مراجعة كتاب جنود وجواسيس ورجال دولة: طريق مصر للثورة

سلمى موسى

المؤلّف: حازم قنديل. الناشر: دار فيرسو للنشر، لندن.2012 عدد الصفحات: 320 صفحة من القطع الكبير.

يصف حازم قنديل، عالم الاجتماع السياسي وخبير الشرق الأوسط في جامعة كامبردج، تاريخَ مصر السياسي في فترة ما بعد عام 1952، بأنّه يقوم على حكمٍ ثابتٍ "مركّبٍ ثلاثيّ الأضلاع" (صفحة 3) يجمع بين الجيش والقوى الأمنيّة والنظام الحاكم. ويعمد قنديل إلى منظور الواقعية المؤسسية في تحليله، فيفترض أنّ كلّ مؤسسة تعمل وفقًا للمصلحة الذاتية متأرجحة بين التنافس والتعاون، بهدف إخضاع المؤسستين الأُخريين في نهاية المطاف. في سرد تاريخي يبدأ عام 1952 وينتهي عام 2012، يُبيّ المؤلّف أنّ موقف الجيش والقوى الأمنيّة هو الذي حسم نتيجة ثورة 25 يناير. ولدى تناوله دعم الجيش النظام بوصفه متغيّ ا لا قيمة ثابتة، يتحدّى قنديل الاعتقاد السائد أنّ القوّات المسلّحة دعمت نظام حسني مبارك وتخلّت عنه على مضض، بعدما أصبح عبئًا عليها. ويكرّس كتاب جنود وجواسيس ورجال دولة قنديل أكاديميًّا بارزًا في الربيع العربي؛ إذ تفادى نشر تحليل متسرّع وضحل، كما هي حال الكثير من النصوص التي تناولت الثورة، فصوّرت أحداث ثورة يناير 2011 وكأنّها استمرار لنمط تاريخي أشمل.

يوضح قنديل، بدءًا من عشية انقلاب 1952، كيف هزم جمال عبد الناصر محمد نجيب وأسّس دولة عسكرية؛ إذ أمّن السيطرة الشاملة على القوّات المسلحة، واستقطب الجماهير، وقضى على جميع مراكز السلطة الأخرى، وطهّر في غضون سنوات قليلة قاعدة قوّة الضبّاط الأحرار في الجيش، وأقام "شبكة موالية من المسؤولين الحكوميين ضمن بيروقراطية الدولة" 17(صفحة.) وهكذا أصبح الجيش "منيعًا ضدّ الانقلابات"، ونشأ الهرم المتاهة المكوّن من المخابرات والأجهزة الأمنيّة، والذي بات سمة للنظام السياسي الحالي في مصر (صفحة.)20 وقد أسّست أزمة 1954 المسارَ الاستبدادي الجديد للنظام الفتيّ. وبينما كان الجيش المصري الكبير والمتشظّي داخليًّا، بطيء التحرك، كانت الأجهزة الأمنيّة حاذقة وسريعة في القضاء على احتمال نشوء ديمقراطية يرعاها الجيش، من نمط نظام أتاتورك. وهكذا بيّ الكاتب كيف أدّت الأسسُ التي وضعها جمال عبد الناصر لدولة المراقبة المنيعة ضدّ الانقلابات، إلى قيام الدولة البوليسية المصرية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. غير أنّ عبد الناصر، في ترسيخه السلطة في الأجهزة الأمنيّة (المدنية والعسكرية) بعيدًا عن الأجهزة السياسية، أسّس دولة مخابرات سرعان ما ندم على تأسيسها. نتيجة لذلك، أسّس عبد الناصر الاتحاد العربي الاشتراكي لسدّ الفجوة الأمنيّة – السياسية ولإحكام السيطرة على القوات العسكرية. وثمّة نماذج موازية تفيد في استكمال التحليل المؤسسي الواقعي لحكومات أخرى أمنيّة وغير ليبرالية في خضمّ سياسات الحرب الباردة مثل الصين وروسيا. ويذهب قنديل بعيدًا في تقويمه؛ إذ يثير البعد الفردي لعملية صنع القرارات الإستراتيجية، فيربط على سبيل المثال، بين إنشاء دولة عسكرية داخل الدولة وانهيار العلاقات الشخصية بين القائد العام للقوات المسلحة عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر. ويفعل قنديل الشيء نفسه بوضع هذه المنافسات