التمييز المحظور في القانون الدولي
الملخّص
تناقش هذه الورقة مسألة الحق في المساواة وعدم التمييز في القانون الدولي. ويستهل الباحث مقاربته بمبحث تمهيدي يحاول رصد التطوّر التاريخي للاعتراف بالمبدأ في الصكوك الدولية لحقوق الإنسان العالمية منها والإقليمية، وتعريف الحق في هذه الصكوك. ويتناول المبحث الأوّل من هذه الورقة مسألة التفرقة أو الاستبعاد أو التقييد أو التفضيل التي يقوم عليها التمييز. أمّا المبحث الثاني، فيختصّ بمعيار التفرقة بين التمييز المشروع والتمييز غير المشروع أو المحظور. وفي المبحث الثالث والأخير يستكمل الباحث المعايير الدولية لتحديد المقصود بالمساواة وعدم التمييز؛ إذ يتناول أسس التمييز المحظور أو المجموعات المستهدفة من التمييز. ويختتم البحث بمحاولة لاستكشاف الحاجة في الدول العربية إلى قانون عصري للمساواة وعدم التمييز؛ وذلك أسوة بعدّة دول قامت بسنّ قانون لهذه الغاية.
المقدمة
الدولة الحديثة هي دولة قانون يكون فيها الجميع متساوين أمام القانون ولا تمييز بينهم. وهي دولة لجميع مكوّنات المجتمع. وتقوم هذه الدولة على قيم المواطنة والمساواة الكاملة، وعلى غرس هذه القيم في الممارسات الحكومية، وفي مناهج التعليم، ووسائل الإعلام. وهي تتيح الأطر الدستورية والقانونية الملائمة لتعزيز الحقّ في المساواة وعدم التمييز؛ بما في ذلك إنشاء مؤسسات حكومية وغير حكومية لمراقبة جميع أشكال التمييز وكشفها، والعمل على القضاء عليها ومحاسبة المتورّطين فيها، ومنع أيّ شخص من الإساءة إلى آخر انطلاقًا من دينه أو عرقه أو أصله، أو لأيّ سبب تمييزي آخر. وهذا الحقّ من أهمّ حقوق الإنسان، إن لم يكن أهمّها على الإطلاق. إنّه مبدأ أساسي في الدول والنظم الديمقراطية في العالم أجمع، وحجر الزاوية فيها. وهو أساس تمتّع الفرد بجميع الحقوق والحريات الأخرى على قدم المساواة مع غيره من الأفراد؛ فالتمتع بحقوق الإنسان مشروط ابتداءً بالمساواة وعدم التمييز. ولا معنى للمواطنة من دون المساواة؛ فهي شرط مسبق للديمقراطية وللمزيد منها، وهي شرط لا غنى عنه للحفاظ على السلم الأهلي والعيش المشترك، ولا سيمّا في بعض البلاد العربية التي ابتُليت بغياب ثقافة قبول الآخر، والتي تعصف بها الصراعات والانقسامات من كلّ حدبٍ وصوب. ولا يعدو أن يكون إقرار القوانين الداخلية والقانون الدولي بهذا الحقّ، الخطوة الأولى في الطريق الطويل نحو وضعه موضع التنفيذ؛ إذ لا يزال التمييز عملةً شائعة في العالم أجمع. وهذا ما يبرّر دراسة هذه الظاهرة الخطيرة على المجتمعات كافّة من بعض زواياها القانونية المتعدّدة.
مبحث تمهيدي: الاعتراف بالحق في المساواة وعدم التمييز والمقصود به في القانون الدولي
الحقّ في المساواة وعدم التمييز هو بمنزلة حقّ عامّ تتفرّع منه حقوق الإنسان الأخرى، أو هو نقطة الانطلاق للحقوق والحريات الأخرى كافّة1. إنّه ليس حقًّا من حقوق الإنسان فقط، بل هو أحد المبادئ الأساسية التي تهيمن على سائر حقوق الإنسان المدنيّة والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي ما لم تطبّق بالمساواة على الجميع فإنّه لا يصدق عليها اسم حقوق الإنسان، بل تغدو امتيازات للبعض دون البعض الآخر. يتقاطع الحقّ في المساواة وعدم التمييز مع الحقوق الأخرى؛ فهذا الحقّ له صلة وثيقة بحقّ الكرامة، لأنّ كلا المصطلحين يقوم على فكرة أنّ الناس متساوون في الكرامة وفي حقوق الإنسان. ولا يعدو القضاء على التمييز أن يكون عملية الغاية منها أنسنة المجتمع بأسره. إنّه يعني الاحترام المطلق لحرمة الكرامة الإنسانية لكلّ إنسان. ويمثّل مبدأ احترام الكرامة الإنسانية ركيزة أخلاقية فلسفية لحقوق الإنسان كافّة بما في ذلك الحقّ في المساواة الذي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمفهوم الكرامة الإنسانية؛ لأنّه لا كرامة من دونه2. وهناك صلة وثيقة بين التمييز والفقر؛ وكما ذهبت خبيرة الأمم المتحدة في تقريرها عن مسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان الذي رفعته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2008، فإنّ "التمييز في كافّة أشكاله يبقي على الناس في حالة من الفقر، وهذا الأخير يؤدّي بدوره إلى استمرار المواقف والممارسات التمييزية ضدّهم، فالتمييز والفقر يؤدّي أحدهما إلى الآخر، وتعزيز المساواة وعدم التمييز أساسي بالتالي للتخفيف من الفقر"3. ونظرًا للأهمية القصوى التي يحظى بها الحقّ في المساواة وعدم التمييز، فقد كان من الطبيعي أن تسعى كلّ من القوانين الداخلية والقانون الدولي إلى حمايته؛ فهو يحتلّ الصدارة في كلّ من إعلانات حقوق الإنسان الشهيرة، وفي مقدّمتها إعلانات حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا في عام 1789، وفي دساتير الدول في أنحاء العالم كافّة، وفي الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان العالمية منها أو الإقليمية4. وقد غدا هذا الحقّ مع مرور الزمن جزءًا من القانون الدولي العرفي، وهو ملزم بهذه الصفة جميع الدول5.
