مسارات "الربيع المغربي" ومآلاته

الحسن مصباح * - محمد مصباح

الملخّص

لت حركة  فبراير لحظة فارقة شك 20 في التاريخ السياسي للمغرب المعاصر، دفعت النظام الحاكم إلى القيام بعملية إصلاح سياسي والتنازل عن بعض صلاحياته، إلا أنها هي نفسها لم تحصل على مكاسب تذكر. تسلط هذه الدراسة الضوء على مسار الحراك الشعبي الذي عاشه المغرب خلال سنة 2011، والذي اضطلعت فيه حركة 20 فبراير بدور بارز؛ وذلك من خلال تحليل مكونات الحركة ومراحل تطورها وأفولها، إضافة إلى تقديم عناصر لتفسير الكمون والتراجع الذي عرفته أشهرًا بعد انطلاقتها، وهي متعلقة، أساسًا، ببنية الفرص المتاحة سياسيًّا واجتماعيًّا، ولا سيما طبيعة النظام السياسي وموقف الفاعلين الأساسيين، والمناخ الإقليمي والدولي، ثمّ بمسألة التأطير الاجتماعي للحركة وحدود القدرة على إحداث صدىًاجتماعي واسع في صفوف الفئات الاجتماعية الفقيرة والهشة، وتسويق خطابها، عوًااة على بعض الصعوبات المتعل قة ببلورة هوية مشتركة قادرة على توحيد المكونات المتناقضة الموجودة داخلها.

"حركة 20 فبراير" والخصوصية المغربية في تدبير الاحتجاج السياسي

مقدمة

عرف المغرب مثله مثل بلدان عربية عديدة، ميلاد حركة احتجاجية ارتبطت بما سُمِّي "الربيع العربي"، لكنها ستعرف في هذا البلد مسارًا مختلفًا عن مسارات الكثير من الدول العربية؛ إذ إنّ الحركة الاحتجاجية المغربية لم تُؤدِّ إلى قيام انتفاضة شعبية كبيرة تُسقط النظام السياسي القائم في البلاد، كما هو الحال في تونس ومصر، ولم تُوأَد في مهدها، كما هو الحال في الجزائر، البلد المجاور. وعليه، لم تكن ربيعًا ولا خريفًا، بل كانت شتاءً مطيرًا، لا يمكن التنبؤ بنتائجه قبل موسم الحصاد. ونتيجة هذا الحراك، عرف المغرب مجموعة مبادرات سياسية ذات نَفَس إصلاحيٍّ لبِنْية النظام السياسي، لكنّ تأثيرها الواقعي لا يمكن الحكم على نتائجه بعدُ. إنّ شتاء المغرب يؤكِّد مقولة "الاستثناء المغربي" في تدبيره لمساره السياسي منذ أمد طويل. غير أنه استثناء ضمن سيرورة التحرُّر المشتركة التي عرفتها المنطقة العربية. فالمغرب جزء من النسيج العربي، إلا أنه يتميز بألوانه الخاصة التي صنعتها تراكمات سياسية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي المغربي، وتاريخ تَشكُّله ضمن جغرافية خاصة من حيث كونه يمثّل أقصى الجناح الغربي للمنطقة العربية. نحن، إذن، أمام هوية خاصة تشكَّلت ضمن علاقات انفصال واتصال مع المحيط العربي والإسلامي، ومع المحيط الدولي. فالمغرب عرف استقلالً عن صراعات المذاهب والقوميات والشُّعوبيات التي عرفها المشرق العربي؛ ذلك أنه عرف وحدةً مذهبيةً، جسَّدها احتلال المالكية منذ زمان طويل للفضاء الديني المحلِِّّ، بمحتواه الفقهي والعقدي. كما تبنى المغرب، نتيجة تعرُّضه للاستعمار الفرنسي، مساراتٍ فكريةً وسياسيةً جعلته مميَّزًا من أمثاله من دول المشرق التي تعرَّضت للاستعمار البريطاني. فاختلاف طبيعة المشروعَيْ الاستعماريَّيْ كان له تأثيره من جهة أنّ الاستعمار الفرنسي، بخلاف البريطاني، ذو نزعة استئصالية لثقافات الشعوب التي استعمرها، ورغبة جَمُوح في إحلال قِيَمه وثقافته ولُغَته. فالإشكال اللغوي الذي مازالت تعيشه الدول المغاربية اتَّخذ أبعادًا ثقافيةً وحضاريةً لم تُحسَم إلى يومنا هذا، على الرّغم من مرور أكثر من نصف قرن على جلاء الاستعمار الفرنسي. وقد ساهم في صنع هذا التمايز، أيضًا، نظام مَلكَي متجذِّر في تربة البلد منذ قرون متتالية، وهذا ما منح المؤسسة المَلَكية هامش حرِّية أوسع للتعامل مع الأحداث الجارية، وثقةً بقدرتها على تجاوز الأوضاع الحرجة أيضًا1. إنّ مُدارَسة تجربة "حركة 20 فبراير"، وهي عنوان الحركة الاحتجاجية المغربية، تقتضي حذرًا منهجيًّا في مواجهة الخطابات السائدة خصوصًا، والحركات الاحتجاجية الشبابية عمومًا. فعلى الرغم من تقاطع "حركة 20 فبراير" مع بعض سمات هذه الحركات الشبابية الجديدة في العالم العربي، بوصفها مَعْلمً تاريخيًّا واجتماعيًّا للدلالة على هوية شبابية جديدة تمثّل جيلً جديدًا في طور التَّشكُّل2، فإنّ عملية المقارنة بينها وبين مثيلاتها العربية "(حركة كفاية"، و"شباب 6 أبريل" في مصر، على سبيل المثال) لا يمكن لها أن تَسلَم من عيوب منهجية، إذا لم تُراعَ خصوصيات هذه البلدان من حيث علاقة هذه الحركات بنسيج المجتمع السياسي، وطبيعة العلاقات بين مكوِّنات "الجماعة الوطنية" من جهة، وطبيعة المؤسسات الحاكمة من جهة أخرى3. لقد ساهمت "حركة 20 فبراير" مساهمةً بارزةً في تحريك البِ ك الآسنة في المجال السياسي المغربي، عبر فتح نافذة أمام جيل جديد من حركات الاحتجاج السياسي السلمي التي تُركِّز على إعادة تقسيم السلطة والثروة تقسيمً عادلً، متجاوزةً في ذلك منطق حركات الاحتجاج التقليدية؛ مثل حركة المعطَّلين، وبعض النقابات العمالية التي تقتصر حركيتها على مطالب قطاعية جزئية. إلا أنها، على الرغم من ذلك، لم تمتلك الطاقة التحويلية الكافية لإحداث نقلة نوعية للتراكم الشعبي من الاحتجاج في الشارع من شأنها أن تؤدِّيَ إلى

  1. Lisa Anderson, "Absolutism and the Resilience of Monarchy in the Middle East", Political Science Quarterly, vol. 106, no. 1 (Spring, 1991), pp.
  2. Thierry Desrues, "Moroccan Youth and the Forming of a New Generation: Social Change, Collective Action and Political Activism", Mediterranean Politics, vol. 17, no. 1 (2012), pp. 23- 40.
  3. انظر مثلً دراسة آنيا هوفمان وكريستوف كونيج بشأن إستراتيجيات التأطير عند "حركة 20 فبراير:" Anja Hoffmann & Christoph König, "Scratching the Democratic Façade: Framing Strategies of the 20 February Movement", Mediterranean Politics, vol. 18, no. 1 (2013).

حركة اجتماعية جماهيرية4؛ لأنّ بنية الفرص السياسية5 التي حملتها رياح التغيير في المنطقة لم تكن كافيةً لإنجاز التغيير المنشود. وما نلحظه اليوم هو تراجع أدائها كثيرًا، حتى أنها لم تعدْ فاعلً مؤثِّرًا في السياسات، بل إنها اليوم تصارع من أجل البقاء فقط. لقد استعاد النظام السياسي المغربي بسرعة زمام المبادرة عبر حزمة إصلاحات فوقية. فبعد ثلاثة أسابيع من انطلاق تظاهرات 20 فبراير، أعلن العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب له مُوجَّه إلى الشعب المغربي يوم 9 آذار / مارس 2011، عن تعديل دستوري جديد، حدَّد سلفًا عناوينه الكبرى، وآليات صياغته، وجدوله الزمني، عبر لجنة عيَّنها شخصيًّا، كما أنّ ترؤُّس حزب العدالة والتنمية للحكومة، منذ نهاية سنة 2011، ساهم في امتصاص الغضب الشَّعبي في بدايته، وأدخل حركة 20 فبراير في حالة من الانتظارية أدَّت إلى خمولها. وهذا ما سيجري التَّطرُّق إليه على نحوٍ تفصيلي في المحاور المقبلة. هذا "الاستثناء المغربي" في خضم الربيع العربي يطرح علينا جملة من الأسئلة يمكن صوغها في ما يلي: لماذا لم تتمكن "حركة 20 فبراير" في المغرب من حشْد الدعم الشعبي وتعبئة مختلف النُّخب والقوى السياسية والأهلية؟ ما هي العوامل المؤسسية والذاتية التي أدَّت إلى وَأْد "الثورة" في المغرب؟ هل للأمر علاقة بطبيعة البيئة السياسية والاجتماعية، وبِنْية الفرصة المتاحة (هوامش التغيير) في المغرب؟ هل له علاقة بطبيعة الحركة، من حيث مكوِّناتها السياسية، والأهلية، ومفردات خطابها، وأدواتها التعبوية؟ إنّ هذه الورقة المصوغة بعد مرور ثلاث سنوات على الحدث، تسعى - مستفيدةً من هذا الفاصل الزمني وما يتيحه من إمكانية التخلُّص من انفعالات اللحظة "الثورية" - إلى لمِّ شتات الرأي في الموضوع، وذلك انطلاقًا من الافتراضين الآتيين: الافتراض الأول يتعلق ببنية الفرص المتاحة التي لم تكن مساعدةً على تعبئة واسعة من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وفي هذا السياق تدخل عدّة معطيات حاسمة؛ ضِ منها: طبيعة النظام السياسي، والوضع الاقتصادي، وموقف الفاعلين الأساسيين، والمناخ الإقليمي والدولي. الافتراض الثاني يرتبط بحدود قدرة الحركة على إحداث صدى اجتماعي واسع في صفوف فئات اجتماعية واسعة، ولا سيما في صفوف الفئات الفقيرة والهشة، ومحدودية تسويق خطابها، وهذا راجع إلى طبيعة "حركة 20 فبراير" من حيث المكوِّنات والشعارات والخطابات؛ فبسبب تعدُّد مكوِّناتها ومنطق اشتغالها السياسي، لم تستطع الحركة بلورة هوية مشتركة قادرة على توحيد المكوِّنات المتناقضة الموجودة داخلها.

، "حركة أولا 20 فبراير:" من الظهور إلى الأفول

مع انطلاق الانتفاضات العربية، ومباشَةً بعد تنحِّي كلّ من زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، عن الحكم، عرف المغرب ديناميةً سياسيةً جديدةً، صنعتها دعوات لمجموعة من الشباب المغربي عبر شبكة الفيسبوك، للاحتجاج، والتعبير عن حالة السخط المتنامي إزاء السياسات المتَّبَعة. وستجد هذه الدعوة سندها الأساسي في استجابة مجموعة من الهيئات المدنية والسياسية المعارضة6، وخصوصًا غير الممثلة في البرلمان وغيره من المؤسسات الرسمية والتمثيلية؛ مثل اليسار الجذري، و"جماعة العدل والإحسان." فلقد أتاحت أحداث الربيع العربي فرصةً سياسيةً للقوى التي كانت على هامش مؤسسات التأطير الاجتماعي لاكتساب مواقع مجتمعية جديدة، لو أنها أحسنت استغلال ممكنات اللحظة التاريخية.

