبية يختلف عن صراع بين قوى سياسية متنافسة تحمل تصورات مختلفة للدولة وأيديولوجيتها وعلاقتها بالمجتمع. وقد تبدو الخريطة

  1. لمزيد من التفاصيل حول التجربة المغربية والتحديات التي واجهتها انظر: عبد العزيز النويضي، "إشكاليات العدالة الانتقالية: تجربتا المغرب وجنوب أفريقيا"، ملف "الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي في ضوء التجارب العالمية"، مركز الجزيرة للدراسات،، انظر:2013/2/14 http://studies.aljazeera.net/files/arabworlddemocra cy/2013/01/201312410191634162.htm

السياسية في الحالة المصرية أكثر تعقيدًا. فعلى الرغم من تعدد الفاعلين الممثلين للأقلية البيضاء والأغلبية السوداء في حالة جنوب أفريقيا، فإنّ وجود قوتين معتدلتين تمثلان الأغلبية في كل جانب (وهما الحزب الوطني والمؤتمر الوطني الأفريقي) قد سهَّل الوصول إلى تسوية سياسية. أما في الحالة المصرية، فإنّ تعدّد الفاعلين من ممثلين لنظام قديم سيطر على الحكم لمدة ثلاثة عقود، وأعضاء جماعة سياسية ذات مرجعية إسلامية صعدت إلى الحكم لمدة عام واحد، ومعارضة سياسية مختلفة التوجهات ناهضت النظامين، ومؤسسة عسكرية حسمت مصير النظامين في 25 يناير و 3 تموز/ يوليو، تجعل التفاعلات السياسية أكثر تعقيدًا.

لا شك أيضًا أنّ الإطار الاجتماعي والاقتصادي الذي تجري فيه هذه التفاعلات السياسية شديد الاختلاف في الحالتين. فالعامل الاجتماعي الأكثر بروزًا في حالة جنوب أفريقيا هو العرق أو اللون، فعلى أساسه تمت التفرقة بين أقلية بيضاء وأغلبية سوداء، ولمناهضة هذا التمييز قامت حركات التحرر الوطني حتى استردت الأغلبية حقوقها. أما في الحالة المصرية فعامل الدين وعلاقته بالدولة هو عامل مهم - إن لم يكن بالطبع العامل الوحيد - لفهم طبيعة الصراع السياسي. ويظل الصراع من أجل ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات التي هُمِّشت لعقود هو العامل المشترك بين الحالتين. فلا نهاية نظام التفرقة العنصرية ترجم إلى القضاء على الفقر بين صفوف الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا، ولا إسقاط الرئيس حسني مبارك بعد ثورة 25 يناير مهَّد لسياسات اقتصادية واجتماعية تعيد توزيع الثروة على نحو عادل بعد تزايد الفجوة بين الطبقات. ولا تمنع هذه الاختلافات من النظر في تجربة المصالحة والعدالة الانتقالية في حالة جنوب أفريقيا ومحاولة الاستفادة من دروسها في الواقع المصري. فليس الهدف من الدراسة إجراء مقارنة منظمة بين الحالتين، وإنما الوقوف على طبيعة الإطار الذي يجب أن تنشأ فيه آليات المصالحة، ورمزية إنشاء هذه الآليات، والمقومات التي تساعد على نجاحها. كما أنّ الدراسة في تركيزها على خبرة جنوب أفريقيا لا تتجاهل حقيقة أنّ هناك نماذج أخرى للعدالة الانتقالية اختلفت في آلياتها وسياقها عن هذه الخبرة. ولا يعود التركيز على تحليل حالة جنوب أفريقيا إلى تكرار الإشارة إليها كنموذج استرشادي من قبل الحكومة المصرية المؤقتة فقط، وإنما أيضًا لأنها الحالة الأبرز والأشهر، والتى ساهمت بشكل كبير في تطوير مجال العدالة الانتقالية على مستوى العالم2. واستنادًا إلى هذه المقدمة، تنقسم الدراسة إلى أربعة أقسام: يعرض القسم الأول الإطار العام للمصالحة والعدالة الانتقالية؛ فالمفهومان، وما يرتبط بهما من مؤسسات وتفاعلات، لا يحدثان في فراغ، وإنما يشكلان جزءًا من عملية تحوّل ديمقراطي قائم على التفاوض والمساومات للوصول إلى حلول وسطى بين أطراف العملية السياسية. ويناقش القسم الثاني مفهوم العدالة الانتقالية ودلالاته وأهدافه، ويذكر بالتفصيل كيف تحققت هذه المعاني والأهداف في نموذج جنوب أفريقيا، ويتساءل بشأن مدى إمكانية تحقيقها في الحالة المصرية. أما القسم الثالث فيناقش الأبعاد التنظيمية للجان العدالة الانتقالية والمصالحة، فيتعرض للاعتبارات التي تحكم تشكيلها ويستعرض آليات عملها. وتختتم الدراسة بالقسم الرابع بمناقشة التحديات التي تواجه تطبيق العدالة الانتقالية سواء تعلقت بالتنظيم أو بمواجهة القوى الرافضة للمفهوم ذاته.

العدالة الانتقالية ونماذج التحوّل الديمقراطي: في أيّ إطار تطبق آليات المصالحة؟

من الخطأ التصور أنّ تحقيق العدالة وتجاوز الاستقطاب يتحقق بإنشاء هيئة أو استحداث وزارة يعهد إليها هذه الأهداف فحسب. فتطبيق آليات العدالة والمصالحة الوطنية إنما هو جزء من عملية أوسع تعنى بتأسيس قواعد للتحول إلى الديمقراطية، بما فيها كتابة دستور جديد، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة لإخضاعها للمراقبة والمساءلة. ولذلك، سمي هذا النمط من العدالة ﺑ "الانتقالية" لأنه يطبق في مرحلة انتقال الدول من الاستبداد إلى الديمقراطية أو

  1. لعرض شامل بشأن خبرات العدالة الانتقالية في الحالات الأخرى، انظر: Kevin Avruch and Beatriz Vejarano, “Truth and Reconciliation Commissions: A Review Essay and Annotated Bibliography,” The Online Journal of Peace and Conflict Resolution , vol.4, no.2 (2002), pp. 37-76. وكذلك عبد الحسين شعبان، "العدالة الانتقالية: مقاربات عربية للتجربة الدولية"، المستقبل العربي، العدد 413 (بيروت: تموز/ يوليو 2013)، ص .128-99