الاعتراف بالحق في المساواة وعدم التمييز في القانون الدولي
بدأ اهتمام القانون الدولي بمبدأ المساواة وعدم التمييز تاريخيًّا بمناسبة البحث في مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تتسبّب فيها للأجانب6. وقد تقرّر المبدأ صراحةً على الصعيد الدولي ولأوّل مرة في المعاهدات المعروفة باسم معاهدات الأقلّيات، وهي معاهدات محدودة سواء من حيث نطاقها الجغرافي أو الشخصي، لأنّها لم تكن معنيّة سوى بأفراد الأقليات (وليس للأقليات بهذه الصفة) التي تعيش في بعض الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى، أو التي قامت على أنقاض الدول المهزومة (النمسا، وبلغاريا، والمجر، وتركيا)، أو في الدول الجديدة (بولندا، وتشيكوسلوفاكيا السابقة)، أو تلك التي توسّعت بضمّ أقاليم جديدة إليها (يوغسلافيا، ورومانيا، واليونان.) وقد كفلت هذه المعاهدات المساواة بين أفراد الأقلّيات وغيرهم، ولكنّها حرصت أيضًا على الاعتراف للأقليات بصفتها تلك أو للأشخاص المنتمين إليها بالحقّ في ممارسة الشعائر الدينية، وحرية استخدام اللغة القومية، وإمكانية إنشاء مدارس خاصة بها7. وكانت اليابان قد سعت في مؤتمر باريس عام 1919 إلى إدراج مبدأ المساواة العرقيّة في عهد عصبة الأمم، وحظي الاقتراح الياباني بموافقة 11 دولة من بين 17 دولة عضوًا في لجنة المؤتمر. إلا أنّ الرئيس الأميركي وقتذاك وودرو ويلسون أعلن عدم حصول الاقتراح على الأغلبية المطلوبة8. وقوبل اقتراحه بتضمين العهد نصًّا بشأن الحرية الدينية بالرفض كذلك9. وبالنتيجة لم يأت عهد العصبة على ذكر حقوق الإنسان عامّة أو على الحقّ في المساواة وعدم التمييز خاصة، والأنكى من ذلك أنّ العهد لم يقم بذكر مبدأ المساواة بين الدول10. وجاء ميثاق الأمم المتحدة الذي جرى اعتماده في سان فرنسيسكو في عام 1945 ليجعل في الفقرة الثالثة من المادّة الأولى منه، من بين مقاصد الأمم المتحدة "تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعًا والتشجيع على ذلك إطلاقًا بلا تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين." كما أنّ مبدأ المساواة وعدم التمييز لهذه الأسباب قد ورد بصورة لا لبس فيها في نصّ آخر خاصّ بمهامّ الجمعية العامة للأمم المتحدة11. وهذا ما جعل أحد أعضاء اللجنة الثالثة التابعة للأمم المتحدة يذهب إلى حدّ القول إنّ "إنشاء الأمم المتحدة قد تمّ أساسًا لمكافحة التمييز في العالم"12. غير أنّه لا ينكر أنّ ثلاثين دولة فقط من بين إحدى وخمسين دولة عضو في الأمم المتحدة كانت تقرّ في ذلك الوقت للمرأة بالحقّ في التصويت، كما أنّ أربع نساء فقط ساهمن في صوغ الميثاق أو توقيعه13. وقد ذهبت محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري لها بشأن ناميبيا إلى أنّ جنوب أفريقيا تعهّدت بمراعاة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية للجميع واحترامها من دون تمييز على أساس العرق في إقليم ناميبيا الذي كان يتمتع بوضع دولي. ووجدت المحكمة أنّ ممارسات جنوب أفريقيا في الإقليم المذكور تمثّل "إنكارًا للحقوق الأساسية وانتهاكًا صارخًا لأهداف الميثاق ومبادئه، "وخلصت بالنتيجة إلى أنّ "الوجود المستمرّ لجنوب أفريقيا في ناميبيا غير قانوني"، وطلبت منها سحب إداراتها من ناميبيا حالً ووضع نهاية لاحتلالها هذا الإقليم14. واليوم نجد أنّ مبدأ المساواة وعدم التمييز هو محلّ نصوص صريحة في الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، العالمية منها والإقليمية؛ فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من كانون الأوّل / ديسمبر يحتوي على عدد من الموادّ التي تُعنى صراحةً بمبدأ المساواة وعدم التمييز. أمّا بقية الموادّ، فتشير إلى المبدأ ضمنيًّا؛ لأنّها تنسب الحقوق الواردة فيها إلى "كلّ إنسان"، أو "كلّ فرد"، أو "كلّ شخص." والنصوص الأكثر صلةً بالمساواة وعدم التمييز في الإعلان، هي نصوص الموادّ الأولى والثانية والسابعة منه.
وتؤكّد المادة الأولى أنّ جميع الناس يولدون "أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق." ولا تكتفي المادة كما هو واضح بذكر الحرية التي كانت محور اهتمام جان جاك روسو، بل تضيف إليها المساواة. ولا تختصّ المادة بمجموعة من الناس كما ذهب إعلان الاستقلال الأميركي في عام 1776 الذي حصر الحقوق فعليًّا في البيض فقط، بل تنصرف إلى جميع الناس15. كما أنّها لا تختصّ بالمساواة بين الرجال فقط كما كان يدور في ذهن واضعي إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا في عام161789. وتحظر المادة الثانية التمييز على الوجه التالي: "لكلّ إنسان حقّ التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دون تمييز من أيّ نوع، ولا سيمّا التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيّ وضع آخر." وأخيرًا تنصّ المادّة السابعة من الإعلان على ما يلي: "الناس جميعًا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حقّ التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقّ التمتع بالحماية من أيّ تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أيّ تحريض على مثل هذا التمييز." والحقّ في المساواة وعدم التمييز حقّ محميّ في كلٍّ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللذيْن اعتمدتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966، وهما يردّدان الأسباب ذاتها التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وترتّب ثلاث اتفاقيات دولية أخرى التزامات محدّدة على الدول الأطراف في ما يتعلق بالتمييز على أساس كلٍّ من العرق والجنس والإعاقة، وهي على التوالي: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1965()، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة 1989()، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.)2006(ويرد هذا الحقّ كذلك في اتفاقية حقوق الطفل 1979()، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة 1984()، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمّ ل المهاجرين وأفراد أسرهم.)1990(وقد اعتمدت بعض الوكالات المتخصّصة التابعة للأمم المتحدة اتفاقيات دولية، لعلّ أبرزها في موضوع البحث اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم المعتمدة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في عام 1960، واتفاقية المساواة في الأجور 1951 (الاتفاقية رقم 100)، واتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة (الاتفاقية رقم 111) في عام 1958، والاتفاقية الخاصة بالعمل الملائم لعمّ ل المنازل لعام 2011. وهي اتفاقيات معتمدة في إطار منظمة العمل الدولية17. هذا على الصعيد العالمي، أمّا على الصعيد الإقليمي فقد ورد النصّ على الحق محلّ النظر في كلٍّ من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان 1950، وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي 2000، والاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان 1969، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب 1981، والميثاق العربي لحقوق الإنسان.2004
المقصود بالتمييز في القانون الدولي
على الرغم من النصّ على مبدأ المساواة ومبدأ عدم التمييز في الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، الاتفاقية منها أو التوصوية، والعالمية منها أو الإقليمية، فلا يوجد تعريف موحّد ومقبول عالميًّا لهذين المصطلحين. ولكن بعض الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان حرصت على تعريف مصطلح التمييز "لغاية الاتفاقية المعنيّة"، وهذا ما نجده في ثلاث اتفاقيات معدّة في إطار الأمم المتحدة؛ وهي الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التي تعرّف "التمييز العنصري" في المادة الأولى منها، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة التي تعرف "التمييز ضدّ المرأة" في المادة الأولى منها، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تعرف "التمييز على أساس الإعاقة" في المادّة الثانية منها18. ويعني التمييز في هذه الاتفاقيات "أيّ تفرقة أو استبعاد أو تقييد (تضيف الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري كلمة "تفضيل)" يستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو مممارستها على قدم المساواة مع الآخرين في الميادين السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو أيّ ميدان آخر (تضيف اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كلمة "والمدنية" بعد كلمة "والثقافية"، وتضيف الاتفاقية
الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري عبارة "من ميادين الحياة العامّة" بعد عبارة "أيّ ميدان آخر.)" ولا يعرف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مصطلح "التمييز." ولا يشير إلى الأفعال التي تمثّل تمييزًا. ولكن اللجنة المعنيّة بحقوق الإنسان المشرفة على تطبيق العهد رأت في تعليقها العام الثامن عشر 1989() أنّ "عبارة التمييز المستخدمة في العهد ينبغي أن تفهم على أنّها تتضمّن أيّ تفرقه أو استبعاد أو تقييد أو تفضيل يقوم لأيّ سبب كالعرق أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك ممّ يستهدف ويستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف لجميع الأشخاص على قدم المساواة، بجميع الحقوق أو الحريات أو التمتع بها أو ممارستها"19. ويمكن القول إنّ التمييز المحظور في القانون الدولي يقوم على التفرقة أو الاستبعاد أو التقييد أو التفضيل، وهو يستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان لجماعات أو فئات معيّنة وبسبب خصائصها الذاتية. وهذا ما سنتناوله في المباحث الثلاثة التالية:
المبحث الأوّل: التفرقة
أو الاستبعاد أو التقييد أو التفضيل
التمييز لغةً يعني التفرقة أو الاختلاف في المعاملة. أمّا التمييز قانونًا، فيقصد به التفرقة في المعاملة بين الأفراد من ذوي المراكز القانونية المتماثلة سواء كان ذلك عن طريق إعطاء مزايا أو فرض أعباء، والتي لا يبرّرها سبب مشروع. فالتمييز المحظور قانونًا، هو تفرقه ولكنها تفرقة تعسفية أو غير عادلة أو غير مشروعة؛ لأنها تفتقر إلى أيّ أساس موضوعي أو معقول. وهناك صلة وثيقة واعتماد متبادل بين فكرتَ المساواة وعدم التمييز. ويمكن أن ينظر إليهما بوصفهما عبارتَ إثبات ونفي للمبدأ عينه كوجهين لعملة واحدة20. ويقوم كلّ من مصطلحي "المساواة" و"التمييز"، على افتراض النسبية؛ أي أنّ المساواة أو المعاملة التمييزية يجب أن تقاس بالمقارنة بين معاملة شخص وآخر في وضعٍ مشابه أو ظروف مشابهة (يسمّى الشخص الذي تجري المقارنة معه comparator.) ولا يعني التمتع بالحقوق والحريات على قدم المساواة المعاملة المتماثلة في كلّ حالة من الحالات؛ بمعنى آخر تقوم المساواة على التشابه وليس على التطابق أو التماثل21. وأثناء إعداد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، جرى التأكيد على أنّ المساواة لا تتطلّب التطابق أو التماثل في المعاملة، وهي على العكس تسمح "بتفرقة معقولة بين الأفراد أو جماعات الأفراد بناءً على أسس ذات صلة وملموسة"22. وقد يقع التمييز في القانون وفي السياسات؛ فنكون بصدد التمييز في القانون de jure or legal discrimination وقد يقع في العمل أو في الممارسة، فتكون بصدد التمييز في الواقع discrimination facto de وتجري التفرقة كذلك بين المساواة في القانون والمساواة أمام القانون. ويتعلق النوع الأوّل من المساواة بعملية تكوين القانون، ويقع على كاهل المشرّع تحقيقها عند صوغ القانون، كما يحدث عند تضمين مبدأ المساواة بين الرجال والنساء مثلً، في الدساتير الوطنية وفي القوانين العاديّة. أمّا النوع الثاني من المساواة، فيتعلّق بعملية تطبيق القانون، أي عندما تمارس الإدارة نشاطها في تنفيذ القانون؛ وبمعنى آخر، فهي تُعنى بضمان التطبيق الفعلي لمبدأ المساواة الدستوري في جميع الميادين23. ولا يكفي أن تقوم الدولة بتطبيق القانون فقط؛ إذ توجد قوانين في الدول البوليسية أيضًا. والأهمّ هو مضمون القانون الذي يجب أن يحمي الحقوق والحريات في مواجهة السلطة. ونعرض في المطلبين التاليين لكلٍّ من معيار التفرقة بين التمييز المشروع والتمييز المحظور وللتدابير الخاصّة.