"حركة 20 فبراير:" الخطاب والمكوِّنات

لقد أخذت الحركة اسمها من تاريخ أُولى مسيراتها الاحتجاجية التي نظَّمتها يوم 20 شباط / فبراير 2011، واستطاعت فيها تعبئة

  1. J. Craig Jenkins, "Resource Mobilization Theory and the Study of Social Movements", Annual Review of Sociology , vol. 9 (1983), pp. 527- 553.
  2. David S. Meyer & Debra C. Minkoff, "Conceptualizing Political Opportunity", Social Forces , vol. 82, no. 4 (June, 2004), p. 1458.
  3. قررت 20 هيئةً حقوقيةً مغربيةً دعْم الحركات الاحتجاجية التي دعا إليها شباب الجزيرة نت ناشطون، عبر الفيسبوك يوم 20 شباط/ فبراير 2011، على الرابط،: http://www.aljazeera.net/news/pages/419e8c47-3b25-45a5-9364- 85d68a1e4c4a "حركة 20 فبراير" والخصوصية المغربية في تدبير الاحتجاج السياسي

آلاف المحتجِيّن في عشرات المدن والقرى المغربية7. وقد طفَت هذه الظاهرة على السطح، أوّلَ مرة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة الفيسبوك، لتنتقل بعدها من العالم الافتراضي إلى شوارع المملكة خلال أيام الأحد، يوم العطلة الأسبوعية الرسمية في المغرب. ولقد ساهمت موجة الاحتجاجات التي قام بها آلاف الشباب المغاربة منذ 20 شباط / فبراير 2011 في إعادة إطلاق النقاش العمومي المتعلق بموقع هذه الفئة العمرية، وأوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع المغربي8. فقد ركّز خطاب "حركة 20 فبراير" على مضامين متنوعة تتراوح بين حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والاستبداد؛ إذ شكَّلت هذه المبادئ والقيم نقطًا مشتركةً بين مكوِّنات الحركة، وقد اشتركت القوى الإسلامية واليسارية في مطلب محاربة اقتصاد الرّيع والامتيازات المَلَكية في المجال الاقتصادي، إلى جانب نقدٍ لاذعٍ لرموز النظام. إنّ نقد رموز النظام شكَّل أحد العناصر المشتركة التي وحَّدت بين مكوِّنات الحركة المختلفة، ولعلها النقطة الوحيدة التي وقع عليها إجماع داخلي؛ ذلك أنّ مسيرات الحركة ستعرف عددًا من الشعارات، والصور، والمجسَّ مات التي تنتقد المحيط المَلكَي انتقادًا واضحًا لاذعًا، وخصوصًا الرَّجلَيْ المقرَّبَيْ من الملك اللذيْن نالَ الحصة الكبرى من الانتقادات المباشرة، وهما محمد منير الماجدي، الكاتب الخاص للملك الذي يدير استثمارات العائلة المَلَكية بالمغرب؛ بوصفه رمز الفساد الاقتصادي، وفؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدَب في وزارة الداخلية سابقًا، والمستشار الحالي للملك؛ بسبب ما يمثّله من رمزية للتسلُّط السياسي. ومن حسن حظ شباب "حركة 20 فبراير" أنّ أحداث الربيع المغربي تزامنت مع تسريب "ويكيليكس" وثائق تحدَّث بعضها عن وجود فساد داخل المحيط المَلكَي9، إضافةً إلى صدور كتاب الملك المفترس10 الذي يتحدث فيه الكاتبان الفرنسيان، كاثرين غراسيي وإريك لوران، عن الثروات التي تمتلكها العائلة المالكة. وعلى الرغم من أنّ الكتاب ممنوع من التوزيع في المغرب، فقد عرف انتشارًا واسعًا على الإنترنيت، كما تُرجِم إلى العربية، ووُزِّع إلكترونيًّا، وهو ما قوَّى من حجج بعض المناضلين للرفع من سقْف مطالبهم. إنّ هذه الدينامية الاحتجاجية التي ولَّدتها "حركة 20 فبراير"، عرفت حالة من الفتور المتسارع، نتيجة تفجّر تناقضات هذه الحركة على مستوى الخطاب، وعلى مستوى تدبير التَّمثيليَّات ضمنها. فاختلاف المرجعيات السياسية والثقافية لمكوِّنات هذه الحركة سيؤثِّر سلبيًّا في سيرورتها الاحتجاجية. أمَّا الشعارات النُّخبوية التي رفعتها المكوِّنات "الحداثية" للحركة، فعلى الرغم من هامشيتها ضمن فعاليات "حركة 20 فبراير"، وعداء اليسار الجذري ضمنها لما كان يسميه الأحزاب الإصلاحية، فإنّ ذلك سيحدّ من القدرات التعبوية لهذه الحركة. فلقد رفعت "الحركة البديلة للدفاع عن الحريات الفردية" المعروفة بحركة "مالي" شعار الحريات الفردية، وحرِّية المعتقَد، وحقّ المرأة في التمتُّع بالجسد، والنوع الاجتماعي، والدفاع عن الشذوذ الجنسي. في حين ركّزت التيارات الأمازيغية على مطلب تعزيز الهوية الأمازيغية في المجال العامّ، والترسيم الدستوري لها. أمَّا الجمعيات الحقوقية فقد بقيت أسيرةً لملفاتها الحقوقية. زيادةً على ذلك، فإنّ رغبة اليسار الجذري في احتكار فعاليات الحركة، خوفًا من انحرافها عمَّ تعدُّه مسارها الثوري، لم تكن تسمح بتوسيع دائرة المشاركة لتشمل القوى الفاعلة في الساحة السياسية للبلاد. وأما المُكوِّن الإسلامي ضمن "حركة 20 فبراير"، فإنه على الرغم من أنّ لحضوره وزنًا مهمًّ ضمن المحطات التعبوية للحركة، فإنه لم يكن قادرًا على التأثير في مجريات مسارها؛ بسبب تنوُّع مساراته هو نفسه، واستحالة استمرارية تعاونه مع المكوِّنات الأخرى للحركة، لأسباب أيديولوجية وسياسية أساسًا. فشبيبة "العدالة والتنمية" التي كان حضورها رمزيًّا ضمن فعاليات "حركة 20 فبراير" تحت غطاء حركة "باراكا" (تعني "كفاية" في العامية المغربية)، كانت محكومة بعائقَيْ: أوَّلُهما الموقف السلبي

  1. من الصعب تقدير العدد الحقيقي للمشاركين، وقد اختلف الرقم كثيرًا بين التقديرات الرسمية وتقديرات منظِّمي تلك الاحتجاجات، فبحسب تقدير وزارة الداخلية المغربية، وصل عدد الأشخاص الذين شاركوا في الاحتجاجات يوم 20 شباط/ فبراير 2011 إلى نحو 37 ألف شخص، أمّا بعض مناضلي الحركة فيذكرون أنّ العدد يفوق 250 ألف مشارك.
  2. Desrues, p. 23.
  3. Le Palais Royal au sommet de la corruption au Maroc, d'après les États -Unis", EL PAÍS, 02/12/2010.
  4. Catherine Graciet & Eric Laurent, Le Roi prédateur: main basse sur le Maroc (Paris: Seuil, 2012).

لقيادة الحزب منذ البداية من "حركة 20 فبراير"، ورفضه المشاركة في فعاليات انطلاقها، وانقسام مكوِّنات هذه الشبيبة بين البِنْكيرانيِيّن (نسبةً إلى عبد الإله بنكيران، الأمين العام للحزب) وغيرهم. في حين تمثّل العائق الثاني بسقف مطالبها الذي لم يكن يتعدَّى المطالبة بتخليص البلاد من عناصر يعدُّها الحزب رمزًا للتسلُّط. أمَّا السلفيون الذين سيلتحقون بفعاليات الحركة فإنّ حضورهم كان مرتبطًا حصريًّا بقضية معتقَليهم، وهذا الأمر عكسته طبيعة الشعارات التي كانوا يرفعونها، والتي كانت تميزهم من باقي المحتجين، فكانت "حركة 20 فبراير" تمثّل مظلةً لهم في تصريف خطابهم الحقوقي المرتبط، أساسًا، بالضغط على الدولة من أجل الإفراج عن زملائهم وذويهم المعتقَلين على خلفية "قانون الإرهاب." وأمَّا "جماعة العدل والإحسان" التي لها حضور مهمّ وأساسي عبر جناحها الشبابي، ضمن المحطات التعبوية لحركة 20" فبراير" منذ انطلاقها، فقد شاركت بفعالية في إنجاح التعبئة طَوال الفترة التي قضتها داخل الحركة؛ إذ وفَّرت، في البداية، رصيدًا احتجاجيًّا مهمًّ لنجاح الحركة، تمثّل بإيجاد معظم الدعم اللوجيستي والفني للمسيرات الاحتجاجية، وفي تعبئة المسيرات في الأحياء والشوارع، كما أنها شكَّلت خزَّانًا بشريًّا مهمًّ من أنصارها، قُدِّر بأكثر من نصف المحتجِيّن. من ثمَّة ما كان ل "جماعة العدل والإحسان" أن تستمر في التنسيق مع مكوِّنات الحركة الأخرى لسببَيْ رئيسين؛ أوَّلهما يتعلق بغياب التوازي بين حضورها الجماهيري الغفير ضمن تظاهرات الحركة، وبين ضعف تمثيليتها ضمن قيادة الحركة. فقد أحسَّت "جماعة العدل والإحسان" بأنّ استثمارها في "حركة 20 فبراير" أصبح بالنسبة إليها من دون مردودية سياسية، وبأنّ ثمار ما زرعته طَوال أشهر اقتطفه أطراف آخرون "(حزب العدالة والتنمية" في انتخابات 2011.) وأمَّا السبب الثاني فهو مرتبط بطبيعة الأجندة الخاصة ب "جماعة العدل والإحسان"، ونتيجة تركيبة بنية القرار داخلها. فقد ظلت دائمًا رقمً صعبًا في المحطات النضالية التي كانت تقتضي تنسيقًا بين مكوِّنات الساحة الوطنية. من ثمة، كان تماشيها مع خطابات "حركة 20 فبراير" - خصوصًا في ما يتعلق بالحرِّية والعدالة الاجتماعية، وتجنُّبها استعمال شعارات دينية تعكس هويتها الإسلامية - تكتيكًا مرحليًّا ينتظر ما تسفر عنه تطورات الأحداث فحسب. وهذا ما حصل فعلً بعد انتخابات 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011؛ إذ إنّ الجماعة ستعلن عن طلاقها الرسمي من "حركة 20 فبراير."