من الحرب إلى السلم. وفي حالة جنوب أفريقيا كان نموذج التحول قائمًا على عملية تفاوضية وتسوية سياسية، كانت العدالة الانتقالية أحد أهم مكوناتها. فقد درجت أدبيات التحول الديمقراطي على تقسيم أنماط التحول ونماذجه إلى ثلاثة: نمط ينتج من إطاحة النظام الاستبدادي بصورة كاملة عن طريق قوى المعارضة التي تكتسب قوة ودعمً جماهيريًا تدريجيًا يمكّنها من إطاحة النظام والتأسيس لنظام جديد يغيّ بشكل جذري قواعد النظام القديم في توزيع السلطة أو الثروة أو كلاهما معًا. ويعتمد الثاني على إصلاحات تدريجية تقوم بها النخبة القائمة لاستيعاب المطالب والضغوط الداخلية أو الخارجية للتغيير. أما الثالث فيعتمد على التفاوض بين القوى السياسية الأكثر تأثيرًا للتمهيد لتغييرات جزئية في النظام القائم. ويتحقق هذا النمط الأخير في حال توازن - وليس بالضرورة تساوي - القوة بين الأطراف السياسية الكبرى بحيث يدرك كل طرف صعوبة نفي أو إقصاء الطرف الآخر مما يدفعه إلى التفاوض للوصول إلى صيغة وسطى تبدأ بها عملية التحول الديمقراطي خطواتها الأولى. ولأنّ التحول في هذا النمط يقوم على التفاوض، فإنه ينتج نظامًا خليطًا يحمل بعض ملامح النظام القديم، ويؤسس حقوقًا سياسية واقتصادية لفئات كانت محرومة من تلك الحقوق من قبل3. وعلى الرغم من أنّ تحوّل جنوب أفريقيا من نظام تحتكر فيه الأقلية البيضاء السلطة والثروة إلى نظام تعددي يعترف بالحقوق السياسية والاقتصادية للأغلبية السوداء قد جاء بعد نضال طويل قادته قوى التحرر الوطني ضد نظام الفصل العنصري، فإنّ هذا التحول كان أقرب إلى النمط الثالث. فالكفاح الذي قاده حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وحلفاؤه من النقابات العمالية والحزب الشيوعي، بالإضافة إلى الضغط الدولي المتزايد الذي تعرّض له نظام الفصل العنصري، لم يكن كل ذلك بإمكانه إسقاط هذا النظام والقضاء عليه كليًا. وفي الوقت نفسه، فإنّ نظام الفصل العنصري، على الرغم من امتلاكه أدوات القوة الاقتصادية والقمعية، أدرك أنّ ما يتعرض له من خسائر على المستويين الداخلي والدولي يجعل من الصعب استمراره في ممارسة السياسات الإقصائية نفسها ضد الأغلبية4. وبذلك اجتمعت القوى السياسية الرئيسة، وهي: الحزب الوطني الممثل للأقلية البيضاء من جهة، وحزب المؤتمر الوطني وحلفاؤه والقوى الأخرى المعبرة عن المجموعات العرقية الأخرى (الهنود والملونين) من جهة أخرى، في عملية تفاوضية لإرساء قواعد للنظام الجديد، وهو ما مثَّل نموذجًا لما أطلق عليه "الثورة المتفاوضة" Revolution Negotiated 5. وقد بدأت عملية التفاوض بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم الزعيم نيلسون مانديلا عام 1990، وافتتاح أولى جلسات مؤتمر الديمقراطية في جنوب أفريقيا "كوديسا" a for Convention في كانون الأول/ ديسمبر Democratic South Africa, CODESA 1991، والتي استمرت حتى إجراء أول انتخابات ديمقراطية بعد القضاء على نظام الفصل العنصري عام.1994

وإذا كانت هذه المعطيات قد شكلت الإطار السياسي العام لتدشين آليات العدالة الانتقالية وبدء عملية المصالحة، فإنّ المعطيات السياسية في مصر في فترة ما بعد 3 تموز/ يوليو 2013، بل ومنذ ثورة 25 يناير 2011، هي أكثر تعقيدًا. فمصر لا تنتمي إلى النمط الأول للتحول لأنّ الثورة لم تطح النظام السابق كاملً، ولم تفرز نخبة تتولى الحكم وتنفّذ الإجراءات الجذرية التي تحقق مطالب الثورة من ضمان للحريات السياسية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وفي الوقت ذاته، فإنّ التحولات التي جرت في مصر منذ 25 يناير لا تتسق مع النمط الثالث؛ لأنها لم تنتج من مفاوضات بين الأطراف السياسية تمهّد لإجراءات متفق عليها للتحوّل تكون آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية جزءًا منها. وقد افتقد المجلس الأعلى

  1. لمزيد من التفاصيل حول هذا النمط من التحول انظر: Guillermo O’Donnel and Philippe Schmitter, Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986), pp. 37-38; Samuel Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Oklahoma: University
  2. of Oklahoma Press, 1993), pp. 151-154; Philippe Schmitter, “Twenty- five Years, Fifteen Findings,” Journal of Democracy , vol. 21, no. 1 (January
  3. 2010), p. 23; Nancy Bermeo, “Democracy and the Lessons of Dictatorships,” Comparative Politics , vol. 24, no. 3 (April 1992), p. 276. 4  Steven Friedman, “South Africa's Recalcitrant Transition,” Journal of Democracy , vol. 4, no. 33 (April 1993), pp. 56-57. 5  George Lawson, Negotiated Revolutions: The Check Republic, South Africa and Chile (Aldershot: Ashgate Publishing Limited, 2005), pp. 121-174.