المؤسسية الداخلية في سياقها التاريخي المشترك، كأن يعزو، على سبيل المثال، مشاركة مصر في حرب 1967 جزئيًّا، إلى حاجة عبد الحكيم عامر إلى التعويض عن الأداء الكارثي للقوات المسلّحة في اليمن. في حين أنّ المعرفة العميقة بالأحداث في فترة الحرب، توجّه قراءة المرحلة المذكورة. وقد تشغل التفاصيل التاريخية الفائضة الانتباه أحيانًا عن الفرضية المركزية، فيبدو التعليق على العلاقات الشخصية (ولا سيمّا بين السادات ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي، وبين ناصر وعبد الحكيم عامر) وكأنّه طرفة بطبيعته، أو قائم على التخمين. على الرغم من ذلك، يرى قنديل أنّ جمال عبد الناصر قد اضطرّ للإبقاء على مسار مصر الاستبدادي؛ مستبدلًالدور الوقائي الطاغي للجيش بتعزيز دور الأجهزة الأمنيّة المدنية وقوّات الشرطة شبه العسكرية. فقد كان من شأن الصراع في مصر التي شلّتها الحرب ووجود معارضة تواجه عوامل أجنبية محرّضة، أن يمهّدا للاستبداد. وخفّفت عملية نسبة الاستبداد إلى التظاهرات المناهضة للحرب غير الفعّالة عام 1968، نيّة عبد الناصر بشأن إحلال الديمقراطية. إلا أنّ المؤلّف يرى على نحوٍ مقنع أنّ التركيبة المؤسسية طوال العشرين عامًا السابقة جعلت عملية التحوّل الديمقراطي تتّسم بالتحدّي الشديد.

يفسّ قنديل التحولّات في مراكز القوّة في زمن ثورة 1971 التصحيحية؛ إذ مهّد نجاح السادات الطريق للدولة البوليسية المصرية التي تزامنت واتّساع سطوة وزارة الداخلية وجهاز مباحث أمن الدولة. غير أنّه يغيب على نحوٍ واضح أيّ ذكرٍ للمحاولات التي أطلقها السادات لتطبيق الديمقراطية، ولو محدودة أو شكلية. فلو كان الكاتب قد أشار إلى الخطوط العريضة التي وضعها السادات للتعدّدية الديمقراطية بوصفها هدفًا وطنيًّا عقب الانفتاح، أو لو أنّه ذكر مبادرة تخفيف القيود على الإخوان المسلمين، ولو كانت شكلية، لكان أضاف مقاربة متوازنة إلى المقارنات بين رئيس مصر الثاني والرئيسين التاليين1. تعدّ الفرضية المركزية، خلفيةً مؤثّرة في حرب 1973؛ فقد كان الجيش يحتاج إلى استعادة موقع رئيس يؤهّله لشنّ حرب ناجحة ضدّ إسرائيل، ولكن من دون تمكين الضباط سياسيًّا. واللافت أنّ قنديل تبنّى قرار السادات بوقف الهجوم المصري في سيناء على الرغم من إنهاك القوات الإسرائيلية، وكان ذلك القرار قد أثار الكثير من الانتقادات. فقد كان قنديل مصيبًا عندما رأى أنّ الرئيس الذي خاض الحرب أراد إشعال أزمة خطيرة لتحفيز وساطة أميركية في المنطقة برعاية مصر، بدلً من السعي لشنّ حرب شاملة. غير أنّه من الممكن الاختلاف مع النقد الشديد لقرار وقف القتال في سيناء الذي عُدَّ "سيء الإعداد"، و"كارثيًا"، و"انتصارًا بدّدته مصر" (ص. 127) تتجاهل هذه الآراء أنّ هدف السادات لم يكن على الأرجح تحقيق نصرٍ عسكري واضح، وأنّ مصر وجدت نفسها تخوض حربًا بالوكالة ضدّ الجيش الأميركي المتفوّق، في الوقت الذي شهدت فيه العلاقات الروسية – المصرية تدهورًا لم تعهده من قبل، واخترق جيش السادات "خطّ بارليف" على الرغم من هذه القيود. ويصوّر قنديل السادات مرارًا على أنّه كان مصمّمً بحزم على قلب سياسات جمال عبد الناصر، وعلى نيل حظوة الولايات المتحدة الأميركية. وكان ذلك غالبًا مقابل خذلان المعسكر