وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن
الملخّص
تركز هذه الورقة على تحليل وثيقة الحوار الوطني الشامل؛ للوقوف على أهم ما خرجت به، وذلك للإجابة عن عدد من التساؤلات: ما مدى تلبية وثيقة الحوار الوطني الشامل لأهداف ثورة شباط/ فبراير 2011 وطموحات الشعب اليمني في بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة؟ وما هي القوى الرابحة والخاسرة من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني؟ وما مدى قدرة القوى المتضررة من نتائجه على تعويق تطبيق مقرراته؟ ومن جهة أخرى، ما مدى قدرة القوى السياسية والاجتماعية المستفيدة على الضغط على مختلف الفاعلين الرسميين وغير الرسميين لتنفيذ مخرجات المؤتمر؟ وما هي المخرجات التي من المحتمل أن تجد طريقها للتنفيذ، وتلك التي سيواجه تنفيذها عقبات؟
الرابحون والخاسرون وإمكانية التطبيق
مقدمة
تعدّ ثورة الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011 في اليمن ثورةً على النظام وتمردًا على النخب الحزبية والقبلية والاجتماعية داخل النظام وخارجه؛ فقد رفع شباب الثورة شعارات مثل "ثورتنا ثورة شباب لا حزبية ولا أحزاب"، و"لا تفاوض لا حوار ثورتنا ثورة أحرار"، و"لا تفاوض لا حوار استقالة أو فرار"، و"لا مؤتمر لا مشترك الشعب منكم قد هلك." لكنّ الواقع الموضوعي وتوازن القوى الذي فرض نفسه منذ اندلاع الثورة وتكّرس خلالها، جعل أكثر المخارج أمنًا ومحافظةً على وحدة اليمن ومجتمعه عملية سياسية توافقيّة. وبذلك استطاعت النخب السياسية والاجتماعية والعسكرية التقليدية داخل النظام وخارجه تحويل مسار الثورة إلى عملية تفاوضية، توّجت في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 بالتوقيع على مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وآليتها التنفيذية، والتي تنص على عقد مؤتمر حوار وطني شامل تشارك فيه مختلف الأطراف. وقبل انعقاد الجلسة الافتتاحية للمؤتمر في 18 آذار/ مارس 2013، ثارت تساؤلات حول مدى إمكانية انعقاد المؤتمر، ثم بشأن ضمانات استمرار المؤتمر، وكذلك بشأن فرص نجاحه في الوصول إلى قرارات تلبي طموحات الشعب اليمني في بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة. وبعد الجلسة الختامية للمؤتمر وصدور "وثيقة الحوار الوطني الشامل" في 26 كانون الثاني/ يناير 2014، ثار تساؤل بشأن مدى إمكانية تحقيق نتائجه وتطبيق قراراته وضمانات ذلك.
مؤسسات المؤتمر وآليات عمله
على الرغم من المخاوف التي ثارت قبل انعقاد المؤتمر والشروط الكثيرة التي وضعتها بعض القوى السياسية والاجتماعية للمشاركة في المؤتمر، فإنّه انعقد في 18 آذار/ مارس 2013، وبمشاركة جميع الأطراف التي حدّدتها الآلية التنفيذية لمبادرة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وعلى الرغم من الصعوبات والمعوقات الكثيرة، سواء داخل أروقة المؤتمر، أو تلك التي عصفت باليمن بشكل عام خلال أشهر انعقاد المؤتمر، والتي كاد بعضها يعصف بالعملية السياسية برمتها، فإنّ المؤتمر استمرّ في الانعقاد، واستطاع الخروج بمقررات مهمة1. ويرجع ذلك إلى عددٍ من الأسباب الموضوعية، أهمها التغيّ في توزيع السلطة عمومًا وفي رئاسة الجمهورية بشكل خاص؛ إذ التأم المؤتمر في ظل رئيس توافقي لم يكن طرفًا في النزاعات التي