للقوات المسلحة، الذي حكم البلاد لمدة عام ونصف بعد ثورة 25 يناير، للإرادة السياسية اللازمة لتطبيق آليات العدالة الانتقالية6. ولم يكن نظام الرئيس محمد مرسي، أول رئيس منتخب بعد الثورة، أفضل حالً؛ فخلال عام من حكمه لم يكن هناك رؤية متكاملة معلنة للتعامل مع القوى السياسية والاقتصادية للنظام السابق. فقد منعت المادة 232 من دستور عام 2012 قيادات الحزب الوطني المنحل من ممارسة العمل السياسي والترشح للانتخابات لمدة عشر سنوات، ولكن لم يجر تبني نظام شامل للعدالة الانتقالية للتحقيق في انتهاكات النظام السابق، وتم التعامل مع رجال الأعمال المنتمين إلى هذا النظام بشكل انتقائي لا يخضع لقواعد واضحة. أما ترتيبات 3 تموز/ يوليو 2013 وما بعدها، فلم تخضع لعملية تفاوضية تشترك فيها الأطراف الأساسية للأزمة، وقد تبادلت تلك الأطراف - القوات المسلحة والقوى المتحالفة معها من جهة، وجماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها السياسيون من جانب آخر - الاتهامات حول المسؤولية عن غياب تلك العملية. ولا شك أنّ حملة الاعتقالات الواسعة التي شملت قيادات الإخوان المسلمين وحلفائهم وامتدت لتشمل مشاركين في التظاهرات المؤيدة لعودة الرئيس مرسي، وأحداث العنف التي حُسبت على تيارات مساندة للإخوان المسلمين، والانتهاكات المتتالية التي ارتكبت بحق المعتصمين في ميداني رابعة العدوية والنهضة، لم تتح مناخًا ملائمًا لعملية تفاوضية تشمل جميع الأطراف وتخرج البلاد من أزمتها السياسية. والأهم من ذلك، أنّ انحياز المؤسسة العسكرية لمطالب المتظاهرين في 30 حزيران/ يونيو 2013 ورفض التفاوض حول خارطة الطريق المعلنة، وضع الطرف الآخر في العملية السياسية، وهم الإخوان المسلمون، في الموقف الأضعف. بعبارة أخرى، لم يكن هناك توازن قوة يضغط لمصلحة حل تفاوضي. في الوقت نفسه، إذا كانت آليات العدالة الانتقالية تشكل جزءًا من عملية الانتقال إلى الديمقراطية، فإنّ التطورات السياسية في فترة ما بعد 3 تموز/ يوليو من استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية، وعودة سطوة المؤسسة الأمنية، قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت مصر تمر بفترة انتقال إلى الديمقراطية أم أنها تشهد ردة تعكس التعثر في تحقيق أهداف الثورة في ظل صمود مؤسسات النظام القديم. إذًا، على الرغم من الحديث الرسمي المتكرر عن المصالحة، فإنّ الإطار السياسي الذي طبقت فيه المصالحة والعدالة الانتقالية كجزء من حلول تفاوضية تساومية في حالة جنوب أفريقيا غير متوافر حتى الآن في الحالة المصرية. ويعني ذلك أنه حتى لو جرى إنشاء مؤسسات مخوّلة بتطبيق العدالة الانتقالية في فترة الحكومة المؤقتة، فإنّ مضمونها وآلياتها سوف تحدد من قبل طرف واحد، وهو حكومة ما بعد الثالث من تموز/ يوليو.

كما أنّ القدرة على الوصول إلى حلول وسطى، لا يعنى أنّ البدء في عملية التفاوض والمضي بها في حالة جنوب أفريقيا كان عملية سهلة وتلقائية. فقد مرت هذه العملية بعثرات وتوقفت لفترات، ونفذت خلالها اغتيالات سياسية استهدفت نسف العملية التفاوضية برمتها، وخرجت منها عدة قوى لأسباب مختلفة. وكان من بين ذلك انسحاب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الممثل الرئيس للأغلبية السوداء، بعد مذابح ارتكبت بحق بعض المواطنين السود في حزيران/ يونيو 1992. إلا أنّ هناك بعض السمات التي تميزت بها العملية التفاوضية التي شكلت إطارًا للعدالة الانتقالية والمصالحة في جنوب أفريقيا، والتي يجب التأمل في مدى توافرها في الحالة المصرية. أول هذه السمات هو السعي للتوافق والأخذ في الاعتبار مخاوف الأقلية. ففي بداية عملية التفاوض ساد خلاف بين الحزبين الأساسيين الحزب الوطني والمؤتمر الوطني الأفريقي، على آلية صوغ الدستور. فقد اقترح المؤتمر الوطني أن يكون صوغه عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة، بينما تخوف الحزب الوطني أن يؤدي ذلك إلى محدودية تمثيل الأقلية البيضاء، واقترح أن يمرر الدستور بالتوافق بين الأحزاب السياسية، ثم يعرض على الشعب للاستفتاء. وانتهى الاتفاق على صوغ دستور انتقالي يمهد لانتخاب جمعية تأسيسية تقوم بصوغ دستور دائم7. ولم يكن التوافق حول مسألة صوغ الدستور هو المؤشر الوحيد لوجود

  1. لمزيد من التفاصيل انظر: Reem Abou-El-Fadl, “Beyond Conventional Transitional Justice: Egypt’s
  2. 2011 Revolution and the Absence of Political Will,” The International Journal of Transitional Justice , vol. 6 (2012), pp. 318-330. 7  Friedman, pp. 62-63; Derek Powell, “The Role of Constitution Making and Institution Building in Furthering Peace, Justice and Development: South Africa’s Democratic Transition,” The International Journal of Transitional Justice , vol. 4 (2010), pp. 240-241.

