المؤتمر السنوي الثاني لمراكز الأبحاث "قضيّة فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"
عقد المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة المؤتمر السنوي الثاني لمراكز الأبحاث السياسية والإستراتيجية في المنطقة العربية، تحت عنوان "قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، في مرحلةٍ تشهد تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية بحثيًّا وإعلاميًّا. وذلك في الفترة الواقعة بين 7 و 9 كانون الأوّل / ديسمبر 2013؛ بمشاركة أكثر من 60 مركزًا بحثيًّا عربيًّا متخصّصًا في الدراسات السياسية والإستراتيجية. ومؤتمر مراكز الأبحاث هو المؤتمر الوحيد في المنطقة العربية الذي يجمع مراكز أبحاث عربية رائدة إضافةً إلى شخصيات سياسية وعامّة، وممثلّي وسائل إعلام؛ لتوفير فضاء للتباحث والنقاش حول موضوع المؤتمر بصفة خاصّة، وحول القضايا التي تواجه البحث العلمي والأكاديمي في المنطقة العربية بصفةٍ عامّة. ناقش المؤتمر على مدار أيّامه الثلاثة 54 ورقة بحثية محكّمة قدّمها أكاديميون وباحثون بارزون وشبّان، وأقرّتها اللجان العلمية للمؤتمر، من أصل 200 ورقة بحثية قُدّمت للمشاركة. تناولت الأوراق بمقارباتها الجادّة والراهنة تحولّات المجتمع والسياسة والهويّة في فلسطين، والكولونيالية الإسرائيلية وسياساتها، وقضايا اللاجئين ومستقبلهم، والتحولّات في السياسات الدولية تجاه القضية الفلسطينية، والربيع العربي وأثره في المشروع الوطني الفلسطيني، والقضية الفلسطينية في القانون الدولي، وأنماط في تحولّات حركات المقاومة الفلسطينية. كما ركّز المؤتمر على نقاش سياسات قوى دولية كبرى؛ مثل أوروبا، والصين، والهند إزاء القضية الفلسطينية. وتخلّلت جلسات المؤتمر ندوات عامّة وحلقات نقاش، بمشاركة فاعلين سياسيين وناشطين وإعلاميين، ناقشت مواضيع ذات صلة بالقضيّة الفلسطينية وموقعها في الصحافة والإعلام العربي، وخيارات المفاوضات والمقاومة، وحملات التضامن العالمية، وتجارب الحراك الشبابي الناشط لمصلحة القضيّة الفلسطينية. وضمّت هذه الجلسات أكثر من 25 ناشطًا بارزًا؛ من عربٍ وأجانبَ مناصرين للقضيّة الفلسطينية. وحظي المؤتمر بمشاركةٍ واسعة من الضيوف وذوي الاختصاص والاهتمام، ما أثرى المناقشات الأكاديميّة. وإلى جانب الأوراق الأكاديمية التي قُدّمت خلال جلسات المؤتمر، شمل جدول الأعمال ندواتٍ سياسية؛ من أهمّها ندوتان عامّتان عُقدتا يوم الجمعة 6 كانون الأوّل / ديسمبر، وسبقتا بداية أعمال المؤتمر؛ قدّم الندوة الأولى عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، ومسؤول ملفّ المفاوضات صائب عريقات عن "المفاوضات: الخيارات والمستقبل"، وتحدّث مسؤول العلاقات الخارجية في حركة "حماس" أسامة حمدان في الندوة الثانية عن "المقاومة: الخيارات والمستقبل."
أسئلة المشروع الوطني الفلسطيني
انطلقت أعمال المؤتمر بمحاضرة ألقاها المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة، بعنوان "المشروع الوطني الفلسطيني: أفكار وأسئلة حول المأزق والآفاق"؛ أوضح فيها أنّ مبرّرات المركز العربيّ للأبحاث لاختيار هذا الموضوع ثلاثة، وهي: أوّلً، القيام بأمرٍ ما في وضع أجندةٍ بحثيّةٍ بشأن فلسطين تتجاوز ما جرى حتّى الآن. و ثانيًا، إرسال إشارةٍ من أكاديمييّن عربٍ وفلسطينييّن تعبّ عن عدم الرضّى عن تهميش قضيّة فلسطين. و ثالثًا، التأكيد على الحاجة إلى بحث المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ ومستقبله في الظروف المتغيّة دوليًّا وإقليميًّا. ولا يمكن تجاهل الاعتقاد المنتشر بأنّ المشروع الوطني الفلسطينيّ يعيش حالة انسدادٍ تحتّم التفكير في مستقبله. وقال بشارة إنّ القضية الفلسطينية تضرّرت من مأزق مشروعها الوطني مثلما تضرّرت من تحوّلها إلى أداةٍ استخداميّة بيد أنظمة استبداديّةٍ فاسدةٍ، لم يضرّ بها أخلاقيًّا وقيميًّا فقط، بل أضرّ بها فعليًّا؛ فالأنظمة ذاتها التي لم توجّه الطاقات إلى الصّاع مع إسرائيل، استخدمت قضيّة فلسطين في لغة الاستبداد، بحيث لوّثت الخطاب التحرّري الفلسطينيّ، مثلما لوّثت في مرحلةٍ ما كلمة "ثورة"، و"مجلس ثورة" قبل أن تعيد الشّعوب الاعتبار لهذه المفردات في الأعوام الثلاثة الأخيرة. وخلص الدكتور عزمي إلى أنّ الخيار السياسي في مأزق، وخيار الكفاح المسلّح في حالة انفصال عن السياسة منخرطٌ في صراع على وجوده، وتحوّل من إستراتيجيّة تحرير إلى خيار دفاع عن النّفس. ومن هنا، لا بدّ من العودة إلى التفكير في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني على ضوء المتغيّ ات التالية: 1. مأزق المفاوضات، 2. مأزق الكفاح المسلّح، 3. انشغال العالم العربيّ لمرحلة غير قصيرة بالثورة والثورة المضادّة حتّى تستقرّ الأمور إلى ديمقراطيات عربية نامية كما نأمل. ورأى بشارة أنّ المنطلق إلى إعادة صوغ المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، هو الواقع على الأرض، مهما اختلفت تسمياته "احتلال استيطاني"، "حالة أبرتهايد"؛ ليست المسألة هي التسميات، بل هي ما يحول بيننا وبين طرح هذا الواقع الوطني الفلسطينيّ، وواقع العدوان الصهيوني بكلّيته، وليس كقضايا منفصلة؛ والمسألة هي أيضًا وجود عنوان سياسي يتعامل مع مجمل الواقع الفلسطينيّ، ويطرح هذا الواقع بكلّيته بلغةٍ مفهومة دوليًّا.