دارت قبل قيام الثورة بين أجنحة السلطة من جانب، وبينها والمعارضة من جانب آخر، واستطاع النأي بنفسه عن التورط في الصراعات التي دارت بين القوى المختلفة خلال الأشهر الأولى التي تلت انطلاق الثورة، وكذلك خلال انعقاد المؤتمر (في الفترة بين 18 آذار/ مارس 2013 و 26 كانون الثاني/ يناير 2014)، الأمر الذي ترتّب عليه حيادية منصب رئيس الجمهورية لأول مرة في اليمن، فانعكس ذلك على إتمام الحوار الوطني الشامل بين أطراف اجتماعية وسياسية متساوية (نسبيًا) في القوة، لا سيما في ظل مشاركة قوى اجتماعية وسياسية جديدة لم يسبق انخراطها في الحوارات الوطنية السابقة (الشباب، والنساء، وجماعة أنصار الله "الحوثيون"، والسلفيون، والحراك الجنوبي.) هذه التعددية جعلت العملية الحوارية والتفاوضية بين الأطراف السياسية والاجتماعية المختلفة، أقرب إلى اللعبة التعاونية game cooperative منها إلى لعبة المجموع الصفري game zero-sum. وسمح ذلك بقيام تعاون بين تحالفات مختلفة التوجهات والأهداف، ومن ثمّ القبول ببعض التنازلات في قضايا معينة في مقابل مكاسب في قضايا أخرى، خلافًا للحوارات الوطنية السابقة التي كانت تنظّم بين ثنائيات (السلطة والمعارضة، أو الحكومة والحوثيون، أو الحكومة ومشايخ القبائل)، يسعى كل طرف منهما لتعظيم مكاسبه على حساب الطرف الآخر. فضلا عن ذلك، مثّل قرار مجلس الأمن رقم 2051 خطوة لردع الفاعلين الذين يحاولون عرقلة المؤتمر من خارجه؛ إذ نصت الفقرة السادسة منه على مطالبة مجلس الأمن بوقف جميع الأعمال التي تهدف إلى تقويض حكومة الوحدة الوطنية وتقويض عملية الانتقال السياسي، بما في ذلك الهجمات المستمرة التي تستهدف البنى التحتية الخاصة بإمدادات النفط والغاز والكهرباء، والتدخُّل في القرارات المتعلقة بإعادة هيكلة القوات المسلحة وقوات الأمن، وإعاقة تنفيذ المراسيم الرئاسية الصادرة في 6 نيسان/ أبريل 2012 بشأن التعيينات العسكرية والمدنية. وأعرب مجلس الأمن عن استعداده للنظر في
اتخاذ مزيد من التدابير، بما في ذلك اتخاذ تدابير بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة إذا استمرت هذه الأعمال. أما عرقلة المؤتمر من داخله، ومن قبل الأطراف المشاركة فيه، فإنّ ضوابط الحوار التي تضمنها النظام الداخلي لمؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي صدر بقرار رئيس الجمهورية رقم 10 لعام 2013 تشكّل ضمانة قوية، وتحول دون قيام طرف من الأطراف المشاركة بإفشال المؤتمر. فقد جرى صوغ النظام الداخلي للمؤتمر بما يكرّس آلية توافقية لصناعة القرارات، وبما يحول دون ديكتاتورية الأغلبية أو الارتهان لآراء الأقليات بالمعنى السياسي. فلا الأكثرية تستطيع فرض قرارات معينة، ولا الأقلية تستطيع تعطيل اتخاذ القرارات، فالقرارات الموضوعية تتخذ (وفقًا لنص المادة 2/41 من النظام الداخلي للمؤتمر) بالتوافق بين أعضاء كل فريق من فرق العمل التسع2، الذي يتحقق بموافقة %90 من الحضور على الأقل، وإذا تعذّر التوافق، يُرفع القرار موضوع الاختلاف إلى لجنة التوفيق، لتقوم بالتواصل مع المكوّنات والأفراد للتقريب بين وجهات النظر المختلفة، وفي حال تعذّر التوافق بين الفريق بعد الإحالة للجنة التوفيق، يصوَّت على القرار ويعدّ نافذًا بأغلبية ثلاثة أرباع الحضور من أعضاء فريق العمل.