إرادة لدى الأطراف الأساسية للتوافق؛ فقد اتفق المتفاوضون على تشكيل حكومة وحدة وطنية، يجري من خلالها تشارك السلطة بين القوى السياسية. وكانت تلك الخطوة بمنزلة إجراء آخر لبناء الثقة بين أعداء الماضي، كما أنها دعمت شرعية الأغلبية بمساندة ومشاركة الأقلية في الحكم، ودعمت حق الأقلية في الحد من السلطة المطلقة للأغلبية الحاكمة8. ولا يبدو بعد ثلاثة أعوام من ثورة 25 يناير أنّ القوى السياسية في مصر قد أدركت حتمية التوافق والوصول إلى حلول وسطى. فلجنة صوغ الدستور قد تحولت من لجنة منتخبة من قبل البرلمان استحوذت فيها الأحزاب السياسية الإسلامية على الأغلبية بعد الانتخابات البرلمانية في 2012-2011 إلى لجنة معينة من قبل الرئيس المؤقت هُمّشت فيها هذه الأحزاب لمصلحة التيارات الأخرى بعد إعلان القوات المسلحة عن خارطة الطريق في 3 تموز/ يوليو 2013. ولم يكن وضع الحكومات المشكلة في فترة حكم الرئيس محمد مرسي وما بعد إطاحته أفضل حالً؛ مما يعد مؤشرًا على عدم استعداد، أو عدم قدرة، التيارات السياسية المختلفة للعمل في إطار حكومة تمثلها جميعًا. السمة الثانية لعملية التفاوض في حالة جنوب أفريقيا، هي أنّ الأطراف المتفاوضة قد خلصت إلى أهمية الاتفاق على المبادئ العامة التي تحكم النظام الجديد قبل الانخراط في البحث والخلاف حول تفاصيل هذا النظام، وكوسيلة لتسهيل عملية النقاش في هذه التفاصيل. ولذلك، فقد اتفقت هذه الأطراف على مبادئ عامة لا بد من تضمينها في الدستور الدائم. وتمثلت هذه المبادئ في الديمقراطية القائمة على تعدد الأحزاب، وإنشاء نظام شبه فيدرالي ليحل محل النظام المركزي، وإقامة نظام سياسي غير عنصري وغير منحاز نوعيًا، والفصل بين السلطات مع وجود قضاء مستقل، وإنشاء مستويات للإدارة على المستوى المحلي تقوم على التمثيل الديمقراطي، وحماية جميع الحقوق والحريات العامة، وحماية التنوع اللغوي والثقافي. والجدير بالذكر أنّ فكرة وضع وثيقة للمبادئ فوق الدستورية قد قوبلت برفض من قبل القوى السياسية في مصر حينما اقترحها الدكتور علي السلمي نائب رئيس الوزراء في فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أعقاب ثورة 25 يناير. وقد رفضت بعض القوى السياسية الوثيقة لما تضمنته من صلاحيات للقوات المسلحة، ورفضتها قوى سياسية أخرى لاعتراضها على تقيد اللجنة الواضعة للدستور بمبادئ ليست من صنعها. إلا أنّ النقاش حول المبادئ الحاكمة للدولة ونظامها السياسي التي تتوافق عليها القوى السياسية ويرتضيها المجتمع المصري هو أمر ضروري يسبق النقاش حول تفاصيل أبواب الدستور. كما أنه ليس مجرد قضية فرعية يعهد بها للجنة نوعية محدودة العدد منبثقة من لجنة معينة. السمة الثالثة، أنّ عملية التفاوض والتوافق استندت إلى دور محوري لقيادتين كان لديهما القدرة على اتخاذ قرارات صعبة وصادمة لمؤيديهما أحيانًا، وحشد التأييد الشعبي لها؛ وهما نيلسون مانديلا و فريدريك دي كليرك. فقد أشارت استطلاعات الرأي أنّ معظم البيض في جنوب أفريقيا لم يكونوا مدركين أنّ استمرار نظام الفصل العنصري يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية. وقد خاطر الرئيس دي كليرك، آخر رئيس لجنوب أفريقيا من الأقلية البيضاء، بشعبية حزبه حينما اتخذ قرار بدء المفاوضات، وهو ما ترجم في حصول الحزب اليميني المحافظ على الأغلبية في انتخابات التجديد النصفي للبرلمان. ولكن مع تصاعد وتيرة العنف لجأ الرئيس دي كليرك لإقناع الأقلية البيضاء بضرورة استمرار المفاوضات مستفتيًا هذه الأقلية التي صوتت لمصلحة خيار التفاوض9. وقد كان العامل ذاته سببًا في عودة الرئيس نيلسون مانديلا إلى المفاوضات بعد انسحاب حزبه منها في حزيران/ يونيو 1992. فهل في مصر من لديه الاستعداد لاتخاذ قرارات جريئة للمصالحة والتحوّل من خلال تقديم تنازلات سياسية على المدى القصير لتحقيق استقرار الوطن على المدى البعيد؟

العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: الفلسفة والدلالات

ينصرف مفهوم العدالة الانتقالية، كما يعرفه المركز الدولي للعدالة الانتقالية، إلى "مجموعة الإجراءات القانونية وغير القانونية التي تطبقها الدول بهدف معالجة ميراث الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، وتشمل هذه الإجراءات المحاكمات الجنائية، وإنشاء لجان لتقصي الحقائق وبرامج لتعويض الضحايا، وصور أخرى من الإصلاح المؤسسي." ويذهب الباحثون إلى أنّ إنشاء لجان العدالة الانتقالية بصفة عامة، ولجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا بصفة

  1. Vincent Maphai, “A Season for Power Sharing,” Journal of Democracy , vol. 7, no. 1 (1996), pp. 67-68.
  2. F.W. de Klerk, “The Role of Leadership in South Africa’s Transition,” Speech at Rhodes House, University of Oxford, May 17, 2011.

خاصة، قد حمل أكثر من معنى محوري؛ فالمعنى الأول أنّ الانتقال إلى مجتمع ديمقراطي يستوعب الجميع يتطلب التعامل مع أخطاء الماضي وخطاياه. وهذا هو ما عبّ عنه قانون الوحدة الوطنية والمصالحة لعام 1995 الذي نص على أنّ الهدف من إنشاء آليات العدالة الانتقالية هو "دعم الوحدة الوطنية والمصالحة من أجل تحقيق تفاهم يساعد على تجاوز صراعات وانقسامات الماضي"10. لذا، فإنّ عملية المصالحة تبدأ من اعتراف الأطراف كافة بأخطائها السياسية11. فعلى الرغم من أنّ الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا قد وقع عليها الظلم التاريخي الأكبر، فإنّ عملية المصالحة تطلبت اعتراف المؤتمر الوطني الأفريقي ضمنًا بخطأ استخدام العنف في صراعه السياسي للحصول على حقوق الأغلبية. ولذا كان كشف الحقائق والجرائم والاعتراف بها ركنًا أساسيًا من أركان عملية المصالحة. ويحمل ذلك أيضًا معنى رمزيًا مهمً يقوم على فكرة أنه على الرغم من أنّ المصالحة مهمة لتجاوز الانقسامات، فإنه لا بد من تقدير معاناة ضحايا الانتهاكات السابقة، والاعتراف بآثار العنف الذي مورس ضد الجماعات المختلفة. ويعني ذلك أنّ التمسك باستبعاد بعض القوى السياسية بحجة استخدامها للعنف في الماضي، وهي الحجة التي تكررها قيادات الحكومة المؤقتة في مصر، هي حجة لا تتسق مع فكرة العدالة الانتقالية، والتي تقوم في جانب أساسي منها على فكرة العفو المشروط عن انتهاكات وجرائم معينة في مقابل الكشف عن الحقائق والتعويض. وفي الوقت نفسه، فإنّ نبذ العنف وقبول التفاوض على قواعد العملية السياسية هما متطلبان أساسيان لنجاح عملية المصالحة. كما أنّ تحديد نوعية الجرائم التي سيجري العفو عن مرتكبيها هي مسألة مهمة لا بد من أنّ تخضع لنقاش واسع كما سيأتي بيانه في القسم التالي في ما يتعلق بحالة جنوب أفريقيا. إنّ إقصاء جماعات كاملة بحجة استخدام بعض المنتمين إليها للعنف، فذلك يتناقض مع هدف المصالحة وفلسفتها، ويدفع هذه الجماعات إلى مزيد من العنف. ويبقى السؤال المطروح هو: هل لدى القوى السياسية في مصر الاستعداد للاعتراف بأخطاء الماضي وتجاوزه؟ لا يوجد مؤشر على أنّ لدى جماعة الإخوان المسلمين الاستعداد للاعتراف بأخطائها السياسية. وعندما بادر بعض أعضائها بالتعبير عن هذا الاع اررف، سارعت قيادات الجماعة إلى التأكيد على أنّ ذلك إنما يعبّ عن آراء شخصية ولا يعكس وجهة نظر الجماعة. ولا يبدو من المحتمل أن تعترف القوى الليبرالية واليسارية بأخطائها السياسية، وعلى رأسها تشرذمها بعد ثورة 25 يناير، وانصرافها عن أهداف الثورة وعن التواصل مع الجماهير، ومباركتها للانتهاكات التي مورست ضد معارضي ترتيبات الثالث من تموز/ يوليو. أما اعتراف المؤسسة العسكرية بالأخطاء والانتهاكات التي ارتكبتها في فترة حكمها الأولى بعد ثورة 25 يناير، ثم في ما بعد الثالث من تموز/ يوليو فيبدو أمرًا غير وارد في ظل الحشد الشعبي لتأييدها في "حربها ضد الإرهاب." المعنى الثاني الذي يحمله إنشاء آليات العدالة الانتقالية والمصالحة هو التوازن بين اعتبارات العدالة من خلال تأسيس آلية قانونية للفصل في انتهاكات الماضي والتعويض عن الضرر المترتب عليها من جهة، وبين اعتبارات المصالحة ودفع عملية التحول الديمقراطي من خلال فتح باب العفو المشروط المرتبط بالاعتراف بالأخطاء والجرائم السياسية والتعويض عنها من جهة أخرى. إنّ الاعتبارين مطلبان ضروريان لتحوّل ديمقراطي يؤدي إلى الاستقرار السياسي. فقد أيقنت النخبة السياسية في جنوب أفريقيا، كما عبّ عن ذلك عبد الله عمر، وزير العدل في أول حكومة بعد انتخابات عام 1994 في جنوب أفريقيا، أنّ الاتفاق على مبدأ العفو عن مرتكبي الجرائم السابقة كان شرطًا ضروريًا للمضي في صوغ الدستور الانتقالي وإجراء أول انتخابات ديمقراطية تعددية12. كما أنّ الاعتبارين يعدان أساسًا لوحدة وطنية قائمة على أسس عادلة، أو - وفقًا لوصف قانون الوحدة الوطنية والمصالحة - قائمة على جبر الضرر بدلً من الانتقام، والشعور بالتضامن بدلً من الإحساس بالمظلومية13. وقد ساند العديد من الساسة والباحثين، حتى الراديكاليين منهم، هذا المنطق، مشيرين إلى أنّ لجان العدالة الانتقالية، وإن كانت لا تحقق العدالة الجنائية العقابية القائمة على تطبيق العقوبة الواجبة على مرتكبي الجرائم السياسية، فإنها تساهم في العدالة السياسية التي تركز على تحقيق التعايش بين قوى المجتمع14. فهل تنتقل مصر ما بعد الثالث من تموز/ يوليو من الانتقام من خصوم الماضي إلى محاسبتهم، ومن الشعور بالمظلومية

