تونس: العبور إلى الديمقراطية

أنور الجمعاوي

الملخّص

استعاد الرّبيع العربي أنفاسه في تونس بعدما توصّ لت القوى السياسيّة والنقابيّة والحقوقيّة الوازنة في الب داا إلى بلورة جملةٍ من الت وافقات أسهمت في إرساء معالم الجمهورية الثانية، فخطا التونسيّون خطوات مهمّ ة على درب الت أسيس الدّيمقراطي للدّولة. وتجل ى ذلك من خلال ممارستهم مبدأ التداول السّ لمي على السّ لطة، وانتقالهم من الحكم على أساس الشرعيّة الانتخابيّة إلى الحكم على أساس الشرعيّة التوافقيّة، وصوغهم دستورًا جديدًا وضع الب داا في مصاف الدول المتقدّمة من الن احية الت قنينيّة الدّستوريّة على الأقل. لكنّ الت جربة الدّيمقراطيّة الن اشئة تواجهها عدّة تحدّيات اقتصاديّة واجتماعيّة يتعيّن أخذها بعين الاعتبار قصد تلافي مخاطر الارتداد إلى عصر ما قبل الث ورة. نروم في هذه الورقة رصد هذه المشاغل على اختلافها وتناولها بالوصف والت حليل؛ وذلك بالوقوف عند أهمّ خصائص النموذج الانتقالي الت ونسي، وتبيّن أهمّ الصّعوبات التي تواجه هذه الت جربة الوليدة.

مدخل

شهدت تونس مرحلة انتقاليّة فارقة بعد ثورة 17 كانون الأوّل / ديسمبر 2010 - 14 كانون الثاني / يناير 2011؛ فبعد رحيل الرّئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي كان نموذجًا للحاكم المستبدّ، المتفرّد بكلّ السّلطات، المهيمن وحزبه "التجمّع الدّستوري الديّمقراطي" على كلّ الصلاحيّات، انفتح المجال وسيعًا للمواطنين للمساهمة في الشّأن العامّ؛ فانتقل النّاس من عصر الدّولة الأحاديّة إلى عصر الدّولة التعدديّة، وجرى بعد الثّورة، تكوين مئة حزب أو أكثر، فضلً عن إحداث آلاف الجمعيّات الأهليّة والمدنيّة والحقوقيّة. وجرى بعث منابر عدّة للتّعبير والتّفكير، والإعلام على نحو أصبحت معه حرّية الرّأي والتنظّم حقًّا من الحقوق المسلّم بها في دولة الثّورة. لكنّ التوجّه نحو إقرار الحرّيات العامّة والخاصّة، والتخلّص من سطوة الدّولة الشموليّة، واكبه تصاعد موجات الاحتجاج المنظّم أو الفوضوي على أساس خلفيّات مطلبيّة متعلّقة بالتّنمية والتّشغيل والمطالبة بالعدالة الانتقاليّة، وواكبه صراع حادّ بين القوى التوّاقة إلى التّغيير والإصلاح، والقوى البيروقراطيّة التّقليديّة الحريصة على الشدّ إلى الوراء؛ أي الشدّ إلى مرحلة ما قبل الثّورة. وبعد انتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 2011 التي أفضت إلى صعود الإسلامييّن ممثّلين في "حركة النّهضة"، إلى الحكم، وإدارتهم شؤون الدّولة بالشّاكة مع حزبَ "المؤتمر من أجل الجمهوريّة" و"التكتّل من أجل العمل والحرّيات"، احتدم الصّاع بين الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة اللّيبراليّة واليساريّة. وتنافس الفريقان في تحشيد الشّارع ممّ أنتج حالةً من الاستقطاب الثّنائي بلغت أوجها مع اغتيال المعارضيْ شكري بلعيد 6(شباط / فبراير 2013)، ومحمّد البراهمي 25(تموز / يوليو 2013.) وهو ما أثّر سلبيًّا في واقع البلاد الاقتصادي والاجتماعي؛ فتراجع الترتيب السّيادي لتونس، وتدهورت مقدرة المواطن الشرائيّة، وعمّ شعورٌ بالخوف من المستقبل، وساد شكّ في مخرجات الثّورة لدى معظم المواطنين. وأمام خطورة الوضع المشهود ومآلاته غير المأمونة، بدت الطّبقة السياسيّة والحقوقيّة في تونس في مستوى آمال قطاعٍ واسع من المواطنين؛ إذ بعد جولاتٍ طويلة من الحوار الوطني الذي جمع عددًا من الأحزاب السياسيّة، والمنظمّات النقابيّة، والحقوقيّة والمدنيّة، اقتنع الفرقاء بضرورة تحكيم منطق المشاركة بدل المغالبة، وإقرار حكم توافقي لإدارة المرحلة الانتقاليّة المقبلة. وهو ما أشاع في النّفوس شعورًا بالطمأنينة. وجعل النّاس يستعيدون الأمل في غدٍ أفضل. أمل يستمدّ شرعيّته من ثلاثة معطيات: أوّلها نجاح التونسييّن في تكريس قاعدة التّداول السّلمي على السّلطة؛ وثانيها تصديقهم على دستور تقدّمي توافقي؛ وثالثها تشكيلهم حكومة تكنوقراط تؤمّن تسيير المرحلة المقبلة والإعداد لانتخابات تشريعيّة ورئاسيّة في أفق نهاية