فلسطين في الافتتاح: معركة الشرعية
اتّفقت مداخلات الافتتاح الرسمي للمؤتمر على أهمية حراك المجتمع المدني والحراك الشعبي في معادلة فلسطين اليوم؛ فالقضية الفلسطينية، في كلمة رئيس المجلس الوطني التأسيسي التونسي مصطفى بن جعفر، لا تزال قضية أساسية للشعوب العربية، والثورات العربية ستعطيها دفعًا، والفلسطينيون مدعوّون إلى توحيد الصفّ وإعادة ترتيب بيتهم الداخلي، وإصلاح منظمة التحرير؛ ليكون هناك مشروع "وطني يهدف إلى السلام دون إلغاء خيار المقاومة." وطرح مقرّر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية ريتشارد فولك عدّة نقاط مهمّة في مداخلته؛ إذ أشار إلى أنّ الخيارات التي سعت مختلف القوى الفلسطينية إلى إيجاد حلّ للقضية الفلسطينية عن طريقها آلت جميعها إلى الانسداد أو الإخفاق. وعدّد فشل مختلف المسارات، فمسعى الاعتماد على الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة في حلّ القضية لم يعط نتيجة؛ لأنّ إسرائيل لا ترضخ لهذه القرارات، كما أنّ الكفاح المسلّح لم يحقّقه هدف تحرير فلسطين، وجرى التخلّ عنه باستثناء حالات الدفاع عن النفس عند الاعتداءات الإسرائيلية، وبالمثل أيضًا ظلّت المفاوضات الثنائية تراوح مكانها في ظلّ تعنّت إسرائيل التي أطفأت وهج أوسلو كنقطة تحوّل لحلّ القضية بطريقة سلمية لتجعل العملية كلّها جولات مفاوضات متكرّرة في مسار مستمرّ بدلً من أن تكون حدثًا تاريخيًّا يحلّ القضية. ورأى فولك أنّ المشروع الوطني الفلسطيني يجب أن يأخذ اتّجاهًا جديدًا مستفيدًا من تجارب دولية؛ منها على الخصوص تجربة النضال ضدّ الميز العنصري في جنوب أفريقيا. وأطلق تسمية "معركة الشرعية" على هذا النهج الجديد الممكن الذي يقوم على تكثيف التحرك الفلسطيني عبر العالم، وبمساندة المجتمع المدني في مختلف الدول من أجل فرض شرعية المطالب الفلسطينية، مستندًا في هذا المقترح إلى أنّ ما أنهى الأبرتهايد في جنوب أفريقيا ليس مراجعة أخلاقية لنظام الميز العنصري لنفسه، ولكنّها ضغط دولي بشأن شرعية استمراره. وبالمثل، يمكن لضغط عالمي يكون المجتمع المدني في مقدمته أن يفرض على قادة إسرائيل التوجّه نحو حلٍّ حقيقي وعادل للقضية الفلسطينية قائم على شرعية حقوق الشعب الفلسطيني. ملحوظًا. وأظهرت كلمة المفكّر السياسي الهندي إعجاز أحمد التحوّل الذي عرفه موقف الهند الرسمي منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد أن كانت للهند مواقف صارمة في رفض الكيان الصهيوني. وأكّد أحمد أنّه على الرغم من حالة الحيرة التي أصابت الحركة التضامنية الشعبية الهندية تجاه الوضع الفلسطيني، فهي لا تزال مؤمنة بأنّ الأسباب والمبررات التي أسّست لموقف غاندي لا تزال قائمة وهي الطبيعة الكولونيالية للكيان الإسرائيلي، واغتصابه أرض الشعب الفلسطيني وحريته.