المطلب الأوّل: معيار التفرقة بين التمييز المشروع والتمييز المحظور
يتطلّب الحقّ في المساواة معاملة جميع الأشخاص الذين هم في ظروف أو أوضاع متشابهة أو متماثلة على قدم المساواة ودون تمييز، سواء في القانون أو في الممارسة. ولكن هذا الحقّ لا يستبعد أيّ تفرقة أو أيّ تباين في المعاملة؛ إذ لا تعدّ معاملة الأوضاع أو الحالات أو المراكز المتشابهة أو المتماثلة نسبيًّا analogue or relatively similar بطريقة مختلفة من قبيل التمييز المحظور دائمًا وفي جميع
الأحوال. والتمييز المحظور في القانون الدولي يعني التفرقة في المعاملة التي لا تقوم على أساس موضوعي أو معقول، والتي لا يكون الهدف منها مشروعًا. وبمعنى آخر لا يقوم التمييز إلّ في حال وجود تفرقة في المعاملة بين حالات متماثلة Comparability test ودون مبرّر معقول وموضوعي Justification test ودون وجود تلاؤم بين الهدف المقصود والوسائل المستخدَمة24.Proportionality test
المقصود بالتمييز المشروع
تطول قائمة الحالات التي يمكن إدراجها ضمن التمييز المشروع المستند إلى أسباب معقولة وموضوعية. ومن الأمثلة على التفرقة المشروعة، التفرقة بسبب طبيعة العمل المطلوب شغله أو متطلباته Genuine and determining occupational requirements كاشتراط منتج للأفلام أن يكون الممثّل الذي يقوم بدور شخصية داعية حقوق الإنسان مارتن لوثر كنج أو الرئيس الأميركي أوباما، وكلاهما من أصول أفريقية، من ذوي البشرة السوداء؛ فمثل هذا الشرط لا يعدّ تمييزًا، لأنّ طبيعة العمل المطلوب شغله تتطلّب ذلك. ومن المعقول اشتراط الديانة الكاثوليكية في المرشّح لشغل وظيفة مدير مدرسة كاثوليكية. ولكن مثل هذا الشرط يغدو من قبيل التمييز إذا امتدّ ليشمل أعضاء هيئة التدريس أو الموظفين في المدرسة25. ولا يعدّ من قبيل التمييز توظيف النساء فقط في مركز صحي خاص بالمسلمات، ولا قصر القبول في المدارس الكاثوليكية على اتّباع هذه الديانة. ومثاله كذلك اشتراط أن يكون المتقدّم لشغل وظيفة إمام مسجد مسلمً؛ فهذا الشرط هو الآخر ممّ تتطلبه طبيعة العمل. وتفضيل شخصٍ معافى وقويّ وظيفة رجل إطفاء الحرائق، هو تمييز موضوعي وجائز بالتأكيد لأنّ من الواضح أنّ الجسم السليم أمر لا غنى عنه للعمل في هذا المجال؛ أمّا تفضيل رجل على امرأة أو امرأة على رجل لشغل وظيفة إدارية، فهو تمييز غير موضوعي؛ لأنّه لا علاقة للجنس بهذا العمل. ومن المنطقي حرمان الأطفال من قيادة الحافلات. ولكن من غير المنطقي ولا المعقول حرمان المرأة من الحقّ في ذلك. ولا يخلّ بمبدأ حظر التمييز كذلك التفرقة في المعاملة بين مرتكب الجريمة وحسن السيرة والسلوك، والشيء ذاته يقال كذلك بالنسبة إلى التمييز بين مختلف الفئات العمرية في ما يتعلق بممارسة الحقوق السياسية وحقّ تولّ الوظائف العامّة. ولا يملك أيّ شخص الحقّ في الحصول على وظيفة أو على مقعد في الجامعة. ولكن لكلّ إنسان الحقّ في التنافس على قدم المساواة مع الآخرين على المقعد الجامعي أو على الوظيفة على أساس الجدارة والكفاءة. فلكلّ إنسان الحقّ في المساواة في الفرص مع الآخرين، وليس الحقّ في المساواة في النتائج. ولا يتعارض مع الحقّ المذكور كذلك قصر الزواج على من يدرك سنّ البلوغ (المادة 1/16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، أوعلى من يبلغ سنّ الزواج (المادة 2/23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، ولا حظر توقيع حكم الإعدام على أشخاص تقلّ أعمارهم عن 18 عامًا أوحظر تنفيذ هذا الحكم على الحوامل (الفقرة 5 من المادة 6 من العهد)، أو قصر بعض الحقوق على المواطنين دون سواهم (م 25/ من العهد)26. ولا يعدّ من قبيل التمييز كذلك فصل المجرمين من الأحداث عن البالغين (الفقرة 3 من المادة 10 من العهد)، أو قصر الحقوق السياسية على مواطني الدولة (م 25/ من العهد)، ولا تنطوي الحصانة البرلمانية التي تحول دون إقامة أيّ دعوى جزائية على النائب في البرلمان بمناسبة قيامه بوظيفته النيابية، على مساس بمبدأ المساواة أمام القانون بين النائب والمواطن العادي27. وتخصيص مقاعد للأشخاص ذوي الإعاقة أو لكبار السنّ في الحافلات وفي مواقف السيارات، لا يعدّ من قبيل التمييز المحظور28.