التداول السلمي على السلطة

بعد انقضاء ثلاث سنوات على الثّورة، أثبت التونسيّون قدرةً على التّعايش السّلمي، والتّنافس الحضاري على السّلطة. وفي ظرفٍ زمنيّ وجيز، شهدت البلاد تولّ ستّ حكومات زمام إدارة الشّأن العامّ، تعاقبت جميعها على الاضطلاع بالمسؤوليّة في كنف السلّاسة، والقبول بمقتضيات المرحلة الانتقاليّة والفترة التأسيسيّة. فكان تولّ محمّد الغنّوشي زمام الحكومة تفاديًا لمعضلة الفراغ الدّستوري بعد رحيل الدّكتاتور بن علي. وكان تسلّم الباجي قائد السّبسي زمام الحكم تأمينًا لسيرورة المرحلة الانتقاليّة، واستعدادًا لانتخابات 23 تشرين الأول / أكتوبر 2011 التي جرت في كنف الشفافيّة، وشهدت الهيئات الدوليّة بنزاهتها. وأفضت إلى صعود "حركة النّهضة" ذات المرجعيّة الإسلاميّة إلى الحكم لأوّل مرّة في تاريخ تونس. وأبدت الحركة ميلً واضحًا إلى إدارة البلد وفقًا لمقاربة ائتلافيّة تشاركيّة؛ وذلك في إطار ما عُرف بحكومة "الترويكا" الأولى وحكومة "الترويكا" الثانية اللتين جمعتا بين علمانييّن وإسلامييّن أشرفوا على تسيير البلاد في فترةٍ دقيقة من تاريخها. فترة شهدت تزايد وتيرة العنف السياسي، ونسق الاحتجاجات المطلبيّة، وعرفت فيها البلاد هزّات اجتماعيّة واقتصاديّة لم تُفض، على خطورتها، إلى زعزعة كيان الدّولة وفكّ رباط الوحدة الوطنيّة. بل أدّت إلى الدّفع بالفرقاء السياسييّن إلى طاولة الحوار الذي أشرفت على إدارته منظمّات مدنيّة وحقوقيّة ونقابيّة، مثّلت الحراك المجتمعي، وهجست بمطالب المواطنين ورغبتهم في استبدال تجربة الحكم الائتلافي المتحزّب بحكم تكنوقراطي توافقي لا يحتكم إلى نتائج صندوق الاقتراع قدر احتكامه إلى منطق التوافق، وتقديم المصلحة الوطنيّة على المصلحة الحزبيّة. وقد بدا أنّ الأطراف السياسية الحاكمة على عهد "الترويكا" لم تتعامل مع الحكم على أنّه غنيمة لا ينبغي التّفريط فيها، بل تعاملت معه على أنّه تكليف زمني محدود، قابل للتّجديد وللتحديد؛ فلم تتجاهل "الترويكا" بقيادة "حركة النّهضة" الحراك الاحتجاجي الشعبي المعارض لخيارات السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية،

وقبلت بالتنازل عن الحكم وفقًا لما ضبطته خريطة الطريق التي صاغها الرباعي الراعي للحوار1، ولقيت تأييد مكوّنات المجتمع المدني وأغلب الأحزاب السياسية.

