دور المحكمة الجنائية الدولية في العقاب على جريمة العدوان في ضوء تعديلات كامبالا
الملخّص
العدوان هو البوابة التي تدخل عبْرها جميع أنواع الجرائم الأخرى؛ لذلك، أصبح من الأهمية تجريم العدوان، لا حظره فحسب. ولئن كان إدراك هذين الهدفين في غاية الصعوبة، فقد جرى بلوغهما في نهاية المطاف؛ وذلك من خال ميثاق الأمم المتحدة 1945 الذي حظر استعمال القوة في العاقات الدولية، وميثاق روما 1998 الذي نصّ على دخول جريمة العدوان ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. إلا أنّ ممارسة هذا الاختصاص جرى تأجيلها إلى غاية 2010 لكي ينعقد المؤتمر الاستعراضي الذي سيتولى تعريف العدوان وشروط ممارسة المحكمة لاختصاصها في ما يتعل ق بهذه الجريمة، بما لا يخالف ميثاق الأمم المتحدة. إنّ مِثل هذا الاتفاق مع الميثاق، طالما أن ه يحظر الحرب، يبدو منطقيًّا للوهلة الأولى. إضافة إلى أنّ مجلس الأمن هو الذي يحدِّد إن كان ما وقع عما من أعمال العدوان أو تهديدًا للسلم والأمن الدوليين. ولكنّ بيت القصيد هو: أجعل تعديل ميثاق روما العاقة بين مجلس الأمن والمحكمة في مجال العدوان تكامليَّة أم مكرَّسة لهيمنة المجلس على المحكمة؟
مقدمة
لا تختلف جريمة العدوان من حيث قسوتها عن بقيَّة الجرائم سوى من حيث إنّها تشملها كلها، على نحو ما أشير إليه في محاكمات نورمبرغ). أما من حيث 1945( - 1946 موقعها القانوني، فإنها تختلف عن بقيَّة الجرائم بكونها نقطة تقاطع بين القانون الدولي العامّ والقانون الدولي الجنائي. ولعل ذلك هو سبب التباس هذه الجريمة بمصالح الدول الكبرى من جهة، وبالأهداف النبيلة – صادقةً كانت أو لم تكن – للعدالة الجنائية من جهة أخرى. من أجل ذلك، فإنّ اتفاقية روما، خلافًا لجرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانية وجريمة الإبادة التي عُرِّفت كلها من خلال المؤتمر الدبلوماسي لميثاق روما 1998 بتحديد مفهومها وأركانها، اضطرت إلى اتخاذ موقف آخر من جريمة العدوان. لقد اكتفت بتأكيد دخول جريمة العدوان ضمن اختصاصها مع تأجيل ممارسة هذا الاختصاص إلى حين انعقاد مؤتمر استعراضي بعد سبع سنوات، يجرى خلاله تعريف العدوان وتحديد شروط ممارسة المحكمة لاختصاصها به، شريطة الاتفاق في كلّ ذلك مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة ذات الصلة بالجريمة المذكورة.
مشكلة البحث
هل أكد تعديل كامبالا 2010 هيمنة السياسة على القانون بالنسبة إلى جريمة العدوان؟
أهداف البحث
تهدف الورقة المقترحة إلى: إبراز خصوصية جريمة العدوان من حيث كونها نقطة تقاطع بين القانون الدولي العامّ والقانون الدولي الجنائي. مناقشة الأسباب المعلنة وتحليلها، والحقيقية التي جعلت ميثاق روما يؤجِّل تعريف العدوان، وشروط ممارسة المحكمة لاختصاصها بهذا الصدد إلى حدّ المؤتمر الاستعراضي. تقويم تعديلات كامبالا ذات الصلة بموضوع العدوان ومدى تأثيرها في فعالية المحكمة في العقاب على جريمة العدوان.
أهمية البحث
لا تظهر أهمية البحث في عدم التركيز على العدوان بعد تجريمه في ميثاق روما فحسب، بل في الرجوع، أيضًا، إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي أعطى مصطلح العدوان مكانةً جوهريةً فيه، لكن من دون تعريفه، ثم إنّ أهميته تظهر أيضًا في تتبّع نيَّة إبقاء الغموض وما أسفرت عنه في تعديلات كامبالا.
فرضية البحث
تقوم فرضية هذا البحث على أساس أنّ تعديل كامبالا أكمل مسيرةً بدأت منذ إعطاء ميثاق الأمم المتحدة مجلسَ الأمن الدورَ الحاسم في ما يتعلق بالعقاب على جريمة العدوان.
الدراسات السَّ ابقة
ثمَّة دراسات عديدة على مستوى القانون الدولي العامّ، وأخرى على مستوى القانون الدولي الجنائي. ولعل ما تتميز به الدراسة المقترحة هو محاولة التطرق إلى جريمة العدوان من زاويتين في آنٍ واحدٍ، هما القانون الدولي العامّ والقانون الدولي الجنائي؛ وذلك لأنّ البحث ينطلق أصلً من كون العدوان نقطة تقاطع بين القانونين المذكورين.
المحور الأول:
العدوان نقطة تقاطع بين القانون الدولي العامّ والقانون الدولي الجنائي
سبقت الإشارة إلى أنّ العدوان نقطة لقاء بين القانون الدولي العامّ والقانون الدولي الجنائي، فأين يحصل التقاطع؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجدر بنا معرفة موقف كلّ من القانون الدولي العامّ والقانون الدولي الجنائي من العدوان.
موقف القانون الدولي العامّ من العدوان
لقد فرض التوجه نحو رفْض استعمال القوة المسلحة في العلاقات الدولية الذي أخذ مسمَّياتٍ مختلفةً أهمُّها حظْر العدوان، معرفةَ إشكاليته في القانون الدولي، والجهد المبذول في تعريفه.
إشكالية العدوان في القانون الدولي
لقد كان اللجوء إلى الحرب في العلاقات الدولية أمرًا مباحًا طَوال قرون عديدة استمرت إلى غاية اتفاقية وستفاليا 1648(.) فحتى هذه الوثيقة التي يشار إليها بشهادة ميلاد القانون الدولي الحديث لم تغيِّ الوضع، بل أكدت أنّ الحرب حقّ سيادي لكلّ دولة، وأنه من حقّ أيّ دولة إعلانها متى شاءت1. أمّا عهد عصبة الأمم 1920()، فإنها لم تحظر العدوان بوجهٍ عامٍّ، بل ميّزت بين الحرب العدوانية وغير العدوانية؛ فإذا وجد خلاف بين دولتين، قبلت إحداهما من دون الأخرى حُكم محكمة العدل الدولية الدائمة، أو قرار التحكيم، أو توصية مجلس العصبة، فإنّ الحرب التي تشنّها الدولة القابلة بذلك على الدولة الرافضة لتلك الوسائل السلمية لحلّ النزاع لن تكون حربًا عدوانية2. في حين مثلت اتفاقية باريس 1928()، وهي المعروفة بميثاق بريان – كيلوج Kellogg Brilland-، نقطة تحوّل مهمّة؛ إذ نصَّت على أنّ "الأطراف السامية المتعاقدة تعلن رسميًّا، باسم شعوبها أنها تدين اللجوء إلى الحرب وسيلةً لحلّ الخلافات، وتتخلى عنها وسيلةً للسياسة الوطنية في علاقاتها المتبادلة"3. ومع ذلك، كان ميثاق الأمم المتحدة 1945 الأكثر حسمً في تحريم العدوان؛ إذ نصّ على أن "يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضدّ سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة، أو على أيّ وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة"4. غير أنّ المنع المشار إليه، يردُّ عليه استثناء مهم يكرس حقّ الدول في الدفاع الشرعي عن نفسها، سواء كان ذلك بطريقة فردية أو جماعية؛ إذ ورد في الميثاق الأممي أنه "ليس في هذا الميثاق ما يضعف الحقّ الطبيعي للدول فرادى أو جماعاتٍ، أو ينقص منه، في الدفاع عن أنفسهم إن اعتدَت قوَّة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة"5.