مخرجات المؤتمر
خرج مؤتمر الحوار الوطني الشامل بوثيقة شارك ممثلون عن جميع القوى السياسية والجماعات والفئات الاجتماعية اليمنية3 في إعدادها والتوافق على قضاياها؛ وهي وثيقة تمثل ميثاقًا وطنيًا يحدِّد الأسس والخطوط الرئيسة لإعادة بناء الدولة، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإخراج اليمن من أزماته السياسية والاجتماعية المزمنة والحادة، والحيلولة دون انزلاقه إلى مرحلة طويلة من الفوضى. وقد لبّت مخرجات الحوار طموحات معظم المواطنين اليمنيين؛ إذ توافق المؤتمرون على إجراءات تشريعية ومؤسسية من شأنها تطوير النظام الديمقراطي، وتعزيز مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وتوازنها والرقابة المتبادلة في ما بينها، وتعزيز مبادئ الحكم الرشيد، بما في ذلك تعزيز الشفافية والمحاسبية، والمساواة أمام القانون، وتطوير البنية المؤسسية لكل أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتطوير مؤسسات مكافحة الفساد وتشريعاتها، وحرية الأسواق والتنافسية الكاملة، وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية، والمساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى تقديم الخدمات التعليمية والصحية وخدمات الرعاية الاجتماعية، وتحقيق الأمن الغذائي للمواطنين، وتحسين مستويات معيشتهم، واحترام حقوقهم وحرياتهم الأساسية وحمايتها.
وأوصى المؤتمر بتأسيس هيئة لاسترداد الأموال والأراضي المنهوبة الخاصة والعامة في الداخل والخارج بسبب سوء استخدام السلطة، وإصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وإنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، وإجراء إصلاح مؤسسي بما يحول دون انتهاكات حقوق الإنسان، والكشف عن المخفيين قسريًا وضحايا الصراعات السياسية وانتهاكات حقوق الإنسان، وإعادة النظر في قانون شاغلي الوظائف العليا بما يكفل خضوعهم للمساءلة، والتحوّل من نظام الانتخاب الفردي في الدوائر الصغيرة إلى نظام الانتخاب بالقائمة النسبية المغلقة لانتخاب مجلس النواب على المستوى الفيدرالي، والمجلس الاتحادي على مستوى كل إقليم، على أن تمثَّل المرأة في كل القوائم المتنافسة على مقاعد الهيئة التشريعية بما لا يقل عن %30. كما أوصى بتأسيس مجلس قضاء مستقل تنتخب الجمعية العمومية للقضاة %70 من أعضائه، وتنتخب جمعية المحامين %15 من أعضائه، وينتخب اجتماع مشترك لمجالس كليات الشريعة والقانون والحقوق %15 من أعضائه من بين أساتذة القانون وأساتذة القانون المشاركين. وأوصى بتعزيز استقلالية القضاء، وتأسيس محكمة دستورية مستقلة، وإنشاء قضاء إداري مستقل، وتبعية الأجهزة المساعدة
للقضاء (الشرطة القضائية، ومصلحة السجون، والسجل العقاري، والأدلة الجنائية، والطب الشرعي) للسلطة القضائية، وحظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وإلغاء محكمة الصحافة، وتبعية أجهزة الرقابة والمحاسبة للسلطة التشريعية، ووضع نصوص قانونية تكفل حقها وحريتها في الوصول إلى المعلومات والوثائق في جميع الجهات والمرافق الحكومية. وأوصى أيضًا بإصدار قانون بتشكيل هيئة وطنية عليا للتصحيح المالي والإداري لوقف هدر المال العام وتسييس الوظيفة العامة، ومنحها صلاحيات واسعة وفقًا لمعايير الحكم الرشيد، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة ماليًا وإداريًا للخدمة المدنية تتسم بالكفاءة والحيادية، وتشكيل لجنة لمراجعة القرارات الإدارية والمالية لوزارة الخارجية، وإنشاء نظام معلومات وطني قادر على تلبية حاجة التخطيط والرقابة والمساءلة.