وقدّمت "حركة النهضة" نفسها في هذا الإطار في موقع أوّل حزب تونسي يقبل بالتنازل عن الحكم على الرغم من تمثيليته العالية في المجلس التأسيسي 89(عضوًا من مجموع 217.) ومثّل ذلك سابقة في تاريخ تعاطي الإسلاميين مع الحكم في المنطقة العربية. هذا الوعي بأنّ السلطة تكليف لا تشريف، وهذا التعامل مع تجربة الحكم على أنّها تمرين سياسي يحتمل النجاح ويحتمل الفشل، ساهما في فكّ الارتباط مع تاريخ الدولة الكليانية العربية قديمًا وحديثًا. وساهما في إرساخ التداول السلمي على السلطة بوصفه سمة من سمات الدولة الديمقراطية.

دستور توافقي/ تقدّمي

يتبيّ المتابع للشأن التونسي بعد الثورة أنّ صوغ الدستور الجديد للجمهورية الثانية2 لم يكن فعلً فرديًّا، وأمرًا فوقيًّا أو مُنْجَزًا نخبويًّا، بل كان إبداعًا جماعيًّا بامتياز؛ ذلك أنّ التأسيس الدستوري للدولة الديمقراطية المنشودة اقتضى فتح المجال للمواطنين للجدل في محامل المدوّنة الدستورية، والمساهمة في بناء فصولها ولو بطريقة غير مباشرة. وتعدّدت منابر الحوار في الوسائل الإعلاميّة والساحات العامّة بخصوص مسائل خلافيّة شتّى تتعلّق بالحقوق والواجبات، وصلة الحاكم بالمحكوم، وغير ذلك من المسائل وكيفيّات تمثّلها في الدستور. وكان للحوار صدى تحت قبّة المجلس التأسيسي؛ فأمضى النوّاب سنتين ونيف في الصراع على نصّ الدستور مستحضرين مواقف المنظمّات الحقوقية والجمعيّات الأهلية والمنظمّات النقابية، لما لها من ثقل شعبي. وأسهمت لجنة التوافقات التي تشكّلت من رؤساء الكتل السياسية وممثّلين ل 22 حزبًا، في رأب الصدع بين الفرقاء وتحويل الاختلاف إلى وفاق؛ فجاءت روح الدستور مستجيبةً لتطلّعات جلّ التونسيين إلى الحرية والكرامة والعدالة، وإلى دولة القانون والمؤسّسات. وكان الإقرار بالثقة على الصوغ الختامي للدستور بنسبة 92 %؛ فقد صوّت لفائدة الدستور الجديد 200 نائب، واعترض عليه 12، في حين امتنع أربعة نوّاب عن التصويت، على نحوٍ أخبر بإجماع شعبي والتفاف جماهيري حول هذه اللّبنة المهمّة من لبنات بناء صرح الدولة الديمقراطية.

والناظر في متن الدستور يتبيّ في غير عناء شموليّته من ناحية، وطابعه التقدّمي من ناحية أخرى؛ فقد تكوّن من 149 فصلً توزّعت على عشرة أبواب تعلّقت أساسًا بالنصّ على هويّة الدولة ونظامها3، والتفريق بين السلطات التنفيذية والتشريعية4والقضائية5، والإعلاء من قيمة الحرّيات العامّة والخاصّة6، وإقرار مبدأ اللامركزية الإدارية والتنموية7، وتعداد الهيئات الدستورية المستقلّة من هيئة الانتخابات وهيئة الحوكمة الرشيدة8 وهيئة الاتّصال السمعي البصري، وضبط مجالاتها وكيفيّات اشتغالها. فضلً عن إقرار أبواب خاصّة بتعديل الدستور9، وأخرى متعلّقة بالأحكام الانتقاليّة10. ومن ثمّة جاء الدستور ميّالً إلى التفصيل، حريصًا على إرساخ دولة

  1. يتكوّن الرّباعي الرّاعي الحوار من المنظمات الحقوقية والنقابية التّالية: الاتّحاد العام التونسي للشّغل، والاتحاد العامّ التونسي للصناعة والتجارة، وعمادة المحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
  2. انظر: النسخة النهائيّة من دستور الجمهوريّة التونسيّة الجديد، 26 كانون الثاني/يناير
  3. انظر: دستور الجمهوريّة التونسيّة: التّوطئة والفصل الأوّل منه.
  4. المرجع نفسه، الباب الثالث.
  5. المرجع نفسه، الباب الخامس.
  6. المرجع نفسه، الباب الأوّل: الفصل 6/ الباب الخامس الفصل.102
  7. المرجع نفسه، الباب الرّابع: الفصول.139 -137 -136 -134 -133 -132 -131:
  8. المرجع نفسه، الباب السّادس. 9 المرجع نفسه، الباب الثامن، الفصول.144 -143: 10 المرجع نفسه، الباب العاشر.
  9. 2014، على الرابط:
  10. http://www.anc.tn/site/main/AR/docs/constit_proj_26012014.pdf