السياسات الكولونيالية الإسرائيلية وانعكاساتها
حلّلت أوراق الجلسة الأولى من المؤتمر "الكولونيالية الإسرائيلية وسياساتها"؛ فكشفت محاضرة الدكتور إيليا زريق زيْف "ادّعاءات الصهيونية بالتمايز عن الكولونيالية الغربية"، كونها تعتمد المنطق نفسه في المراقبة وممارسة سياساتها على الجسد الفلسطيني لحماية نفسها وضبط الفلسطيني والتحكّم فيه، مع ملاحظة أنّ التوازن والغلبة الديموغرافية هي العامل الوحيد الذي لم تستطع إسرائيل ضبطه، وما يجري إخراجه من حيوانات منوية من سجناء فلسطينيين إلى زوجاتهم إلا حلقة في فهم هذا الصراع الديمغرافي. وقدّمت الباحثة هلال إيلفر مداخلة عن "الأبرتهايد المائي: الاستخدام غير المتكافئ وغير العقلاني بين إسرائيل وفلسطين"، تركّزت على الحالة المائية في فلسطين والسيطرة الإسرائيلية على المياه وحرمان الفلسطينيين منها، مشيرةً إلى الظلم والممارسات غير القانونية التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية، والتي تتمثّل بتدمير خزّانات تجميع المياه، وتفكيك البنى التحتية للمياه، وإنكار حقّ الشعب الفلسطيني في الوصول إلى موارده المائية، والتوزيع غير العادل للمياه في الخزانات الجوفية في الضفة الغربية بين الفلسطينيين والمستوطنين، مستخدمةً تعبيرًا ملائمًا لذلك: "فصل عنصري للمياه." وفي الجلسة الثانية التي خُصّصت لموضوع "السياسات الكولونيالية الإسرائيلية وانعكاساتها على المجتمع الفلسطيني"، أكّد الباحث الفلسطيني يوسف كرباج أنّ حلّ الدولتين في فلسطين المحتلّة قد يصبح غير ممكن في ظلّ السياسة السكانية الإسرائيلية التي عملت على رفع نسبة المستوطنين اليهود على حساب السكان الفلسطينيين. وأشار إلى أنّ نسبة الخصوبة اليهودية تسير في منحنى تصاعدي منذ عشر سنوات، في الوقت الذي تشهد فيه الخصوبة الفلسطينية تراجعًا
خلصت أوراق جلسة المسار الثاني في موضوع "الكولونيالية الإسرائيلية وسياساتها" إلى أنّ تهويد فلسطين خطر واقع. وقد كان الجديد في
هذا الإطار هو البعد العلمي والمنهجي للنتائج التي توصّل إليها أربعة أكاديميين عرب؛ إذ تبدو بعض تفاصيل العروض العلمية مرعبة بالفعل؛ ففي عرضه، أشار الدكتور هشام المغاري إلى السياسات الإسرائيلية التهويدية التي اجتاحت المجتمع الفلسطيني في القدس، وهو اجتياح يستهدف وجدان الإنسان الفلسطيني وثقافته وذاكرته. أكّدت دراسة أنجزها الدكتور غازي فلاح أنّ هدف إسرائيل هو تأسيس دولة يهودية واحدة تفرض فيها واقعًا معيّنًا على الفلسطينيين، من دون أن تخسر سيطرتها الفعّالة. وهو خطاب جرى تجديده بعد اتفاق أوسلو وعزّزته حكومة نتنياهو. وعليه، تغلق الحكومة الإسرائيلية حقّ الفلسطينيين في العودة، وتضاعف قدرتها مستقبلً على التخلّص من مناطق تقطنها أغلبية عربية في الشمال. وفي مداخلة عنوانها "النضال والأكاديميا: فلسطين نموذجًا"، تناول الباحث إيلان بابيه صعود النقد الأكاديمي والثقافي للصهيونية وسقوطه في داخل المجتمع اليهودي في إسرائيل. ويرى الباحث أنّه على الرغم من نقد المثقفين الإسرائيليين الشديد سياسات الدولة الداخلية والاجتماعية بعد حرب أكتوبر 1973، استعاد المثقفون والأكاديميون الصهاينة الحيّز العامّ، وتبنَّوا نسخة أكثر تشددًا في الصهيونية. ويخلص الباحث إلى أنّ هناك فرصة ضئيلة جدًّا للتغيير من داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي من دون ضغطٍ شديد من الخارج. وتحدّث الباحث إمطانس شحادة عن "الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية: تغيرات حزبية وسياسية تحت سقف 2013 توافق صهيوني متجدّد." ورأى أنّ نتائج الانتخابات تبُرز نموّ توافق سياسي نيو – صهيوني في مسألة هويّة دولة إسرائيل ووظيفتها وسياساتها تجاه الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطين. أمّا التصدّع الجديد الذي برز في السنوات الأخيرة بخاصّة بعد حركة الاحتجاج الاقتصادي والاجتماعي في عام 2011، فهو يتمحور حول رفض الطبقات الوسطى استمرار تحمّل عبء الخدمة الأمنيّة والاقتصادية في المجتمع الإسرائيلي. ومن زاوية نظر أكثر دقّة وتفصيلً، حاول الباحث خليل التفكجي استعراض بيانات التهويد الإسرائيلي ومعطياته على الأرض؛ وذلك من خلال خرائط تكشف سعي إسرائيل الحثيث لإفراغ اتفاقاتها الدولية مع الفلسطينيين من مضمونها، وفرْض واقع جديد على الأرض. وفي المقابل، كشف الباحث مهند مصطفى عن الجانب الآخر من صورة خطر التهويد في فلسطين؛ إذ تناول موقف المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1976 من المشروع الصهيوني الاستيطاني، والرؤية الدينية اليهودية لهذا المشروع. وعرض مجدي المالكي لتأثير تشرذم المجتمع الفلسطيني والممارسات الكولونيالية الإسرائيلية في الهويّة الفلسطينية، مشيرًا إلى مجموعة ظواهر استنتج حيالها أنّ تجربة استعادة الهويّة المسروقة قد مثّلت العنصر الحاسم في تشكّل الهويّة الفلسطينية. وبهذا المعنى فالهويّة الفلسطينية في حالة تعايش مع الهويّات الفرعية المتعددة، وخصوصًا العائلية والمحلية، والتي تعزّزت لأسباب تتعلّق بغياب المشروع الوطني الفلسطيني الجامع، ولأسباب أخرى تتعلق بضرورة تفاعل التجمعات الفلسطينية مع أوضاعها وتجاربها المعيشة في وطنها أو في المنافي.