وألزمت قرارات المؤتمر الحكومة بسرعة إنجاز السجل المدني في فترة زمنية لا تتجاوز ثلاث سنوات بهدف منع الازدواج الوظيفي وإيجاد قاعدة بيانات وطنية، وحظر تعيين أي من أقارب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس السلطة التشريعية ووزيري الدفاع والداخلية ورئاسة المخابرات، حتى الدرجة الرابعة وأصهارهم، في أي مناصب قيادية في الجيش والأمن والمخابرات خلال مدة عملهم في تلك المناصب. كما قرر المؤتمر إلغاء مصلحة شؤون القبائل، التي كان النظام السابق يوظفها لكسب ولاء شيوخ القبائل، ووضع قواعد وأسس قانونية تحول دون تغوّل القبيلة وتدخلها في سلطات الدولة واختصاصاتها من أجل بناء الدولة المدنية، وتطوير نصوص قانونية تعزِّز الفصل التام بين الأحزاب وبنية الدولة، وبخاصة الحزب أو الأحزاب الحاكمة، واستكمال إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وإصدار قانون تنظيم حيازة السلاح الشخصي وحمله، وإخلاء المدن الرئيسة ومناطق التجمعات السكنية من معسكرات الجيش ومخازن الأسلحة، وحصر أنواع الأسلحة التي بحوزة تلك الجماعات والمليشيات وسحبها وفق إستراتيجية محددة. والنص في الدستور على ضرورة أن يكون كل من ينتخب رئيسًا للدولة، وينتخب أو يعين في المناصب السياسية العليا في الدولة حاصلً على مؤهل جامعي، وألا يكون منتسبًا للمؤسسة العسكرية أو الأمنية ما لم يكن قد ترك عمله في المؤسستين قبل فترة لا تقل عن عشر سنوات، وتحييد الجيش والأمن والمخابرات عن أي عمل سياسي، وحظر مشاركة منتسبيها في الانتخابات والاستفتاء، وإحالة جميع من بلغوا أحد الأجلين (السنّ أو سنوات الخدمة) من الضباط وضباط الصف والجنود إلى التقاعد بقوة القانون، وسنّ قانون يحدِّد التوصيف الوظيفي لجميع الوظائف العامة للدولة وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات المنوطة بكل وظيفة، لمنع تداخل الصلاحيات وإهمال واجبات الوظيفة، واعتماد مبدأ التنافس لشغل الوظيفة العامة، واعتماد معايير واضحة ودقيقة للترقيات والاستحقاقات القانونية للموظف العام. وفي ما يتعلق بقضية صعدة، أقرّت الوثيقة "ضمان الحرية المذهبية والفكرية وممارسة الشعائر وتحريم فرضها أو منعها بالقوة من أي جهة كانت، وأن تكون الدولة وأجهزتها محايدة، ولا تقوم بتبني أو دعم مادي أو معنوي أو تقديم تسهيلات لأي مذهب أو فكر وبما يضمنه الدستور وينظمه القانون"4، و"وضع ضوابط للمناهج الدراسية والتعليم الديني والأهلي بحيث يكون ذلك تحت إشراف الدولة"5، و"وضع نصوص دستورية تجرّم الحصول على الأموال من جهات خارجية تحت أي مسمى واعتبار ذلك خيانة عظمى"6، و"تحريم وتجريم استخدام الجيش في الصراعات الداخلية"، و"نزع واستعادة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من كافة الأطراف والجماعات والأحزاب والأفراد التي نُهبت أو تم الاستيلاء عليها وهي ملك للدولة على المستوى الوطني وفي وقت زمني محدد وموحد، ويمنع أيضًا امتلاك الأسلحة الثقيلة والمتوسطة عن طريق التجارة ويكون ملك هذه الأسلحة حصريًا على الدولة وينظم القانون حيازة السلاح الشخصي"، و"معالجة الثارات والنزاعات الناجمة عن حروب صعدة في إطار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية"7.