  1. The South African Republic, Ministry of Justice, Promotion of National Unity and Reconciliation Act 34, 1995, Chapter 2, article 3.
  2. للنقاش حول الاعتراف بالأخطاء والنقد الذاتي في الثقافة العربية، انظر: السيد ياسين، "العدالة الانتقالية بين الوهم والحقيقة"، جريدة الحياة، 29 أيلول/ سبتمبر.2013
  3. Jeremy Sarkin, “The Truth and Reconciliation Commission in South Africa,” Commonwealth Law Bulletin , vol. 23, no. 1-2 (1997), p. 529.
  4. Promotion of National Unity and Reconciliation Act 34, preamble.
  5. انظر على سبيل المثال: Wilhelm Verwoerd, “Individual and/or Social Justice after Apartheid? The South African Truth and Reconciliation Commission,” The European Journal of Development Research , vol.11, no. 2 (December 1999), pp. 121-128; Mahmood Mamdani, “Response to Eduardo Gonzalez,” International Journal of Transitional Justice , vol. 3, no. 3 (2009), p. 470.

الذي يعزز الانقسام المجتمعي إلى تهيئة الشعب المصري للتضامن مع كل من تعرّض لانتهاكات بغض النظر عن انتمائه؟ المعنى الثالث لفكرة إنشاء آليات المصالحة والعدالة الانتقالية هو احترام حقوق الإنسان، بغض النظر عن انتمائاته السياسية، أو دينه، أو جنسه، أو عرقه. فالهدف من إنشاء لجان المصالحة هو تعميق ثقافة حق الإنسان كإنسان؛ مما يدعم الهدف العام، وهو تجسير الفجوة وعلاج الاستقطاب المجتمعي15. كما أنّ إعطاء الفرصة للضحايا للحديث عن الانتهاكات التي تعرضوا لها ومحاولة تعويضهم تساهم في استعادتهم لكرامتهم الإنسانية. المعنى الرابع لآلية العدالة الانتقالية والمصالحة هو توفير إطار مؤسسي يتمتع بالصدقية والحياد ويستطيع ضحايا الانتهاكات السابقة من خلاله التعبير عن مظالمهم واستعادة حقوقهم، ويمكّن مرتكبي الجرائم من الاعتذار عن جرائمهم ومعالجة آثارها. ويعتبر توفير مثل هذه الآلية مسألة مهمة في النظم التي تثار فيها الشكوك من قبل أحد أطراف النزاع حول استقلال القضاء16. ومن الواضح أنّ هذه الشكوك موجودة في الحالة المصرية التي تحوّل فيها القضاء إلى طرفٍ في الصراع السياسي؛ مما يعزز أهمية وجود آليات مستقلة للعدالة الانتقالية. كما أنّ قصور منظومة العدالة الجنائية في مصر أدى إلى إفلات معظم المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وقضايا قتل المتظاهرين في فترة ثورة 25 يناير وما بعدها من العقاب؛ مما يدعو إلى البحث عن آليات جديدة لتحقيق العدالة17. وأخيرًا، فإنّ مثل هذه الآليات تمثل مصدرًا مهمً لتوثيق تاريخ الأمة والوصول إلى روايات مقبولة ومتفق عليها لهذا التاريخ؛ أي أنّها تسهم في خلق ما يمكن أن يسمى ﺑ "الذاكرة الجمعية" للوطن حول أحداث الماضي وخطاياه18. وعلى الرغم من أنّ استطلاعًا للرأي قد كشف عن وجود خلاف بين الجماعات المختلفة حول تقييم هذا التاريخ في حالة جنوب أفريقيا، فإنّ عملية المصالحة وكشف الحقيقة قد خلقت إجماعًا بين هذه الجماعات على اختلاف انتماءاتها وأعراقها على مجموعة من الأحكام. ومن هذه الأحكام، على سبيل المثال، أنّ الفصل العنصري كان جريمة ضد الإنسانية، وأنّ الصراع للحفاظ عليه لم يكن صراعًا عادلً. وفي الوقت نفسه، فإنّ من ناضلوا ضد هذا النظام قد ارتكبوا أخطاء يجب الاعتراف بها19. ولعل المجتمع المصري أحوج ما يكون إلى هذا التوثيق في ظل التزييف الإعلامي الذي قدَّم كثيرًا من الصور المغلوطة، أو على الأقل المبالغ فيها، حول الوقائع والأحداث منذ 25 يناير بصفة عامة، ومنذ 3 تموز/ يوليو بصفة خاصة.