الاجتهاد القضائي وشبه القضائي
استقرّت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على اشتراط وجود المبرّر الموضوعي والمعقول للتفرقة المشروعة في المعاملة، إضافةً إلى شرط التلاؤم مع الغاية المنشودة. وهذا ما ذهبت إليه المحكمة في قضايا عدة؛ أبرزها قضية عبد العزيز وكابالي وبالكاندالي ضدّ المملكة المتحدة29، والقضية اللغوية البلجيكية30. وفي حكمها الصادر في قضية Thilmmenos ضدّ اليونان، خلصت المحكمة إلى أنّ الحقّ
في عدم الخضوع للتمييز يكون محلّ إنكار، عندما تقوم الدولة دون مبرّر موضوعي ومعقول بمعاملة جميع الأشخاص الذين يتمتعون بمراكز قانونية أو فعلية مختلفة معاملة متساوية31. وفي قضية أخرى ذهبت المحكمة إلى أنّ رفض السلطات النمساوية تقديم مساعدة عاجلة لعاطل عن العمل كونه أجنبيًّا ليس مبرّرًا معقولً وموضوعيًّا. وفي المقابل، وجدت المحكمة أنّ معاملة القاصرين معاملة خاصة في إجراءات التوقيف الاحتياطي هي تفرقة معقولة وموضوعية؛ لأنّ الغاية منها ضمان إجراءات حمائية لمصلحة الأحداث32. وذهبت لجنة حقوق الإنسان المشرفة على تطبيق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في تعليقها العامّ رقم 18 1989() الخاص بعدم التمييز إلى أنّ: "ليست كلّ تفرقة في المعاملة تعدّ تمييزًا؛ فالتفرقة التي تستند إلى معايير معقولة وموضوعية، والتي تهدف إلى تحقيق غرض مشروع بموجب العهد ليست مشمولة بمبدأ حظر التمييز" (الفقرة 13.) وبيّنت اللجنة في فقرة أخرى من التعليق (الفقرة 8) أنّ أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية صريحة في أنّ التمتع بالحقوق والحريات على قدم المساواة لا يعني المعاملة المماثلة في كلّ حالة من الحالات34. "وينبغي أن تكون أيّ تقييدات تفرض على حقّ الترشيح للانتخاب مثل تعيين حدٍّ أدنى للسنّ، تقييدات مبرّرة قائمة على معايير موضوعية ومعقولة. وينبغي ألّ يستثنى أيّ شخص مؤهّل من ترشيح نفسه للانتخاب لأسباب غير مقبولة أو لأسباب تمييزية؛ من قبيل مستوى التعليم، أو مكان الإقامة، أو النسب، أو الانتماء السياسي"35. وطبّقت لجنة حقوق الإنسان اختبار المعقولية والموضوعية في عددٍ كبير من القضايا36.
المطلب الثاني: التدابير الخاصة
لا تؤدّي المساواة القانونية أو الشكلية إلى المساواة الفعلية، ولا بدّ لهذه الغاية من معاملة الناس في بعض الأحوال معاملة مختلفة تراعي ظروفهم الخاصة؛ وذلك عن طريق اتّخاذ تدابير خاصة أو إيجابية لمصلحة الفئات التي تعاني من التمييز. وبمعنى آخر لا يمنع حظر التمييز اتّخاذ تدابير خاصة أو إيجابية لمصلحة الجماعات المحرومة. ويمكن في بعض الحالات أن يتطلّب مبدأ المساواة من الدولة أن تتّخذ تدابير خاصة37special or specific measures وموقّتة الغاية منها تفضيل الجماعات التي تعاني من التمييز والحدّ من الأوضاع التي يمكن أن تتسبّب في إدامة التمييز أو تساعد عليه، أو إنهاء هذه الأوضاع، ودون أن تعدّ هذه الحالات خروجًا على مبدأ المساواة في المعاملة. ومثال ذلك التدابير الخاصة لضمان التمثيل الملائم للمجموعات المحرومة أو التمثيل المتوازن للمجموعات المختلفة من السكّان. ومثله كذلك توفير فرص العمل أو فرص تعليمية مميّزة خاصة للجماعات التي كانت ضحيّة التمييز في الماضي، وتخصيص نسبة معيّنة من مقاعد المجالس المنتخبة للمرأة وإعطاؤها الأولوية في تولّ المناصب القيادية (الكوتا) أو منحها الأفضلية حين يتعلق الأمر بالالتحاق بالمدارس أو الجامعات، وهذه حالات لا يراعى فيها عوامل الشعبية في صناديق الاقتراع، ولا عوامل الخبرة والكفاءة. وهي تعدّ نوعًا من التفرقة. ولكنّها تفرقة مشروعة. ومن هذا القبيل كذلك تخصيص مقاعد معيّنة لكبار السنّ أو للأشخاص ذوي الإعاقة في وسائل النقل العام. وقد يقع التمييز لعوامل وطنية أو إنسانية؛ وذلك حينما يكون المستهدف منه فئات معيّنة مثل ذوي الشهداء والأسرى والجرحى في الحروب، ومن يقدّم خدمات جليلة للوطن. ولكن مثل هذه الحالات من المعاملة التفضيلية محلّ خلاف، وقد لا تدخل في صميم التمييز المعكوس أو الإيجابي. وهناك حالات من المعاملة التفضيلية يمكن أن تكون محلّ جدال هي الأخرى؛ مثل تمييز العاطلين عن العمل مدة طويلة بتقديمهم على
سواهم من طالبي الوظيفة. وفي المقابل، تعدّ إعادة تعيين الموظفين العامين السابقين الذين فُصلوا عن العمل ظلمً لأسبابٍ سياسية، من قبيل التمييز المشروع؛ وذلك لأنّ هؤلاء لهم الحقّ في سبل انتصاف فعّالة وفقًا للمادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإعادة التعيين هي واحدة من سبل الانتصاف. وتقرّ الصكوك الدولية لحقوق الإنسان بقانونية التدابير الخاصة بشروط معيّنة، ولكن هذه التدابير لا تخلو من النقد.
التدابير الخاصة في الصكوك الدولية لحقوق الإنسان
تجيز الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التمييز الإيجابي لمصلحة كلٍّ من الأقلّيات أو الجماعات العرقية والإثنية والمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة بصفة خاصة38. فوفقًا للمادّة الخامسة من الاتفاقية الخاصة بالتمييز في مجال الاستخدام والمهنة رقم 111 المعتمدة في إطار منظمة العمل الدولية في عام 1958، لا يعدّ من قبيل التمييز المحظور، تدابير الحماية الخاصة لأشخاص يعدّون عمومًا بسبب جنسهم أو سنّهم أو عجزهم أو مسؤولياتهم العائلية أو وضعهم الاجتماعي أو الثقافي أو ما إلى ذلك، في حاجة إلى حماية أو مساعدة خاصة. ولا تعدّ الاتفاقية أيّ تفرقة أو استثناء أو تفضيلً بصدد عمل معيّ تمييزًا إذا كان مبنيًّا على أساس المؤهلّات التي تقتضيها طبيعة العمل. كما لا يعدّ من هذا القبيل التدابير الإيجابية لتعجيل المساواة في مجال التعليم39. وتوجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على الدول الأطراف عند الاقتضاء، اتّخاذ تدابير خاصة وملموسة لفائدة "بعض الجماعات العرقيّة أو للأفراد المنتمين إليها"، ولكنّها تشترط أن يكون الغرض الوحيد من هذه التدابير تأمين تقدّم تلك الجماعات وهؤلاء الأفراد، وأن تكون لازمة لهم من أجل تمتّعهم وممارستهم بالتساوي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. وأن لا تؤدّي إلى الاحتفاظ بحقوق منفصلة تختلف باختلاف الجماعات العرقيّة. وأن تستمرّ بعد بلوغ الأهداف التي اتُّخذت من أجلها" (الفقرة الثانية من المادة الثانية.) من الواضح أنّ التدابير الخاصة التي يكون الهدف منها تطوير جماعات محرومة أو ضعيفة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وتعليميًّا، لا تعدّ تمييزًا ضدّ الجماعات الأخرى في المجتمع، إذا كانت لفترة انتقالية؛ بحيث لا تؤدّي إلى فقدان المجموعة ذاتيتها الخاصة40. وتسمح اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضدّ المرأة باتّخاذ تدابير خاصة موقّتة، تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة، ولكن شريطة وقف العمل بهذه التدابير متى تحقّقت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة. كما أنّ التدابير الخاصة التي تستهدف حماية الأمومة لا تعدّ من قبيل التمييز (المادة الرابعة.) وكثيرًا ما دعت لجنة القضاء على التمييز ضدّ المرأة الدول إلى اتّخاذ تدابير خاصة لزيادة إدماج المرأة في مجالات التعليم والاقتصاد والسياسة والعمل41. وخلافًا لما عليه الحال في الاتفاقيتين الدوليتين المذكورتين سابقًا، لا تضع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة حدًّا زمنيًّا لاستخدام التدابير الإيجابية لمصلحة الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا توجب توقيتها بزمن معيّ؛ وذلك لأنّ هناك حاجة لاستخدام هذه التدابير إلى ما لا نهاية، بحيث يمكن لهؤلاء التمتع مع الزمن بالمساواة الفعلية. ولم يتح بعد للجنة المعنيّة بالأشخاص ذوي الإعاقة إصدار تعليقات عامّة على الاتفاقية. غير أنّ لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذهبت في أحد تعليقاتها العامّة إلى أنّ عدم توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، هو شكل من أشكال التمييز المحظور في القانون الدولي ضدّ هذه الفئة من الناس42.