ولحل قضية الجنوب أقرّ المؤتمر مبدأ التحوّل من الدولة الموحدة "الاندماجية" إلى الدولة الاتحادية "الفيدرالية"، على أن يُ ثّل الجنوب "خلال الدورة الانتخابية الأولى بعد تبنّي الدستور الاتحادي، بنسبة خمسين في المئة في كافة الهياكل القيادية في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما فيها الجيش والأمن، التي يتمّ التعيين فيها بموجب قرارات يصدرها رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، ويمثَّل الجنوب كذلك بنسبة خمسين في المائة في مجلس النواب"8. وبعد الدورة الانتخابية الأولى، ينصّ الدستور الاتحادي على "آليات تنفيذية وقضائية وبرلمانية من أجل حماية المصالح الحيوية للجنوب. قد تتضمن هذه الآليات حقوق نقض أو تصويت خاصة حول قضايا تتعلق بالمصالح الحيوية للجنوب، وتمثيلً خاصًا يقوم على معادلة المساحة والسكان، وعدم إمكان إجراء تعديل في الدستور يخصّ الجنوب أو يغيّ شكل الدولة إلا عبر ضمان موافقة أغلبية ممثلي الجنوب في مجلس النواب، إضافة إلى ترتيبات لتحقيق التشاركية في السلطة تحدّد في الدستور الاتحادي"9.
ولكنّ فريق القضية الجنوبية والقوى السياسية والاجتماعية المشاركة في المؤتمر بشكل عام، لم تتفق بشأن ضمانات حل القضية الجنوبية وعدد أقاليم الدولة الاتحادية؛ إذ اقترح المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح تأسيس دولة اتحادية من ستة أقاليم (إقليمان في الجنوب، وأربعة أقاليم في الشمال)10، فيما اقترح الجناح المعتدل في الحراك الجنوبي والحزب الاشتراكي اليمني تأسيس دولة اتحادية من إقليميْ (إقليم في الشمال وإقليم في الجنوب)، ووافقهما على هذا المقترح ممثلو جماعة أنصار الله، ما استدعى تدّخل السيد جمال بن عمر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، والذي اقترح في 10 أيلول/ سبتمبر 2013 تشكيل فريق مصغّر لبحث القضية الجنوبية مكوّن من 16 عضوًا 8(من الشمال و 8 من الجنوب.) وقد عقد هذا الفريق 32 اجتماعًا خلال الفترة 10 أيلول/ سبتمبر – 21 كانون الأول/ ديسمبر 2013. ومع ذلك، لم يجرِ التوافق على عدد أقاليم الدولة الاتحادية، وخلص الفريق إلى تفويض رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة برئاسته لتحديد عدد الأقاليم، بحيث "تدرس خيار ستة أقاليم (أربعة في الشمال واثنان، أو أيّ خيار آخر يحقق التوافق في الجنوب)، وخيار إقليميْ"11.
الرابحون والخاسرون
لا بد من الإشارة إلى أنّ جميع مخرجات المؤتمر تصبّ في المصلحة العليا للشعب اليمني بكل فئاته وجماعاته وتنظيماته السياسية والاجتماعية، وأنّ مكاسب الجماعات الاجتماعية والسياسية وخسائرها لم تكن مكاسب أو خسائر مطلقة؛ فكل جماعة من الجماعات المشاركة في المؤتمر حقّقت مكاسب نسبية في مجال ما، وخسائر نسبية في مجال آخر. إنّ القرارات المتصلة بالمصالحة الوطنية سوف تؤدي - إذا تحققت - إلى توقف النزاعات والحروب في المناطق الشمالية، على سبيل المثال، ومن ثمّ تعرُّض بعض شيوخ القبائل المعتمدين على اقتصاد الحرب لخسارة هذا المورد، ومع ذلك تصب المصالحة الوطنية في مصلحة رجال القبائل الشمالية الذين دفعوا الفاتورة البشرية للنزاعات المسلحة التي شهدتها المحافظات الشمالية خلال السنوات الماضية. كما من المتوقع أن يخسر شيوخ القبائل بعض قوتهم السياسية جرّاء تغيير نظام انتخاب مجلس النواب من نظام الانتخاب الفردي في دوائر صغيرة، إلى نظام القائمة النسبية المغلقة على المستوى الاتحادي، فكلما ضاقت الدوائر الانتخابية، تعزّزت فرص فوز النخب التقليدية التي تعتمد على علاقات القرابة في التعبئة الانتخابية، وكلما اتسعت الدوائر الانتخابية، تضاءلت فرص فوز هذه النخب. ولذلك، سعت هذه النخب لتقليل خسائرها السياسية المحتملة عبر مقاومة مقترح تقسيم الدولة الاتحادية إلى إقليميْ، ودعمت تقسيمها إلى ستة أقاليم؛ للاحتفاظ بفرصٍ أكبر للفوز بمقاعد المجلس الاتحادي الذي
يجري انتخاب أعضائه بنظام القائمة النسبية على مستوى الإقليم، وبالتمثيل المتساوي بين الأقاليم.