الربيع العربي والمشروع الوطني الفلسطيني
قال الباحث الفلسطيني سلامة كيلة إنّ "الثورات العربيّة سوف تؤدّي عاجلً أو آجلً إلى انكشاف الدولة الصهيونيّة"، وأضاف أنّ الربيع العربيّ قام ضدّ اقتصادات ريعيّة مرتبطة بالاقتصاد العالمي الإمبريالي، ولا تخدم داخليًّا سوى الأقلّية مقابل تهميش الأغلبيّة في أغلب البلدان العربيّة. وفي ورقةٍ تحت عنوان "فلسطين والثورات العربيّة في الدراسات الأكاديميّة"، قال الباحث الفلسطينيّ ساري حنفي إنّ أكثر الدراسات والمقالات الأكاديميّة التي تناولت تأثير الثورات العربيّة كان مصدرها مراكز أبحاث وتفكير أميركيّة، وتأسّف على أنّ "أغلب الدراسات الأكاديميّة العربيّة لم تستطع إنتاج دراسات أكاديميّة بخصوص علاقة الثورات العربيّة بفلسطين." من جهته، قال الباحث المصريّ المختصّ بالشؤون الإسرائيليّة خالد سعيد إنّ الثورات العربيّة ترافقت مع استمرار تآكل الجبهة الداخليّة في إسرائيل. وأوضح سعيد في ورقته "الثورات العربيّة وتحولّات المجتمع والسياسة في إسرائيل"، أنّ حسني مبارك "ساعد الكيان الصهيوني في توطيد أركانه لمدة ثلاثة عقود"، وأنَّ أثر الربيع العربي وصل إلى درجة مطالبة بعض الكتّاب بتسريع دمج الأقليّة العربيّة في الكيان الصهيوني لمنع انتقال تأثّرها بالثورات العربيّة. وختم سعيد بالقول إنّ أجهزة المخابرات الصهيونيّة قد "أضاءت مكاتبها" من جديد أوّل مرة منذ زمنٍ طويل بسبب الثورات العربية.
تحولّات المجتمع الفلسطيني ومؤسساته السياسية
تحت عنوان "تحولّات المجتمع الفلسطيني ومؤسساته السياسية"، ناقشت جلسة أولى قضايا إصلاح المؤسسات الفلسطينية، بدءًا بورقة مهمّة قدّمها الباحث عبد الرحمن التميمي بعنوان "تداعيات احتمال انهيار السلطة الفلسطينية على خدمات البنية التحتية"، منطلقًا من فرضية ممكنة بانهيار السلطة الفلسطينية أو حلّ إسرائيل لها أو حلّ نفسها، مستعرضًا الاحتمالات التي ستدار بها عندئذ خدمات البنية التحتية؛ إمّا باستعادة إسرائيل إدارتها، أو نشوء "حكومة ظلّ " فلسطينية تتولّ إدارتها، أو وضعها تحت إدارة دولية سواء عبر دولة إسلامية أو غيرها. وأكّد أنّ وضع هذه الخدمات سيزداد سوءًا في كلّ هذه الحالات. وأبرزت الباحثة نادية أبو زاهر في ورقة عن "دور المجتمع المدني في تغيير السياسات الأمنيّة في السلطة الفلسطينية"، هشاشة الدور الذي يمكن أن تؤدّيه منظمات المجتمع المدني في الحالة الفلسطينية في تغيير السياسات الأمنيّة. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، منها تهميش منظمات المجتمع المدني، وتنامي وتيرة الانتهاكات ضدّها، إضافةً إلى غياب التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني في شأن المبادرات المقدّمة، وضعف قدراتها الماليّة الذاتية، وضعف قدراتها البحثية في تحليل السياسات الأمنيّة، وعدم فاعلية الرقابة التي مارستها على الأجهزة الأمنيّة، وضعف دورها في تدريب تلك الأجهزة على قضايا حقوق الإنسان. وقدّمت الباحثة عرضًا عن تطوّر أداء منظمّات المجتمع المدني الفلسطينية بدءًا من الانتفاضة الأولى، وصولً إلى مرحلة ما بعد الانقسام عام 2007، وهو ما أدّى إلى انقسام في الأجهزة الأمنيّة، فصارت هناك أجهزة أمنيّة تابعة للسلطة في الضفة الغربية التي تسيطر عليها حركة فتح، وأخرى تابعة للسلطة في غزة التي تسيطر عليها حركة حماس. وزادت انتهاكات الأجهزة الأمنيّة السلطتين ضدّ منظمات المجتمع المدني، بدلً من أن