العربي والمصلحة الوطنية المصرية. في حين أنّه يقرّ أنّ استبدال الحماية العسكرية التي لا يعتمد عليها، مقابل الحماية الأميركية مثّل إستراتيجية قوّة أحسن احتسابها. إلا أنّ المؤلّف يتجاهل أنّ التوجّه نحو الولايات المتحدة قد تأثّر ب "الانخفاض الكبير في الدعم السوفييتي"، و"الاستجابة الضعيفة" لطلب المساعدات العسكرية السوفييتية، كما سجّلها السادات2. أمّا تقييم السياسات الداخلية للسادات من منظور طبقي ملائم، والعودة إلى الفرضية المركزية للكتاب، فيأتيان ضمن سياق أكثر سلاسة؛ فقد منع السادات أيّ تحدٍّ عسكري لسلطته بإقصائه القوّات المسلحة لتتولّ مهمّ ت مدنية؛ مثل الإسكان، والنقل الوطني، واستصلاح الأراضي، وبذلك أبعدها عن تفويضها الرئيس بوصفها قوّات مستعدّة للقتال. إلا أنّ السادات ربّ ا أعاد توزيع الموارد العسكرية التي لم تعد هناك حاجة إليها في زمن السلام. لكن هذا الوضع، جعل السادات في حاجة إلى شريك في الحكم لتأمين استقرار النظام، ما أدّى إلى اعتماده على أجهزة الأمن والأجهزة السياسية؛ للسيطرة على السكّان بدعمٍ من الشركاء الأجانب الذين سعى جمال عبد الناصر جاهدًا للابتعاد عنهم. يأتي تقييم قنديل سياسات السادات الاقتصادية الفاشلة التي أنشأت دولة مثقلة بالديون "تابعة وغير نامية، وغير صناعية ومحررة على نحو عشوائي" (ص. 161) لاذعًا على نحوٍ مصيب. ولدى اعتماد المنظور النظري للمؤلف، في تحليل اضطرابات الخبز عام 1977، يتبيّ أنّ تهميش السادات القوّات المسلحة أدّى إلى إضفاء الطابع العسكري على الشرطة لتضع حدًّا للتمرّد. ثمّ اعتمدت النزعة الاستبدادية للحزب الوطني الديمقراطي على الدولة البوليسية التي رعتها وزارة الداخلية بغرض الحماية، فشكّلت سمة مستقبلية لنظام مبارك. ويمهّد قنديل لكلّ رئاسة في مصر، بوصف المشهد المؤسسي في وقت انتقال السلطة إلى الرئيس الجديد؛ فقد ورث مبارك عام 1981 قوّة بوليسية موالية وقوّات مسلّحة موالية ومهمّشة، وإن لم تكن مدحورة بعد (تنعم بصلات أغفلت غالبًا بمن اغتالوا السادات)، ونخبة من رجال الأعمال ترتبط بصلات ودّية بالحزب الوطني الديمقراطي. صحيح أنّ قنديل كان دقيقًا في تصويره حسني مبارك أنّه "كان ساعيًا إلى بسط الاستقرار ولم يكن مجدّدًا" (ص. 220) إذ سار على خطوات السادات مع اختلاف عقائدي بسيط، إلا أنّه يبقى حريصًا على عدم إعفاء فرعون مصر الأخير من المسؤولية أو اللوم بسبب ازدياد معاناة المصري العادي في ظلّ نظام حسني مبارك. لعلّ أكثر ادّعاءات قنديل جرأةً وإثارة هو كشفه الفكرة الخاطئة الشائعة، أنّ القوّات المسلّحة كانت سعيدة في ظلّ حكم حسني مبارك. لقد أوضح ذلك مستخدمًا الحقائق والإحصائيات الثابتة؛ فيبيّ المؤلّف على نحوٍ حاسم أنّه على الرغم من المزايا الإضافية الظاهرية، فقدت القوّات المسلحة عديمة الفاعلية، الكثير من الامتيازات الاجتماعية، ووجّهت لها ضربة قويّة بتخفيض الأجور وتقليص الإنفاق العسكري، وتراجع نوعية الموارد البشرية نتيجة مباشرة لسياسات حسني مبارك التعليمية والصحّية. صحيح أنّ القوات المسلّحة اكتسبت طابعًا مهنيًّا

  1. Gilles Kepel, Muslim Extremism in Egypt: The Prophet and the Pharaoh (Los Angeles: University of California Press, 1985), p 129.