ولتقليل آثار الخسائر المالية المحتملة لشيوخ القبائل - إذا تم فعلً إلغاء مصلحة شؤون القبائل التي يحصلون من خلالها على تحويلات مالية شهرية - استطاع هؤلاء، بدعم من القوى المحافظة المشاركة في المؤتمر من جميع الاتجاهات والأحزاب السياسية، انتزاع قرار بتخويل سلطة إدارة الموارد النفطية والغازية ومنح عقود الاستكشاف والتطوير وتنظيم عقود الخدمات النفطية لسلطات الولاية المنتجة للنفط، وليس لسلطة الإقليم أو السلطة الاتحادية12، لا سيما في مجال الشركات النفطية، وشركات الخدمات النفطية التي يمتلكها شيوخ القبائل وكذلك كبار ضباط القوات المسلحة (الذين ينتمي الكثير منهم إلى عائلات المشايخ.) ومن المحتمل أن تشكل النخب التقليدية القوة الاجتماعية الأكثر تأثيرًا في سلطات الولايات (المحافظات) المنتجة للنفط والغاز (حضرموت، وشبوة، ومأرب، والجوف.) ومع ذلك، يمكن وصف مخرجات المؤتمر بأنها مخرجات متوازنة؛ إذ حافظت النخب التقليدية على بعض امتيازاتها، على الرغم من خسارتها بعض قوتها السياسية، وحققت القوى المدنية مكاسب كبيرة، بل يمكن القول إنها حققت تحولات ثورية باتجاه بناء الدولة المدنية الحديثة، ولا سيما إذا ما أخذت في الاعتبار طبيعة البنى الاجتماعية والتوجهات الثقافية السائدة في المجتمع اليمني. إنّ المرأة اليمنية هي المستفيد الأكبر من نتائج مؤتمر الحوار الوطني؛ فقد تضمنت الوثيقة عددًا من التوصيات التي من شأنها تعظيم المشاركة السياسية للمرأة، ومكافحة العنف ضد المرأة، فأقرّت توصية بتضمين الدستور القادم مادة تنص على تمثيل المرأة في عضوية قيادة الهيئات المستقلة بما لا يقل عن %30 مع توافر الشروط والمعايير المطلوبة. كما تضمنت توصية بتشكيل دار الإفتاء من علماء الشريعة الإسلامية ممن يمثلون مختلف المذاهب وعلى أن يستعان بأهل الخبرة والاختصاص (اقتصاديًا, وقانونيًا, وطبيًا, وعلم الاجتماع، وغيرهم مع مراعاة تمثيل المرأة)، وتأسيس هيئة وطنية عليا للأمومة والطفولة13، وإعادة هيكلة اللجنة الوطنية للمرأة14. وأوصت بتمثيل المرأة في "فريق صياغة الدستور" بنسبة %30 على الأقل، وأن يتضمن الدستور نصًا يكفل شغل النساء %30 على الأقل من مقاعد المجالس التشريعية المنتخبة، ومادة تنص على أن "تتخذ الدولة الإجراءات القانونية التي من شأنها تمكين النساء من ممارسة كل حقوقهن السياسية والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة وفقًا لأحكام الدستور"، والتحوّل من النظام الانتخابي الفردي إلى نظام القائمة النسبية المغلقة، بحيث تُ ثَّل المرأة بنسبة %30 في جميع القوائم الحزبية. وأوصى فريق الجيش والأمن بتضمين الدستور القادم مادة تنص على تمكين مشاركة المرأة وتوسيعها في العمل في مجالات الجيش والأمن والمخابرات. وأوصى فريق الحقوق
والحريات بتشكيل هيئة تختص بحماية المرأة والطفل من العنف الاجتماعي والأسري.