وجاء العهد الدولي الخاص بحقوق الإنسان المدنية والسياسية خلوًا من النصّ على التدابير الخاصة؛ وذلك بعد أن أخفق اقتراح هندي بتضمين العهد نصًّا بهذا الشأن. ولكن اللجنة المعنيّة بحقوق الإنسان التي تقوم بالإشراف على تطبيق العهد، كثيرًا ما دعت في تعليقاتها العامة إلى اتّخاذ مثل هذه التدابير لمصلحة المرأة وأجزاء معيّنة من السكّان والأقليات، وشريطة أن تكون مستندة إلى معايير معقولة وموضوعية"43. وبالمثل جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خلوًا من النصّ على التدابير الخاصة، ولكن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشرف على تطبيق الدول الأطراف للعهد، دعت الدول إلى اتخاذ تدابير خاصة موقّتة بغية التعجيل بالوصول إلى المساواة، كما ذهبت إلى أنّ "الدول الأطراف، قد تلزم، بل أنّ عليها التزامًا في بعض الحالات، بأن تعتمد تدابير خاصة لتخفيف أو كبح الظروف التي تديم التمييز." وأضافت اللجنة "وتكون تلك التدابير مشروعة ما دامت تمثّل وسائل معقولة موضوعية ومتناسبة للتصدي للتمييز بحكم الواقع ويتم التخلي عنها عندما تتحقّق المساواة، ويجري التخلّ عنها عندما تتحقّق مساواة موضوعية قابلة للدوام. غير أنّ تلك التدابير الإيجابية قد تحتاج في حالات استثنائية، إلى أن تكون دائمة؛ كتوفير خدمات الترجمة الفورية للأقليات اللغوية وترتيبات معقولة تيسّ للأشخاص ذوي الإعاقات الحسّية الوصول إلى مرافق الرعاية الصحّية"44.
تقييم التدابير الخاصة
لا تعدّ التدابير الخاصة استثناء أو خروجًا على الحقّ في المساواة. وهي ليست من قبيل التمييز أو من قبيل منح مزايا للبعض وحرمان البعض الآخر منها. بل هي بمنزلة تعويض للجماعات المستهدفة عن معاناتها من التمييز، أو هي بمنزلة تصحيح لأوضاع ظالمة سابقة ناجمة عن اللامساواة، أو تصويبها. ولا غنى عن هذه التدابير لتحقيق المساواة الموضوعية التامّة والفعّالة46 وليس المساواة الشكلية أو الرسمية التي ينبغي أن يحرص كلّ من القانون الداخلي والقانون الدولي على عدم الاكتفاء بها48؛ فالمساواة القانونية بين الرجل والمرأة لا تؤدّي في النتيجة إلى مشاركة المرأة في مختلف الميادين بأعداد مساوية لأعداد الرجال49. ومن هنا تتأتّ أهمية التدابير الخاصة التي ترمي إلى التعجيل في تحقيق المساواة الفعلية أو الموضوعية فيما بينها. وكما ذهبت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم 16() بشأن المساواة بين الرجل والمرأة في حقّ التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنّ كلًّ من مفهوم "المساواة بحكم القانون (أو المساواة الشكلية) والمساواة بحكم الأمر الواقع (أو الجوهرية) الفعلية، هما مفهومان مختلفان ومترابطان مع ذلك. وتتحقّق المساواة الأولى إذا تعامل القانون أو السياسة مع الرجل والمرأة مثلً بطريقة محايدة. أمّا المساواة الجوهرية، فتهتمّ علاوةً على ذلك، بتأثير القانون والسياسات والممارسات العملية، وضمان عدم إدامتها للمساوئ التي تعاني منها أصلً فئات معيّنة من الناس، بل تخفيفها بالأحرى50. ويمكن القول إنّ الحقّ في المساواة حقّ فردي. أمّا المعاملة التفضيلية، فتتعلّق بحقوق الجماعة. ويتوارى حقّ الفرد في عدم التعرّض للتمييز أمام حقوق الجماعة في أن تعوّض عن التمييز الذي عانت أو تعاني منه، وحقّها في تصحيح الأوضاع الظالمة التي عاشت أو تعيش فيها. غير أنّ هناك من ينتقد التدابير الخاصة؛ إذ لا شكّ في أنّها تفرض أعباء جدّية على الدولة بخاصّة إذا كانت واسعة الانتشار. يضاف إلى ذلك أنّ نظرة باقي فئات المجتمع إلى الجماعات المستفيدة منها نظرة سلبية عمومًا. ويؤثّر نظام الكوتا سلبيًّا في سوق العمل الذي يضطرّ لقبول أشخاصٍ أقلّ قدرةً على المنافسة، وفي المؤسسات التعليمية التي تضطرّ هي الأخرى لقبول طلبة غير مؤهّلين بما يكفي للدراسة. ولا تسمح هذه التدابير بالضرورة بتطوير الجماعات المستفيدة منها، ولا بعودة العدالة والمساواة المفقودة. وليس هناك ما يدلّ على أنّ النتائج المتحصّل عليها في هذا الإطار، هي على مستوى الغايات المرجوّة والأموال المهدورة والجهود المبذولة51. وتعود التدابير الخاصة بالنفع موقّتًا على الناس الأكثر حظًّا ضمن المجموعات المستفيدة؛ وذلك على حساب الأقلّ حظًّا في داخل المجموعات الأخرى. والنتيجة هي أنّ كلّ مجموعة تنظر إلى نفسها منفصلةً عن الأخرى.
ومع هذه السياسة لا يعود هناك ثمّة دافعية إلى العمل والإنجاز لدى المستفيدين منها؛ مثل طلبة الجامعات الذين يقبلون استثناءً بصرف النظر عن الكفاءة والجدارة، وهم بالتالي يشعرون ويتوقّعون أنّه يمكنهم الحصول على الشهادة الجامعية والانخراط في سوق العمل بالسهولة ذاتها. وفي المقابل، يشعر الذين جرى التمييز ضدّهم أنّه لا طائل من الاجتهاد والجهد؛ لأنّ الآخرين وصلوا إلى ما وصلوا إليه دون وجود حاجة إلى ذلك. والنتيجة في الحالتين، هي انحدار المعايير الوظيفية والمهنية. والمجتمع ككلّ هو الخاسر من تدنّ المستوى، ومن إهمال الجدارة والكفاءة التي ينبغي أن تكون الأساس الوحيد للتميّز في المجتمع. ويسهل على الدولة تطبيق سياسةٍ تقوم على التمييز الإيجابي. ولكنّه قد يصعب وضع حدٍّ لهذه السياسة؛ وذلك لأنّ أيّ محاولة في هذا السبيل ستتّهم بأنّها لا تأخذ في الحسبان الحقوق المكتسبة52. ومهما يكن من أمر، فإنّ اللجوء إلى التدابير الخاصة يبقى جوازيًّا. وهو محاط بمجموعة من الشروط الصارمة؛ لأنّه وإن كان عادلً أحيانًا، إلا أنّه يستهدف أو يستتبع دائمًا تعطيل الاعتراف بالحقّ في المساواة وعدم التمييز، أو عرقلته. وتتعلّق هذه الشروط بالجهة أو الجهات المستفيدة من هذه التدابير والغايات التي شرعت هذه التدابير من أجلها ومدّتها الموقّتة (وليس المطلقة أو المفتوحة أو غير المحدّدة) التي يجب ألّ تتجاوزها.
المبحث الثاني: استهداف تعطيل الاعتراف بحقوق الإنسان أو استتباعه أو عرقلته
تحظر الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أساسًا التمييز المباشر وغير المباشر. ولكن التمييز قد يتّخذ أشكالً أخرى.