"حركة 20 فبراير:" مراحل النمو والأفول

عاشت "حركة 20 فبراير" طَوال السنتين الماضيتين أشواطًا من الصعود والنزول، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل أساسية، وهي على النحو التالي:

المرحلة الأولى

شباط/ ف شكَّلت الأشهر الثلاثة الأولى (من 20 اررير إلى 10 أيار/ مايو 2011) المرحلة الذهبية للحراك السياسي بالمغرب؛ إذ عرفت صعودًا مطَّردًا تمكَّنت خلاله حركة الشارع من تعبئة عشرات الآلاف من المواطنين للنزول للاحتجاج في الشارع. وقد شكَّلت مسيرة 24 نيسان / أبريل 2011 ذروة الحركة؛ إذ وصل عدد نقاط الاحتجاج إلى نحو 78 مدينةً وقريةً. وقَدَّر بعض مناضلي الحركة أنّ عدد المشاركين بلغ نحو 700 ألف مشارك في مختلف مدن المغرب، الأمر الذي جعل بعض المراقبين يرشّحها لتكون أكبر احتجاج سياسي عرفه المغرب في السنوات الأخيرة، من حيث عدد المشاركين، ومن حيث التوزيع الجغرافي للمناطق المشاركة في الاحتجاجات. لم يتأثَّر التراكم الشعبي خلال هذه الفترة بمواقف النظام الساعيَة لاستيعاب الوضع، فالخطاب المَلكَي، يوم 9 آذار / مارس 2011، لم يمنع المحتجِيّن من الخروج يوم 20 آذار / مارس بكثافة في عدد من المدن المغربية للاحتجاج. ثمّ إنّ الانتفاضات العربية كانت في أوجها مع بدايات سقوط رأسَ النظامين التونسي والمصري، كما أنّ موقف أجهزة الأمن المتساهل نسبيًّا مع المتظاهرين شجَّع الكثيرين على النزول إلى الشارع، للتعبير عن استيائهم. وقد حافظت الحركة طَوال هذه المرحلة على مطالبها الإصلاحية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

المرحلة الثانية

ستعرف "حركة 20 فبراير" استمرارًا في ديناميتها مع تسجيل انكماش تدريجي، ابتداءً من منتصف شهر أيار / مايو 2011 إلى حين انسحاب "جماعة العدل والإحسان" خلال شهر كانون الأول / ديسمبر 2011. وستتميز هذه المرحلة بمجموعة أحداث

تعبِّ عن حالة من الإحساس ببداية الإرهاق لهذه الحركة الوليدة. فعلى الرغم من تنويعها للمبادرات على المستوى الاحتجاجي، لم تستطعْ توسيع دائرة نفوذها. ففي شهر أيار / مايو قرَّرت تنسيقية "حركة 20 فبراير" بمدينة الرباط نقل الاحتجاج من وسط المدينة قرب مبنى البرلمان إلى الأحياء الشعبية؛ قَصْ د توسيع دائرة المشاركة، بإدماج سكَّان هذه الأحياء المعروفة باكتظاظها. لقد سارت تنسيقيات عيدة، في مدن أخرى، في الاتجاه نفسه. لكنّ ذلك لم يشفعْ لها عند هؤلاء السكان، ولم تجد منهم الاستجابة المرجوَّة، المتجسدة بالتحاق الفئات الاجتماعية الفقيرة بدينامية الاحتجاج في الشارع. كما دعت أيضًا إلى التَّنزُّه قرب ما يُسمَّى "معتقل تمارة السرِّي" قرب العاصمة المغربية، الرباط، وهو الذي تقول فيه منظمات حقوقية إنه كان مخصصًا لتعذيب السجناء، وخصوصًا من منتسبي ما يُسمَّى إعلاميًّا "السلفية الجهادية"، إلا أنّ مشاركة عدد من السلفيين وعائلات المعتقلين على خلفية "قانون الإرهاب" ساهمت في خلط الأوراق؛ إذ صُوِّرت الحركة إعلاميًّا على أنها تتجه نحو الراديكالية، وأنها مخترَقة من تيارات سلفية متطرفة. تجدر الإشارة إلى أنّ مدينة طنجة، وبدرجة أقل مدينة الدار البيضاء، حافظتا على وتيرة احتجاجات مستمرة، على الرغم من التراجع الذي عرفته الحركة في مناطق أخرى؛ فقد خرج عشرات الآلاف من المواطنين في كلتا المدينتين خروجًا دوريًّا للاحتجاج طَوال تلك الفترة، ولم تتأثر المدينتان بالتراجع الذي عرفته الحركة في مدن أخرى. وترجع هذه الدينامية إلى عاملين أساسين، هما: العامل الأول ذو طبيعة بنيوية، وهو مرتبط بالتطور العمراني الفجائي، فمدينتا طنجة والدار البيضاء تُعدَّان من المدن الكبيرة التي عرفت انفجارًا عمرانيًّا كثيفًا في السنوات الأخيرة؛ إذ تجاوز عدد السكان بمدينة طنجة المليون، بعد أن كان قبل عقد من الزمن لا يتجاوز 400 ألف نسمة. وأمَّا سكان الدار البيضاء فيتجاوز عددهم أربعة ملايين نسمة، من بينهم نحو 400 ألف يقطنون أحياءً صفيحيَّة (منازل قصديرية) على هوامش المدينة. هذا النمو الديمغرافي لم يوازِه تطور على مستوى فُرص الشغل وإدماج الشباب في الحياة العامَّة والإنتاجية؛ إذ أصبحت هذه المدن تشكِّل أحزمةً من البؤس والفقر والبطالة والهشاشة، وقد سُجِّلت بها أعلى نسب البطالة مقارنةً بعدد السكان، وخصوصًا لدى فئة الشباب التي تصل إلى أكثر من الثلث. وإضافة إلى مشكلة البطالة، مثَّل غلاء المعيشة مشكلةًاجتماعيةً جِديَّةً، ولا سيما حين يتعلَّق الأمر بالسكن، بسبب الارتفاع المُشطِّ في أسعار العقارات؛ نتيجة مضاربة كبار المستثمرين في هذا المجال، إضافةً إلى تحويل جزء من عائدات المخدرات إلى عقارات؛ إذ ساهم هذا الأمر في غلاء المعيشة المرتبطة بالنمو الفجائي الذي عاشته المدن الكبرى مثل طنجة والدار البيضاء. فنجمت عن هذه الصعوبات أرضية خصبة للإحساس بالإقصاء الاجتماعي الذي يمكن أن يُشكِّل قاعدة للاحتجاج السياسي إذا ما توافرت له الأوضاع الملائمة. أمَّا العامل الثاني فهو مرتبط بدور الفاعل في تأطير الحراك الشعبي؛ إذ عرفت مدينة طنجة عملً تأطيريًّا للاحتجاج الاجتماعي سابقًا ل "حركة 20 فبراير"، في إطار ما عُرف بتنسيقيات مناهضة ارتفاع الأسعار التي تعدُّ نموذجًا مهمًّ لحركة الاحتجاج المنفلتة من الأطر التقليدية التي كانت تجسدها النقابات العمَّ لية بوصفها المدافع الأول - نظريًّا على الأقل - عن الفئات العمَّ لية والطبقات الاجتماعية الفقيرة. وهذا ما جعل مدينتي طنجة والدار البيضاء تشكِلّان استثناءً من القاعدة بشأن وتيرة الانكماش التدريجي ل "حركة 20 فبراير"، مقارنةً بالمدن المغربية الأخرى. كما ساهمت أحداث موازية في صرْف الأنظار عن "حركة 20 فبراير"؛ أهمها الحركية التي ولَّدتها النقاشات المرتبطة بتعديل الدستور. فقد قامت اللجنة المكلفة بإعداد الدستور بفتح نقاش واسع مع كلّ فعاليات المجتمع السياسي والمدني؛ الأمر الذي ساهم في توجيه النقاش نحو أجندة أصبحت هذه اللجنة هي التي تتحكَّم فيها. ثمّ إنّ تسريب بعض النسخ من مسودة الدستور ساهم أيضًا في خلق تجاذبات جديدة. فهذه النقاشات وهذه التجاذبات المرتبطة بالدستور المعدَّل، وهذا الإخراج المتقن لعملية صياغته ستجعل "حركة 20 فبراير" خارج السياق. إضافةً إلى ذلك، ساهمت مجموعة من الأوضاع في الإجهاز على ما تبقَّى من هذه الحركة الفَتيَّة. أولها عملية التصويت على الدستور، وما نتج منها من نسب عالية مؤيّدة له. كما أنّ حلول عطلة الصيف وشهر رمضان سيدفع نحو إفراغ المدن الرئيسة من القيادات الميدانية. وأخيرًا انطلاق حملة الانتخابات التشريعية مباشرةً مع بداية الموسم السياسي، وهي التي ستُتوَّج بنجاح "حزب العدالة والتنمية" في انتخابات 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. فتتابع هذه الأحداث

أربك "حركة 20 فبراير"، وساهم جليًّا في إضعافها، لتدخل بعد ذلك مرحلة الكُمون، ولا سيما أنّ أطرافًا في الدولة ستؤدِّى دورًا مهمًّ في تفجير التناقضات الداخلية للحركة، من خلال تشجيع التجاذبات الأيديولوجية بين مكوِّنات الحركة من يساريين وإسلاميين.

المرحلة الثالثة

مع حلول منتصف كانون الأول / ديسمبر 2011، ستعرف الحركة بداية الأفول، بعد قرار "جماعة العدل والإحسان" الانسحاب من الحراك الشعبي، وهذا ما أدَّى إلى حالة من الإحباط والارتباك لدى بعض المناضلين، وحالة من الارتياح لدى بعضهم الآخر. فأمّا الإحباط فمردُّه إلى فقدان أكبر آلة تعبوية ضمن الحركة. وأمّا الارتياح فمنشؤه توجُّس فئات من اليسار غير البرلماني من التحالف مع الجماعات الإسلامية؛ لأنها لم تكن مستعدَّة لذلك نفسيًّا. يُضاف إلى ذلك أنّ انسحاب "جماعة العدل والإحسان" قدَّم أكبر خدمة لتبرير إقبار هذه الحركة لدى طرف ثالث شعر بأنها استنفدت أغراضها. إنّ هذا الانسحاب للمكوِّن الإسلامي من فعاليات "حركة 20 فبراير" الذي تلا نجاح "حزب العدالة والتنمية"، كان له تأثير تفكيكي لحركة غير متجانسة وغير مؤهَّلة للنجاح، نتيجة الحساسيات المفرطة بين اليسار الجذري والتيارات الإسلامية التي تشكِّل أحد ثوابت المشهد السياسي والثقافي للمغرب الحديث. فنجاح حزب من خارج الدائرة السياسية التقليدية، في انتخابات 25 كانون الأول / ديسمبر 2011، يساهم في خلْط الأوراق أمام مكوِّنات "حركة 20 فبراير." إنّ ذلك النجاح، من جهة، يزرع الأمل في الإصلاح بين المواطنين، وهذا ما لا يخدم أجندة المعارضة الجذرية التي تنتعش في أجواء اليأس والتيئيس، إضافةً إلى أنه يجعل اليسار غير البرلماني - الفاعل/ الواجهة الأساسية للحركة - إزاء مأزق تاريخيّ بين مطرقة النظام وسندان الإسلاميين، من جهة أخرى؛ لأنه قد بنى تاريخه وذاته على معاداة النُّظم والتيارات الإسلامية. وهكذا تتسارع الأحداث بفرْض حسْمٍ لمسألة ترتيب الخصوم بالنسبة إليه، وهذا ما فتح المجال أمام تدخُّل قدماء اليسار الذين التحقوا سابقًا بدواليب النظام لاستيعاب تركة الحركة، وهو ما سنتعرض له على نحوٍ من التفصيل أثناء الحديث عن سياسة الدولة تجاه هذه الحركة.