ومن ناحية أخرى، "يقرر مجلس الأمن إن كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملً من أعمال العدوان"6. وإذا لاحظ مجلس الأمن أنّ ما وقع عملٌ عدوانيٌّ، فإنّ الميثاق يعترف له، بمقتضى المادة 42 منه، باتخاذ كلّ التدابير، بما في ذلك العسكرية لاستعادة السلم والأمن الدوليين، أو إنهاء حالة العدوان. يتضح من كلّ ما ذُكر أنّ العدوان يحتل مركز اهتمام ميثاق الأمم المتحدة؛ لأنه إذا كان الهدف الأسمى من إنشاء الأمم المتحدة هو المحافظة على السلم والأمن الدوليين، فإنّ العدوان هو أكبر تهديد لهذا الهدف. وإذا كانت الحرب العدوانية محظورةً، فإنها سرعان ما تصبح مشروعةً إذا أخذت صفة الدفاع الشرعي، الفردي أو الجماعي، ضدّ عدوان ما. وفي كلّ ذلك، يكفي أن يكون مجلس الأمن قد كيَّف ما حصل على أنَّه عدوان حتى يجوز له، هو نفسه، اتخاذ قرار، استنادًا إلى الفصل السابع باستعمال القوة المسلحة المحظورة بحسب الأصل. وبناءً على كلّ ما ذُكر، تبدو ملاحظة كلّ من الرئيس السابق لِلَجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة آلان بيلِّيه Pellet Alain، ورئيس مركز القانون الدولي بنانتار Nanterre باتريك ديلييه Daillier Patrick في محلها. فلقد قالا: "إنّ التنفيذ الجيد لذلك المبدأ [حظْر العدوان] يفترض تعريفًا مقبولً عالميًّا. فقد يبدو غريبًا أنّ عامل مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بنظام الأمن الجماعي لم يُعطَ له تعريف في
ميثاق الأمم المتحدة، وأن يكون انتظار عشرين سنةً حتى يحصل إجماع بشأنه أمرًا لازمًا"7. وممّ يزيد في أهمية الملاحظة المذكورة أنّ "الدول تملك لتبرئة نفسها خيالً لا ينضب"8؛ ذلك أنها قد تقلب العدوان إلى دفاع شرعي، فلقد كان أدولف هتلر يرسل جنوده بزيّ عسكري بولوني لافتعال أحداث على الحدود البولونية، ثمّ يدّعي أنه يدافع عن نفسه ضدّ اعتداءات بولونيا9.
وفي السياق نفسه، يستغرب الأستاذ جو فيرهويفن Verhoeven Joe من أنّ ميثاق الأمم المتحدة لم يمنع الدول من استخدام القوة فحسب، بل حتى من التهديد باستعمالها في علاقاتها الدولية، إلا إذا تعلق الأمر بالدفاع الشرعي عند تعرُّض الدولة لعدوان مسلح. لكنْ "لا توضيحَ آخر مُنح بشأن المحتوى المحدد الذي يجب إعطاؤه لهذا المفهوم"، ثمّ إنّ الأستاذ فيرهويفن يرى أنّ "ما زاد الصعوبة تعقيدًا" الترجمة الإنكليزية للميثاق التي ورد فيها Attack؛ أي هجوم، في حين أنّ النسخة الفرنسية ورد فيها Agression؛ أي عدوان. وعلى الرّغم من ذلك "لا يوجد أيّ شرْح مقنع لهذا الاختلاف في المصطلحات." وإنّ ما يجعل هذا التباين أكثر إثارةً للفضول هو أنّ كلتا الكلمتين Agression بالفرنسية، وAggression، بالإنكليزية موجودة في النسختين الفرنسية والإنكليزية الخاصتين بالمادة 39 من الميثاق، وفي قرار نيكاراغوا الصادر عن محكمة العدل الدولية"10. يتضح من كلّ ما سبق ذِكره أنّ التوصل إلى تعريف واضح للعدوان بات أكثر من ضروري، وهذا ما سعى له المجتمع الدولي حتى قبل إبرام ميثاق الأمم المتحدة.
الجهد الدولي في تعريف العدوان
لقد ظهرت الحاجة إلى تعريف العدوان منذ عشرينيات القرن الماضي؛ إذ حاولت بعض الاتفاقيات على غرار مشروع المعونة المتبادلة 1923()، بروتوكول جنيف 1924() وميثاق بريان- كيلوج 1928() إيجاد التعريف المنشود، ولكن من دون جدوى. 11 ولئن حاول عهد عصبة الأمم التمييز بين الحرب العدوانية وغير العدوانية على النحو المشار إليه في الصفحات السابقة، فإنه لم يُحدِّد أيّ تعريف للعدوان، ولا سيما أنّه أوسع من الحرب العدوانية، على النحو الذي سيتضح لنا في الصفحات المقبلة عند الاطلاع على توصية الأمم المتحدة في ما يتعلق بتعريف العدوان. لقد جاء في بعض الاتفاقيات التي أبرمتها روسيا مع بعض الدول على غرار اتفاقية 1933، ذِكرٌ لبعض الأعمال التي تكوِّن العدوان مثل الحرب، والغزو، والهجوم، والحصار البحري المدعَّم بوحدات مسلحة، لكن من دون التوصل إلى تعريف متكامل له، وهو ما لم تتوصل إليه أيضًا اتفاقيات أخرى، على الرّغم من اهتمامها بالموضوع؛ مثل اتفاقية بروكسل 1948()، أو معاهدة شمال الأطلسي)1949(12. إلا أنّ جهد الأمم المتحدة كان الأهمّ؛ لأنّ حُسن تطبيق نصوص الميثاق الأممي يتطلب، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، تعريف العدوان، وذلك ما دفع لجنة القانون الدولي منذ دورتها الثالثة 1951() إلى طرح موضوع تعريف العدوان للنقاش. إلا أنّ انقسام الآراء حال دون التوصل إلى تعريف متَّفق عليه. فأمَّا أنصار الاتجاه الأول فقد فضَّ لوا تعريفًا عامًّا، يمكنه أن يواجه جميع التطورات، بدلً من الاكتفاء بتعداد الأفعال التي يتكوَّن منها الركن المادي لجريمة العدوان. وأمَّا أصحاب الاتجاه الثاني فقد دعَوا إلى حصْ أكبر عدد من الوقائع التي قد تشكّل الركن المادي للعدوان13. ولقد قدّمت بعض الدول اقتراحاتٍ بشأن تعريف العدوان تعريفًا موسَّعًا، كان أهمها الاقتراح السوفياتي 3( تشرين الأوّل / أكتوبر 1957.) إلا أنّ
هذا التعريف الذي من شأنه أن يسمح بتفسيرات تتجه نحو توسيع الحقّ في الدفاع الشرعي، لم يكن من السهل أن يحصل على إجماع14.
وأمام هذا الانسداد، بادرت الجمعية العامَّة للأمم المتحدة إلى إصدار توصية 18 ديسمبر 1967 التي تنص على إنشاء لجنة خاصة تعجِّل بالتوصل إلى تعريف العدوان، وهو ما أسفر عن التوصية رقم 3314، المؤرخة في 18 ديسمبر 1974، وهي التي جرى تبنيها بالإجماع. وبمقتضى المادة الأولى من التوصية المذكورة، فإنّ العدوان يُقصد به: "استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضدّ سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية، أو استقلالها السياسي، أو بأيّ طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وتنطبق صفة العمل العدواني على أيّ عمل من الأعمال التالية:. أ "قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري، ولو مؤقتًا، ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة..ب قيام القوات المسلحة لدولة ما بقذف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال دولة ما أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى.. ج ضرب حصار على موانئ دولة ما أو على سواحلها من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى.. د قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين التجاريين البحري والجوي لدولة أخرى.. ه قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق، أو أي تمديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق.. و سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة لارتكاب عمل عدوان ضد دولة ثابتة.. ز إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من قبل دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المعددة أعلاه، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك"15. إلا أنّ هذه التوصية غير الإلزامية أصلً (شأنها في ذلك شأن جميع التوصيات الصادرة عن الجمعية العامَّة) لم تُنْهِ السلطة التقديرية الواسعة لمجلس الأمن؛ فبمقتضى المادة 2 من التوصية، يمكن "ألا يُعَدّ عدوانًا ما يبدو للوهلة الأولى أنه عدوان"، وعلى النقيض من ذلك، يمكن إكساب أعمال غير عدوانية صفة العدوانية ب "تكييفها"، طبقًا لنصّ الميثاق (المادة 3)، وعلى هذا النحو "تمّ الاحتفاظ بالمسؤولية الأساسية لمجلس الأمن في مجال المحافظة على السلم وهو الشرط الذي وضعته القوى الكبرى لقبول تلك الوثيقة"16. إنّ جميع المثالب المشار إليها هي التي قادت إلى إعادة طرْح مشكلة البحث عن تعريفٍ للعدوان مرًّةً أخرى في مشروع الجرائم المخلة بأمن البشرية وسلامتها، وهي نفسها التي جعلت المشروع المذكور في قراءته الأولى يتهرَّب من إعطاء تعريف آخر للعدوان ويعود إلى تعريف التوصية 3314، في حين فضّ ل في المرحلة الثانية الاكتفاء بإعلان المسؤولية الفردية لكلّ "مسؤول أو منظم يساهم بصورة نشطة في التخطيط، أو التوجيه لعدوان ترتكبه إحدى الدول"17. ولكن، ماذا عن المحكمة الجنائية الدولية؟ ذلك ما سنطَّلع عليه في ما يلي:
موقف القانون الدولي الجنائي من العدوان
يبدو أنّ تعريف العدوان لم يكن بالأمر الهين، سواء كان ذلك قبل تعديل ميثاق روما، أو أثناء التعديل.