المطلب الأوّل: التمييز المباشر وغير المباشر
في معرض تعريف التمييز، تشترط الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أن تستهدف تدابير التفرقة، أو الاستبعاد، أو التقييد، أو التفضيل، أو تستتبع تعطيل الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها أو ممارستها من جميع الأشخاص على قدم المساواة، أو عرقلتها؛ فالتمييز يكون مباشرًا حين يكون من أغراضه purpose تعطيل الاعتراف بحقوق الإنسان أو عرقلته. أمّا التمييز غير المباشر، فيكون من آثاره.effect ذلك
التمييز المباشر
يقصد بالتمييز المباشر discrimination direct (يسمّى كذلك التمييز العلني أو الظاهر أو الواضح أو الصريح) "معاملة فرد أو مجموعة من الأفراد معاملة أقلّ حظوةً أو أفضلية less favourable أو مواتاة من معاملة فردٍ آخر أو مجموعة أخرى من الأفراد في ظروف مماثلة أو مشابهة similar.or.analogues ولسبب أو أكثر من الأسباب المحظورة للتمييز؛ مثل العرق، أو الجنس، أو الإعاقة وغير ذلك"53. ومثال هذا النوع من التمييز استبعاد القواعد والممارسات والسياسات بعض الأفراد، أو منحهم الأفضلية لانتمائهم إلى مجموعة معيّنة لا غير؛ كإعلانات الوظائف التي تسمح للرجال وحدهم بالتقدّم إلى الوظائف، أو تلك المقتصرة على خرّيجي جامعات معيّنة، أو التي تستبعد ذوي البشرة السوداء من التقدّم لشغل الوظيفة. ويدخل في هذا النوع من التمييز كذلك عدم تعيين امرأة في وظيفةٍ ما، أو فصلها عن العمل لكونها امرأة، أو بسبب الزواج أو الحمل، وحظر كلّ من خدم في وظائف معيّنة في نظام سياسي سابق من شغل الوظيفة، وعدم التعيين في وظيفة أو الفصل منها لأسباب سياسية، والتمييز في الأجر بين الرجل والمرأة، وحظر تولّ الوزارة وما في حكمها على من يتمتّع بجنسية أجنبية. ومثاله كذلك قصر العمل في مؤسسات الدولة على مجموعات معيّنة من المواطنين أو على ذوي آراء معيّنة؛ ففي كلّ هذه الأمثلة هناك معاملة أقلّ تفضيلً لشخص من الآخر بسبب الجنس أو العرق أو الجنسية، أو الرأي السياسي. وهي معاملة تجعل الأوّل في مركز قانوني أدنى من مثيله للثاني. ولا يشترط في التمييز المباشر، مثله مثل بقية أشكال التمييز سوء النيّة أو نية التمييز لثبوته؛ ففي قضية جنوب غرب أفريقيا (المرحلة الثانية: 1966) أمام محكمة العدل الدولية، ردّ القاضي تاناكا، في رأيه المخالف، على ما زعمته جنوب أفريقيا من أنّ الغرض من سياسة الفصل العنصري في الإقليم هو تعزيز رفاهية سكّان الإقليم وتقدّمهم الاجتماعي. وقال إنّ سياسة الفصل العنصري سياسة جائرة بصرف
النظر عن الدافع وراءها لدى الدولة المنتدبة54. إذ ليس المهمّ إثبات سوء نية من يلجأ للتمييز، وإنّ ا الأثر السلبي الذي يحدثه التمييز في ضحاياه. ويحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادتين 2(26() و) منه التمييز المباشر والتمييز غير المباشر على حدٍّ سواء55. وقد وجدت اللجنة المعنيّة بحقوق الإنسان المشرفة على تطبيق العهد عدّة حالات من التمييز على أساس الجنس، والتي لم يكن لها مبرّرات موضوعية ومعقولة56. وبالمثل نظرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مرارًا في حالات من التمييز المباشر على أساس الجنس أو العرق أو الجنسية57.
التمييز غير المباشر
يُقصد بالتمييز غير المباشر discrimination Indirect (يسمّى كذلك التمييز الخفيّ أو المضمر أو المستتر) القوانين أو السياسات أو البرامج أو الممارسات التي تبدو محايدة أو عادلة في ظاهرها أو للوهلة الأولى، ولكنّها تمييزية في مضمونها fair are that practices in form but discriminatory in operation لما لها من تأثير تمييزي عند تنفيذها. ومن قبيل التمييز غير المباشر القوانين التي تفرض عقوبات أشدّ على المرأة من تلك التي تفرض على الرجل بسبب الزنا أو غيره من الجرائم، واستبعاد نسبة كبيرة من النساء العاملات بصورة خاصة، من نطاق تطبيق قانون العمل58. ومثاله كذلك اشتراط سنّ معيّنة لشغل الوظيفة، يحول دون تمكين النساء اللواتي يتوليّن العناية بأطفالهنّ من الترشّح للوظيفة؛ واشتراط التفرّغ التام للوظيفة الذي يؤدّي بالضرورة إلى عدم تمكّن نسبة كبيرة من النساء إلى الترشّح لها59. ويدخل في هذا النوع من التمييز كذلك اشتراط الموافقة الأمنيّة لتولّ الوظائف؛ واشتراط ذكر الدين أو مكان الولادة في الهويّة أو في جواز السفر، والذي قد يمهّد بدوره للتمييز. وتقوم الحالات السابقة من التمييز غير المباشر وهي أكثر تعقيدًا من التمييز المباشر على المواربة في الإفصاح عن الدافع التمييزي للقوانين والممارسات والسياسات التمييزية. وهي تعدّ من قبيل التمييز المحظور، إذا لم يكن الغرض المنشود منها مشروعًا، وليس لها ما يبرّرها، ولم تكن الوسائل المستخدمة متلائمة وضرورية لتحقيق هذا الغرض. ولا تشير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان صراحةً إلى التمييز غير المباشر. ولكن هذا النوع من التمييز مشمول ضمنًا في الاتفاقية60. وهذا ما أيّده كذلك قضاء المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب62. ومثله مثل التمييز المباشر، يقع التمييز غير المباشر بصرف النظر عن النيّة أو القصد؛ فالنيّة المبيّتة للتمييز لا تشترط لثبوته. ولكن استثناء، فإنّ كلًّ من الدستور وقانون الحقوق المدنية الأميركيَيّن يشترطان إثبات قصد التمييز، في التدابير التي ظاهرها غير تمييزي ولكن آثارها تمييزية، لوجود التمييز غير المباشر63.
المطلب الثاني: صور التمييز الأخرى
من الممكن أن يقع التمييز لأكثر من سبب. وهناك حالات يدقّ فيها الأمر:
التمييز المتعدّد
يقصد بالتمييز المتعدّد discrimination Multiple(يسمّى كذلك المضاعف أو المركّب، أو التراكمي، أو المشدّد، أو المتقاطع Intersectional) خضوع الشخص لتمييز متعدّد الأشكال يقوم على أكثر من سبب من أسباب التمييز المحظور. كما أنّ الحقّ في المساواة وعدم التمييز يتقاطع مع الحقوق الأخرى. و يتّخذ التمييز المتعدّد عدة صور؛ فنحن نصادف هذا النوع من التمييز، كما ذهبت لجنة القضاء على التمييز العنصري في توصيتها العامة رقم 25()، في فئات "النساء اللاتي قد يعانين، إضافةً إلى معاناتهن من التمييز الموجّه ضدّهن بسبب كونهنّ نساء، من التمييز
بسبب الانتماء إلى أقلّية عرقية أو دينية أو بسبب الإعاقة أو السنّ أو الطبقة أو الطائفة الاجتماعية أو غير ذلك من العوامل"65. وتولي الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عنايةً خاصة بهذا النوع من التمييز؛ فديباجة الاتفاقية تلفت النظر إلى "الظروف الصعبة التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة الذين يتعرضون لأشكال متعددة أو مشدّدة من التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغيره من الآراء أو الأصل الوطني أو العرقي أو الاجتماعي أو الملكية أو المولد أو السنّ أو أيّ مركز آخر." كما أنّها "تعترف بأنّ النساء والفتيات ذوات الإعاقة غالبًا ما يواجهن خطرًا أكبر في التعرّض، سواء داخل المنزل أو خارجه، للعنف أو الإصابة أو الاعتداء، والإهمال أو المعاملة غير اللائقة، وسوء المعاملة أو الاستغلال"66. وتقرّ المواد 6(7() و 24() و) صراحةً، بالتمييز المتعدد الذي تواجهه النساء والفتيات المعوقات وبالاحتياجات الخاصة للأطفال المعوقين، ولا سيمّا في ما يتعلق بالتعليم. ويدعو إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية لعام 2007 في المادة)21(1() الدول إلى إيلاء اهتمام خاصّ بالحقوق والاحتياجات الخاصة للمسنيّن والنساء والشبان والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة من الشعوب الأصليّة67. وكثيرًا ما تنظر المحاكم الدولية وهيئات معاهدات حقوق الإنسان في قضايا تتعلق بخرق أكثر من حقّ من حقوق الإنسان؛ فقد أتيح للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، على سبيل المثال، أن تنظر في قضايا تمييز على أساس كلٍّ من العرق والجنس68. وما انفكّ النهج السائد في المحاكم الوطنية يركّز على الأسباب الفردية للتمييز، حتى ولو كان القانون يشمل الحماية من التمييز لعدة أسباب69؛ ففي بريطانيا مثلً لا يجيز قانون المساواة البريطاني لعام 2010 الادّعاء بالتمييز القائم على أكثر من أساس. ولا يجيز القانون الجمع بين التمييز المباشر وغير المباشر في دعوى واحدة. وعلى سبيل المثال لا يجوز لامرأة معاقة أن تدّعي أنّها ضحية تمييز مباشر على أساس الإعاقة وضحية تمييز غير مباشر بسبب الجنس في دعوى واحدة؛ وذلك لأنّه لا يكون من الواضح أيّ من الأساسين كان وراء المعاملة التمييزية70.