ثانيًا، سياسة الدولة تجاه "حركة 20 فبراير"

تمتلك المؤسسة المَلَكية في المغرب سِجِلًّ حافلً من التجارب في التعامل مع معارضات متنوعة (يسارية، وإسلامية، وعنفية، وسلمية.. إلخ)، اكتسبت من خلاله كفاءةً في ضبط إيقاع المشهد السياسي، تتمثّل بمقاربة سياسية تعتمد على استيعاب ما يمكن استيعابه، وحصار الممتنع من ذلك. هذه السياسة التحكُّمية والمرنة في الوقت نفسه ستلقي بظلالها على تدبير المجال السياسي في المغرب الذي يتميز ب "السلطوية التنافسية"11 أو "شبه السلطوية "12. ضمن هذه المنطقة الرمادية ستتنافس الأحزاب على مقاعد محدودة في انتخابات شبه تنافسية، كما تضطلع بوظائف ثانوية، تتجلَّ في إيجاد مساحة مهمّة للتعبير الاحتجاجي13، وهو أمر ميَّز المغرب من كلّ من تونس ومصر قبل ثورتيهما. ففي حين أُضعِفت المعارضة الحزبية في هذين البلدين، كان المغرب يتمتع بتعدّدية حزبية متأصلة، تسمح بهامش لا بأس به من حرِّية التعبير ومن الفعل السياسي، بل بالمشاركة في بعض مستويات القرار أيضًا، سواء من خلال تسيير بعض الجماعات المحلِّية، أو المشاركة ضمن حكومة ائتلافية، كما هو حال الحكومات المغربية منذ عهد طويل؛ ذلك أنّ النظام الانتخابي في المغرب لا يسمح لأيّ حزب بالحصول على أغلبية برلمانية وحده، وهذا ما يفرض اللجوء إلى حكومة ائتلافية على نحوٍ شبه دائم. هذا الشكل من الحكومات يُتيح للقصر التحكُّم في تشكيل الأغلبية الحكومية، وفي تدبير إيقاع الحكومات المنبثقة منها أيضًا. وخير مثال لذلك ما تعرفه الحكومة الحالية من تجاذبات تفرضها أطراف من خارج الأغلبية الحكومية. وهكذا ساهمت الطبيعة المرنة للنظام

  1. Steven Levitsky & Lucan Way, "Elections Without Democracy: The Rise of Competitive Authoritarianism", Journal of Democracy , vol. 13, no. 2 (April 2002), pp. 51- 65.
  2. Marina Ottaway, Democracy Challenged: The Rise of Semi- Authoritarianism (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, January 2003).
  3. James N. Sater, "New Wine in Old Bottles: Political Parties under Mohammed VI", in Bruce Maddy-Weitzman & Daniel Zisenwine (editors), Contemporary Morocco: State, Politics and Society under Mohammed VI , (New York: Routledge, 2013), p. 9. "حركة 20 فبراير" والخصوصية المغربية في تدبير الاحتجاج السياسي

السياسي المغربي في إيجاد حيِّزٍ مهمٍّ للمناورة أمامه، تمثَّل بقدرته على إضعاف المعارضة أثناء لحظات القوة، والبحث عن التوافق والإجماع في لحظات الضعف14. وبالنظر إلى افتقار المغرب إلى موارد طبيعية؛ مثل الغاز والبترول، تُ كِّنه من شراء السِّ لم الاجتماعي في لحظات الأزمات، كما حصل في الجزائر أو في بعض دول الخليج، فقد اعتمد النظام المغربي، كغيره من الأنظمة السلطوية، على ثلاثة أركان أساسية للحفاظ على الاستقرار السياسي للبلاد، وهي: المشروعية، وسياسة الاحتواء / الترويض، والإقصاء / القمع. ويجرى اللجوء إليها مجتمعةً، أو متفرِّقةً، أو بالمزج بينها بحسب مقتضيات اللحظة السياسية والاجتماعية. وهي سياسة قديمة، تُجدَّد بتجدُّد السياق، فقد سبق أن استعملها الملك الحسن الثاني، مع المعارضة الاتحادية، ومع الإسلاميين، وقد آتت أ كُلها حاليًّا، إلى حدٍّ ما، مع حركة الاحتجاج السياسي التي انطلقت سنة 2011، كما سيُشار إلى ذلك لاحقًا. وترتكز عناصر الحفاظ على الاستقرار في المقام الأول على تكريس المشروعية الدينية للملك بوصفه "أميرًا للمؤمنين"،15 وتُسندها مشروعية سياسية بوصفه رئيسًا للدولة، ضمن نسق سياسي يحتل فيه الملك موقعًا يشبه الموقع الذي يحتله رئيس الدولة في الأنظمة الرئاسية. فالقرارات الإستراتيجية تجري داخل المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، بدلً من المجلس الحكومي الذي يرأسه رئيس الحكومة المنتخب. وتجدر الإشارة إلى أنه وقع تغير في ترتيب مكوِّنات معادلة المشروعيتين التقليدية والعصرية مع الملك محمد السادس؛ فلقد تراجعت الإحالة على مصادر المشروعية التقليدية لمصلحة المبررات العصرية و"الروح الشبابية"، بوصفها أسبابًا لقبول سلطة الملك، كما تشير إلى ذلك صونيا حجازي16. إضافةً إلى هاتين المشروعيتين، يمتلك النظام القائم ترسانةً من المؤسسات التي تحمي النظام وتدعمه، وهي معروفة تاريخيًّا باسم "المخزن"؛ وهو شبكة من العلاقات والمؤسسات المنسوجة على نحوٍ متداخلٍ بين فاعلين سياسيين واقتصاديين، ونُخب محلية تدين بالولاء للقصر وتستفيد من نظام الزبونية والريع، وهذه الخاصية يشترك فيها المغرب مع جميع الأنظمة الملكية العربية17. ويشير هذا المفهوم في السياق المغربي إلى مستويين؛ أحدهما المؤسساتي، وهو مجموع مؤسسات القمع والإكراه المادي والرمزي (الجيش، وأجهزة الأمن، والإعلام العمومي، والتعليم، والمساجد.. إلخ)، وهي مؤسسات تحافظ بها الدولة على الأمن العامّ للبلاد. وأمَّا الثاني فهو المستوى الاجتماعي الذي يشمل شبكةً لتبادل المصالح ذات الامتدادات المحلِّية والوطنية، يضمن من خلالها النظام ولاء فئات من المجتمع السياسي والمدني، إمّا طمعًا في المصالح التي يمكن جنيها بالتقرُّب منها، وإمّا خوفًا ممّ يمكن أن يُلحقه بها من عقاب إن هي تمردت على السلطة المَلَكية. إنّ التجربة التاريخية لمختلف القوى السياسية منذ استقلال المغرب تُظهر أنّ تكاليف معارضة الَملَكية باهظة بالنسبة إلى من يجرؤ على ذلك. فالتنافس على التحكُّم في توزيع الموارد، والولوج في الإكراميات والغنائم، والتأثير في صناعة القرارات الحكومية، كلّ ذلك يجرى في المغرب من داخل "تعدُّدية - سياسية" ممُأسسة ومُتحكَّم فيها، يضطلع فيها الملك بدور الحَكَم بين الفصائل السياسية المتنافسة. فهو الذي يتحكم في الهبات والعقوبات، وهو الذي يحدد قواعد اللعب، ويُكرِه تلك القوى على ذلك، بفضل الجيش والشرطة18. وقد استوعبت القوى السياسية الرئيسة في البلاد هذا الدرس، وباتت تفضِّ ل الاشتغال ضمن المساحات المسموح بها، في ما يتعلق بالجانب التدبيري للسياسات الحكومية. أمّا الجوانب التي تدخل ضمن صلاحيات الملك فهي من المحرمات عليها، وأيّ تجاوز للخطوط الحمراء المرسومة سلفًا سيجلب لهذه المعارضة من المتاعب ما لا تُحمَد عُقباه. وقد تمكَّنت المَلَكية، من خلال ضبطها لمساحات العمل السياسي، من ترويض المعارضة اليسارية، وإدماج بعض مكوِّنات الإسلاميين، وحصار المعارضة

  1. Ibid.
  2. يُعَدُّ الملك في النظام الدستوري المغربي الشخص الوحيد الذي له الحق في الجمع بين السلطتين الدينية والزمنية، وقد ظهرت صيغة "أمير المؤمنين" في كلّ الدساتير المغربية المتعاقبة منذ سنة 1962، وبقيَ مُحتفَظًا بها في التعديل الدستوري الأخير لسنة 2011 أيضًا، مع فصْل
  3. Sonja Hegasy, "Young Authority: Quantitative and Qualitative Insights into Youth, Youth Culture, and State Power in Contemporary Morocco", The Journal of North African Studies , vol. 12, no. 1 (March 2007). 17 غريغوري غوس، "ملوكٌ لجميع الفصول: كيف اجتازت الأنظمة الملكية في الشرق الأوسط عاصفة الربيع العربي" (الدوحة: مركز بروكنجز، سبتمبر 2013)، ص .1
  4. بين وظيفة الملك الدينية ووظيفته السياسية في الفصلين 41 و 42، وقد عدَّه بعضهم نوعًا من العلمنة السياسية.
  5. J. Waterbury, "Kingdom-Building and the Control of the Opposition in Morocco: the Monarchical Uses of Justice", Government and Opposition , no. 5 (1970), p. 55.

الإسلامية التي تُجسِّ دها "جماعة العدل والإحسان"؛ لرفضها الانصياع لهذا المنطق. وهي الإستراتيجية نفسها التي تسلكها الدولة حاليًّا تجاه "حركة 20 فبراير"، وتتراوح بين العصا والجزرة؛ أي ثنائية الاحتواء والإقصاء. إنّ تدخُّل الدولة في مسار "حركة 20 فبراير" جرى بأدوات ناعمة غالبًا، وعلى نحوٍ غير مباشر، عبر اعتماد مُقارَبة استباقية ومُبادرة تعتمد على عناصر أربعة، هي:

تقوية التوافق والتحييد

سعت الدولة المغربية دائمًا لإقامة نوع من التوزان بين الحرِّية السياسية المتاحة والخضوع للسلطة المَلَكية، على الرغم مما يعتري تنزيل ذلك من صعوبات19. فهي تسمح للمعارضة بهامش من الحرِّية السياسية يتسع إلى حدٍّ لا يؤثِّر في مساحات الفعل المَلكَي ولا ينافسه. فالدولة، لحظة الأزمة، كانت تحتاج إلى التوافق مع الفاعلين على نحوٍ ضمني أو علني، من دون أن يعنيَ ذلك رغبةً في التخلِّ عن جوهر السلطة القائم على التحكُّم في مفاصل القرار، في جميع أبعاده السياسية والاقتصادية. ويرى غريغوري غوس أنّ النقطة الأساسية التي تساعد على فهم السبب الذي جعل الملوك في العالم العربي قادرين على الاستمرار وسط عاصفة الربيع العربي هي طبيعة التحالفات التي أنشؤوها لدعم حكمهم، مع إقراره بأنّ هذه التحالفات تختلف بحسب البلد، وبأنّ طبيعتها يمكن أن تتغير بمرور الوقت20. لقد سارعت الدولة المغربية إلى تعزيز التوافق مع القوى السياسية والنقابية، وحتى القوى التقليدية الممكن التحاقها ب "حركة 20 فبراير"، وعملت على تحييدها. فإذا كانت بعض النقابات الأكثر تمثيليةً قريبةً من بعض الأحزاب المشاركة في الحكومة، بما يضمن عدم انحيازها إلى شباب "حركة 20 فبراير"، فإنّ إسلاميِّي "حزب العدالة والتنمية" وذراعه الدعوية "حركة التوحيد والإصلاح" كانوا في المعارضة آنذاك، ولم يكونوا من منظور المحيط المَلكَي مصدر ثقة، ولا سيما أنّ هذا الحزب كان يضم من بين قياديِّيه بعض "الصقور" التي كانت تجاهر برغبتها في الحد من صلاحيات المؤسسة المَلَكية. يُضاف إلى ذلك أنّ العلاقة بين المحيط الملكي و"حزب العدالة والتنمية" في ذلك الوقت كانت متوترةً؛ نتيجة إقدام الدولة على اعتقال القيادي وعضو الأمانة العامَّة للحزب، جامع المعتصم، المعروف باعتداله، بتهمة الفساد الإداري التي كانت تشير الأصابع في تلفيقها إلى عناصر محدَّدة من هذا المحيط. وهو اعتقال فهمت منه قيادة الحزب أنه يندرج ضمن مخطط واسع للإجهاز على الحزب21. إنّ القرار الذي أصدرته الأمانة العامَّة ل "حزب العدالة والتنمية"، يوم 15 شباط / فبراير 2011، في هذا الخصوص، القاضي بعدم رغبتها في الانسياق وراء المطالبات، من داخلها وخارجها، بالالتحاق ب "حركة 20 فبراير"22، جعل الدولة تتنفس الصعداء في هذه اللحظة الحرجة. وما كان هذا الموقف الذي عبَّ فيه الحزب عن نوع من "الرشد" السياسي أن يمرَّ من دون مكافأة. فلقد أُفرِج عن القيادي المعتقل، جامع المعتصم، عبر قرار استعجالي23، واستقبله الملك بعد ذلك بيومين، ضمن تشكيلة "المجلس الاقتصادي نشئ يوم والاجتماعي" الذي أ 21 شباط / فبراير 2011 (أي بعد يوم واحد من احتجاجات 20 شباط / فبراير)؛ بوصف ذلك آليةً من

  1. Sater, Ibid.
  2. غوس، ص.21
  3. بعد إطلاق سراح جامع المعتصم، اتّهم، مباشرةً، عالي الهمة بأنه وراء اعتقاله التعسُّفي، انظر نص الحوار معه على الرابط: http://www.machahid.info/index.php?id=27&tx_ttnews%5Btt_news%5D=29 3&cHash=95b5c00b84a07d4cfd6004f867760e25
  4. دار نقاش حادّ بين شبيبة حزب العدالة والتنمية وبعض قيادات الحزب بشأن قرار النزول في مسيرات 20 فبراير؛ ذلك أنّه ترتَّب على قرار الشبيبة المتمثّل بالنزول إلى الشارع غضبُ بعض القيادات، وقد أدَّى إلى تدخل عبد الإله بنكيران بصفته أمينا عامًّا للحزب لثنيِ الشبيبة عن المشاركة رسميًّا. وخرج جزء من هذا النقاش الحزبي للعموم من خلال التعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي، والجرائد الورقية والإلكترونية. لمتابعة جزء من النقاش الذي كان دائرًا آنذاك يمكن الاستئناس بالمقالات والبيانات التالية: " حزب العدالة والتنمية يقرر عدم المشاركة في تظاهرة 20  فبراير"، جريدة التجديد،، انظر:2011/2/17 http://www.maghress.com/attajdid/64468 و"يتيم يعظ شباب 20 هسبريس  فبراير"،، 2011/2/1919، على الرابط: http://www.hespress.com/politique/28225.html وبلال التليدي، ماذا خسر النضال الديمقراطي بعد المشاركة في 20 التجديد  فبراير؟ جريدة،، انظر:2011/3/3 http://www.maghress.com/attajdid/64785 محمد يتيم، حول قرار عدم المشاركة في مسيرة 20 فبراير وأسئلة بعض الشباب، جريدة التجديد،:2011/2/21، انظر http://www.maghress.com/attajdid/64521
  5. عَدَّ مصطفى الرميد، القيادي في "حزب العدالة والتنمية" قرار إطلاق سراح جامع المعتصم "هدية مسمومة" أساءت إلى "العدالة والتنمية"، انظر نص حوار مصطفى الرميد مع الصباح المغربية الصحفية نادية البوكيلي بجريدة،.2011/3/1 "حركة 20 فبراير" والخصوصية المغربية في تدبير الاحتجاج السياسي

آليات استيعاب النُّخب المحلِّية والوطنية. كما توقفت التحرُّشات السياسية بهذا الحزب، وعدَّ حسن أوريد، الناطق الرسمي سابقًا باسم القصر المَلكَي، هذا الأمر إشارةً قويةً من الماسكين بزمام السلطة نحو التحوُّل والانفتاح24. وهكذا تكون المؤسسة المَلَكية قد خرجت من مأزق مساءلة هذه المشروعية بأقل تكلفة بعد قرار "حزب العدالة والتنمية" تجنُّب المشاركة في المسيرات الاحتجاجية25. قامت الدولة، أيضًا، باستدعاء الفاعل الديني التقليدي والمؤسسات التقليدية، للدعاية للمبادرات التي قامت بها المؤسسة المَلَكية، وضمنها التعبئة للتصويت على التعديلات الدستورية، والمشاركة في مسيرات احتجاجية مضادة ل "حركة 20 فبراير"، فشاركت الزوايا والطرق الصوفية مثل  - وفي مقدمها "الزاوية البودشيشية" - في مسيرة نُظِّمت يوم 26 حزيران / يونيو 2011 للدعاية للدستور الجديد26، كما تشير معطياتٌ استُقِيَت من مصادر محلِّية إلى أنّ السلطات عبَّأت الأعيان والنُّخب المحلِّية التقليدية، علاوةً على تعميم خُطَب الجمعة على كلّ مساجد المملكة قبل التصويت بأسبوع، للدعوة إلى التصويت الإيجابي على التعديلات الدستورية الجديدة.

إجراءات سياسية واجتماعية استعجالية

إنّ تقوية التوافق مع القوى السياسية وتحييد "الثوار" الكامنين، كانا يحتاجان إلى أن يُسنَدا بإجراءات عملية لامتصاص الغضب الشعبي، في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المغرب، مخافة انتقال شبح الثورات العربية إلى المغرب آنذاك. لهذا، اتخذ القصر، في لحظة ضعف سياسي وتخوف من تصاعد مطالب الاحتجاجات السياسية، مجموعةً من الإجراءات العملية، انطلقت بعد أسبوعين من المسيرات الاحتجاجية؛ إذ ألقى العاهل المغربي خطابًا يوم 9 آذار / مارس 2011، وضع فيه أسس تعديلٍ دستوريٍّ جديدٍ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فاق سقفها السياسي توقُّعات النُّخب السياسية التقليدية وتطلُّعاتها. علاوةً على ذلك، زادت الحكومة القائمة آنذاك الأجور27 - بنحو 75 دولارًا لجميع الموظَّفين في الأسلاك العمومية، ورفعت الحد الأدنى للأجور إلى 350 دولارًا بالنسبة إلى العاملين في القطاع الخاص - بهدف تحييد النقابات العمَّ لية، بعد فشل الحكومة سابقًا في التوصَّل إلى اتفاق معها في جلسات الحوار الاجتماعي بخصوص الزيادة في الأجور. ثم إنّ انتخابات 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011 التي عرفت حيادًا إيجابيًّا للسلطة ساهمت في الحد من التراكم الشعبي النسبي ل "حركة 20 فبراير"، بعد تبوُّء "حزب العدالة والتنمية" المعارض، الرتبةَ الأولى انتخابيًّا، وهو ما تنبأ به عدد من الباحثين قُبيل الانتخابات28.

احتواء العناصر المعتدلة

تجلَّ العنصر الثالث في سياسة الدولة تجاه "حركة 20 فبراير" في احتواء القيادات القابلة للاستيعاب ضمن مواقع سياسية أو إدارية. وسيؤدِّي "حزب الأصالة والمعاصرة" دور الوعاء السياسي لبعض هذه القيادات، كما هو الحال مع أسامة الخليفي29 (كان أحد الرموز البارزة في "حركة 20 فبراير)" الذي جرى استيعابه ضمن هذا الحزب قبل أن يُطرَد مرة أخرى، بعد اعتقاله بتهمة فساد أخلاقي. كما أنّ المؤسسات العمومية وشبه العمومية سيجري استعمالها، مع بعضهم الآخر، آليَّةً لامتصاص البطالة، وهو ما حصل مع الاتحادي،

  1. حسن أوريد: المطلوب اليوم هو انتقال هادئ"، موقع 24 حركة التوحيد والإصلاح، 2011/2/19، على الرابط: http://www.alislah.ma/2011-04-10-21-55-26/2012-11-13-12-25-45/ item/18091-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84.html
  2. تجدر الإشارة إلى أنّ بعض قيادات "حزب العدالة والتنمية" شاركت في مسيرات 20 شباط/ فبراير؛ إذ أصدر ثلاثة أعضاء من الأمانة العامة (مصطفى الرميد، وعبد العالي
  3. لاماب 300: هسبريس  ألف مشارك في مسيرة الطريقة البودشيشية"،، 2011/6/26، على الرابط: http://hespress.com/regions/33489.html 27 ذكر بلاغ للمندوبية السامية للتخطيط، صدر في شهر حزيران/ يونيو  2011، أنّ الزيادة في رواتب موظفي الإدارات العمومية سيكون لها وقعٌ في تحسين دخْل الأسر وقدرتها الشرائية واستهلاكها، وأنها ستؤثر إيجابيًّا في الاستثمار، والتشغيل، والنمو الاقتصادي، إلا أنها ستؤثر في رصيد الميزانية والميزان التجاري سلبيًّا. 28 المعطي منجب، "هل ستضعف الانتخابات في المغرب الاحتجاجات الشعبية؟"، مجلة صدى، تشرين الثاني/ نوفمبر، 2011، على الرابط: http://ceip.org/1dHe70v
  4. حامي الدين، وعبد العزيز أفتاتي) يوم 17 شباط/ فبراير 2011 بيانًا مضادًّا للبيان الرسمي الذي أصدرته الأمانة العامة، يدعون فيه إلى المشاركة في مسيرات يوم 20 شباط/ فبراير 2011. وشارك في هذه التظاهرات الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني للحزب (وزير الخارجية الحالي)، والحبيب الشوباني، وجامع المعتصم، وسمية بنخلدون، إلى جانب أعضاء
  5. آخرين من الحزب في مختلف المدن بصفاتهم الشخصية، لا الحزبية. كما أنّ شبيبة الحزب أصدرت بيانًا تدعو فيه إلى المشاركة في مسيرات 20 شباط/ فبراير قبل أن تقرر التراجع عن قرار المشاركة بضغط من عبد الإله بنكيران، الأمين العام للحزب.
  6. أسامة الخليفي يلتحق بحزب الأصالة والمعاصرة"، 29 هسبريس، 23 آذار/ مارس 2012، على الرابط: http://hespress.com/permalink/50135.html

كريم السباعي، الذي وُظِّف مديرًا للتواصل في "الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة"30. إضافةً إلى ذلك، جرى إطلاق "المكتب الشريف للفوسفاط" مبادرة تدريب وإدماج لمئات العاطلين، وإصدار الوزير الأول السَّابق، عباس الفاسي مرسومًا وزاريًّا استثنائيًّا في شهر نيسان / أبريل 2011؛ أي بعد شهرين فقط من اندلاع الاحتجاجات31، يقضي بتوظيف آلاف العاطلين في أسلاك الوظيفة العمومية، وإرسالهم إلى مناطق مُهمَّشة بعيدة عن المدار الحضري، قَصْد عزلهم عن حركة الاحتجاج السياسي، في حين ينتظر آخرون تنفيذ وعودٍ بتعيينهم في "المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجَمْعوي"32 الذي نص عليه الدستور الجديد، إضافةً إلى إيجاد منحٍ للتدريب والدراسة في الخارج لعدد من شباب الحركة. إنّ سياسة الاستيعاب هذه تهدف إلى تحييد العناصر "المعتدلة"، وعزل البقايا "الراديكالية" ليجريَ التفرغ لها لاحقًا.