القانون والحريات؛ فجرى النصّ على حرية التفكير والتعبير، والحق في النّفاذ إلى المعلومة وفي الإعلان والنشر، وتكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات، فضلً عن الحقّ في الاجتماع والتّظاهر السلمييّن وحرية الإبداع والبحث العلمي والأكاديمي. وجرى النصّ على استقلال القضاء والمساواة بين المرأة والرجل، وتثمين ما نصّ عليه دستور 1959 في مجال الأحوال الشخصية. وتجاوز ذلك إلى التشريع للتعدّدية السياسية والثقافية، وتحديد صلاحيّات الرئاسات الثلاث (رئيس الجمهوريّة، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النوّاب) على نحوٍ أسهم في تكريس منطق التوازن بين السلطات، وتعزيز الرقابة القانونية على الحاكم والمحكوم على السواء. وهو ما يدفع نحو الحدّ من سطوة السلطة الفردية أو الحزبية أو الطبقية، ويشرّع لإقامة دولة مواطنيّة، القرار فيها تشاركي، والسلطة الفعلية فيها بيد الشعب الذي يختار ممثّليه، ويرسم مصيره في كنف الديمقراطية والنزاهة.

حكومة كفاءات شابّة

بعيدًا عن الخطاب السياسي الواعد، والشعاراتيّة الفضفاضة، والتحزّب الضيّق، جاء خطاب مهدي جمعة 51(سنة) بمناسبة جلسة منح حكومته الثّقة في المجلس التأسيسي11، موسومًا بالواقعيّة، محاولً القرب من مشاغل التونسييّن، معبّ ا عن وعيٍ حادّ بدقّة الظرف التاريخي الذي تمرّ به البلاد في مرحلة الانتقال الديمقراطي. وبدا واضحًا أنّ المعايير التي احتكم إليها الرجل في اختيار فريقه الحكومي تتمثّل أساسًا في توفّر ثلاثة شروط، هي: الكفاءة، والحياديّة، والنجاعة؛ فالوزراء الجدد من التكنوقراط الذين يقفون على مسافة واحدة من القوى السياسية الفاعلة، وهم من أصحاب الشهادات العليا من ذوي الخبرة في مجال اختصاصهم، وفيهم الكثير من الوجوه الشابّة المتحفّزة للعمل، والتوّاقة إلى تقديم الإضافة. واختيار أعضاء الحكومة بهذه الطريقة، بعث برسائل طمأنة إلى مكوّنات المجتمع المدني، وأدّى إلى تخفيف وتيرة الاحتقان السياسي، وتجاوز مرحلة الاستقطاب الثنائي بين السلطة الحاكمة والأحزاب المعارضة. وهو ما أفضى إلى حالة من الارتياح لدى معظم الناس بعد ما رافق مرحلة ما بعد الثورة من إحساس باللايقين والتوتر؛ فأتاح تكوين حكومة من غير المتحزّبين الفرصة لاستعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وسمح بتوظيف كلّ المساعي الوطنية في البناء الديمقراطي لمؤسسات الدولة، فضمنت الحكومة الجديدة أكبر قدرٍ من الالتفاف الشعبي حولها، وفازت بأغلبية مريحة في المجلس التأسيسي 149(صوتًا مؤيّدًا، و 20 صوتًا معترضًا، و 24 صوتًا محتفظًا.) وضمنت تأييد الرباعي الراعي للحوار الوطني وفي مقدّمته الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لم يعترض على التشكيلة الوزارية الجديدة، ودفع نحو الهدنة الاجتماعية والمطلبية في المرحلة المقبلة. وبالتوازي مع ذلك، تراجعت حدّة الخطاب الإعلامي، وجرى الانتقال من خطاب التحريض إلى خطاب المصالحة الوطنية. وقد كان لهذا التحوّل النوعي في المسارين الدستوري والحكومي الأثر المباشر في الحياة الاقتصادية؛ فتحسّنت مؤشّات البورصة في تونس سريعًا، وأعربت الهيئات الماليّة الدوليّة وفي مقدّمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عن استعدادها لتقديم مساعدات لتونس تأييدًا للمسار التوافقي والانفراج السياسي المشهود. لكنّ ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أنّ الحكومة الجديدة خصوصًا، والطبقة السياسية عمومًا، تواجه عدّة تحدّيات.