العدالة الانتقالية: التنظيم والآليات

في السادس والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2013 نشرت جريدة الأهرام تصريحات لوزير العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية المصري، المستشار محمد أمين المهدي، بأنّ الوزارة تعكف على صوغ قانون لإنشاء مفوضية العدالة الانتقالية "بما يناسب التجربة والواقع المصري." وفي تشرين الأول/ أكتوبر أعلن المهدي أنّ الوزارة قد انتهت من مشروع القانون، الذي لم يفصح عن محتواه، وأنها سترسله إلى مجلس الوزراء ثم تعرضه على الرأي العام للمناقشة. ومن الواضح أنّ القانون، الذي تم صوغه في الفترة نفسها التي كان يجري فيها صوغ الدستور، لم يحظ بالتركيز الإعلامي الكافي. لذلك، قد يكون من المفيد الانتباه إلى بعض المقومات التي ساهمت في النجاح النسبي للجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، ومن أهمها: أولً: الشفافية والمشاركة والانفتاح على المجتمع. ويكفي في هذا الإطار الإشارة إلى أنّ قانون الوحدة الوطنية الذي أنشأ لجنة الحقيقة والمصالحة قد جرت مراجعته بشكل كامل سبع مرات، أدخل خلالها ثلاثمئة تعديل على نسخته الأولى بعد شهور من المداولات في مؤتمرات عامة، واجتماعات وزارية، وجلسات للجنة العدالة في البرلمان استغرقت في مجموعها حوالي مئة وثلاثين ساعة، فضلً عن جلسات الاستماع التي استعانت بها هذه اللجنة، والتي شارك فيها بعض ضحايا الانتهاكات وممثليهم، وجلسات التداول بين اللجنة والبرلمان. ولم تكن الشفافية والمشاركة سمة لصوغ القانون فحسب، وإنما أيضًا لعمل لجنة المصالحة. فقد تم الاتفاق على أن تكون جلسات استماع اللجنة، بلجانها النوعية، عامة ومفتوحة لمشاركة الجمهور إلا في حالات استثنائية لتحقيق اعتبارات العدالة. وفي كل

  1. Sarkin, pp. 529-530.
  2. Ibid., pp. 537-538.
  3. عادل ماجد، "منظومة شاملة: العدالة الانتقالية والإدارة الناجحة لمرحلة ما بعد
  4. أحمد شوقي بنيوب، "العدالة الانتقالية: المفهوم والنشأة والتجارب"، المستقبل العربي، العدد 413 (بيروت: تموز/ يوليو 2013)، ص .142-140 19  James Gibson, “The Truth about the Truth and Reconciliation Commission,” International Political Science Review , vol. 26, no. 4 (2005), pp. 341-361.
  5. السياسة الدولية، العدد الثورات"، 192 (القاهرة: نيسان/ أبريل 2013)، ص .14

الأحوال، تم الاتفاق على أنه لا يجوز للضحايا المعنيين بالقضايا أن يمنعوا من المشاركة في جلسات الاستماع الخاصة بقضاياهم20. وفي الحالة المصرية، فإنّ اللافت للنظر أنّ إعلان وزير العدالة الانتقالية عن صوغ قانون المفوضية قد جاء خلال استقبال الوزير لوفد من الأمم المتحدة وبرنامجها الإنمائي، ولم يأت في إطار مخاطبة الوزير للمجتمع المصري حول مهمات الوزارة ونشاطاتها21. كما أنّ نص القانون، الذي من المفترض أن يكون قد عرض على مجلس الوزراء أواخر تشرين الأول/ أكتوبر، لم يتح في وسائل الإعلام حتى تاريخ كتابة هذه السطور. والأهم من ذلك هو: كيف يناقش قانون المفوضية ويقر في ظل غياب مجلس تشريعي منتخب؟ وكيف سيؤثر ذلك في شرعية القانون؟

ثانيًا: اتسمت عملية اختيار لجنة الخبراء المخوّلة ترشيح أعضاء لجنة المصالحة في جنوب أفريقيا بتمثيل القوى المجتمعية كافة. فعلى الرغم من أنّ قانون الوحدة الوطنية والمصالحة قد خوّل الرئيس تعيين أعضاء لجنة الحقيقة والمصالحة بالتشاور مع مجلس الوزراء، فإنّ مانديلا، اختار، استجابة لمطالب المجتمع المدني، أن يعيّ لجنة خبراء تتولى ترشيح أعضاء لجنة المصالحة. وقد ضمت لجنة الخبراء سياسيين وممثلين للمجتمع المدني قاموا بإجراء مجموعة من المقابلات تم ترشيح خمسة وعشرين اسمً على أساسها. وجاء التشكيل النهائي للجنة المصالحة مستجيبًا لهذه الترشيحات، فلم يتضمن سوى شخصين فقط من خارج قائمة المرشحين من قبل لجنة الخبراء22. ثالثًا: وجود معايير واضحة لاختيار أعضاء لجنة المصالحة. فقد وضع قانون الوحدة الوطنية والمصالحة ولجنة الخبراء معايير عامة تضمنت النزاهة، والحيادية، وعدم تبوء منصب قيادي في حزب سياسي، والالتزام المعروف بمبادئ حقوق الإنسان والمصالحة، وعدم وجود نية للتقدم للجنة ذاتها بطلبٍ للعفو. وكان من شأن وضع هذه المعايير ضمان عدم تسييس عمل اللجنة. كما وضع القانون معايير تحكم عمل اللجنة، ومنها المساواة في التعامل مع الضحايا، واحترام كرامتهم الإنسانية، وتوعية الضحايا بكل المعلومات اللازمة حول عمل اللجنة وآلياتها23. رابعًا: تمتعت اللجنة باستقلالية في عملها، ولم ينعكس ذلك فقط في عدم تمثيل الأعضاء للأحزاب السياسية، وإنما أيضًا في ضمان عدم تأثرهم بأي ضغوط من الحكومة أو الهيئات التابعة لها أو الأحزاب أو أي جهة تمثل مصالح هذه الجهات. خامسًا: تمتعت اللجنة بالاحتراف؛ إذ تضمن تشكيلها أعضاء من خلفيات متعددة. فقد ضمت اللجنة رموزًا دينية لها صدقية وتاريخ في محاربة التمييز العنصري، مثل الأسقف ديزموند توتو، رئيس اللجنة، ومحامين ومستشارين قانونيين، وناشطين حقوقيين، وخبراء في بيوت خبرة ومؤسسات بحثية تعمل في مجال المصالحة وأطباء واستشاريين نفسيين. ويرجع هذا التشكيل إلى المهمات التي حددها قانون الوحدة الوطنية للجنة الحقيقة والمصالحة، وهي تسهيل منح العفو عن مرتكبي الجرائم السياسية السابقة في حال استعدادهم للاعتراف بها، والتوصل إلى صورة كاملة عن وقائع انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت في فترة محددة (من آذار/ مارس 1960 وحتى كانون الأول/ ديسمبر 1993)، وأسبابها، وطبيعتها من وجهة نظر ضحاياها ومرتكبيها وتوثيق هذه الوقائع، والتوصل إلى توصيات لمنع حدوثها، وأخيرًا التقدم بتوصيات حول التعويضات التي يمكن تقديمها للضحايا وإجراءات إعادة التأهيل النفسي ورد الاعتبار لهم. وبناء عليه، تشكلت ثلاث لجان فرعية للجنة المصالحة، وهي: لجنة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ولجنة للعفو، ولجنة للتعويضات. وقد استمر عمل اللجنة لمدة خمس سنوات بَحثت خلالها مئتي ألف حالة لانتهاكات حقوق الإنسان، ونظرت في سبعة آلاف طلب للعفو،