قمع العناصر غير القابلة للاحتواء

على الرغم من أنّ اللجوء إلى استعمال الأساليب الزجرية كان أقل عنفًا ووحشية من تونس ومصر، فإنه كان أحد الخيارات المطروحة منذ البداية أمام الدولة المغربية في مواجهة حركة الشارع. وقد ارتكزت السياسة الزجرية على ثلاثة عناصر أساسية، هي: أولً، قمع الاحتجاجات السلمية، وخصوصًا تلك التي تكون فيها المشاركة ضعيفة، أو التي تجري في مناطق مهمَّشة؛ فقد سُجِّلت عشرات التجاوزات الأمنية في مواجهة المسيرات والوقفات السلمية. وحرصت الدولة على أن يكون القمع "ناعمً " عبر فضّ قوات الشرطة المكلَّفة بمكافحة الشغب (تُعرف في التداول الشعبي ب "السيمي)" والقوات المساعدة، الاعتصاماتِ والاحتجاجاتِ، باستعمال العصي فقط، مع تفادي استعمال الغازات المسيلة للدموع ورشاشات المياه والرصاص الحي، وهي أدوات استُعمِلت بكثافة في دول أخرى؛ مثل مصر، وتونس، والبحرين. ولئن سُجِّلت حالات لاستعمال الغازات المسيلة للدموع ورشاشات المياه، فإنها كانت محدودةً جدًّا، في بعض المدن الصغيرة التي لا يصل إليها الإعلام الدولي. وقد عمدت سياسة "الحد الأدنى" من الزجر والعنف إلى تفادي التصعيد، وإلى الاستفادة من هذه الاحتجاجات، لأداء وظيفة التنفيس السياسي، وهو ما ساعد النظام على الحفاظ على صورته إعلاميًّا، وعلى التحكُّم في مسار الاحتجاج أيضًا. وقد ساهم في ذلك أنّ التدخُلّات الأمنية لم تؤدِّ إلى حالات وفاة، ما عدا شخصًا واحدًا سقط أثناء تدخُّل الشرطة في إحدى المدن الصغيرة. ثانيًا، تجفيف الموارد البشرية للحركة، عبر حملة من الاعتقالات، شملت عشرات من أعضاء الحركة، وجرت محاكمتهم بتهم مختلفة، أبرزهم مغنِّي "الراب"، معاذ بلغوات، الملقَّب ب "الحاقد"؛ وذلك بهدف إضعاف القيادات الميدانية للحركة. فلجوء النظام في المغرب إلى المحاكمات السياسية يهدف إلى تأكيد المشروعية تجاه القوى السياسية التي تتجرَّأ على مساءلة حقّ النظام القائم في الحكم، أو تحدِّيه33. ثالثًا، منْع احتمال أيّ تحالف بين عالَمَي المال والسياسة؛ لما يمثّله ذلك من تهديد للدولة. فقد وجَّهَت الدولة إنذارًا إلى كلّ من تُسوِّل له نفسه من رجال المال والأعمال الالتحاق ب "حركة 20 فبراير"، عبر الإسراع بمعاقبة كريم التازي، رجل الأعمال المعروف بدعمه العلني للحركة، من خلال إعادة هيكلة الضرائب الخاصة به التي وصلت إلى نحو 100 مليون درهم34، إضافةً إلى تواري رجل الأعمال المعروف، الميلود الشعبي، بعد مشاركته في المسيرة الأولى للحركة يوم 20 شباط / فبراير .2011

  1. االعشريني كريم السباعي ل '"كود:"' هذه قصة إلحاقي بمديرية التواصل بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة"، حاوره رضوان سعدوني، موقع كود، 11/20/ تشرين الثاني/ نوفمبر
  2. المرسوم الوزاري الاستثنائي رقم 100-11-2، منشور في الجريدة الرسمية للمملكة
  3. جهات عليا تتصل بنشطاء حركة 20 فبراير لاقتراح عضويتهم بالمجلس الاستشاري لكم للشباب"، موقع، 2012/9/10، على الرابط: http://goo.gl/cPiziU 33  J. Waterbury, "Kingdom-Building and the Control of the Opposition in Morocco: The Monarchical Uses of Justice", Government and Opposition , no. 5 (1970), p. 54. 34  Maroc Hebdo International , no. 933 (du 20 au 26 Mai 2011), p. 4. تجدر الإشارة هنا إلى أنه لم يَجْرِ التجديد لمحمد حوراني رئيس "الاتحاد العام لمقاولات المغرب" السابق؛ لأنه أبدى نوعًا من التعاون مع حكومة بنكيران، الأمر الذي أغضب المحيط المَلكَي، وإلى أنه جرى فرْض مريم بنصالح التي تنتمي إلى عائلة معروفة بارتباطاتها بالقصر. "حركة 20 فبراير" والخصوصية المغربية في تدبير الاحتجاج السياسي
  4. 2012، على الرابط الآتي: http://www.goud.ma/%D8%A7%D94_a19924.html
  5. المغربية، العدد 5933،.2011/9/11

ثالث ا، التحديات الذاتية ل "حركة 20 فبراير"

لم تكن مبادرات القصر الملكي و/أو الحكومة هي العامل الوحيد الذي ساهم في إضعاف "حركة 20 فبراير"، بل إنّ طبيعة العلاقة بين المكوِّنات الإسلامية واليسارية داخلها، وطريقة تدبير خلافاتها الداخلية ستحدِّدان على نحوٍ أكبر مستقبلها. ذلك أنّ غياب الانسجام، والافتقار إلى القدرة على بناء هوية مشتركة قادرة على استيعاب التنوُّع الأيديولوجي داخل الحركة، أدَّيا إلى بروز بعض مظاهر توجيه مسار الحركة من خلف الستار، خارج الجموع العامَّة، وهو أمر أفقدها تعاطف فئات من مؤيّديها، وأربك مساراتها. وبدلً من مأسسة الحركة في إطار مدني أو سياسي، وانتخاب مسؤولين من المناضلين الشباب، أ سِّ ست هيئة موازية، سُمِّيت "مجلس دعم حركة 20 فبراير"، هيمن عليها "شيوخ" أحزاب اليسار غير البرلماني، مع تمثيل محدود ل "جماعة العدل والإحسان" والشبيبات الحزبية. ومع مرور الزمن، أصبح مجلس الدعم هو الذي يوجِّه مسار الحركة على حساب القيادات الميدانية الشابة التي جرى تهميشها.

لكن يظلّ أهمّ عامل مساهم في انحسار "حركة 20 فبراير" متجلِّيًا في منطق اشتغالها. ويمكن بيان دور هذا العامل من خلال مقارنة "اللحظة الثورية" المغربية بمثيلاتها العربية. فإذا كان المشترَك بين "اللحظات الثورية" العربية، ومنها تلك المغربية، متمثّل بأنّ الشباب هم مَن أشعلوا فتيل "الثورة"، فإنّ الذي أمدَّها بالوقود ومنَحها قوَّة الاستمرار هو التحاق القوى المجتمعية التقليدية من تنظيمات سياسية وتشكيلات قبَلية في أغلب هذه المواقع، بخلاف اللحظة المغربية. فقد كان لقبيلة "البوعزيزي" الدور الأساسي في إشعال مدينة "سيدي بوزيد" التونسية، مهْد الانطلاقة الثورية في تونس، كما أنّ التحاق "حركة النهضة" المبكر باللحظة الثورية، إلى جانب أغلب القوى السياسية للبلاد، ساهم في الدفع باللحظة الثورية التونسية إلى أبعد مدى. إضافةً إلى الدور الذي اضطلع به "الاتحاد العام التونسي للشغل" من الناحية اللوجستية وتوافر المقارّ، والمساهمة في تأطير التراكم الشعبي. وهذا ما سيظهر جليًّا في مصر واليمن أيضًا؛ إذ تؤدّي التنظيمات الإسلامية دورًا أساسيًّا في ترقية الفعل الثوري المصري وإعطائه مداه الأقصى؛ ومن ذلك مثلً دور "جماعة الإخوان المسلمين" في حماية جماهير ساحة التحرير وتموينهم. أمّا في اليمن فقد كان لحزب "التجمُّع اليمني للإصلاح" دور أساسي إلى جانب الأحزاب والتشكيلات القبَلية في دعم الثورة واستمرارها. إنّ القاسم المشترك بين هذه التجارب الثورية المشار إليها هو انفتاحها على مكوِّنات المجتمع الحديثة والتقليدية؛ فلقد استطاعت القوى الشبابية أن تُفعِّل الرصيد الاحتجاجي الكامن في الجماعة الوطنية، من نقابات، وأحزاب وطنية، ومنظمات للمجتمع المدني. وفي المقابل، تعدُّ "حركة 20 فبراير" نموذجًا مثاليًّا لحركات الاحتجاج الشبابي النُّخبوي. فاليسار الجذري، وهو المكوِّن الأساسي ضمنها، له تاريخ مجيد من الصراعات مع مكوِّنات الساحة السياسية، ومنها اليسار الحزبي. فهو، أصلً، يتشكَّل في أغلبيته من منشقِيّن من هذه الأحزاب، وهو وليد انشقاق مضاعَف: انشقاق عن أحزاب، وما يستتبعه من حالة نفسية متشنِّجة تجاه الأصل المنشقِّ عنه؛ ذلك أنّ العداوة تأخذ أقصى مدى لها مع مَنْ كانوا أمسِ أصدقاء، وتحولوا اليوم إلى أعداء. لقد ولَّد الانشقاق عن ثقافة مجتمع حالة استعلاء وازدراء لقيم هذا المجتمع، وجعل من الاختيارات القيمية لهذا المكوِّن نشازًا مجتمعيًّا غير قادر على التواصل مع روح الأمة. وهذه "الحالة الانشقاقية" ستساهم في عزل هذا اليسار الجذري عن باقي مكوِّنات المشهد السياسي والمجتمعي، وستؤدِّي إلى تعميق عزلة "حركة 20 فبراير" وانحسارها. إنّ هذا المسار الذي عرفته "حركة 20 فبراير"، يُبيّ بوضوح، الأخطاء المنهجية المرتكَبة في تحليل الحركات الشبابية الجديدة من خلال التركيز على العناصر الخارجية، وإغفال دور الديناميات الداخلية في تحديد مسارها. وهذا ما نبَّه إليه أحد أعضاء تنسيقية الحركة بمدينة