العدوان قبل تعديل ميثاق روما
لا يكفي ردُّ العدوان عن طريق الدفاع الشرعي أو تقرير المسؤولية الدولية للطرف المعتدي بسبب انتهاكه لقواعد القانون الدولي، بل إنّ الأهمّ من ذلك هو تحديد المسؤوليات الفردية لمعاقبة مرتكبي الجريمة وردْع غيرهم. وهذا هو الهدف الذي سعى له المجتمع الدولي
منذ قرون. فلقد كان الفقيه قروسيوس Grotius، منذ القرن السابع عشر، يرى أنّ تقرير المسؤولية الجنائية الفردية قد يكون هو السبيل الوحيدة إلى التصدي لعدم فعالية القانون خلال الحروب18. ولكن على الرّغم من هذا التنبيه، تأخر وصْف العدوان بالجريمة؛ لأنّ الحرب كانت أصلً غير محظورة. ومن ناحية أخرى، فإنّ المسؤوليات الجنائية الفردية – إذا استثنينا بعض الحالات - استُبعدت فترةً طويلةً. وليس ذلك بسبب عدم بروز الفرد على الصعيد الجنائي الدولي فحسب، بل لأنّ مسؤولية الدولة كان يُنظر إليها على أنها ضمان من الدولة للأضرار التي يتسبب بها أفرادها أيضًا. وبناءً عليه، وانطلاقًا من هذا، أعلن ممثل روسيا لدى المؤتمر أنّ وفده "يجد من الصعوبة الموافقة على أيّ صَوْغ قد يفسّ على أنه يعدل التزامات الدول بمقتضى الميثاق، وخصوصًا بمقتضى الفصل السابع منه"19.
وذهبت الولايات المتحدة الأميركية إلى أنّ "سلطات المجلس ومهمّ ته لا يجب أن تعاد كتابتها"20. وكيف لا يكون الأمر كذلك إذا كان الأستاذ ياش تاندون Yash Tandon قد قال من قبلُ إنّ الأمم المتحدة "امتداد لكتابة الدولة الأميركية"21. وعلى النقيض من ذلك، كانت وجهة نظر المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب بيوغسلافيا السَّابقة مؤيِّدةً لعدم تكبيل المحكمة الجنائية الدولية بمواقف مجلس الأمن أو الحسابات الإستراتيجية لأعضائه الدائمين. لقد طُلب من المحكمة الجنائية الدولية الموقَّتة ليوغسلافيا إعطاء رأيها بصدد هذا الموضوع، فجاء في تقرير اللجنة المكلَّفة بتأسيس المحكمة المذكورة أنّ كلّ إجراء من شأنه أن يجعل متابعة أيّ محكمة جنائية دولية لشخصٍ متَّهمٍ بارتكاب جريمة عدوان، مرهونةً بإعلان مجلس الأمن عن أنّ دولةً ما قد ارتكبت عملً عدوانيًّا، يجب التخلي عنه؛ لأنّ من شأنه أن يجعل محاكمةً تابعةً لمجلس الأمن، وهو أمر غير مرغوب فيه لأنّه يؤدِّي إلى منْح مجلس الأمن - ولا سيما أعضائه الدائمين - حقًّا حصريًّا في ما يتعلق بتعريف العدوان؛ فيصبح بالنسبة إلى هذا النوع من الجرائم بمنزلة "فم الآلهة"22. إلا أنّ هذا النوع من الآراء المناصرة لاستقلالية المحكمة لم يصمد أمام ضغوط القوى الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن؛ لذلك لم يجد المؤتمر الدبلوماسي من مخرج سوى تأجيل تعريف العدوان وشروط ممارسة المحكمة لاختصاصها في مجال العدوان إلى المؤتمر الاستعراضي عام 2010. وبحسب الأستاذ إيريك دافيد Eric David، فإنّ التبرير الذي جرى الترويج له لم يكن تلك الضغوط، بل إنه الزعم أنّ التعريف الموجود في توصية الجمعية العامَّة للأمم المتحدة رقم 3314، من وجهة النظر الجنائية الخالصة، غير عملياتي.23 non opératoire وفي الواقع، يبدو أنّ الدول العربية التي تعاني أكثر من غيرها من أعمال العدوان المتكررة عليها (لبنان 1982، وليبيا 1986، والعراق 1991، علاوةً على فلسطين المحتلة) كانت الأكثر تذمُّرًا من ذلك التأجيل. لقد جاء في بيان المجموعة العربية خلال الجلسة الختامية للمؤتمر الدبلوماسي أنّ "المجموعة العربية كانت ترى أنه من الممكن إدراج العدوان بوصفه جريمةً مُعرَّفةً في النظام الأساسي، وترى أنه من المؤسف أن يخرج النظام الأساسي بعبارات عامَّة، وأنه علينا أن ننتظر عدَّة سنوات حتى تمارس المحكمة اختصاصها في جريمة العدوان"24. وإنّ تشاؤم الدول العربية أكثر من غيرها، كما قد يلاحظ المرء، لم يكن من دون مبرّر. ويكفي أن نعرف أنّ العدوان الأميركي على العراق سنة 2003، قد وقع بين المؤتمر الدبلوماسي لميثاق روما 1998() والمؤتمر الاستعراضي بكامبالا 2010()، وأنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان قد وقع سنة 2006، وعلى غزة سنة 2009.