المرحلة المقبلة: أولويّات وتحدّيات

على الرغم من أنّ حكومة مهدي جمعة هي حكومة انتقاليّة تكنوقراطية، مكلّفة بمهامّ تقنيّة محدودة، فإنّ ذلك لا يمنع من أنّها حكومة مسؤولة، تتجاوز مهمّتها دور تصريف الأعمال لتضطلع بدور الحكومة الفاعلة التي تمارس كلّ صلاحيّاتها، وهي مطالبة بحلّ عدّة ملفّات، ورفع عدّة تحدّيات يواجهها الاجتماع التونسي في السنة الرابعة للثورة. ومن أهمّ أولويّات الحكومة الوليدة، تهيئة الظروف الأمنيّة والسياسية الملائمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرّة ونزيهة في أفق شهر كانون الأول / ديسمبر 2014. وهو مطلب عزيز لا يتحقّق إلاّ بتجديد الإدارة المشرفة على الانتخابات في المحافظات والهيئات الجهوية، ومواجهة المال السياسي الفاسد الموظّف لشراء

  1. انظر: كلمة رئيس الحكومة المكلّف مهدي جمعة أمام نوّاب المجلس التأسيسي، على الرابط: http://www.zoomtunisia.tn/article/81335

ذمم الناخبين، ومواجهة كلّ أسباب الضغط والترهيب المفروض على المواطنين من هذا الطرف السياسي أو ذاك.