يمارس هذا المجتمع دوره في الرقابة عليها. وأشار إبراهيم سعيدي في ورقته":التحدّيات التي يواجهها إصلاح قطاع الأمن الفلسطيني "، إلى أنّ وضع أجندة الإصلاح في إطار هدف التحرير وبناء الدولة، مسألة معقّدة ولا تقتصر على الأبعاد البنيوية والتنظيمية، بل هي قضية سياسية تتطلّب مقاربة سياسية شاملة من أجل انخراط أصحاب المصلحة حكومييين كانوا أو غير حكوميين، في تعريف السياسة الأمنية الوطنية. وتحدّث الباحث بلال الشوبكي في موضوع: "الهويّة الفلسطينية من التشتيت ومحاولات الاستئصال إلى تصنيع هويّات بديلة" عن السياسات الإسرائيلية التي تستهدف الهويّة الفلسطينية التي تشكّل آخر الحصون الضامنة لاستمرارية المجتمع الفلسطيني، بوصفها بنية وطنية متمايزة عن غيرها من الهُويَّات. ويرى أنّ إسرائيل عمدت إلى الاستمرار في محاولات اجتثاث عناصر الهويّة الفلسطينية، ونجحت في خلق مساحات جغرافية معزولة توزّع عليها المجتمع الفلسطيني؛ فتشكّل فلسطينيو الشتات، وفلسطينيو 48، وفلسطينيو 67. إلا أنّها لم تستطع إلغاء الهويّة الفلسطينية الجامعة لكلّ الفلسطينيين أينما وُجدوا. وأظهر عباد يحيى أنّ المجتمع الأكاديمي في فلسطين لم يكن بعيدًا عن التأثّر بالظروف السياسية، وأنّ الباحثين تعاملوا مع المعطيات البيانية الإحصائية (بعد إنشاء جهاز للإحصاء الفلسطيني) من دون تطوّر وعي نقدي بالأثر الاستعماري فيها، ودورها في تشظية المجتمع الفلسطيني وتصنيفه، وإدارة الفلسطينيين والرقابة عليهم. ورأى توفيق حداد أنّ الحقل الأكاديمي الفلسطيني يحتاج إلى دراسات تتناول المجتمع الفلسطيني من زاوية الاقتصادي السياسي. ويقدّم حداد تحليله للبنية الاقتصادية السياسية للمناطق الفلسطينية المحتلة بوصفها حالة من تقسيم عمل بين المجتمع الدولي المانح وإسرائيل بخصوص المعلم الأساسي للتنمية الفلسطينية، ويطلق عليه اسم "نظام التسوية السلمية. ويعدّ حداد التدخّل الدولي المانح تدخّلً في ال اررع، من خلال حقل الاقتصاد السياسي بهدف الهندسة الاجتماعية وأشكال مختلفة لاستقطاب النخبة.
مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني والأطر التمثيلية
كان أحد أهمّ محاور المؤتمر ذلك الذي تناولته جلستان تحت عنوان "مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني والأطر التمثيلية." وقد ناقش الباحث غسان الخطيب في الجلسة الأولى "مستقبل منظمة التحرير
الفلسطينية وبرنامجها السياسي." ورأى أنّ انتقال القيادة من قيادة الكفاح المسلّح لتحرير فلسطين إلى إدارة عملية السلام على أساس حلّ الدولتين، أثّر في تراجع مكانة هذه القيادة التاريخية لمصلحة قوى أخرى جديدة معارضة لهذا النهج، وأبرزها حركة حماس، ولا سيمّا مع ترنّح خيار حلّ الدولتين الذي راهنت عليه هذه القيادة نتيجة تنامي قوّة اليمين العنصري في إسرائيل وسرعة التوسّع الاستيطاني. وخلص إلى أنّه في حين وصلت القيادة السياسية وبرنامجها السياسي وإستراتيجيتها المعتمدة على المفاوضات إلى طريق مسدود، فإنّ منظمة التحرير لا تزال قادرة على استعادة دورها بوصفها إطارًا جامعًا وموحّدًا لكفاح الشعب الفلسطيني بتركيبة قيادية أكثر تمثيلً للشعب الفلسطيني، ولبرنامج أكثر تعبيرًا عن طموحاته المشروعة، شريطة تحقيق الوحدة الوطنية والاتفاق حول برنامج سياسي مشترك. ورأى الباحث زياد كلوت في ورقة عنوانها "الم وررع الوطني الفلسطيني في زمن الثورات" أنّ النضال الفلسطيني أمام منعطف تاريخي