الرباط، عادًّا أنّ "الشرط الموضوعي لقيام 'حركة 20 فبراير' مازال قائما"، لكنه أشار، في المقابل، إلى أنه ينبغي الانتباه إلى الشرط الذاتي، وخصوصًا أولويات الفاعلين الأساسيين داخل الحركة ونقاشاتهم "فلم يكن المطلوب النقاش حول النظام السياسي؛ حيث كانت جميع مكونات الحركة مهتمَّة بشكل النظام السياسي (المَلَكية البرلمانية، الجمهورية) في حين أن هذا النقاش كان لا يجب أن يُطرَح في تلك المرحلة، بل، بالأحرى، كان يجب أن يتوجَّه نحو المشكل الاقتصادي والاجتماعي، لتوسيع انتشار الحركة"35. إنّ تعدّد خطابات الحركة وافتقارها إلى الانسجام أصبحَا يغذيان، إلى جانب الإشكال المؤسسي المشار إليه سالفًا، حالة انفلات ضمن هذه الحركة الفتِيَّة. فمنذ بداية الحراك الشبابي بالمغرب، لوحظ غياب عنوان واضح قادر على توحيد مختلف المكوِّنات الأيديولوجية للحركة، وتوسيع دائرة التعبئة الجماهيرية كما هو الحال في الدول التي توحَّدت فيها القوى الثورية تحت شعار: "الشعب يريد إسقاط النظام." غير أنّ ما حصل في المغرب بروز خلاف جوهري بشأن الموقف من النظام المَلكَي؛ فقبل أسبوعين من يوم 20 شباط / فبراير 2011، أُعلن في شبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، عن أربع أرضيات تأسيسية كانت تشترك في مطلب المَلَكية البرلمانية، إلا أنّ الأمر تغير يوم 16 شباط / فبراير 2011، مع دخول مجموعة جديدة فبراير"، وأ على الخط، سُمِّيت "شباب 20 علِن في ندوة صحفية بمقر "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" عن مطلب "إقرار دستور ديمقراطي يمثّل الإرادة الحقيقية للشعب"، لم يُشَْ فيه بتاتًا إلى مطلب المَلَكية البرلمانية. فلقد كان "الحزب الاشتراكي الموحد"، و"حزب الطليعة الاشتراكي"، وبعض أعضاء الشبيبات الحزبية من المدافعين عن وضْ ع سقْفٍ للمطالب، من خلال تحديد مطلب المَلَكية البرلمانية بوصفه الهدف الأقصى ل "حركة 20 فبراير"، في حين رفض كلّ من النهج الديمقراطي الذي يمثّل أقصى اليسار، والمكوِّن الإسلامي المتمثّل ب "جماعة العدل والإحسان" تحديد سقْفٍ للمطالب، ودَعَوَا إلى ترْك تحديده لحركة الشارع، أملً في أن تبلغ المدى الذي وصلت إليه في دول الربيع العربي الأخرى (الشعب يريد إسقاط النظام.) كما برز أيضًا خلاف في منتصف الطريق، بشأن مسار الحركة، بين المكوِّن الإسلامي الممثَّل ب "جماعة العدل والإحسان" والمكوِّنات اليسارية الأخرى. فقد نشبت خلافات متعلقة باستعمال بعض الشعارات الدينية، وجرى تبادل اتهامات بينهما مفادها محاولة الهيمنة على الحركة، وهذا الأمر عجَّل ب "تطليق" "جماعة العدل والإحسان" ل "حركة 20 فبراير"36. غير أنّ المثير في هذا الانسحاب هو التوقيت؛ إذ جاء مباشرةً بعد تعيين رئيس الحكومة الجديد، السيد عبد الإله بنكيران، الأمر الذي أثَّر بقوَّة في دينامية الاحتجاج الشعبي، وأضعفها إضعافًا واضحًا، وأثار نقاشًا داخليًّا في صفوف بعض مناضلي "العدل والإحسان" وأنصارها، لكونه جاء مفاجئًا، مباشرة بعد المسيرة الاحتجاجية للحركة. وقد جرى تأويل هذا الموقف في اتجاهين متناقضين؛ أحدهما أنّ الجماعة قررت ألَّ تحرج "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي الذي تتقاسم معه المرجعية، والآخر أنّ "العدل والإحسان"، بقرارها الانسحاب من "حركة 20 فبراير"، قصدت إفراغ الشارع، لدفع "المخزن" للتفرغ لمواجهة "العدالة والتنمية"، بعد أن فاجأه نجاح هذا الحزب، وتقبَّله على مضض، بالنظر إلى الوضعية الحرجة التي صنعتها أحداث الربيع العربي. من ثمَّة فإنه في ظلّ غياب تحدٍّ خارجي ممثَّل بحراك شعبي، سيعود المخزن إلى أسلوبه التحكُّمي، الأمر الذي سيثبت إفلاس خيار المشاركة الذي راهن عليه هذا الحزب الإسلامي. وفي ظلّ هذا التأويل يصبح كلّ من القصر و"جماعة العدل والإحسان" يتشاركان الشعور نفسه بالمضض من النجاح الانتخابي ل "حزب العدالة والتنمية." وقد حاول فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي ل "العدل والإحسان"، آنذاك، حسْم هذا الجدل مبرِّرًا قرار الانسحاب بكونه لا يشكِّل هديةً ل "العدالة والتنمية"، لأنه مؤمن بأنّ "الحكومة في المغرب ليست هي التي تحكم"، بل هو راجع إلى صعوبة تدبير العلاقة بالمكوِّنات اليسارية داخل الحركة "من قبيل محاولة بعض أطراف

  1. عياش وخطأ الفبراييّن يوتيوب "، 2013/3/20، على الرابط، مقطع فيديو،: http://www.hespress.com/videos/75096.html
  2. بيان الأمانة العامة للدائرة السياسية ل "جماعة العدل والإحسان"، وقد قررت فيه توقيف مشاركتها في "حركة 20 جماعة العدل والإحسان  فبراير"، موقع، 2011/12/18، على الرابط: http://www.aljamaa.net/ar/document/51003.shtml "حركة 20 فبراير" والخصوصية المغربية في تدبير الاحتجاج السياسي

أو فرْض سقْف معين على 20 فبراير، أو فرْض شعارات معينة تلائم توجهها هي"37؛ وهو يقصد بذلك فرض "الحزب الاشتراكي الموحد" سقف المَلَكية البرلمانية، وكذلك الصراع بين الجماعة واليساريين بشأن الشعارات الدينية. هذا التبرير الذي قدمه أرس ناا لا ينفي أنّ النجاح الانتخابي ل "حزب العدالة والتنمية" أزعج هذه الجماعة، بالنظر إلى اشتراك الطرفين الإسلاميين في مساحات الاستقطاب، واعتماد كلّ منهما على مقولات لقبول المشاركة في المؤسسات القائمة أو رفضها، بما يجعل نجاح أحدهما يقتضي ضمنيًّا فشل خيارات الآخر؛ فنجاح "العدالة والتنمية" في تنزيل مشروعه الإصلاحي مثلً، يعني فشل مقولات "العدل والإحسان" في استحالة تغيير النظام القائم، والعكس صحيح أيضًا، وهو الأمر الذي فرض على العدليِيّن إعادة ترتيب أوراقهم. لم يكن هذا الانسحاب إلا النقطة التي أفاضت الكأس ضمن "حركة 20 فبراير." فقد برزت منذ البداية مؤشرات دالَّة على صعوبة تعايش المكوِّنات المتناقضة داخل الحركة، وهو ما أدَّى إلى ظهور تحالفات واستقطابات في الكواليس، قادها ثلاثة أطراف في البداية، هي: "مجلس دعم حركة 20 فبراير" الذي تهيمن عليه أحزاب يسارية، و"الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" مع تمثيلية محدودة لجماعة "العدل والإحسان." الشبيبات الحزبية، وخصوصًا الشبيبات اليسارية (الشبيبة الاتحادية، وشبيبة "حزب الطليعة"، وشبيبة "الحزب الاشتراكي الموحد"، وشبيبة "النهج الديمقراطي القاعدي)"، إضافةً إلى شبيبة "حزب العدالة والتنمية" تحت غطاء حركة "باراكا." المستقلون، وهذه الفئة تتشكل، أساسًا، من بعض الشباب المهتمين بالسياسة، غير المنضوين إلى أيّ حزب سياسي، وأغلبهم من الشباب المتمدرسين المنحدرين من أصول قروية. أمَّا خلفيات هذا الانقسام فيمكن تصنيفها إلى فئات ثلاثة، هي: المستوى الأيديولوجي: بين الإسلاميين واليساريين والأمازيغيين. المستوى السياسي: بين دعاة المَلَكية البرلمانية والجمهوريين. المستوى العضوي: بين الحزبيِيّن والمستقلِيّن. المثير في هذا الأمر، أنّ القرارات والمواقف داخل اللقاءات الرسمية لم تكن سوى تتويج لما جرى التحضير له سابقًا في جلسات المقاهي ومقارّ الأحزاب خارج الجموع العامَّة، على نحوٍ يخدم أجندات بعض هذه التيارات. وليس مستبعدًا أنّ أجهزة الاستخبارات قامت هي أيضًا بتوجيه مسار الحركة واختراقها من الداخل؛ لأنّ الجموع العامَّة للحركة كانت مفتوحةً للعموم للمشاركة في النقاش والتوجيه، وهذا الأمر سهَّل لاحقًا تحديد العناصر الراديكالية التي كان ترويضها عصيًّا، ومن ثمَّة اعتقالها.

رابعًا، مستقبل "حركة 20 فبراير" والسيناريوهات المحتملة

من الصعب التنبُّؤ بمستقبل "حركة 20 فبراير" في سياق سياسي يعطي انطباعًا بالاستقرار، لكنه يبقى مفتوحًا أمام كلّ الاحتمالات، نتيجة الوضعية الاقتصادية الحرجة التي يعيشها المغرب حاليًّا. فلئن كان "حزب العدالة والتنمية" الذي يقود الحكومة حاليًّا ذا حظوة شعبية مُقَدَّرة، أبرزتها نتائج الانتخابات الجزئية التي أ جريت خلال سنتي 2012 و 2013 في مجموعة من المدن المغربية (طنجة، ومراكش، وفاس)، إضافةً إلى استطلاعات رأيٍ عديدة، بوَّأت هذا الحزب الصدارة ضمن الأحزاب السياسية بالمغرب38، فإنّ احتمال انفجار الاحتجاجات السياسية مرةً أخرى أمرٌ وارد، على الرغم من نفيِ وزير الخارجية المغربي والقيادي ضمن هذا الحزب وجود خطر قيام ثورة بالمغرب39.