على مستوى التنظيمات، فإنّ نتائج مؤتمر الحوار الوطني تصبّ في مصلحة التنظيمات المدنية الحديثة بما فيها الأحزاب السياسية على حساب التنظيمات التقليدية عمومًا، والتنظيمات الأهلية والقبلية بشكل خاص، والتي من المتوقع تراجع تأثيرها في صناعة القرار وصوغ السياسات العامة على المستوى المركزي (الاتحادي) وعلى مستوى الأقاليم. ومن المحتمل أن يتراجع تأثير القوى الإقليمية في صناعة القرار في اليمن بسبب تراجع دور النخب التقليدية اليمنية المؤثرة.
فرص تنفيذ الوثيقة ومعوقاتها
خلال سير أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل، قالت بعض الأطراف إنها لن تكون ملزمة بتنفيذ قرارات المؤتمر. ومع ذلك، فإنّ مثل هذه التصريحات هي - في الحقيقة - مجرد ضغوط لتعظيم المكاسب خلال العملية التفاوضية في المؤتمر؛ فعملية التسوية السياسية في اليمن، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني، تستند إلى ضمانات وضغوط دولية، ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم 2051 الذي سبقت الإشارة إليه. ومن المتوقع أن يصدر مجلس الأمن قرارًا بفرض عقوبات على من يعرقلون التسوية السياسية، وهناك توجهات لتحويل وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل إلى وثيقة دولية15. فضلً عن ذلك، فإنّ هذا الحوار يأتي بعد أن جرّبت جميع القوى السياسية الإقصاء والإبعاد للآخر، وذاقت نتائج الإقصاء والتهميش والإبعاد، وربما باتت مقتنعة بأنّ الضمان الوحيد لعدم الإقصاء هو بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة. هناك مخرجات لا تحتاج سوى إلى يوم واحد لتنفيذها، مثل الإفراج عن المعتقلين، لكنّ الحكومة لم تستطع تنفيذها بسبب انقسامها16. وهناك مخرجات أخرى ربما لن تستطيع الحكومة تنفيذها على المدى القريب بسبب صعوبات مالية؛ مثل تعويض أسر الشهداء والجرحى والسجناء والمخفيين قسريًا، وتعمير المناطق المتضررة من الحروب السابقة، وتأسيس اللجان والمؤسسات والمصالح والهيئات، أو بسبب ضعف مؤسسات الدولة وانقسام الجيش؛ مثل نزع أسلحة المليشيات والجماعات المسلحة غير الرسمية. وهناك قضايا لم تعد مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ملائمة لحلها؛ مثل قضية صعدة التي توسّ ع نقاشها خلال انعقاد المؤتمر، وبعد اختتامه بعدة أيام، بحيث لم تعد قضية خاصة بصعدة، كما لم يعد طرفاها الحكومة وجماعة أنصار الله، بل قضية متعلقة بالمحافظات الشمالية (صعدة، وعمران، وصنعاء، والجوف، وحجة)، ولا أبالغ إن قلت بأنها باتت قضية اليمن بشكل عام، وقضية طائفية بين أطراف كثيرة. لذلك، فعلى الرغم من أنّ المبادئ الدستورية التي خلص إليها المؤتمر كحلول لقضية صعدة، والتي من شأنها إذا ما وجدت طريقها للتطبيق أن تساهم في تحقيق المصالحة الوطنية وضمان حرية الدين والمعتقد وحرية ممارسة الطقوس والشعائر الدينية والتعددية المذهبية، فإنها قد تظل حبرًا على ورق إذا لم تتوافر الإرادة والرغبة في التصالح لدى حركة أنصار