اليوم بالنظر إلى أنّ التحدّيات التي يواجهها الشعب الفلسطيني تعدّ أكثر عمقًا واتّساعًا من العوامل المتغيّة المعتادة التي تؤثّر في المسار اليومي للشؤون العربية الإسرائيلية، ولا سيمّا نتيجة التغيرات العالمية؛ ومنها: نظام دولي متبدّل تشهد فيه الولايات المتحدة وأوروبا أفولً مطّردًا جنبًا إلى جنب انبثاق "عالم جديد"؛ أزمة شرعية عالمية تصيب الصهيونية؛ وتناقضات مأساوية بين أبناء الشعب الفلسطيني تمثّلت في عجزهم عن تجسيد الاعتراف الدولي بالمشروع الوطني الفلسطيني على الأرض؛ وأخيرًا الأثر الذي يمكن أن تتركه اليقظة العربية التي تعيد تشكيل المنطقة وشعوبها. وطرح الباحث أحمد جميل عزم في ورقته التي جاءت بعنوان "بحث في أجندة المشروع الوطني الفلسطيني"، ما يمكن أن يكون أجندة مقترحة لبعث مشروع وطني جديد، تتكوّن من ستّة بنود، بدءًا بإيجاد صيغة لتوحيد ساحات العمل الفلسطيني، قد تسمّى "فدرالية العمل الفلسطيني"، بما يشمل فلسطين التاريخية كلّها والشتات. ويتعلّق البند الثاني بمنظمة التحرير الفلسطينية، مع اقتراح تجربة إصلاحها من القاعدة بدلً من سياسة الإصلاح التقليدية من القمّة. ويركّز البند الثالث على إستراتيجية المقاومة الشعبية. ويطالب الرابع بتقييم صريح لأدوات المقاومة المختلفة، في حين يقضي البند الخامس بمواجهة حقيقة أنّ المجتمع المدني والحملات الشعبية، لا ترقى إلى مصافّ حركة تحرّر. وعليه، يجب وضع تعريف جديد لحركة التحرّر. ويطرح البند السادس والأخير، برنامجًا لتجاوز الشروط الموضوعية الاقتصادية والبيروقراطية التي رافقت تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وأصبحت عقبة أمام المقاومة. في المقابل، انطلقت ليلى فرسخ لتجاوز التشظّي الفلسطيني من تصوّر مختلف، يفترض أنّ حلّ الدولة الواحدة هو أقدر على توحيد الجسم السياسي الفلسطيني وحماية الحقوق الفلسطينية، لكن على المدى البعيد. وهذا يتطلب بنظرها، صوغ إستراتيجية قانونية وسياسية جديدة لحماية حقوق الشعب الفلسطيني، فضلً عن إدماج الحركة السياسية والاجتماعية في هذه الوجهة، على الصعيدين المحلي والدولي. ويرى إيميل بدارين في ورقته: "عشرون عامًا على عملية السلام: إعادة تخيّل فلسطين" من خلال دراسته خطاب القيادة الفلسطينية، أنّ تحويل النضال من تحرّر وتقرير مصير وعودة، إلى نضال من أجل الإدارة الذاتية وسلطة ضيّقة ودولة ضئيلة للغاية، مثّل نقلة من الرؤية الجامعة إلى رؤية اختزالية، ويحمل تبعات أعمق في طريقة تصوّر الفلسطينيين لأنفسهم بوصفهم "جماعة متخيلة" في واقع جرى فيه تهميش نصف السكّان الفلسطينيين (اللاجئين.) أمّا آلان غريش، فقد انطلق من حاجة الحركة الوطنية الفلسطينية (بسبب ضعفها وانقسامها) أكثر من أيّ وقتٍ مضى إلى التضامن الدولي، وأن يصبح هذا التضامن عنصرًا مركزيًّا في الإستراتيجية الفلسطينية. ورأى أنّ السؤال الرئيس هو كيف يمكن إنشاء حركة تضامن في ظروف ما بعد أوسلو، مشدّدًا على مسألة وضوح المشروع بما يمكّن حركة التضامن من التطوّر، وجذب المزيد من الدول لفرض المقاطعة على إسرائيل وعزلها. ويرى حميد دباشي أنّه لا يمكن فصل الثقافة الفلسطينية عن حركة التحرر الوطنية الفلسطينية؛ إذ للفنون الشعرية والأدبية تأثيرٌ عميق في تعزيز الانتشار الواسع للقضية الفلسطينية بين أبناء الشعب الفلسطيني أنفسهم وأبناء العالم العربي، لكنّها فنون تجاوزت الحدود الوطنية الثقافية، والحدود اللغوية، إلى نطاق دولي.