وفي السياق نفسه، فإنّ مكافحة الجريمة المنظّمة عمومًا ومكافحة الإرهاب خصوصًا تُعدّ من أولويّات حكومة مهدي جمعة؛ ذلك أنّ استتباب الأمن سببٌ من أسباب تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وشكلٌ من أشكال التعبير عن حضور الدولة، وقدرتها على إدارة شؤون الناس، وعلى المحافظة على الممتلكات العامّة والخاصّة. من هنا فإنّ الإمساك بزمام المبادرة في مواجهة التيّارات المتطرّفة والجماعات التكفيرية يقتضي رسم خطط أمنيّة محكمة، وإستراتيجيّات ثقافية عقلانية للتوقّي من الإرهاب والتطرّف أيًّا كان مأتاهما وأيًّا كان شكلهما. وهذا يقتضي بدوره في مقامٍ أوّل إعادة ترتيب العلاقة بين المواطن ورجل الأمن بوصفه فاعلً مدنيًّا ضامنًا للأمان، وحارسًا للسلم الأهلي ولمكوّنات المجتمع ومؤسّساته. وفي المسار نفسه من الضروري توظيف قنوات تشكيل الوعي (وسائل الإعلام، والبرامج التعليمية والتربوية، ودور الثقافة) والمنابر العلمية ومراكز البحث في نشر ثقافة المواطنة، وإرساخ روح التسامح والاعتراف بالآخر، وتكريس منطق الاعتدال والتعدّد بدل الغلوّ والتطرّف. وتبقى العمليات الإرهابيّة، على الرغم من جهود المؤسسة الأمنيّة في تعقّبها ومحاصرتها، خطرًا داهمً، وتحدّيًا كامنًا يهدّد السلم الاجتماعي، وينذر بإرباك المسار الانتقالي في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ البلاد. ويُفترض أن تنتهج السلطات سياسة استباقية تكشف بمقتضاها جيوب الجماعات المتطرّفة قبل أن تنجح في إيذاء المواطنين والإساءة لهيبة الدولة. لكنّ المعالجة الأمنيّة لمعضلة الإرهاب تبقى غير مجدية ما لم تعضدها جهود بحثيّة تفهّمية معمّقة، تسعى إلى تحليل الظاهرة، وإدراك كيفيات إنتاجها وسبل مواجهتها بطريقة علمية تعيد تكوين العقول، وإصلاح الأفكار، وترشيد مناهج التربية بدل الاحتكام إلى سلطة الزناد عند الضرورة. وتواجه الحكومة الجديدة على الصعيد الاجتماعي عدّة تحدّيات، لعلّ أهمّها معضلة انتشار البطالة بين أصحاب الشهادات العليا %15.7()، ومشكلة تزايد نسبة الفقر 25(%)، واتّساع البون بين الطبقات الاجتماعية (الأغنياء والفقراء)، وانحسار الطبقة الوسطى، والتفاوت الجهوي والتنموي بين المحافظات، بخاصّة ما تعانيه المناطق الداخلية من تهميش استمرّ على مدى عقودٍ طوالَ دولة الاستقلال. وهو ما يجعل الحكومة الجديدة معنيّة برسم خطط واضحة لدعم سياسة التشغيل وتكريس اللامركزية التنموية والعدالة الاجتماعية، والعمل على تحسين مقدرة المواطن الشرائيّة، والحدّ من ارتفاع الأسعار. أمّا على الصعيد الاقتصادي، فإنّ نسبة النموّ خلال الفترة الانتقالية لم تتجاوز %2.6 مع موفّ سنة 2013، وذلك بحسب التقرير الصادر عن البنك الدولي يوم 2 كانون الأول / ديسمبر 2013، والذي يشير إلى أنّ نسق النموّ بطيء في تونس بعد الثورة. ويفسّ ذلك بعدّة أسباب، من بينها انعدام الرؤية السياسية، والأحداث الأمنيّة التي أضرّت بالسياحة التونسية، وانعكست سلبيًّا على الاستثمار الأجنبي، فضلً عن استمرار النموّ ضعيفًا في بلدان الاتحاد الأوروبي12 الذي يُعدّ شريكًا رئيسًا لتونس على الضفّة الأخرى من المتوسط. هذا إلى جانب تدهور الأوضاع الأمنيّة والسياسية في ليبيا، وتصاعد عمليّات العنف، وهو ما أثّر في العلاقات الاقتصادية بينها وبين تونس التي لم تخْل بدورها من إضرابات احتجاجية مطلبية ساهمت في تعطيل عددٍ من المشاريع الاقتصادية، ولم تُغْر المستثمرين بالإقبال على بعث مشاريع جديدة في البلاد. هذه التحدّيات تقتضي من الفريق الحاكم اتّخاذ إجراءات عاجلة لتحريك عجلة الاقتصاد وتشجيع الباعثين الشبّان، واستقطاب المستثمرين من الداخل والخارج. وإعادة الثقة إلى المتدخّلين وشركاء تونس التجاريين التقليديين، والعمل على تقليص الضغوط على ميزانية الدولة بسبب تنامي النفقات؛ وذلك باعتماد حوكمة اقتصادية رشيدة، ومكافحة كلّ أسباب الفساد

  1. راجع تقرير صندوق النّقد الدّولي بتاريخ 2 كانون الأول/ديسمبر 2013، إثر زيارة فريق له إلى تونس: “ Statement by the IMF Mission at the End of a visit to Tunis”, Press Release No. 13/482, IMF (December 2, 2013), http://www.imf.org/external/np/sec/pr/2013/pr13482.htm