صحيح أنّ جميع الدول العربية، ماعدا جيبوتي والأردن، ليست طرفًا من أطراف ميثاق روما، ولكن من يدري كيف كان سيكون موقفها لو أنّ ميثاق روما اتخذ موقفًا آخر تجاه العدوان؟
العدوان في مؤتمر كامبالا
لم تختلف مواقف الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن عمّ كانت عليه خلال المؤتمر الدبلوماسي لميثاق روما. وقد أصرَّت فرنسا على أنّ مجلس الأمن هو صاحب الاختصاص الحصري في ما يتعلق بالعدوان. ولئن كانت النبرة البريطانية أكثر هدوءًا؛ وذلك بالحديث عن الأمل في وجود علاقات ودية بين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية25، فإنّ ذلك لا يعني الخروج عن منطق الدول الكبرى في المحافظة على الامتيازات الراهنة للدول صاحبة الفيتو في مجلس الأمن. أمّا الولايات المتحدة التي لا تُعدُّ طرفًا في ميثاق روما، فقد أحيت عشية مؤتمر كامبالا وجهة نظرها القديمة بشأن عدم وجود تعريف عرفي للعدوان؛ ما يقتضي أن يتوقف الاختصاص المادي للمحكمة عند الجرائم الموجودة حاليًّا في القانون الدولي، وهي التي لا توجد بينها جريمة العدوان، على حدّ زعْمها. ويبدو هذا الزعم مفسًِّا لبعض علامات الاستفهام ذات الصلة بموضوع العدوان؛ ومن قبيل ذلك استعمال كلمة Attack بدلً من Aggression في النسخة الإنكليزية لميثاق الأمم المتحدة، إضافةً إلى ما جاء في المادة 39 من الميثاق، واستعمال "انقطاع السّلم" في القرارات الصادرة عن مجلس الأمن بدلً من "العدوان." فحتى في القرارات العديدة المتعلقة بالعراق الذي كانت الولايات المتحدة تريد تحميله مسؤولية انتهاك القانون الدولي وتسليط أقصى العقوبات عليه، لم تَرِد قَطُّ كلمة عدوان. وممّ يلفت الانتباه أيضًا أنّ بعض الفقهاء المؤيّدين لوجهة النظر الأميركية - الإسرائيلية يتحاشون استعمال كلمة عدوان. أليس غريبًا أن يذكر الأستاذ دافيد روزييه David Ruzié تحت عنوان قمْع انتهاكات قانون الحرب والقانون الإنساني، جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية من دون جريمة العدوان، بل أن يعطيَ ملخّصين لقضيتين شهيرتين على صلة بموضوع العدوان (قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدّها عام 1986، والكونغو الديمقراطية ضدّ أوغندا عام 2005)، من دون أن يستعمل مرةً واحدةً كلمة عدوان26؟ إنّ كلّ ذلك قد يبدو مناورةً للتشويش على استقرار مفهوم العدوان في العرف الدولي. إلا أنّ السؤال الذي يُطرح الآن هو: كيف يمكن تفنيد وجهة النظر الأميركية - الإسرائيلية من الناحية القانونية؟ في الواقع، هناك أسانيد كثيرة يمكن الاعتماد عليها للرد على عدم وجود جريمة العدوان في العرف الدولي، ومنها ما يلي: لقد ساهمت الولايات المتحدة نفسها عن طريق قضاتها المشاركين، في محاكمات نورمبرغ، في العقاب على جرائم العدوان التي اقترفها النازيون الألمان. ويكفي أن نتذكر قول القاضي الأميركي روبرت جاكسون Jackson Robert: "علينا ألَّ ننسى أبدًا أنّ المعايير التي نستند إليها اليوم لمحاكمة هؤلاء المتهمين، ستكون غدًا هي التي تستعمل في محاكمتنا. صحيح أنّ هذا القانون يضرب اليوم المعتدين الألمان بصرامته، لكنْ غدًا يمكنه أيضًا أن يدين عدوانًا اقترفته أيّ دولة أخرى، بما في ذلك هذه الدول التي تحتل مكانة قاضٍ"، ولتأكيد انعدام سياسة المكيالين، أضاف القاضي جاكسون قائلً: "إذا كانت بعض انتهاكات الاتفاقيات جرائم، فهي جرائم، سواء كانت الولايات المتحدة أو ألمانيا هي التي اقترفتها[...]إنّ تقديم كأس مسمومة إلى هؤلاء المتهمين هو تقديمها إلينا، إلى شفاهنا"27. وفي عام 1947، كانت الولايات المتحدة هي التي قدمت اقتراحًا للجمعية العامَّة للأمم المتحدة بتقنين الجرائم ضدّ السلام وأمن البشرية28، فهل كان متوقَّعًا ألَّ تُوجد ضمن هذه الجرائم جريمة العدوان، حتى وإن لم ترد في الاقتراح الأميركي ضمن المشروع المقترح؟ أيّ جريمة، إذن، أكثر من العدوان يمكنها أن تخلّ بسلم البشرية وأمنها؟ ولذلك فإنّ مشروع التَّقنين المقترح لم يتردد في ضمِّ جريمة العدوان إلى جانب جرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانية، والإبادة، بل إنّ هذا المشروع في نسخته الصادرة عام 1996، تبنَّى صراحة القرار رقم 3314، عام 1974 بشأن تعريف العدوان29.
وفضلا عمّ سبق ذِكره، صرّح رئيس محكمة العدل الدولية الدائمة وممثِّل الولايات المتحدة في لجنة تعريف العدوان ستيفن شيفيل بأنّ القرار 3314 يُعدُّ بمنزلة التفسير المعطى من الجمعية العامَّة لميثاق الأمم المتحدة في ما يخص استعمال القوة المسلحة بما يخالف الميثاق؛ لذلك فإنّ القرار المذكور يتمتع في حدّ ذاته بأهمية30. ب - بعد مرور 38 سنةً على صدور التوصية رقم 3314 عام 1974، يبدو أنّ هذه التوصية قد أخذت قيمة القانون العرفي.
إنّ هذه التوصية نفسها لم تأتِ من فراغ، فلقد سبق لميثاق نورمبرغ أن عرَّف العدوان أو ما أسماه بالجريمة ضدّ السلام، إضافةً إلى أنّ مبادئ نورمبرغ رتَّبت على هذا التعريف أثرًا مهمًّ، هو منْع الاستيلاء على الإقليم المحصل عليه على إثر عملية عدوان31، وهو الأثر نفسه الذي أعادت التوصية رقم 3314 النص عليه. غير أنّ محكمة نورمبرغ نفسها ذهبت إلى أنّ ميثاق لندن لم يكن المنشئ للجريمة ضدّ السلام، بل إنه كشف عنها. فهذه الجريمة أوجدها العرف الدولي، وهي تُعدُّ جريمةً من منظور القانون الدولي إذا ما رجعنا إلى اتفاقيات لاهاي عام 1907، واتفاقيات الضمان المتبادل عام 1923 32. لقد استندت محكمة العدل الدولية في بعض اجتهاداتها القضائية إلى تلك التوصية؛ ففي قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدّها، كانت المحكمة تبحث عن الأعمال التي استُعملت فيها القوة، والتي يمكن اعتبارها أعمالً قامت بها الدولة استنادًا إلى الفقرة، و"إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية"33. ولذلك ليس غريبًا أن يرى الأستاذ جو فيرهويفن، في القضية المذكورة، أنّ محكمة العدل الدولية، على ما يبدو، عدَّت نصوص التوصية 3314 ذات قيمة عرفية34، وأنّ الاجتهاد الفقهي لم يتخذ، أيضًا، موقفًا مغايرًا؛ إذ يعترف أغلبيّة فقهاء القانون الدولي في أوروبا، والعالم العربي وحتى داخل الولايات المتحدة، بالقيمة العرفية للتوصية رقم.3314 ويكفي أن نذكِّر على سبيل المثال بأنّ معجم قانون العلاقات الدولية يُعرِّف العدوان استنادًا إلى التوصية 3314 نفسها؛ إذ ورد فيه: "بحسب القرار 3314 المؤرخ في 14 ديسمبر 1974، الصادر عن الجمعية العامَّة للأمم المتحدة، [فإنّ] العدوان الذي يبيح لمن كان ضحيته اللجوء إلى القوة، هو استعمال القوة المسلحة [انظر "حرب]" من قبل دولة ضدّ السيادة، أو الوحدة الإقليمية، أو الاستقلال السياسي [هذه المعايير تستعيد العناصر المكونة للدولة] لدولة أخرى، أو بأيّ طريقة أخرى لا تتفق مع ميثاق منظمة الأمم المتحدة"35. وفضلً عن كلّ ما سبق ذِكره، لا يسع المرء سوى التذكير بما قاله الفقيه الكندي مايكل مندل Mandel Michael: "إنّ هدف القانون الدولي المعاصر، كما نصت عليه ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، هو: "حماية الأجيال المقبلة من آفة الحرب"؛ من أجل ذلك أصبح المبدأ الأساسي أنه لا يحقّ لأيّ بلد إرسال جيوشه إلى دول أخرى من دون موافقة حكوماتها. لقد فعل النازيون ذلك على نحوٍ متكرر، ولذلك فإنّ الجريمة الأولى التي حوسبُوا على ارتكابها في نورمبرغ كانت العدوان [وهو] الجريمة "التي تشمل كلّ الجرائم الأخرى وتجعلها ممكنة"36. وفي جميع الأحوال، لا يسع المرء سوى الاتفاق مع الأستاذ فيليب كيرات، حتى لو افترضنا عدم وجود تعريف عرفي للعدوان، في قوله: "بما أنّ اتفاقية روما هي أصلًاتفاقية تقنين للقانون الدولي الجنائي، وأنّ دور التقنين هو في الوقت نفسه كتابة القانون العرفي الموجود وترقيته التدريجية، فإنّ جمعية الدول الأطراف عندما تقوم بتعريف العدوان هي في صميم مجال اختصاصها. فما الذي يمنع الدول الأطراف من وضْ ع نصٍّ قانوني خاص بجريمة العدوان؟"37.