التحرّش
ظاهرة العنف ظاهرة متفشّية، ولها أثر لا ينكر على مبدأ المساواة وعدم التمييز. والعنف القائم على أساس نوع الجنس هو شكل من أشكال التمييز يكبح قدرة المرأة على التمتع بحقوقها وحرياتها على قدم المساواة مع الرجل. وهذا ما ذهبت إليه لجنة القضاء على التمييز ضدّ المرأة في التوصية العامة رقم 29 1992()؛ إذ قالت "إنّ تعريف المادة الأولى من اتفاقية التمييز ضدّ المرأة يشمل"العنف القائم على أساس نوع الجنس، أي العنف الموجّه ضدّ المرأة بسبب كونها امرأة أو العنف الذي يمسّ المرأة على نحو جائر. ويشمل الأعمال التي تلحق بها ضررًا أو ألمًا جسديًّا أو عقليًّا أو جنسيًّا، والتهديد بهذه الأعمال والإكراه وسائر أشكال الحرمان من الحرية"71. ويشمل العنف المبنيّ على أساس الجنس الاعتداء الجنسي والاستغلال التجاري للمرأة في الجنس والاتّجار بالإنسان. وربّ ا تكون أكثر أشكال العنف القائم على أساس الجنس انتشارًا تلك المرتكبة في الممارسات والمواقف التقليدية، بما في ذلك الممارسات الثقافية؛ مثل ختان المرأة والإجبار على الزواج، وإصابتها بالعقم والاجهاض القسريَيّن، والعنف الأسري الذي يشمل الضرب والاغتصاب وغيرهما من أشكال الاعتداء الجنسي والعنف النفسي. ويقصد بالتحرش Harassment كلّ سلوك غير مرغوب فيه يهدف إلى الحطّ من كرامة شخصٍ ما وخلق بيئة من الخوف أو العداء أو الإهانة أو التحقير أو الكراهية له؛ وذلك لسببٍ من أسباب التمييز المعروفة أو يستتبع ذلك72. وتشمل المضايقة الجنسية أيّ سلوك مقيت ومتعمّد أساسه الجنس؛ مثل الملامسات البدنية والعروض المادية، والملاحظات ذات الطابع الجنسي وعرض الموادّ الإباحية والمطالب الحسّية سواء بالقول أو بالفعل. ويمكن أن يكون هذا السلوك مهينًا ويتسبّب في مشكلات للصحّة والسلامة؛ وهو تمييزي عندما تعتقد المرأة لأسباب معقولة أنّ اعتراضها أو احتجاجها عليه
يسيء إلى وضعها في العمل بما في ذلك توظيفها أو ترقيتها، أو عندما يخلق بيئة عمل معادية73. وتنشأ قضايا التحرّش بما في ذلك التحرش الجنسي أساسًا في مكان العمل، ولكنه قد يقع خارجه. والنساء الأكثر عرضةً له هنّ من الشابات غير المستقلات ماديًّا وغ رر المتزوجات أو المطلّقات والمهاجرات. ويقع التحرش عادةً من أشخاص تخولهم مراكزهم قدرًا من السلطة؛ مثل المدرّس في علاقاته بالطلبة، أو الطبيب في علاقاته بالمرضى، أو الموظّف أو رجل الشرطة في علاقاتهما بالجمهور. وتثار في هذا الصدد مسؤولية صاحب العمل عن أفعال التحرّش التي يرتكبها عامل لديه ضدّ العمّ ل الآخرين أو ضدّ العملاء74.
التمييز المفترض والتمييز بسبب الرابطة أو الصلة
ومثال التمييز المفترض أو المتصوّر perceived assumed, تمييز شخص ما ضدّ شخص آخر اعتقادًا منه أنّه يعاني من إعاقة مع أنّه ليس كذلك، ورفض صاحب عمل تعيين شخص اعتقادًا منه أنّه أسود في حين أنّه ليس كذلك؛ فهذان نوعان من التمييز المباشر أوّلهما على أساس الإعاقة، وثانيهما على أساس العرق. ويقوم التمييز بسبب الرابطة أو الصلة associated على أساس الرابطة أو الصلة الفعلية أو المفترضة بين الشخص المميّز ضدّه وشخص آخر هو المقصود بالتمييز؛ ومثاله حرمان شخص من غير الغجر Roma يرافق شخصًا من الغجر من الدخول إلى محلّ عام، ورفض تأجير زوج وزوجة لأنّ أحدهما أسود أو سوداء، والتمييز ضدّ أب طفل ذي إعاقة75. وعلى صعيد القوانين الداخلية، تحظر القوانين الإنكليزية والأيرلندية والبلغارية هذين النوعين من التمييز. وفي فرنسا يستخدم القانون الفرنسي مصطلح التمييز على أساس العرق "الحقيقي أو المتخيّل." وفي هولندا يحظر القانون التمييز بسبب الإعاقة السابقة أو التي قد توجد في المستقبل. ويوسع القانون النمساوي الحماية لتشمل الأقارب الذين يتولّون العناية بالأشخاص ذوي الإعاقة76.