الإداري وظواهر التهريب13 والتجارة الموازية14، مع السعي إلى رفع مستوى الإنتاج والإنتاجية، وكسب معركة التنافسيّة في الأسواق العربية والأوروبية. كما أنّ حكومة مهدي جمعة مطالبة بإعادة جدولة الديون والتخفيض في نسبة التضخّم المالي ومراجعة ميزانية 2014، وفقًا لما يقتضيه مشروع التوازن بين الجهات، وبعث مشاريع تنموية واستثمارية في مناطق الظلّ تساهم في توطين السكّان ضمن تلك المناطق، وفتح المجال لخطط تشغيلية جديدة. ومن المهمّ في السياق ذاته توسيع الشراكات الاقتصادية وتنويعها، وتخفيف العبء الجبائي عن الفئات المتوسطة والصغيرة من ذوي الدخل المتدنّ. وعلى الرغم ممّ أحدثته بادرة التوافق على إدارة حكومة غير حزبية لشؤون البلاد من مؤشّات إيجابية، من قبيل ارتفاع أسهم البورصة15 وانتعاشة الدينار التونسي وتراجع نسبة التضخّم المالي16، وتعبير الجهات المانحة عن استعدادها لدعم مسيرة الانتقال الديمقراطي17 السلس في البلاد، فإنّ ذلك لا يمنع من تأكيد أنّ مراجعة السياسات الاقتصادية18 وتطويرها، تبقى من أهمّ أولويّات المرحلة القادمة ومن أبرز تحدّياتها. وفي ما يخصّ المسألة الحقوقيّة، فإنّ الالتزام بمحامل المدوّنة الدستورية الجديدة والمحافظة على مكاسب الثورة وفي مقدّمتها حماية الحريات الفرديّة والعامّة، وضمان حقّ النفاذ إلى المعلومة، وتطبيق قانون العدالة الانتقاليّة، وإعادة الاعتبار للمساجين السياسيين وضحايا الاستبداد، واتّخاذ خطوات عملية جريئة على درب المحاسبة والمصالحة، يبقى من أوكد الاستحقاقات التي يتعيّ كسبها في المرحلة المقبلة حتّى تُطوى صفحة الماضي الاستبدادي، والتوجّه نحو إقامة دولة الحقّ والواجب وجمهورية القانون والمؤسّسات. تلك تحدّيات على صعوبتها، يبقى تجاوزها ممكنًا؛ إذا وجدت الإرادة السياسية، وتكاتفت جهود مكوّنات المجتمع المدني والمنظمّات النقابية، وعمّ الإحساس بتقديم الصالح العامّ على الصالح الحزبي أو الفردي أو الفئوي.

استنتاجات

من خلال ما سبق، يمكن أن نخلص إلى جملةٍ من الاستنتاجات: لقد دشّنت تونس مرحلةً جديدة من مراحل الانتقال إلى الدولة الديمقراطية. وكان جسر العبور إلى تلك المرحلة متمثلّا في قبول الاختلاف، وقبول التحاور، والارتكان إلى التوافق. أصبح الحكم بعد الثورة تجربة سياسية نسبيّة مفتوحة على التداول، وقابلة للتغيير والتجديد والتحديد؛ بحسب مقتضيات اللحظة التاريخية (الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية) التي ينتمي إليها الشعب التونسي. لم يكن التأسيس الدستوري للدولة في التجربة الانتقاليّة التونسية، أمرًا فوقيًّا أو منجزًا فرديًّا أو حزبيًّا، بل كان إبداعًا تفاعليًّا مواطنيًّا جمعيًّا، ساهمت في صوغه المنظمّات الحقوقية والنقابية والأهليّة والسياسية المكوّنة للمجتمع المدني.

  1. انظر: محمد بن رجب، "التهريب يستنزف الاقتصاد التونسي"، 13 إيلاف، 2014/2/12، على الرابط: http://www.elaph.com/Web/Economics/2014/2/876481.html?entry=Tunis - انظر أيضًا: "في دراسة للبنك الدولي حول التهريب والتجارة الموازية في الحدود التونسية الليبية والجزائرية: مليارات في السوق السوداء والحديد والبنزين والسجائر والملابس تورس والإلكترونيك تسافر بلا رقيب"،، 2014/1/30، على الرابط: http://www.turess.com/attounissia/112165
  2. انظر: "البنك العالمي يقدر حجم التجارة الموازية في تونس ب 1.8 المصدر مليار"،، 2014/2/1، على الرابط: http://shababunity.net/show.php?id=330712
  3. انظر: "تونس: المصادقة على الدستور ساهمت في انتعاشة البورصة التونسية"، 15 تورس، 2014/1/27، على الرابط: http://www.turess.com/arrakmia/123147
  4. انظر: "تونس: ارتفاع قيمة الدينار التونسي.. تراجع نسبة التضخم المالي"، 16 المصدر، 2014/2/13، على الرابط: http://goo.gl/PYUp7C
  5. انظر: "مؤسّسات ماليّة دوليّة تعبّ عن استعدادها لمواصلة دعم مسار الانتقال ويب رادار الديمقراطي في تونس"،، 2014/2/14، على الرابط: http://webradar.me/71226760 انظر أيضًا: "البنك الدولى يؤكد استعداده لمساندة تونس بعد إقرار الدستور الجديد"، -اليوم السابع، 2014/1/30، على الرابط: http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=1481139
  6. للاطلّاع على تفاصيل الوضع الاقتصادي في تونس، راجع آخر تقارير صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص: -“ Tunisia: Letter of Intent, Memorandum of Economic and Financial Policies, and Technical Memorandum of Understanding”, IMF , (January 28, 2014), http://www.imf.org/External/NP/LOI/2014/TUN/012814.pdf -“ Tunisia: First and Second Reviews Under the Stand-By Arrangement, Request for Waiver of Applicability and Nonobservance of Performance Criteria”, IFM , (February 12, 2014), https://www.imf.org/external/pubs/cat/longres.aspx?sk=41331.0 - IMF Executive Board Completes First and Second Reviews Under the Stand- By Arrangement for Tunisia and Approves US$ 506.7 Million Disbursement, Press Release No.14/32/, IFM , (January 30, 2014), http://www.imf.org/external/np/sec/pr/2014/pr1432.htm