  2. Anwar El-Sadat, In Search of Identity , 1978, p 234, http://www.dtic.mil/cgi-bin/GetTRDoc?AD=ADA440784

سطحيًّا، إلا أنّ الجهاز الأمني كبح جماح الشخصيات العسكرية البارزة، وكُلّف المجنّدون بأعمال وضيعة من دون أيّ تدريب ومن دون معدّات حديثة. وقد نشأت مظالم العسكريين من منع الولايات المتحدة مصر من عرض أيّ قوّة إقليمية، وأبقت عمدًا مستوى التسلّح المصري (والعربي) دون مستوى تسلّح إسرائيل. بعد تهميش القوات المسلحة، التفت النظام إلى جهاز الأمن المدني للحماية ولفرض السيطرة اليومية. وكان الجهاز الأمني بقيادة وزارة الداخلية ذات السمعة السيئة، وقد عُرفتْ ب"الإمبراطورية البيروقراطية المرعبة" (ص. 194) كما صوّرها فيلم عادل إمام "الإرهاب والكباب." وقد عُهِد بقمع الإسلاميين والمهمات القذرة الأخرى إلى قطّاع الطرق المأجورين لتفادي توريط الشرطة، ومنها انبثقت جذور ثقافة البلطجية السائدة. إلا أنّ الأسوأ كمنَ في حصانة قوّات الأمن من العقاب مهما ارتكبت من أعمال، واتّسام العلاقة بين المواطن العادي والشرطة بالعنف. وهكذا تحوّل ضبّاط الأمن من أدوات للسلطة إلى السلطة نفسها. ووضع تعيين حبيب العادلي وزيرًا للداخلية عام، اللمسات النهائية للدولة البوليسية بامتياز؛ 1997 إذ لوّح بقانون الطوارئ المعتمد منذ قرون، والذي يتيح للشرطة التحرّك من دون مسوّغ قانوني. وتفسّ تلك الخلفية، الكراهية ضدّ الشرطة التي عُبّ عنها في 25 كانون الثاني / يناير، وهو اليوم الوطني للشرطة وقد جرى اختياره عمدًا. ولم يكن ذلك أمرًا مفاجئًا. انطوت الإستراتيجية الأمنيّة غير التقليدية التي تبنّاها حسني مبارك على شلّ المجتمع برمّته، بدلً من استهداف مجموعات معيّنة من المعارضة. صحيح أنّ مبارك بذل محاولات للتضييق على الهيمنة الرأسمالية على الحزب الحاكم، إلا أنّ الإرث المرير الذي تركه السادات في مجال الرأسمالية الانتهازية التي ربطت الحزب الوطني الديمقراطي بعالم الأعمال. وتجسّد حكومة أحمد نظيف نخبة رجال الأعمال السياسيين التي أهملت مشاكل مصر الاجتماعية العميقة. ونتيجة لذلك، غضّ ت الطبقة الوسطى المحرومة (والتي شعرت أوّلً بالاغتراب بسبب الصدمة التي أطلقها الانفتاح) النظر عن احتمال المشاركة في الحكم في ظلّ حكم جمال مبارك وحلفائه الرأسماليين. لكنْ، حتّى الرأسماليون الحاكمون الذين تحوّلوا إلى سياسيين، كانوا ممتنيّن لقوّة الشرطة المنتشرة في كلّ مكان؛ فالفساد الحكومي دفع النظام إلى قبضة وزارة الداخلية. وكان الدليل على مدى تغلغل مصالح الشركات في القيادة السياسية المصرية وعدم شعبية هذا التحالف غير المقدّس، هو قرار حسني مبارك إقالة "حكومة رجال الأعمال" "سيّئة السمعة" (ص. 228) وإبعاد رجل الأعمال وصاحب الشركات أحمد عزّ عن الحزب الوطني الديمقراطي بعد ثلاثة أيام من بدء الاحتجاجات في محاولةٍ عقيمة لتهدئة الجماهير. وهكذا شهدت حقبة مبارك "نجاح النظام وفشل الدولة" (ص. 219) وكان انهيار النظام عام 2011 النتيجة التراكمية لستّة عقود من الصراع على السلطة ضمن التحالف الحاكم.