اررف بأنّ للتوصية رقم وبذلك، فإنه بغضّ النظر عن الاع 3314 قيمةً عرفيَّةً، أو عدمه، فإنّ جمعية الدول الأطراف، باعتمادها هذه التوصية، تكون قد سنَّت نصًّا قانونيًّا خاصًّا بالعدوان. ومِثل هذا الدور ليس بدعةً، بل إنه معتاد بالنسبة إلى معظم الاتفاقيات، وإلَّ كيف كان يمكن الاعتماد على تقنين الأعراف الموجودة بالنسبة إلى الموضوعات الجديدة للقانون الدولي مثل حماية البيئة؟ وفضلً عن كلّ ما سبق، لا يمكن للمرء تجاهل اجتهاد المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا سابقًا؛ فلقد رأت هذه المحكمة، في حكمها الصادر في قضية فيرانديزيا Furundizjia، أنّ مبدأ الشرعية الجنائية يقتضي وجود تعريف واضح ومحدّد للتصرفات المجرمة أو نحوها من الأعمال، ولكن عندما يخلو القانون الدولي الاتفاقي أو العرفي من ذلك التعريف المحدّد، فإنه لا مانع من البحث عن هذا التعريف في "القانون الجنائي المشترك للأنظمة القانونية الكبرى"38. وبالفعل، نصت قوانين وطنية عديدة على جريمة العدوان والجرائم ضدّ السلام، وعلى عقوباتها؛ ومن قبيل ذلك المادة رقم 262 من الدستور الألماني الاتحادي سابقًا 1949(.) وإنّ عقوبتها طبقًا للقانون الجنائي للدولة نفسها هي السجن المؤبَّد لكلّ من يشترك في الإعداد لعدوان ما. ويوجد أيضًا في دستور ألمانيا الشرقية سابقًا عقاب قد يصل إلى حدّ إعدام من يخطط لحرب عدوانية أو يشنها39. وباختصار شديد، فإنّ العدوان يُعدُّ جريمةً بمقتضى اتفاقية روما، وبمقتضى القانون الدولي العرفي أيضًا.
المحور الثاني: مدى تدعيم تعديلات كامبالا لدور المحكمة العقابي
لقد أعلنت رئيسة جمعية الدول الأطراف الإستونية تالينا أنتلمان أنّ "التعديلات المتعلقة بجريمة Talina Intelman العدوان لا تتوقف عند تكملة المؤسّسة التاريخية التي انطلقت بمفاوضات، عام 1998، بروما، وأنها تحقّق هدفًا سعت إليه الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية"40، فإلى أيّ مدى يمكن عَدُّ هذا القول صحيحًا؟ للإجابة عن هذا السؤال، نشير في ما يلي إلى بعض إيجابيات التعديل ونقائصه.
بعض إيجابيات التعديل
على الرّغم من الإسهاب الذي قد يلُاحظ في تعريف العدوان، فإنّ بعض النقاط كانت في حاجة إلى توضيح في ضوء التطورات التي تعرفها العلاقات الدولية. ومن قبيل ذلك التركيز على كبار المسؤولين، وعَدُّ عدوان الدولة من دون سواه مبرِّرًا للدفاع الشرعي.
التركيز على كبار المسؤولين
لقد كان المتعارف عليه قديمًا أنّ الجريمة الدولية تبدو شكلً من أشكال إجرام الدولة، وعلى الرّغم من أنّ هذا الأمر جرى تجاوزه في الوقت الحالي لمصلحة التركيز على محتوى الجريمة، فإنّ جريمة العدوان لا تزال تخضع للمنطق الأول، والسبب في ذلك هو أنّ الجريمة المذكورة لا يمكن أن تحدث من دون أن يكون التخطيط لها، أو إعدادها، أو بدؤها، أو تنفيذها، قد جرى على يد شخص يوجد في مركز يسمح له بمراقبة العملية السياسية أو العسكرية أو تسييرها، في دولة ما. وبناءً عليه، بدأت مواثيق المحاكم الدولية تقصر اختصاصها الشخصي، على أهمّ المسؤولين السياسيين فقط، فهذا ما أكدته على سبيل المثال المادة الأولى من ميثاق المحاكم الخاصة بسيراليون، وكذلك المادة الأولى من قانون 10 آب / أغسطس 2001، المنشئ للمحاكم
الجنائية الاستثنائية داخل الجهاز القضائي الكمبودي، وهو الأمر نفسه الذي دعا إليه مجلس الأمن تحت رقم 1534، والذي نظَّم اختتام أعمال المحكمتين الجنائيتين الدوليتين والموقَّتتين لرواندا ويوغوسلافيا السَّابقة؛ إذ أكّد ضرورة التركيز على الأشخاص ذوي المراتب السياسية العليا. وعندما كُلفت لجنة القانون الدولي بتحديد المعايير التي تسمح بالقول إننا أمام جريمة دولية، بيّنت أنّ ارتكاب جريمة تحت غطاء الدولة؛ أي من جهة موظفي الدولة ينبغي أن يؤخذ بحسبان41. ولقد سبق لِلَجنة تحضيرية تابعة للمحكمة الجنائية الدولية، أن أوضحت في تقرير لها خلال دورة -1 12 تموز / يوليو 2002، أنه "لأغراض هذا النظام الأساسي، يرتكب شخص ما جريمة العدوان عندما يكون في وضْ ع يتيح له التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة، أو توجيهه، أو عندما يأمر بذلك، أو يشارك فيه مشاركةً فعليةً، عمدًا، أو عن علم بالتخطيط لعمل عدواني، أو الإعداد له، أو الشروع فيه، أو شنّه، على أن يشكل العمل العدواني بحكم خصائصه وخطورته ونطاقه انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة"42.
لا يبرِّر الحق في الدفاع الشرعي عن النفس إلا عدوان الدولة
لقد نصت الفقرة الثانية من المادة 8 مكرر على أنّ العمل العدواني يقصد به "استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضدّ سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية، أو استقلالها السياسي، أو بأيّ طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة." وبناءً عليه، فإنّ أيّ عمل يصدر عن أيّ جهة أخرى غير الدولة لا يعدُّ عدوانًا، من شأنه أن يعطيَ المعتدى عليه الحقّ في استعمال الدفاع الشرعي. ومثل هذا التوضيح يجد قيمته في الرد على ما أطلق عليه منذ هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر عام 2001، العدوان، ولا سيما Private Aggression أوLes agressions privées الخاص أنّ مجلس الأمن قد أصدر عشية تلك الأحداث التوصيتين رقم 1368 و 1373 (عام 2001) اللتين دان من خلالهما الهجمات، وأكّد الحقّ الشرعي للدول في الدفاع عن نفسها43. وعلى الرّغم من أنّ مجلس الأمن قد كيَّف استعمال تهديد السلم والأمن الدوليين، بدلً من العدوان، فقد جرى استنادًا إلى التوصيتين الصادرتين عنه شنّ ما عرف بالحرب ضدّ الإرهاب والدفاع الشرعي. ولقد ذهب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبيرتسون Robertson George إلى أنّ الدول الأطراف في حلف الناتو "متفقة على أنّ هجومًا مسلحًا ضدّ واحد أو أكثر منها يعُدّ هجومًا ضدّها جميعًا؛ ومن ثمة فإنها موافقة على أنه إن حدث هجوم مسلَّح كهذا، فإنّ كلّ واحدة منها يمكنها، طبقًا للحق الفردي والجماعي في الدفاع عن النفس المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مساعدة الطرف أو الأطراف المهاجَمة حالً على اتخاذ جميع الأعمال التي تراها ضروريةً لاستعادة السلم، أو المحافظة عليه في منطقة شمال الأطلسي"44.
وبالموازاة مع ذلك، روّج جانب من الفقه الأميركي نظريةً مفادها أنّ إيواء دولة ما لمجموعة إرهابية، أو تسامحها مع وجودها على إقليمها، يكفيان لتشكيل عمل عدوان بحسب المادة 51 من الميثاق؛ ويترتَّب على ذلك تبرير الحقّ في الدفاع الشرعي لمصلحة الدولة التي كانت قد هاجمتها وحدات أخرى ضدَّ الدولة التي قبلت بوجود تلك الوحدات على إقليمها45. ولكن لئن أيدت بعض الدول الهجوم الأميركي على أفغانستان، فإنّ ذلك لم يكن استنادًا إلى تأييدها لتلك النظرية، والدليل على ذلك أنّ إصرارها على البحث عمّ يثبت تورط الدولة الأفغانية، بطريقة أو بأخرى، في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، يعني فعلً كما قد لاحظ الأستاذ جو فيرهويفن تردُّد الفقه في الإقرار بوجود دفاع شرعي من دون أن نكون أمام عدوان مباشر أو غير مباشر قامت به دولة ما"46، وذلك ما يبدو أنّ محكمة العدل الدولية نفسها قد أيدته.