إنّ التحوّل نحو الديمقراطية الوفاقية والقبول بمنطق المشاركة لا المغالبة لم يكن فعلًاعتباطيًّا أو عملً عفويًّا، بل كان نتيجة وعي مسؤول لدى النخب السياسية والثقافية والنقابية، ولدى الأطراف الحاكمة (الترويكا) التي قبلت بمنطق التعايش، والتنافس السلمي على السلطة. محافظة المؤسسة العسكريّة في تونس على الحياد، وهو ما أسهم في استمراريّة السيرورة السلمية نحو الديمقراطية. إنّ تجربة التمرّد في مصر، وما آلت إليه من حكم عسكري وصراع دموي على السلطة، واستعادة للدكتاتورية، لم تُغْر التونسيين بتغيير النظام الحاكم بالقوّة، بل شجّعتهم على الاحتكام إلى الحوار بديلً عن العنف، وهو ما أمّن الانتقال السلمي للسلطة، وضمن العبور إلى الديمقراطية.

إنّ ما رافق الإعلان عن الدستور التونسي من مشاهد احتفاليّة جماعية، يخبر بأنّ التأسيس الديمقراطي للجمهورية الثانية فعلٌ جلل، ومنجز مواطني يلتفّ حوله الناس، ويمكن أن يكون سببًا من أسباب الوحدة الوطنية. ومن المهمّ في المرحلة المقبلة الانتقال بالدستور من حيّز التدوين إلى حيّز المأسسة، ومن طور التنظير إلى طور التطبيق، ومن مستوى العموم إلى فضاء التفصيل والتدقيق الإجرائي. ومن المهمّ أن يصبح الدستور مكوّنًا حيويًّا من مكوّنات الهويّة الجمعية، وأساسًا من أسس البناء الديمقراطي؛ "فالامتحان الثاني هو تحويل الدستور إلى جزء من الهويّة الوطنية، مثل إعلان الاستقلال وغيره. وهو ما يضمن نبذ أيّ محاولة للانفلات منه أو عدم تطبيقه"19، على حدّ تعبير عزمي بشارة. إنّ التجربة الانتقاليّة في تونس فنّدت المصادرة القائلة بأنّ العرب غير مؤهّلين لممارسة الديمقراطية والرأي القائل بأنّ التحوّل من الدولة الدكتاتورية إلى الدولة المواطنية أمر مؤجّل في السياق العربي؛ فقد أثبت الحراك الاجتماعي والسياسي في المشهد التونسي أنّ الانتقال إلى الديمقراطية أمرٌ عسير، لكنّه ممكن.

على الرغم من أهمية المنجز الدستوري والتوافق السياسي المشهود في تونس اليوم، فإنّ ذلك غير كافٍ لضمان نجاح المسار الانتقالي وتحقيق الاستقرار المطلوب؛ فمن المهمّ رفد الجهد الديمقراطي بنقلة نوعيّة على المستوى الاقتصادي يجري معها إتاحة الحدّ الأدنى من ضرورات العيش الكريم لجموع المواطنين، وإلاّ فستظلّ تونس في مهبّ الهزّات الاحتجاجيّة والانتفاضات الشعبية التي قد تعصف في أيّ لحظة بجملة ما تحقّق من إنجازات على درب الديمقراطية؛ فالاعتزاز بالحكم التوافقي يجب أن لا يحجب النظر عن ضرورة كسب رهان التنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة. قطعت تونس مع التاريخ السياسي للدولة الشموليّة العربية. فهل تنسج بقية دول الربيع العربي على منوال النموذج التونسي؟