الله وخصومها الذين انخرطوا في نزاعات مسلحة خلال الشهور الماضية. لقد اتخذ الرئيس عبد ربه منصور هادي أول خطوة باتجاه تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني عندما أصدر في 27 كانون الثاني/ يناير 2014 قرارًا رئاسيًا بتشكيل لجنة من 22 عضوًا برئاسته، لتقسيم أقاليم الدولة الاتحادية، والتي أقرت في 10 شباط/ فبراير تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، هي: إقليم حضرموت (عاصمته المكلا، ويضم محافظات حضرموت، وشبوة، والمهرة، وسقطرة)، وإقليم سبأ (عاصمته مأرب، ويضم محافظات مأرب، والجوف، والبيضاء)، وإقليم عدن (عاصمته عدن، ويضم محافظات عدن، وأبين، ولحج،
والضالع)، وإقليم الجند (عاصمته تعز، ويضم محافظتي تعز، وإب)، وإقليم أزال (عاصمته صنعاء، ويضم محافظات صنعاء، وصعدة، وعمران، وذمار)، وإقليم تهامة (عاصمته الحديدة، ويضم محافظات الحديدة، وريمة، وحجة، والمحويت.) إلا أنّ هذا التقسيم قد يعقّد القضية الجنوبية بدلً من أن يساهم في حلها من خلال إعادة إنتاج هيمنة الشمال على السلطة التشريعية، فقد نصّت قرارات المؤتمر على أن "يتكون المجلس الاتحادي من عددٍ من الأعضاء لا يزيد على نصف عدد أعضاء مجلس النواب، يتم انتخابهم جميعًا بالاقتراع السري الحر والمباشر بنظام القائمة النسبية على مستوى الإقليم، وبالتمثيل المتساوي بين الأقاليم"17. ويعني هذا أنّ ممثلي الشمال في المجلس الاتحادي سوف يبلغ عددهم ضعف عدد ممثلي الجنوب، ولا سيما في ظل المهمات الكبيرة التي خوّلت لهذا المجلس18، وتنطبق مثل هذه الهيمنة أيضًا على الجمعية الوطنية التي تتكون من الاجتماع المشترك لمجلس النواب والمجلس الاتحادي19، ولا يخفّف من هذه الهيمنة بعض حلول الترضية التي خرج بها المؤتمر؛ مثل إقرار "تمثيل الجنوب خلال الدورة الانتخابية الأولى بعد تبنّي الدستور الاتحادي بنسبة خمسين في المئة في كافة الهياكل القيادية في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما فيها الجيش والأمن، التي يتمّ التعيين فيها بموجب قرارات يصدرها رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء. ويمثَّل الجنوب كذلك بنسبة خمسين في المائة في مجلس النواب"20. وأخيرًا، فإنّ من أهم صعوبات تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ضعف الحامل الاجتماعي لمقررات الحوار، وقوة القوى المحافظة المتضررة من هذه القرارات؛ فالقوى المستفيدة من الوثيقة والداعمة لتطبيقها هي القوى المدنية من الشباب والنساء، ولا تملك التحكم سوى بعدد قليل من الموارد لعل أهمها الإعلام. أما القوى التقليدية المتضررة فتمتلك السلاح والمال والدعم الخارجي والتأثير في رئيس الجمهورية. وعلى الرغم من أنّ سلطة شيوخ القبائل بدأ يعتريها الضعف، فإنّ هذا لم يؤدِ إلى زيادةٍ في قوة القوى المدنية بل صبَّ في مصلحة قوى تقليدية أخرى؛ فضعف مشايخ حاشد مثلً جاء لمصلحة جماعة أنصار الله الحوثية التي باتت قوة كبيرة مسيطرة في المناطق الشمالية.