  1. Sarkin, p. 530; Christian De Vos, “What Price Truth? South Africa’s Truth and Reconciliation Commission in Critical Perspective,” South African Journal of Political Studies , vol. 29, no. 2 (2002), p. 212.
  2. وزير العدالة الانتقالية: نقوم بصياغة مشروع قانون لإنشاء مفوضية العدالة الانتقالية
  3. Sarkin, pp. 530-531. 23  Promotion of National Unity and Reconciliation Act 34, article 7; Sarkin, p. 531.
  4. الأهرام في مصر"، جريدة،.2013/9/26

وأصدرت حكمً بالعفو عن 508 متهمً، ونشرت تقريرًا نهائيًا من خمسة مجلدات وثقت لتاريخ الأمة في الفترة محل التحقيق24.

العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: الإشكاليات والتحديات

لا شك أنه حتى مع توافر الإرادة السياسية لتحقيق المصالحة وتفعيل لجان العدالة الانتقالية، فإنّ ثمة تحديات وإشكاليات غالبًا ما تواجه هذه اللجان سواء من حيث الفكرة أو التطبيق. ولعل من أبرز هذه التحديات تعريف الجرائم التي تقع في نطاق عمل لجان الحقيقة والمصالحة. وتبرز أهمية هذه الإشكالية في مصر في ظل تمسك الحكومة المدعومة عسكريًا بمحاكمة المعتقلين من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وأعضائها جنائيًا، والذين اتهم معظمهم بالتحريض على العنف، وكذلك رفضها القاطع لفكرة المصالحة قبل المحاسبة القانونية. وفي الوقت نفسه، لا تقدم الحكومة المصرية المؤقتة تعريفًا واضحًا لطبيعة الجرائم التي يمكن أن يشملها عمل مفوضية العدالة الانتقالية، وشروط العفو عن هذه الجرائم. وفي حالة جنوب أفريقيا، يلاحظ المتأمل مدى اتساع تعريف مصطلح الجرائم السياسية التي تقع ضمن إطار المحاسبة والعفو في لجنة الحقيقة والمصالحة. فهذه الجرائم تشمل، وفقًا لقانون الوحدة الوطنية، جميع الجرائم التي ارتكبت بدافع سياسي، أو تلك التي مورست في إطار سياسي (مثل أن تكون جزءًا من حركة احتجاج سياسي)، أو تلك التي تم توجيهها إلى منافس سياسي أو منشآت عامة أو خاصة، أو تلك التي تم تنفيذها بأمر أو موافقة منظمة أو مؤسسة سياسية أو حركة تحرر وطني. ويدخل ضمن المشمولين بالمحاسبة والعفو كل من خطط هذه الجرائم، أو أمر بها، أو أدارها، أو نفذها، أو امتنع عن وقفها. وبذلك لم تستثن اللجنة من نطاق عملها سوى الأعمال والجرائم التي استهدفت الإثراء أو المنفعة الشخصية (كالحصول على رشوة مثلً) أو الثأر من شخص بعينه لخصومة شخصية. بعبارة أخرى، فإنّ أي جريمة جنائية تمت بدافع سياسي، أو من قبل عضو في جماعة، أو حركة سياسية، أو في مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو بموافقة هذه الجماعة أو المؤسسة تعتبر جريمة سياسية يشملها عمل اللجنة. وقد وضع القانون ثلاثة شروط للعفو وهي: أن يقدم الشخص طلبًا للعفو للجنة يفصح فيه عن كل الحقائق، وأن تكون جريمته سياسية، وأن يكون حجم الانتهاك متناسبًا مع هذا الهدف السياسي. وطالما تحققت هذه الشروط، فإنّ ذلك يعفي الشخص من المسؤولية الجنائية والمدنية، بل إنه يجب تعليق المحاكمة الجنائية لأي متهم تنظر اللجنة في طلب عفوه، والإفراج عنه إذا أصدرت اللجنة قرارًا بالعفو عنه حتى لو كان صدر ضده حكمً جنائيًا. ولا يجري استئناف محاكمة الشخص جنائيًا إلا إذا تم رفض طلبه للعفو من قبل اللجنة25. ولا يمكن فهم هذا الاتساع في تعريف الجرائم التي تدخل ضمن عمل اللجنة والاستعداد للعفو عن تلك الجرائم إلا بالإشارة إلى ما ناقشته الدراسة في قسمها الأول حول الإطار السياسي للعدالة الانتقالية والمصالحة. ففي إطار توازن القوة بين القوى السياسية، لم يكن من الممكن المضي في عملية التحوّل إلا بالاستعداد للعفو عن أخطاء الماضي وخطاياه. ومن المشكوك فيه أن يكون هذا الشرط متوافرًا في الحالة المصرية في الوقت الراهن. ومن المتوقع أن يكون نطاق الجرائم التي تقع في نطاق عمل مفوضية العدالة الانتقالية المزمع إنشاؤها في مصر محل جدل. لذلك، فإن تحديد المشاركين في النقاش حول عمل المفوضية والجهة المخوّلة في النهاية تعريف هذا النطاق هو أمر جدير بالمتابعة والتحليل. ومن ناحية أخرى، فإنّ هناك نوعًا آخر من الانتهاكات تجاهلته آليات العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا على الرغم من أهميته، وهو ذلك المتعلق بغياب العدالة الاجتماعية عن الأغلبية السوداء. وقد أدى ذلك إلى توجيه العديد من الانتقادات للجنة الحقيقة والمصالحة لفشلها في تحويل النقاش حول فكرة العدالة من جدل حول المراوحة بين العدالتين الجنائية والسياسية إلى نقاش حول آليات تحقيق العدالة الاجتماعية26. والأمر ذاته مثار في الحالة المصرية؛ إذ طالب كثير من الحقوقيين بمحاكمة نظام مبارك على إفقاره ملايين المصريين، وعلى التعدي على حقوق العمال، وتجاهل الدفاع عن كرامة المصريين العاملين بالخارج، في الوقت الذي تربحت فيه نخبة رجال الأعمال من مناصبها السياسية27.