فلسطين في القانون الدولي
لخّص المحامي الأردني محمد خليل موسى، خلال تقديم ورقته عن "تداعيات الرأي الاستشاري المتعلق بجدار الفصل العنصري - رؤية عملية"، كلَّ السجال القائم بشأن جدوى اللجوء إلى المحاكم الدولية
والضغط على الاحتلال الإسرائيلي عن طريق القانون الدولي؛ بقوله: "القانون الدولي لن يحرّر فلسطين، لكنه يستطيع أن ينزع الشرعية عن كثير من الإجراءات والمخططات الإسرائيلية، وأن يثبت حقوق الشعب الفلسطيني." وأثارت الخبيرة القانونية الفلسطينية ديانا بطو في ورقة عن "المستوطنات في القانون الدولي"، نقطة حسّاسة بشأن المستوطنات؛ إذ نبَّهت إلى أنّ انزلاقًا حدث في خطاب المفاوض الفلسطيني الذي أصبح يطالب بوقف الاستيطان والتوسّع الاستيطاني، في حين أنّ المطلب الحقيقي هو إزالة كلّ المستوطنات، لأنّها غير شرعية في نظر القانون الدولي. وأبرزت سلمى كرمي أيوب العقبة الرئيسة التي تحول دون مقاضاة المسؤولين الإسرائيليين؛ وهي الضغط المستمرّ الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية لضمان فشل تلك الحالات في مراحلها الأولى، وافتقار الحكومات الأجنبية إلى إرادة سياسية لدعم تلك الملاحقات القضائية. وعلاوةً على ذلك، هناك حاجة إلى التركيز على المطالبة والضغط؛ لتوفير بيئة سياسية تفضي إلى نجاح حالات المقاضاة المثارة.
قضايا اللاجئين
طغى البعد الإنساني على ما عداه في المداخلات بشأن قضايا اللاجئين، مبرزًا حالة التشظّي المضاعفة التي يتعرّض لها اللاجئون الفلسطينيون في واقع عملية التسوية التي همّشتهم، وفي الأوضاع غير المستقرّة في بلاد الشتات؛ ففقدان الوطن والمواطنة سمتان لازمتا الاغتراب الفلسطيني. تناول عباس شبلاق تأثير هذين العاملين في المسائل المتعلقة بالهويّة، والعلاقة الملتبسة بالوطن ومسألة الاندماج أو الإقصاء في المجتمعات المضيفة. وطالب الباحث الدول العربية بمنح اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أراضيها جنسياتِها؛ لأنّ حرمانهم الجنسية يؤدّي إلى حرمانهم حقوقهم الإنسانية في التنقّل، والعمل، وغير ذلك. وفي السياق نفسه، أكَّد الناشط آدم شابيرو أنّ الدول العربية مطالبة بحماية الفلسطينيين، ورعايتهم، وتسوية وجودهم القانوني، إضافةً إلى ضمان حقّ العودة وحقوقهم السياسية. وأوضح أنّ ضمان هذه الحقوق من شأنه أن يعزِّز دينامية الحركة الوطنية الفلسطينية. من جهته، تحدّث الباحث رامي أبو شهاب عن الشتات من زاوية تحليل الخطاب؛ وذلك بهدف اختبار قدرة خطاب الشتات الفلسطيني على صوْغ منظور متماسك ومؤثِّر، ولا سيمّا من حيث قدرته على مواجهة خطاب الشتات اليهودي وتقويضه، بالنظر إلى أنّ هذا الخطاب قد قام على مركزية المنفى والشتات؛ من أجل تكريس قيام دولة إسرائيل. ودرس خليل ريناوي في ورقته "الارتباط المتخيل: الإعلام العربي العابر للحدود والشتات الفلسطيني في ألمانيا "، الهويّة الفلسطينية في الشتات وتأثير الإعلام العربي العابر للحدود، في حالة الجالية الفلسطينية المقيمة في ألمانيا. واستنتج أنّها تأثّرت بهذه الوسائل بصورة جماعيّة على مستوى الثقافة الدينية والثقافة الوطنية.
القضية الفلسطينية في السياسة الدولية
تشير الأوراق المقدّمة في هذا السياق إلى تزايد الهوّة في العقد الأخير تجاه قضية فلسطين، بين الموقف الرسمي والرأي العامّ في عدّة حالات؛ إذ ترى روزماري هوليس أنّ تأثير الموقف البريطاني الراهن تجاه القضية الفلسطينية محدود. وأوضحت هوليس تغيّ الاهتمام البريطاني بعد الحرب الباردة، باتّجاه رؤية موقع لبريطانيا في العلاقة العابرة للأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا المتوسعة. وعلى الرغم من تكرار الإشارة إلى القانون الدولي، توافقًا مع الموقف العام للاتحاد الأوروبي من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني منذ عام 2010، لم يجْر أيّ محاولة لكسر الإجماع الغربي. وتظلّ ألمانيا مرهونة، كما أوضحت مورييل أسيبورغ، بمسؤوليتها التاريخية المتعلقة بالحروب العالمية والإبادة الجماعية لليهود، والتي جرت ترجتمها إلى دعم ألماني قويّ لسياسات إسرائيل. ونتج من ذلك أنّ لإسرائيل اليوم العلاقات الأقرب مع ألمانيا بين دول الشرق الأوسط، على الرغم من أنّ ألمانيا تبقى من أهمّ المانحين لمؤسسات السلطة الفلسطينية. وتلاحظ أسيبورغ أنّ تلك الهوّة الكبيرة التي باتت تفصل الموقف الرسمي عن الرأي العامّ، مشيرةً إلى مسحٍ أظهر أنّ الأكثرية ضدّ المسؤولية الخاصّة لألمانيا تجاه إسرائيل (وكانت النسبة %70 بين فئة الشباب.) أمّا فرنسا، فيرى براء ميكائيل أنّ الرؤساء الستّة الذين خلفوا ديغول أوضحوا أنّ تمسّك الفرنسيين بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، لا يعني أنّهم سيقومون بأيّ عمل من شأنه أن يهدّد أمن إسرائيل. وقد يبدو الخطاب الفرنسي مؤيّدا الشعب الفلسطيني من وجهة