  1. ذ. أرس ناا: 20' فبراير' أدت ما عليها ويجب البحث عن فضاء آخر ووسائل أكثر جماعة العدل والإحسان نجاعةً"، موقع، 2011/1/19، على الرابط: http://www.aljamaa.net/ar/document/51019.shtml
  2. Benkirane: Les Marocains optimistes à 88%!", at: http://www.leconomiste.com/article/890561-enquete-l-economiste- sunergiabrbenkirane-les-marocains-optimistes-88; " Sondage exclusif: Benkirane, Monsieur 82%", at: http://www.actuel.ma/index.php?option=com_ magazines&view=detail&id=834; " Enquête L'Economiste-Sunergia : Insubmersible Benkirane", at: http://www.leconomiste.com/article/905023-enqu-te-l-economiste- sunergiainsubmersible-benkirane
  3. العثماني: لا وجود لخطر قيام ثورة بالمغرب ولكن هناك احتمالات لاضطرابات الرأي المغربية اجتماعية"، جريدة، 2013/2/17، على الرابط: http://www.alraiy.com/index.php/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9 %84%D9%89/item

في هذا السياق، يمكن استشراف المسارات الممكن أن تتخذها "حركة 20 فبراير" في المستقبل المنظور من خلال سيناريوهات ثلاثة متفاوتة الاحتمالات، بين: موت تدريجي، وثورة شعبية، أو مأسسة لهذه الحركة تضمن استمراريتها وإن على نحوٍ مختلف. يبقى أنّ هذه السيناريوهات يتحكَّم فيها، أساسًا، مستقبل العلاقة بين المؤسسة المَلَكية و"حزب العدالة والتنمية"، وإن تفاوتت أحجام حضورهما السياسي والمجتمعي، بوصفهما الفاعلين الأساسيين في الساحة السياسية حاليًّا، وهو أمر لا يمكن التنبؤ به في الوقت الراهن.

سيناريو الموت التدريجي

مع تقدم تحقيق إنجازات اقتصادية وسياسية ملموسة من لدن حكومة "العدالة والتنمية"، ستستمر "حركة 20 فبراير" في الانحسار، الأمر الذي سيؤدِّي إلى اندثارها في المستقبل المنظور. فكلّ تقدم في مسار الإصلاح السياسي، بموازاة قدر من التنمية الاقتصادية، سيدفع نحو تراجع حركة الاحتجاج السياسي. إلا أنَّ تحقّق هذا السيناريو القائم على ثنائية الإصلاح والتنمية لوأْد الحركة الاحتجاجية يبدو شديد التفاؤل بسبب طبيعة الوضع الاقتصادي المحلِّ والدولي.

سيناريو الثورة الشعبية

هذا السيناريو يقوم على عودة قوية لحركة الاحتجاج السياسي، مع راديكالية في الشعارات والمطالب. وهذا الأمر مرتبط بثلاثة احتمالات: أولً، حصول أزمة سياسية من قبيل استقالة الحكومة الحالية أو إقالتها، وهو أمر وارد بسبب تراكم الضغوط عليها من داخل مكوِّناتها ومن خارجها، وخصوصًا بعد انسحاب "حزب الاستقلال" منها، والتَّخوُّفات من أن يعيد حزب "التجمُّع الوطني للأحرار" (المقرَّب من القصر المَلكَي) الدور نفسه الذي قام به "حزب الاستقلال"؛ أي عرقلة المشاريع الإصلاحية للحكومة. فهذه الاستقالة، أو الإقالة، ستؤدِّي حتمً إلى خلخلة حالة الاستقرار السياسي، وهي خلخلةٌ ساهم وصول هذا الحزب في تأجيلها. وهذا احتمال صعب لأنّ القصر لن يضحِّيَ بالاستقرار السياسي للبلاد؛ لكونه يسعى دائمًا للظهور بمظهر الحياد وأنه فوق الجميع. كما أنّ عبد الإله بنكيران لن يغامر بتوتير الوضع السياسي عبر تقديم الاستقالة، فهو قد ظلَّ يراهن على تسوية تاريخية بين الإسلاميين والقصر تُجنِّب البلاد والعباد شرّ الفتن. يبقى أنّ الخيار الوحيد في حالة حصول أزمة سياسية بين مكوِّنات التحالف الحكومي هو اللجوء إلى انتخابات مبكرة. وهذا الاحتمال وارد لكنه لن يحصل إلا عبر تفاهم سابق بين القصر وبنكيران. ثانيًا، حصول أزمة اقتصادية خانقة، تعجز الحكومة عن معالجة تداعياتها من زيادات في الأسعار وغلاء في المعيشة. وقد بدت بوادر هذه الأزمة الاقتصادية في الاستفحال نتيجة وضْ ع دولي متأزّم اقتصاديًّا، ولا سيما لدى الشركاء الاقتصاديين للمغرب؛ مثل فرنسا وإسبانيا. يبقى أنّ هذا الاحتمال تتحكم في حدوثه أطراف خارجية متمثِّلة بشركاء المغرب الإستراتيجيين، وخصوصًا فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، ودول الخليج العربية. ثالثًا، دخول "جماعة العدل والإحسان" مرةً أخرى على خط الاحتجاج الشعبي، خصوصًا أنه لم تَجْرِ تسوية وضعها القانوني والسياسي مع السلطة، مستغلةً في ذلك الوضعيتين السياسية والاقتصادية المشار إليهما في الاحتمالين السَّ ابقين. وهذا احتمال وارد أيضًا في حالة فشل القيادة الحالية للجماعة في ترتيب أمورها الداخلية بعد غياب الزعيم المؤسس عبد السلام ياسين. في هذه الحالة يمكن أن تنقل القيادة الجديدة المعركة خارجها، لخلق حالة من التوافق الداخلي تمنع تصدُّعها. وهو احتمال يمكن أن تلجأ إليه أطراف داخل الجماعة، لتصفية حساباتها الداخلية، ولمنع كلّ محاولات للتطبيع بين الجماعة والمؤسسة المَلَكية. إلا أنه احتمال ضعيف الحصول نسبيًّا؛ لأنّ "جماعة العدل والإحسان" تمكَّنت من تجاوُز مرحلة ما بعد عبد السلام ياسين، من دون انعكاسات تنظيمية سلبية عليها، ولم تُسجَّل عليها، منذ انسحابها من "حركة 20 فبراير"، مؤشرات تدل على رغبتها في التصعيد السياسي. في ظلّ الاحتمالات الواردة أعلاه، مع ما يمكن أن يصاحبها من التحاق فئات من المهمَّشين والمعطَّلين والقوى السياسية المعارضة بحراك تؤطِّره "جماعة العدل والإحسان"، يصبح المغرب على فوهة بركان، وتصبح إمكانية إيجاد حلول وسطى متعذرةً. وهذا سيناريو متشائم جدًّا، لكنه يصبح احتمالً واردًا في حالة حصول تفاهم بين مكوِّنات الساحة الإسلامية عقب إقالة عبد الإله بنكيران أو استقالته. في تلك اللحظة لا يمكن لبنكيران أن يتحكَّم في قواعده. لكننا على الرغم

من ذلك نستبعد هذا الاحتمال لكون القصر لن يسمح بحدوثه كما أشرنا سالفًا.

سيناريو الاستمرارية والتحول نحو حركة اجتماعية وظهور الموجة الثانية من الاحتجاجات

ضمن السيناريوهات المحتملة سيناريو استمرار الأمور في اتجاه تقدُّم تدريجي بطيء في مسلسل الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وهو سيناريو يوازيه تحوُّل موازٍ لحركة الشارع؛ أي تحوُّل "حركة 20 فبراير" من حركة احتجاجية إلى حركة اجتماعية. وهذا المسار سينجح في حال اقتناع قيادات الحركة بضرورة مأسسة الفعل الاحتجاجي. ففي هذه الحال ستعمل الحركة على تجاوز العائق التنظيمي الذي ساهم في إضعافها، من خلال تأسيس جمعية أو حزب سياسي، أو الاندماج في أيٍّ من الجمعيات والأحزاب القائمة، وإيجاد صيغة ملائمة لاستيعاب التناقضات الداخلية التي تعيشها، بما يساهم في تقوية بنيتها التنظيمية. كما أنّ التحدي الأكبر يتمثّل بقدرتها على إفراز نُخب جديدةٍ، واعيةٍ بالفرص المتاحة والإكراهات المهدّدة، قادرةٍ على القيام بتحديد أهدافٍ عملية واحتجاجاتٍ موجَّهة إلى أولويات معينة، وعلى أن تصبح مجموعة ضغْط، أو جماعة مصالح، أكثر من كونها حركة احتجاج سياسي. إنّ هذا السيناريو يواجهه إشكالٌ رئيسٌ متمثِّل بقدرة الحركة على تدبير الخلافات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية بين مختلف مكوِّناتها. كما أنّ مأسسة هذه الحركة ستنهيها ك "حركة واعدة"، ولا تجعلها إلَّ رقمً من الأرقام العادية في الساحة السياسية للبلاد. زيادةً على ذلك، فإنّ الطبيعة الاجتماعية الهشة للمكوِّنات الرئيسة للحركة - وهي التي تتشكَّل، أساسًا، من الطلبة الجامعيين ومن المعطَّلين من خريجي الجامعات - تزيد من هشاشتها على المستوى التنظيمي والمطلبي. فالوضعية الطلابية عابرة، أمّا وضعية العطالة فقد أصبحت بنيويةً، لكنها وضعية نفسية هشة، ومطلبية ضيقة قابلة للاستنزاف في أيِّ لحظة كما أشرنا إلى ذلك في ما يخص بعض قيادات الحركة التي جرى احتواؤها.

خاتمة

إنّ ما هو مؤكد، على الرغم من كلّ ما قلناه عن "حركة 20 فبراير"، وما طرحناه من احتمالات متعلقة بمستقبلها، هو أنها شكَّلت مفرقًا في تاريخ المغرب المعاصر، تجلَّ في دفعها النظام الحاكم بالمغرب إلى إجراء تعديلات دستورية مثَّلت خطوةً مهمّةً في تعديل ممارسة السلطة السياسية. ولعل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بما شهدته من حياد إيجابي للإدارة المغربية، تُشكِّل علامةً لمغرب سياسي في طور التَّشكُّل. إلا أنّ نهاية "حركة 20 فبراير" التي تبقى الاحتمال الأكثر ورودًا، لا تعني نهاية الاحتجاج في المغرب، ولكنها تعني نهاية نمط من الاحتجاج يطمح إلى بناء سردية مجتمعية كبرى، كما تعني عودة البلاد إلى أشكال تأطيرية فئوية، كانت إرهاصاتها قد بدأت قبل الربيع العربي. إنّ المغرب مُقبل على تنوُّع احتجاجاته؛ ذلك أنّ المعطيات السياسية والثقافية والاجتماعية تتداخل على نحوٍ تصبح منظمات المجتمع المدني، من خلاله، هي الفاعل المجتمعي الرئيس، وهذا ما يستدعي تجديد الأطر التنظيمية والمؤسساتية لاستيعاب هذا الفاعل الجديد. إننا أمام ظاهرة احتجاجية جديدة تفرض تجديدًا في الأطر النظرية لوعيها؛ وتجديدًا لمنطق الاشتغال المؤسساتي، لاستيعابها ضمن الفضاء الوطني. ونعتقد أنّ تشكيل اللجنة الوطنية للحوار الوطني، بشأن المجتمع المدني في المغرب والأدوار الدستورية الجديدة، خطوة مؤسسية في هذا الاتجاه الصحيح تستلزم أن يوازيَها جهدٌ بحثيٌّ، لاستيعابها نظريًّا.