  1. Gibson, p. 342-344; De Vos, p. 210.
  2. Promotion of National Unity and Reconciliation Act 34, articles 20-22.
  3. Mamdani, p. 473.
  4. Abou-El-Fadl, pp. 322-323; Hossam Bahgat, “Justice and Development: Nexus at the Heart of the Arab spring,” Annual Emilio Mignone Lecture on Transitional Justice, The International Centre for International Justice, 17/11/2011, at: http://ictj.org/news/justice-and-development-arab-spring

وبالإضافة إلى تحديد نطاق عمل لجان المصالحة، تبرز تحديات أخرى تتعلق برفض فكرة هذه اللجان أو طريقة عملها من قبل بعض القوى في المجتمع. ففي تجربة جنوب أفريقيا، رفضت بعض التنظيمات فكرة لجنة الحقيقة والمصالحة باعتبارها تجنٍ على حقوق الأغلبية السوداء التي عاشت عقودًا من القهر والتمييز. وقد خاضت هذه التنظيمات بالفعل حربًا قضائية طعنت فيها في دستورية قانون الوحدة الوطنية وطالبت بتعليق عمل اللجنة حتى البت في دعواها. إلا أنّ المحكمة الدستورية قد أيدت جميع ما جاء من أحكام حول مهمات لجنة الحقيقة والمصالحة، وصلاحياتها، وآليات عملها، باعتبارها ضرورية لتحقيق المصالحة الوطنية ودعم الديمقراطية. ولكن تبقى حقيقة أنّ هناك بعض الجماعات التي ترى أنّ فكرة العفو عن جرائم الماضي، حتى لو تم الاعتذار والتعويض عنها، هي فكرة غير عادلة، أو أنها تحقق الاستقرار على حساب العدالة28. كما يوجه لفكرة العدالة الانتقالية ذاتها انتقادات أخرى من أهمها أنها تحاسب الأشخاص، وليس النظم، على خطايا الماضي. فقد اعتبر بعضهم أنّ عدم توجيه "إدانة" واضحة لنظام الفصل العنصري "الأبارتهيد" كان من أبرز سقطات لجنة المصالحة29. ومن المتوقع أن تثار قضية "الإدانة" الشخصية أو الجماعية في الحالة المصرية. هذا إلى جانب تحدي متابعة تنفيذ ما تتوصل إليه اللجنة، وبخاصة ما يتعلق بالتزام دفع التعويضات للضحايا30. ويبقى التحدي الأهم لآليات المصالحة هو مقاومة المتهمين بارتكاب انتهاكات سابقة لهذه الآليات ورفضهم لها، بل ومقاومتهم لعملية الإصلاح المؤسسي الأوسع التي ترتبط بالعدالة الانتقالية. فالدولة لا بد من أن تكون لديها القدرة على محاسبة المتهمين، أو إقناعهم بأنّ البديل مكلف للمجتمع. وقد استطاعت الدولة الجديدة في جنوب أفريقيا، إلى حد كبير، الاستجابة لهذا التحدي31. أما في الحالة المصرية، فإنه من المتوقع أن تواجه فكرة المحاسبة على انتهاكات الماضي، وعملية إصلاح المؤسسات التي قامت بارتكاب هذه الانتهاكات لمنع تكرارها، رفضًا قويًا من مؤسسات الدولة، وعلى رأسها جهاز الشرطة، المتهم الأول في تلك الانتهاكات. فهل يكون لدى الحكومة الانتقالية في مصر أو الحكومات القادمة التي تُشكل بعد الانتخابات البرلمانية من الإرادة والقدرة السياسيتين ما يمكّنها، بالتحالف مع قوى المجتمع المدني الداعمة للفكرة، من تطبيق المحاسبة والإصلاح المؤسسي للأجهزة الأمنية والقضائية، وأن تبدأ في تطوير ثقافة المسائلة وتكريسها داخل هذه المؤسسات؟ أم أنّ الفكرة سوف تضيع، أو تهمّش في خضم التركيز على "الحرب ضد الإرهاب" والادعاء بعودة الشرطة إلى الشعب بعد انحيازها للمتظاهرين في الثلاثين من حزيران/ يونيو؟

الخاتمة

لا شك في أنّ مصر بعد ثورة 25 يناير بحاجة إلى آليات شاملة للعدالة الانتقالية تتعامل مع انتهاكات نظام مبارك وتعالج الانحياز الصارخ في سياساته الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك انتهاكات الأعوام الثلاثة بعد الثورة. وخلال هذه الأعوام لم يكن الإطار السياسي مواتيًا لتطبيق هذه الآليات على النحو الذي طبِّق في دول أخرى، وعلى رأسها جنوب أفريقيا. وعلى الرغم من إعلان الحكومة المؤقتة تبنيها لقانون إنشاء مفوضية للعدالة الانتقالية، فإنّ غياب التفاوض السياسي وتزايد الاعتماد على الحل الأمني للتعامل مع الأزمة السياسية منذ الثالث من تموز/ يوليو 2013، واستمرار الحشد، والحشد المضاد، لا يمثل مناخًا ملائمًا لتطبيق آليات للعدالة الانتقالية تتمتع بالصدقية وتؤدي إلى مصالحة وطنية. ويعني ذلك أنّ الحديث عن عدالة انتقالية ومصالحة وطنية في مصر يحتاج إلى عملية تفاوضية تدشن عملية تحوّل ديمقراطي تشمل جميع القوى السياسية وتناقش القضايا الأساسية المرتبطة بآليات العدالة الانتقالية ومنها نطاق عملها، وشروط العفو عن الجرائم التي تبحث فيها، ووسائل جبر الأضرار التي تعرّض لها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. ويحتاج ذلك إلى أن تستوعب القوى السياسية فلسفة العدالة الانتقالية، وتقف خلف أهدافها، وتقود الجماهير نحوها بدلً من المزايدة على الرفض الجماهيري للمصالحة. كما تحتاج هذه القوى إلى تكوين جبهة مدافعة عن هذه الفلسفة والأهداف في مواجهة مؤسسات النظام القديم الرافضة لها. فهل تضطلع القوى السياسية في مصر بهذه المهمة؟ أم هل تستمر في التضحية بالديمقراطية والمصالحة من أجل مصالح سياسية ضيقة؟