النظر الإسرائيلية، لكن الأفعال والحقائق توحي بأنّ باريس أظهرت في كثيرٍ من الأحيان تفهّمً قويًّا لوجهة النظر الإسرائيلية بشأن الصراع. ووفقًا لاغناسيو ألفاريز أوسوريو، لا تزال إسبانيا ترى في دعم القضية الفلسطينية حجر أساس في سياستها في الشرق الأوسط؛ وهو ما مكّنها من الاضطلاع بدور نشط في عملية السلام، وفي المنطقة الأورومتوسطية، بتقديم نفسها قناة اتصال بين الاتحاد الأوروبي والعالم العربي وإسرائيل. في حين أنّ الموقف الإيطالي شهد تحوّلً تجاه القضية الفلسطينية في الثمانينيات وانتقلت إيطاليا من التعاطف والتضامن إلى صناعة تدريجية لصداقة مع إسرائيل، تراها مريم أبو سمرا مرتبطة بعاملين رئيسين؛ التحوّل السياسي الذي عرفته إيطاليا في اتّجاه الاندماج الاقتصادي والثقافي والسياسي في وجهة عولمية نيوليبرالية؛ والتحوّل المستمرّ في الرؤية السياسية والممارسات التنظيمية الفلسطينية التي تبلورت في اتفاقية أوسلو. لكن، ترى أبو سمرا، أنّ هناك موجة جديدة للنشاط الفلسطيني والدعم الإيطالي، تحرّكها أحداث حصلت في السنوات الأخيرة كالهجوم الإسرائيلي على غزّة في 2008. وفي وضعٍ مماثل لإيطاليا، شرح بانسيدار برادان تحولّات السياسة الرسمية في الهند بعد انتهاء الحرب الباردة، حين حلّت عوامل الاقتصاد والطاقة وقضايا مرتبطة بالأمن محلّ المواقف الأيديولوجية والأخلاقية، ودفعت قضية فلسطين إلى الهامش بعد أن كانت في مركز الاهتمام. لقد أصبحت السياسة الخارجية منذ التسعينيات أداة فعّالة في خدمة مصالح الهند الاقتصادية، كما يوضح برادان، وقبول الهند طريق الليبرالية الاقتصادية جعلها أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة. كما سهّلت الولايات المتحدة منذ التسعينيات تطوّر علاقة إستراتيجية بين الهند وإسرائيل، وأتاحت اتفاقية أوسلو في 1993 فرصة للهند حتى تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. ومع انتهاء الانتفاضة الثانية كانت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون (أيلول/سبتمبر 2003) أوّل زيارة من نوعها للهند. لكن في المقابل، وقف البرلمان الهندي عند وفاة عرفات دقيقة صمت، ودعمت الهند المحاولة الفلسطينية للعضوية في الأمم المتحدة واليونسكو. وفي مجال التعاون بين الهند وإسرائيل ذكر ظفر الإسلام خان أنّالهند تشتري نصف الأسلحة التي تنتجها إسرائيل، وفسّ التودّد المستمرّ إلى إسرائيل، برغبة الهند المتكررة في الاستفادة من "الخبرة العسكريّة الإسرائيلية في مكافحة ما يُسمّى "الإرهاب"، والاستفادة من اللوبي الإسرائيلي في الضغط على الولايات المتحدة من أجل رفع الحظر عن انتقال التكنولوجيا العالية إليها. من جهتها، تظهر الصين أنّ اندفاعتها الاقتصادية أصبحت أساسية في سياستها الخارجية، كما أوضح نيوكسن شون، مؤكّدًا أنّ الصين تصنّف مصلحتها الاقتصادية في الشرق الأوسط بوصفها مصلحة جوهرية، نظرًا لاعتمادها على استيراد النفط، لكن هناك هوّة بين مصلحتها ومحدودية نفوذها. وتسلك الصين، بحسب شون، سياسة متساوية البعد (بين القوى الإقليمية الخمس؛ السعودية، ومصر، وتركيا، وإيران، وإسرائيل)، بصفر مشاكل في الشرق الأوسط، ولا تقيم تحالفات. وستستمرّ هذه السياسة في المستقبل نتيجة محدودية الموارد وتقليدها الدبلوماسي. وفي ورقة بعنوان "هنغاريا والقضية الفلسطينية "، وصف غازديك غيولا الموقف المجري؛ فهو مجتمعيًّا "إلى حدٍّ ما مؤيّد لإسرائيل"، و"إلى حدٍّ ما مؤيّد للشعب الفلسطيني." أمّا النهج السياسي الرسمي، فهو متوازن بين علاقة المجر الجدّية مع كلا طرفَ الصراع. وتلتزم المجر بحلّ الدولتين، وعبر المفاوضات فحسب. وعليه، تكون قد قبلت بموقف إسرائيل بحكم الأمر الواقع. كما امتنعت المجر عن التصويت على قبول فلسطين عضوًا خلال اجتماع اليونسكو والجمعية العامّة.