لقد رفضت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري في قضية الجدار العازل 9( تموز / يوليو 2004) الاعتراف بوجود عدوان إذا لم تكن الدولة هي التي شنَّته. وقد جاء في فتوى المحكمة أنه لا مجال للحديث عن دفاع شرعي إلا في مواجهة عدوان مسلَّح من دولة تجاه دولة أخرى؛ لأنّ مصدر التهديد الذي تزعمه إسرائيل لم يكن دولة أجنبية، بل كان يأتي من داخل الأراضي التي تحتلُّها إسرائيل47. ولقد حافظت المحكمة على وجهة نظرها هذه، في قضية الكونغو الديمقراطية ضدّ أوغندا؛ إذ أكدت أنّ الأعمال المسلحة التي قام بها متمردو القوات الديمقراطية المتحالفة ضدّ أوغندا لا يمكن أن تنسب إلى الكونغو نظرًا إلى غياب أيّ أدلة على تورطها، سواء كان ذلك على نحوٍ مباشر أو غير مباشرة، ومن ثمَّة فإنّ الشروط القانونية التي تبرِّر لأوغندا الحقّ في اللجوء إلى الدفاع الشرعي غير متوافرة، نظرًا إلى عدم وجود عدوان منسوب إلى الدولة48. وإذا كان الهجوم الذي لا تُشنّه دولة ما لا يبرّر الدفاع الشرعي عن النفس، فإنه من باب أولى ألَّ يبرّر الدفاع الوقائي الذي لا يستند أصلً إلى أيّ عمل من أعمال العدوان. فهذا الدفاع المزعوم هو تلك الحرب الاستباقية التي تراها وزيرة الخارجية الأميركية السَّابقة كوندوليزا رايس Rice Condoleeza "استباقًا ضدّ عدوِّك لفعل التدمير الذي يقوم به." وهي ليست فكرةً حديثةً؛ فلقد كان الفقيه نيكولا ميكافيلي Nicolas Machiavel يرى أنه من واجب الدولة أن تبادر هي بالهجوم على نحو ما كانت تفعل روما التي تقضي على المشكلات في مهدها49؛ أي إنّ ذلك يكون عبر مهاجمة من تتوقع أنه سيتعبها، سواء كان توقعها صحيحًا أو خاطئًا، أو تغطيةً لعمل عدواني فحسب. علاوةً على ذلك فإنّ تقدير الخطر المتوقع هو في حدّ ذاته مسألة نسبية قد يضخِّمها هذا ويهوِّنها ذاك. ففي عام 1940، أعلن الجنرال الأميركي شينو Chenneaut أنه سيحرق "القلب الصناعي للإمبراطورية [اليابانية] بقنابل تقذفها قلاع طائرة، فهل كان من حقّ اليابان، بعد هذا التهديد الصريح الذي لم يُخفِ الرئيس روزفلت سعادته به، أن يبرّر هجومه على بيرل هاربر بأنه هجوم استباقي شرعي50؟ من أجل ذلك، صدق الفقيه محمد حافظ غانم عندما قال، منذ عشرات السنين، إنّ "العدوان وفقًا للرأي الفقهي الراجح يجب أن يكون هجومًا مسلحًا وقع بالفعل على الدولة [التي تزعم أنّ دفاعها شرعي]، فلا يوجد ما يسمى بالدفاع الوقائي"51.
ويرى الأستاذ دونيس آلند Denis Alland أيضًا أنّ نظرية الدفاع الشرعي الوقائي التي تؤيّد الإجراءات الموجهة إلى استباق خطر محتمل فقط[...]خاطئة52؛ وذلك للأسباب نفسها التي أشار إليها الأستاذ غانم. وقد يرد بشأن التوضيحات السَّابقة ذكر لأنّ تعديلات كامبالا لم تكن هي المبتكرة للإيجابيات المشار إليها، بل إنّ التوصية رقم 3314 قد سبقتها إلى ذلك. وهذا الأمر صحيح، لكن تعديل كامبالا بإدخاله التوصيةَ ضمن ميثاق روما، يكون قد حسم كلّ نقاش متعلِّق بقيمتها القانونية، ولا سيما عند الرد على التطورات الحاصلة بعد الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، بخاصة بالنسبة إلى الدول الأطراف المصدِّقة على التعديل.
نقائص التعديل
أدَّت ضغوط الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن والقواعد القانونية المستقرة في مجال عدم إلزامية التعديل بالنسبة إلى غير الموافقين عليه إلى تكريس تعديل كامبالا؛ لهيمنة مجلس الأمن وتقليص الاختصاصين المادي والشخصي للمحكمة الجنائية الدولية.
زيادة هيمنة مجلس الأمن على المحكمة
نصّت الفقرة السادسة من المادة 15 مكرر على أنه "عندما يخلص المدعي العامّ إلى وجود أساس معقول للبدء في تحقيق يتعلق بجريمة
عدوان، عليه أن يتأكد أوَلّا من أنّ مجلس الأمن كان قد اتخذ قرارًا مفاده وقوع عمل عدواني ارتكبته الدولة المعنية." ولمزيد من التوضيح، نصت الفقرتان 7 و 8 من المادة نفسها على الاحتمالين التاليين: الاحتمال الأول: نصت الفقرة السابعة على أنه "يجوز للمدعي العامّ في الحالات التي يتخذ فيها مجلس الأمن مثل هذا القرار أن يبدأ التحقيق في ما يتعلق بجريمة العدوان." وقد تبدو هذه الحالة مريحةً لكلّ من الطرفين، طالما أنه توجد حالة وفاق؛ فبإعلان مجلس الأمن وجود عدوان، يمكن للمدعي العامّ مباشرةًالتحقيق في ذلك، من دون إشكال. إلا أنّ تاريخ مجلس الأمن في ما يتعلق بتعامله مع حالات عدوان واضحة، يبين أنه لا يميل في أكثر الحالات شيوعًا إلى وصْف ما يحصل بأنه عدوان. فإذا ما استثنينا جنوب إفريقيا وروديسيا الجنوبية (زمبابوي حاليًّا)، فإنّ مجلس الأمن لم يلجأ قَطُّ إلى تكييف العدوان، فحتى العدوان الكوري الشمالي على كوريا الجنوبية الذي وصفته الجمعية العامَّة للأمم المتحدة بالعدوان 1( شباط / فبراير 1951)، وصفه مجلس الأمن بأنه اجتياح مسلح للجمهورية الكورية من قوَّات أتَت من كوريا الشمالية، وخلص إلى أنّ هذا الأمر يشكل "انقطاعًا للسلم"53. وعلى الرّغم من الوفاق الذي عرفته بداية التسعينيات على إثر نهاية الحرب الباردة، لم يصف مجلس الأمن اجتياح العراق للكويت بالعدوان، بل بالاجتياح الذي أدَّى إلى انقطاع للسلم. الاحتمال الثاني: نصَّت الفقرة الثامنة من المادة 15 مكرر على أنه: "في حالة عدم اتخاذ قرار من هذا القبيل في غضون ستة أشهر بعد تاريخ الإبلاغ، يجوز للمدعي العامّ أن يبدأ التحقيق في ما يتعلق بجريمة نفسها." العدوان، شريطة أن تكون الشعبة التمهيدية قد أذنت ببدء التحقيق في تلك الجريمة، وفقًا للإجراءات الواردة في المادة 15، على ألَّ يكون مجلس الأمن قد قرَّر خلاف ذلك، طبقًا للمادة 16." إلَّ أن مجلس الأمن ربما لا يسكت، بل إنه قد يلجأ إلى تكييفٍ ما، لكن من دون أن يذكر كلمة عدوان، فيذكر انقطاع السلم على غرار ما جرت عليه عادته. فإذا اعتمدت المحكمة على حرفية النص، فذاك يعني بعد مضيّ الستة أشهر - طالما أنّ مجلس الأمن لم يعلن صراحةً أننا لسنا بصدد عدوان - أنّ المدعي العامّ قد يتولى الموضوع، ويفتح تحقيقه بشأن عدوان، وحينئذ قد نكون "في مواجهة تكييفات متناقضة ربما تعصف بأعمال المؤسَّستين في آنٍ واحدٍ، على نحوٍ لا يسمح، بالتأكيد، بإقامة السلم والأمن الدوليين"54. وفي جميع الأحوال، فإنّ حالة السكوت، تتوقف على بدء المدعي العامّ في التحقيق، بحسب شرطين: الشرط الأول: حصول المدعي العامّ على إذن من الغرفة التمهيدية ويبدو أنّ الأخذ بهذا الشرط مردُّه إلى أمرين. فأمّا الأول، فإنه يتمثّل بما لاحظه - عن حق -الأستاذ فيليب كيرات، حين ذهب إلى أنّ عدم الأخذ بهذا الشرط سيؤدِّي إلى "إعفاء المدعي العامّ من كلّ رقابة للغرفة التمهيدية في ما يتعلق بجريمة العدوان، فيكون غير ملائم لقواعد الإجراءات والإثبات المطبقة عادةً أمام المحكمة." وأمّا الأمر الثاني، فإنه يتمثّل بالرغبة في التوصل إلى توافق بين آراء مختلف الدول الموجودة داخل جمعية الدول الأطراف، فلقد كان خيار الشعبة التمهيدية أحد الخيارات الأخرى التي عرضها المشروع الأولي، ومن بينها الجمعية العامَّة للأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية. إلا أنّ عددًا من الدول على غرار إسبانيا، وبلجيكا، والشيلي، وبوليفيا، والمكسيك، وجنوب أفريقيا، وجمهورية الكونغو الشعبية، فضَّ لت خيار الشعبة التمهيدية؛ لأنها رأت أنه لا توجد حاجة إلى مصفاة خارجية، وأنّ لأجهزة التصفية الداخلية المتمثّلة بسلطات الشعبة التمهيدية في مجال الرقابة والترخيص للمدعي العامّ أن تُجريَ تحقيقاتٍ كافيةً جدًّا55. الشرط الثاني: تقضي المادة 16 من ميثاق روما أنه "لا يجوز البدء أو المضيّ في تحقيقٍ أو مقاضاةٍ بموجب هذا النظام الأساسي مدَّة اثني عشر شهرًا، بناءً على طلب من مجلس الأمن إلى المحكمة بهذا المعنى، يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأنه يجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط
ولقد كانت هذه المادة محلَّ رفْض شديد من عدَّة دول (الهند، وباكستان، وإيران، والبرازيل.. إلخ) خلال المؤتمر الدبلوماسي لميثاق روما؛ ذلك أنّ هذه الدول وغيرها رأت أنّ المادة 16 تنتهك الفصل الواجب بين الوظائف السياسية لمجلس الأمن والوظائف القضائية للمحكمة الجنائية الدولية، علاوةً على كون الاعتراف لمجلس الأمن بالتدخل في مسار العدالة، يحتوي على انتهاك واضح لمبدأ المساواة بين الدول؛ إذ إنّ الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن، سيكون لهم من
دون سواهم الحقّ في إمكانية عرقلة نشاط المحكمة أو تجميده؛ إل أنّ إصرار الدول الدائمة العضوية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في حالة زَعم بعضهم أنّ المادة 16 ستضمن عدم إضعاف المحكمة لدور مجلس الأمن في المحافظة على السلم والأمن الدوليين، أدَّى إلى الإبقاء على المادة 16 على صورتها الحالية56.
وبغضّ النظر عن مسألة استقلالية المحكمة، فإنّ حُسن أدائها قد يتأثر سلبيًّا بالمادة 16. ولقد كان هذا الأمر سببًا إضافيًّا لرفض ممثلي عدد من الوفود الحاضرة في المؤتمر الدبلوماسي للمادة 16. ثمّ إنّ طلب التأجيل قد يؤدِّي إلى إهدار الأدلة، فقد يتوفَّ أحد الشهود، أو يتراجع عن الإدلاء بشهادته، وقد تضيع آثار الجريمة57، بخاصة أنّ عدد مرات التأجيل لم يحدَّد، فعلى الرّغم من مطالبة عدد من دول أميركا اللاتينية بجعله مرةً واحدةً؛ حفاظًا على استقلالية المحكمة، فإنّ ذلك لم يُؤدِّ إلى نتيجة بسبب إصرار الدول الدائمة العضوية على عدم تقييد عدد المرات58. ولكن، على الرّغم من الانتقاد كلِّه الذي وُجِّه إلى المادة 16، من خلال كلّ ما كُتب منذ تبنِّي ميثاق روما، إلى غاية انعقاد المؤتمر الاستعراضي، فإنّ إصرار الدول الكبرى على عدم انتقاص أيّ نص من ميثاق روما من سلطة مجلس الأمن، ومحافظتها على كلّ المزايا التي افتكتها عند صَوْغ ميثاق الأمم المتحدة، تفوَّقا على المكانة التي كان يتمناها أنصار العدالة الجنائية للمحكمة واستقلاليتها.
تقليص الاختصاصين الشخصي والمادي للمحكمة
بمقتضى المادة 121 / 5 "يصبح أيّ تعديل على المادة 5 من هذا النظام الأساسي نافذًا بالنسبة إلى الدول الأطراف التي تقبل التعديل، وذلك بعد سنة واحدة من إيداع صكوك التصديق، أو القبول الخاصة بها. وفي حالة الدولة الطرف التي لا تقبل التعديل، يكون على المحكمة ألَّ تمارس اختصاصها في ما يتعلق بجريمة مشمولة بالتعديل عندما يرتكب هذه الجريمة مواطنون من تلك الدولة، أو تُرتَكب الجريمة على إقليمها." وبمقتضى المادة 15 مكرر/ 3، "تمارس المحكمة اختصاصها في ما يتعلق بجريمة العدوان وفقًا لهذه المادة، ورهنًا بقرار يُتخذ بأغلبية دول أطراف تساوي الأغلبية المطلوبة لاعتماد تعديلات على النظام الأساسي، وذلك بعد الأول من كانون الثاني / يناير ."2017 إنّ المادتين المذكورتين ستخلقان ثغرات من شأنها أن تجعل المحكمة الجنائية الدولية تسير بسرعتين. ولقد سبق لنا أن رأينا أنّ الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أصبح بإمكانهم من دون غيرهم أن يجمّدوا نشاط المحكمة، استنادًا إلى المادة 16 السَّابق ذِكرها. أمّا ما يرغب المرء في الإشارة إليه في هذا السياق، فإنه يتمثّل بتمييزه من نمط آخر، على أنّ له صلةً بالتعديل. إنّ احتفاظ الدول الأطراف بحقها في قبول التعديل من عدمه وعدم سريانه عليها في حالة رفضه يعني أنّ الدول التي أصبحت أطرافًا في ميثاق روما قبل التعديل، لن تنطبق عليها جميع النصوص ذات الصلة بجريمة العدوان إذا رفضت التصديق على التعديل، في حين أنّ الدول التي ستنضم إلى ميثاق روما بعد التعديل ستكون كلّها مطالبةً بالتزام كلّ النصوص، ولن يكون لها الخيار المعترف به للأعضاء القدامى. وقد نكون أيضًا أمام مفارقة غريبة بأتمّ معنى الكلمة؛ ذلك أنّ القواعد المتعلقة بجريمة العدوان قد تنطبق على دولة غير طرف من دون انطباقها على دولة طرف، لكنها رفضت التصديق على التعديلات أو قبولها. إنّ المادة 12 / 2 تنص على أنه "يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت واحدة أو أكثر من الدول التالية طرفًا في النظام الأساسي، أو قبلت باختصاص المحكمة وفقا للفقرة 3." وبمقتضى الفقرة الثالثة، فإنه لهذه الدول حينئذ "بموجب إعلان يودع لدى مسجل المحكمة، أن تقبل ممارسة المحكمة اختصاصها في ما يتعلق بالجريمة التي هي قيد البحث، وأن تتعاون الدولة القابلة مع المحكمة من دون أيّ تأخير." وهكذا يمكن أن تنطبق أحكام الاتفاقية ذات الصلة بجريمة العدوان على دولة غير طرف عندما يكون العدوان قد وقع من هذه الدولة