يوصل الفصلُ الذي يتناول جوهر الموضوع، أي ثورة 2011، الحجّة المركزيةَ إلى خاتمتها المنطقية، وهي أنّ وزارة الداخلية قد عجزت عن احتواء الانتفاضة، فأُرغم حسني مبارك على اللجوء إلى القوّات المسلّحة طالبًا المساعدة. تعرّضت القوّات المسلحة طويلً للتهميش، فكانت هي من "ستحفر قبره" (ص. 226) ويرى قنديل أنّ قرار القوات المسلحة الوقوف في صفّ الشعب، هو ما حسم نتيجة الثورة. تكمن أهمّية هذا الرأي في التأكيد على أنّ القوّات المسلحة قد أدارت ظهرها لشركائها السياسيين والأمنييّن بسبب عقود من الصراع المتنامي على السلطة، وليس لأنّ حسني مبارك أصبح عبئًا تخلّت عنه القوّات المسلحة قسرًا، عندما بدا رحيله حتميًّا. باختصار، شكّلت الانتفاضة بالنسبة إلى القوّات المسلحة، فرصة ذهبية للالتفاف على منافسيها والعودة إلى القمّة. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أنّ الجيش صعّد الضغط على مبارك؛ لكي لا يسلّم السلطة إلى ابنه، وربّ ا تآمر لإطاحة الرئيس في الأشهر التي سبقت الثورة3. غير أنّ مقارنة الثورة المصرية بنظيرتها التونسية مسألة أكثر تعقيدًا؛ فقد لاقت الثورة التونسية صدى إيجابيًّا عند المصريين لأنّها مثّلت بلدًا عربيًّا دحر القمع أكثر من كونها نتيجة "انقلاب مماثل لانقلاب مصر وانقلابات أخرى في المنطقة أنشأ نظامًا تحوّل إلى دولة بوليسية" (ص. 221)، وأنتج نخبةً من رجال الأعمال متماهية مع قوى أجنبية. علاوةً على ذلك، إنّ عدّ الجيشين المصري والتونسي مكوّنيْ من شعبين متجانسين عرقيًّا وطائفيًّا، يقلّل من أهمية تنوّع المجتمع المصري. وهناك مسألة أخرى مشكوك فيها، تكمن في الادّعاء الذي ورد لاحقًا،

  1. “ Egyptian Army Planned Mubarak Ouster Before the Revolution: Stratfor Report,” Alarabiya , 28/2/2012, viewed 19/6/2013, http://www.alarabiya.net/articles/2012/02/28/197559.html,

أنّ متظاهري ميدان التحرير استلهموا في ثورتهم أحداث عام 1989 في أوروبا الشرقية أكثر من استلهامهم ثورتَ ليبيا وسورية؛ إذ كان خطاب الربيع العربي أكثر بروزًا في الثورات من الإشارات إلى الحرب الباردة. يمضي قنديل في وصف حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الذي بدأ بمبادرات جريئة في السياسة الخارجية، في حين بقيت الإصلاحات الداخلية بطيئة وجزئية، ما يشير، خلافًا للحجّة الرئيسة في الكتاب، إلى أنّ السلطة المطلقة والحكم قد لا يكونان هدف القوّات المسلحة. وتطوّرت سياسة المجلس الأعلى للقوات المسلّحة سريعًا إلى عنف عسكري – أمني منهجي ضدّ المحتجيّن. ونسي المجلس أصوله المؤيّدة للثورة. وفشل في الارتقاء إلى مستوى نموذج المرحلة الانتقالية بقيادة القوّات المسلّحة عام 1952. ويشير قنديل إلى أنّ قوّات الأمن نفسها، والتي نجت من أيّ مساءلة عن قتل المحتجيّن، لم تتردّد في إحداث صدع بين الجيش والشعب؛ على أمل استعادة موقعها المتميّز. إلا أنّ القرّاء قد يتساءلون عن سبب وقوف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى جانب قوّات الشرطة المكروهة، وعن سبب قمعه المتظاهرين بقسوة شديدة. هل كانت أيدي المجلس الأعلى للقوّات المسلحة مقيّدة بسبب افتقاره إلى الخبرة السياسية، أم التخويف من الأجهزة الأمنيّة، أم بسبب كليهما؟ إلا أنّ الأهمّ أنّ قنديل لا يفسّ لماذا واصلت أغلبية المصريين %88(منهم وفقًا لمؤسسة غالوب العالمية للاستطلاعات) دعم القوّات المسلحة في كانون الأول / ديسمبر4. على أيّ حال كانت التجربة القصيرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في الحكم، عودة مؤسفة إلى معادلة القوّة التي أسّسها السادات، وحافظ عليها مبارك: "يسيطر الأمن، وينعم المساعدون السياسيون بالمنصب وبالثروة، في حين يتفرّج العسكر من بعد مكتوف الأيدي" (ص. 235) وقد يكون التحالف بين الإسلاميين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة بمنزلة زواج مصلحة متبادلة؛ إذ يشير قنديل إلى أنّ الإسلاميين لا يعارضون أساسًا الاستبداد طالما ليسوا هم ضحاياه. وكان المجلس الأعلى للقوات المسلّحة في حاجة إلى الخطاب الإسلامي لنشر نفوذه وكسب الشعبية. وقد منح الإخوان القوّات المسلحة امتيازات خاصة في أوقات مفصلية مختلفة، مثل مشاريع الدساتير، ما يشير إلى أنّ جذور هذه الشراكة، ومن ثمّ انهيارها اللافت، تتطلّب المزيد من الاستقصاء. وردًّا على سؤال قنديل الختامي، فإنّ القيادة الإسلامية أخفقت في نهاية المطاف في التغلّب على قوات الأمن والقوات المسلحة. ولا ريب أنّ القوّات المسلحة قد نجحت في العودة إلى الحياة السياسية بدليل دورها المحوري في تنحية محمد مرسي، وتأليف الحكومة الموقّتة اللاحقة5. ولكن، ماذا يعني هذا لمصر اليوم؟ لقد أدّى افتقار الثورة إلى القيادة إلى نجاح الثورة. إلا أنّ هذا الافتقار نفسه ينبئ بمشهد سياسي متّسم بالفوضى. ويؤكّد قنديل أنّ المسؤولين المنتخبين مستقبلً سيضطرّون للخضوع لسلطة الحلف الأمني السياسي طالما بقي ممأسسًا. إلا أنّ أحداث تموز / يوليو 2013 أثبتت أنّه يجب أن يدخل الشعب المصري عاملً في معادلة مشاطرة المؤسسات والسلطة التي وضعها قنديل. إضافةً إلى ذلك، قد تمثّل حملة القمع التي أطلقها السيسي انهيارًا في التحالف الأمني السياسي القديم، ما قد يعني تحوّلً نحو اتّحاد عسكري أمني. مع فشل التجربة الإسلامية في الحكم، وسعي القوّات المسلحة التي استعادت نشاطها إلى استرجاع موقع بارز، وتصميم المؤسسة الأمنيّة التي لحق بها الخزي على أن تحتفظ باليد الطولى، يبدو مسار مصر غامضًا، ومدى تأثير الطريق الداخلي المسدود في المستوى المؤسسي. ومهما تكن النتيجة، فإنّ عدسة قنديل بشأن التنافس المؤسسي على السيطرة على النظام مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسعي الحالي للإمساك بزمام السلطة في مصر. وهكذا، تمنح هذه النظرية المعدّلة الواضحة الحافلة بالتفاصيل، تفسيرًا واضحًا لمن يراقبون الوضع الحالي، ولطلّ ب ثورة 25 يناير، وللتاريخ المصري بصورة عامة.