غير الطرف على إقليم دولة طرف، أو إقليم دولة غير طرف لكنها قبلت باختصاص المحكمة. وهذا أمر غريب. وبطبيعة الحال قد يعترض بعض الناس على وصْف الغرابة استنادًا إلى أنّ الدولة غير الطرف هي التي قبلت بأحكام الميثاق بإرادتها، ومن دون أيّ إكراه. لكن في الواقع ليس هذا هو مصدر الغرابة، بل إنّ الدول الأطراف هي التي يفترض فيها أن تكون أكثر اقتناعًا من غيرها بقيمة العدالة الجنائية، وأن ترى الجناة - مهما كانت جنسياتهم - لا يفلتون من العقاب الذي يُعدُّ أهمّ وسيلة لضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وإنفاذها، وحماية حقوق الإنسان بوجهٍ عامّ. وإلى جانب تقليص نطاق الاختصاص الشخصي، ثمَّة تقليص أيضًا للاختصاص المادي؛ فلقد نصّت الفقرة 5 من المادة 8 مكرر، ضمن تحديد أركان جريمة العدوان على أنّ "العمل العدواني يمثِّل، بحكم طابعه وخطورته ونطاقه، انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة." ووَرَد تحت عنوان تفاهمات بخصوص تعديلات نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بشأن جريمة العدوان أنه من المفهوم أنّ كلّ تقرير - إذا كان العمل العدواني يمثّل انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة - يجب أن تكون الأركان الثلاثة فيه (الطبيعة والخطورة والنطاق) كافيةً لتبرير تقرير ذلك الانتهاك الواضح. إن ألفاظًا مثل الطابع، والخطورة، والنطاق مرنةٌ بطبيعتها؛ فهي تحتمل من المفسر التضييق والتوسيع، فما بالنا باشتراط تجميع كلّ تلك الشروط للقبول بوجود عمل عدواني، إلى حدّ أنّه ما إن يتخلَّف شرط النطاق، أو الخطورة، أو الطابع، حتى ينتهي وصف العمل بالعدواني. إضافةً إلى أنه ليس أيّ انتهاك لميثاق الأمم المتحدة يقتضي القول إنّ الانتهاك من حيث الطابع والخطورة والنطاق متوافر، بل يجب أن يكون الانتهاك واضحًا. وبناءً عليه، فإنّ حالاتٍ كثيرةً لا ينطبق عليها وصف العدوان. ذلك ما يمكن أن نلمسه من بعض اجتهادات محكمة العدل الدولية؛ ففي قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدّها، رأت محكمة العدل الدولية أنّ بعض الأحداث المحدودة لا يمكن أن تنجم عنها سوى أعمال مضادة ملائمة59. وبناءً عليه، واستنادًا إلى التوصية رقم 3314، بينت المحكمة في القضية نفسها أنّ "إرسال عصابات مسلحة إلى إقليم دولة أخرى، يمكنه أن يشكل عدوانًا مسلحًا إذا تعلَّق الأمر بعملية ضخمة، لكنّ تقديم مساعدة إلى متمردين فحسب، أو مناورات عسكرية، أو إرسال أموال أو أسلحة إلى متمردين، كلّ ذلك لا يدخل في عداد أعمال العدوان"60. وهذا الاجتهاد، كما قد نلاحظ، يتعارض مع ما ذهب إليه مشروع لجنة القانون الدولي لتقنين الجرائم ضدّ السلام وأمن الإنسانية 1954؛ إذ ذكرت الفقرة الثالثة من المادة الثانية "قيام دولة من الدول بتكوين عصابات مسلحة، الغرض منها التسلل إلى إقليم دولة أخرى، أو سماحها بتكوين مثل هذه العصابات، أو استعمالها أراضيها"61. أمّا القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية بمناسبة الدعوى التي رفعتها الكونغو الديمقراطية على أوغندا، متهمةً إياها بارتكاب عدوان مسلح ضدها، فقد ورد فيه أنّ التدخل العسكري الأوغندي غير الشرعي، كان على درجة من الضخامة والمدّة الزمنيّة اللتين تجعلانه انتهاكًا خطرًا لحظْر استعمال القوة المنصوص عليه في المادة 2 / 4 من الميثاق62؛ أي إنّ أوغندا ارتكبت عدوانًا مسلحًا ينتهك بوضوح ميثاق الأمم المتحدة. وقبل الختام لا يسع المرء سوى التذكير بما كتبه الأستاذ شريف بسيوني عشية ميلاد المحكمة الجنائية الدولية قائلً: "إنه من المهمّ إدراك أنّ الغرض من هذه المحكمة ليس سوى ترسيخ الشرعية الدولية؛ إذ عليها أن تقوم بدور الرَّدع تجاه من يرتكبون هذه الجرائم البشعة، درءًا للأضرار الجسيمة التي تصيب البشرية "63. إلَّ أن السؤال الذي نطرحه في موضوعنا هو: هل تستطيع المحكمة في ظلّ المعطيات المشار إليها في الصفحات السابقة ترسيخ الشرعية عندما تهيمن السياسة على القانون، فتجد المصالح الإستراتيجية للقوى الكبرى منافذ تتغلغل من خلالها في عمل المحكمة، من دون أن تكون حتمً طرفًا فيها؟
الخاتمة
لم يرَ كثير من أنصار العدالة الجنائية في ميلاد المحكمة الجنائية الدولية إلَّ انتصارًا لمسيرة كانت تتقدم خطوةً إلى الأمام وأخرى إلى الوراء، وحدًّا لظاهرة اللَّ عقاب التي ظلت بمنزلة النقطة السوداء في
جبين القانون الدولي الإنساني. وعلى الرّغم من ذلك، لا مناص - عند الحديث عن العقاب على جريمة العدوان - من الإشارة إلى الاستنتاجات التالية: لا تزال أكبر القوى الأقدر على العدوان غير مصدِّقة على ميثاق روما على غرار الولايات المتحدة، وروسيا، والصين. على الرّغم من أنه لم تصدِّق على ميثاق روما إلَّ دولتان دائمتان بمجلس الأمن (بريطانيا وفرنسا)، فإنّ بقيَّة الدول (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) يمكنها الاضطلاع بالدور الرئيس في مجال العدوان، من دون أن تكون طرفًا في ميثاق روما؛ بالنظر إلى أنّ تعديلات كامبالا أكَّدت هيمنة مجلس الأمن على المحكمة الجنائية الدولية.
لقد كان في إمكان استقلالية المحكمة عن مجلس الأمن - في مجال العدوان -علاج لنقائص مجلس الأمن الذي تتحكم فيه المصالح والحسابات الإستراتيجية لدوله الدائمة العضوية؛ لأنّ المحكمة بوصفها جهازًا قضائيًّا مستقلًّ يُفترض فيها أن يكون هاجسها الوحيد هو تحقيق العدالة، بغضّ النظر عن جنسية المعتدي أو المعتدى عليه. واستنادًا إلى هذه الاستنتاجات، يمكن تقديم التوصيات التالية: على الدول ذات العضوية الدائمة بمجلس الأمن التصديق على ميثاق روما ألَّ تكتفيَ بالتصديق فحسب، بل أن تبديَ إرادةً صادقةً في مساعدة المحكمة على تحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله؛ وذلك بعدم مساعدة الأعضاء الآخرين الذين هم بمجلس الأمن، والذين لا يُعدُّون أطرافًا في المحكمة، على استصدار قرارات من مجلس الأمن لإضفاء الشرعية على ما يقومون به من عدوان. على جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين، سواء كانوا مصدِّقين على ميثاق روما وتعديله أو غير مصدِّقين عليه، ألَّ يعرقلوا قيام المحكمة بردْع العدوان والعقاب عليه بسبب سياسة المكيالين التي يؤدِّيها مجلس الأمن عند تكييفه لما يُعدُّ حالة عدوان أو لا يعدُّ كذلك؛ لأنّ أمن العالم لا يتجزَّأ. ولا شك في أنّ العدوان الحاصل في أيّ جزء من العالم ستكون له انعكاساته على سِلم عديد من المناطق الأخرى وأمنها. لقد أثبتت تجربة المحاكم الموقَّتة، بناءً على نظرها في جرائم أخرى كالإبادة، وجرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانية – لا جريمة العدوان - أنه عند وجود الإرادة، يمكن للمحكمة أن تساهم على الأقل من خلال اجتهادات قضائية في إثراء القانون الدولي الجنائي، والدولي العامّ، على نحوٍ قد يؤسِّس آفاقًا أخرى مستقبلً. وهذا ما نرجوه للمحكمة الجنائية الدولية.