المبحث الثالث: أسس التمييز المحظور
(المجموعات المستهدفة من التمييز)
ليست كلّ تفرقة في المعاملة بين الأفراد والجماعات هي من قبيل التمييز المحظور في القانون الدولي؛ فلا بدّ للتمييز من أن ينبني على أسباب غير مشروعة، وأن لا يكون له أسباب غير موضوعية ولامعقولة. ولا تكتفي الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والقوانين الوطنية77 بالنصّ على مبدأ المساواة وعدم التمييز، وإنّ ا تردف ذلك بذكر أسباب معيّنة للتمييز المحظور التي لا يقوم التمييز من دونها؛ فالتمييز يؤدّي إلى إنكار المساواة في المعاملة بين فردٍ أو آخر، أو بين مجموعة أفراد ومجموعة أخرى منهم، لأنّه أو لأنّهم ينتمون إلى جماعة أو فئة معيّنة في المجتمع. وبمعنى آخر يجب أن تعزى التفرقة المحظورة في المعاملة إلى الوضع الخاص للفرد المميّز ضدّه بوصفه عضوًا في مجموعة يمكن التعرّف إليها مختلفة عن المجموعة المميّز لمصلحتها. وعلى سبيل المثال، فقد خلصت اللجنة المعنيّة بحقوق الإنسان في قضية B.D.B. ضدّ هولندا إلى أنّ قيام الجهة الإدارية الحكومية بإبلاغ بعض أطباء العلاج الطبيعي بالالتزام بالتأمين دون البعض الآخر منهم، لا يعدّ من قبيل التمييز المحظور؛ وذلك لأنّ الأطباء البيطريين المميّز ضدّهم ليسوا فئة مختلفة عن أقرانهم المميّز لمصلحتهم، ولا ينتمون إلى أيٍّ من المجموعات التي يحظر التمييز ضدّها صراحةً أو ضمنًا بموجب العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية78. وقد أدّى تنوّع دوافع التمييز أو بواعثه إلى ظهور صكوك دولية عديدة تختلف في تناولها هذه المسألة. وهذا ما سنقف عليه قبل أن نقف على مسألة التدرّج بين الأسس التي يقوم عليها التمييز، والتي ينبغي دراستها بصورة مستقلّة. المطلب الأوّل: تنوّع دوافع التمييز أو بواعثه تختلف الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان في تناولها دوافع التمييز أو بواعثه. وتكتفي بعض هذه الاتفاقيات بأساس أو باعثٍ واحد أو أكثر للتمييز. وهذا ما نجده في كلٍّ من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965 التي تحظر التمييز على أساس العرق واللون والنَّسب والأصل الوطني أو الإثني، واتفاقية
القضاء على أشكال التمييز كافّة ضدّ المرأة لعام 1979، والتي تولي عنايتها بالتمييز القائم على الجنس فقط، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي اعتمدتها الجمعية العامّة للأمم المتحدة عام 2006 التي تنصرف إلى التمييز على أساس الإعاقة، والاتفاقية الخاصّة بوضع اللاجئين لعام 1951 التي تحظر التمييز بسبب العرق والدين وبلد المنشأ؛ واتفاقية التمييز في مجال الاستخدام والمهنة لعام 1958 التي تحظر التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو المنشأ الاجتماعي، واتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم لعام 1960 التي تحظر التمييز على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الحالة الاقتصادية أو المولد. ويقصر ميثاق الأمم المتحدة أسس التمييز المحظور على أربعة أسس، هي: الجنس، والعرق، واللغة، والدين (المادة 1 فقرة 3، والمادة 55.) ولكنه قيل أثناء صوغ الميثاق إنّه ليس من الحكمة قصر أسس التمييز على هذه الأسس الأربعة، وإنّ التمييز سواء كان صريحًا أو مقنعًا، يمكن أن ينبني على أسسٍ أخرى مثل الرأي، وبلد الأصل، والجنسية، والوضع الاجتماعي، وغير ذلك. ويتبع عدد آخر من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان والقوانين الوطنية منهجًا ثانيًا يقوم على القائمة غير الحصرية بالأسس التي يقوم عليها التمييز المحظور؛ إذ يجري وضع قائمة بالأسس التي يقوم عليها التمييز، ولكن هذه القائمة تنتهي بعبارة "أو أيّ وضع آخر"، أو عبارة "أو غير ذلك من الأسباب." وهذا النهج هو ما يسير عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان لحقوق الإنسان لعام 1966، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لعام 1981، واتفاقية الدول الأميركية لحقوق الإنسان لعام 1969. أمّا على صعيد القوانين الوطنية، فنجد أمثلة على هذه العيّنة في كلٍّ من الميثاق الكندي لحقوق الإنسان ودستور جنوب أفريقيا. وفي جميع هذه الحالات يمكن لكلٍّ من القضاء الوطني في حالة القوانين الوطنية أو للقضاء الدولي أو لأجهزة الرقابة التي تتولّ الإشراف على تطبيق الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان توسيع القائمة المذكورة، بحيث تشمل أسسًا جديدة للتمييز المحظور79. وقد افتتح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا التقليد بحظره التمييز القائم على عددٍ من الأسس التي يمكن الإضافة إليها؛ إذ تنصّ المادة الثانية منه على أنّ: "لكلّ إنسان حقّ التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أيّ تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أيّ رأي آخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أيّ وضع آخر." وبدورهما، يحظر كلّ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التمييز في التمتع بحقوق الإنسان المعترف بها فيه؛ للأسباب ذاتها التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهما مثله كذلك يضيفان إلى هذه الأسباب عبارة "أو غير ذلك من الأسباب" (الفقرة الأولى من المادة الثانية في العهد الأوّل، والفقرة الثانية من المادة الثانية في العهد الثاني.) ومن الواضح أنّ الأسباب اللامشروعة التي يقوم عليها التمييز - وعددها عشرة - لم ترد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي العهدين الدوليين لحقوق الإنسان على سبيل الحصر والتعيين بل على سبيل المثال والتبيين. ومن الممكن حظر التمييز القائم على أسسٍ أخرى خلاف الأسس المذكورة صراحةً. وقد أخذت اللجنة المعنيّة بحقوق الإنسان التي تشرف على تطبيق العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالمعنى الواسع لأسباب التمييز؛ فقد ذهبت اللجنة الأخيرة في التعليق العام رقم 20() لها إلى أنّ عبارة "الأسباب الأخرى" الواردة في الفقرة الثانية من المادة الثانية في العهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تشمل "الإعاقة"، و"العمر" (مثلً إمكانية تدريب وتوظيف الشباب وتقاعد كبار السن"، و"الميول الجنسية ونوع الجنس"، و"محلّ الإقامة" (التفاوت بين المناطق الريفية والحضرية، ووضع الرحّل والنازحين.) وأقرّت اللجنة في تعليقاتها العامة وملاحظاتها الختامية بوجود أسباب أخرى مختلفة.)...(غير أنّ هذه القائمة قابلة للاستكمال. "ويمكن أن يكون من بين الأسباب المحظورة الأخرى المحتملة حرمان شخص من الأهليّة القانونية بسبب وجوده في السجن أو احتجازه كرهًا في مؤسسة نفسانية، أو اجتماع سببين من الأسباب المحظورة للتمييز، مثلً عندما يحرم شخص من خدمة اجتماعية بسبب نوع جنس أو إعاقة." وكما ذهبت اللجنة، "ينبغي ألّ تشكّل الجنسية سببًا في الحرمان من التمتع بالحقوق المنصوص عليها في العهد"80. وتحظر الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية لعام 1950 في المادة 14() منها التمييز على أسس مماثلة لتلك الواردة في كلٍّ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لحقوق
الإنسان لعام 1966. ولئن كانت الاتفاقية قد أضافت أساسًا أو سببًا آخر غير مشروع هو الانتماء إلى أقلّية وطنية، فالواقع أنّه لا يوجد فرق حقيقي بين هذا الأساس والأساس السابع الوارد في الإعلان والخاصّ بالأصل الوطني. وهي مثلهما تضيف عبارة "مثل" such" as" أو" أيّ وضع آخر" إلى قائمة الأسس المذكورة؛ وبهذا تكون أسس التمييز المحظور في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان مفتوحة أو لا نهاية لها ended open. وقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بإمكانية قيام التمييز لأسباب أخرى غير تلك المذكورة صراحةً للتمييز المحظور؛ وذلك مثل انعدام جنسية ضحيّة التمييز، أو كونه عاملً مهاجرًا، أو لاجئًا، أو أبًا أو أمًّا غير متزوّجين، أو مريضًا بمرض نقص المناعة، أو مثليًّا، أو شخصًا معاقًا أو كبير السنّ. ولكن المحكمة اشترطت أن لا يكون هناك مبرّرات غير معقولة وغير موضوعية للتمييز المبنيّ على هذه الأسباب81.
المطلب الثاني: مسألة التدرّج بين الأسس التي يقوم عليها التمييز
يثار التساؤل عمّ إذا كان هناك تدرّج بين الأسس التي يقوم عليها التمييز المحظور، والتي تتباين من اتفاقية دولية إلى أخرى، ومن قانون وطني إلى آخر82. والواقع أنّ الأسباب الأكثر شيوعًا التي يقوم عليها التمييز المحظور، هي العرق والجنس واللغة والدين التي يكتفي ميثاق الأمم المتحدة بذكرها. وهذا ما حدا بمحكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 21 حزيران / يونيو 1971 بشأن الوجود المستمرّ لجنوب أفريقيا في جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا الآن)، إلى وصف التمييز العنصري بأنّه ينطوي على إنكار الحقوق الأساسية للكائن البشري، وأنّه يمثِّل خرقًا جسيمً واضحًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة83. وما يؤكّد أهمية هذه الأسباب أيضًا أنّ جميع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ومن بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 (م 4/) والاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان 27/(م)، تجيز للدول الأطراف في حالة الطوارئ الاستثنائية التي تهدّد حياة الأمّة، والمعلن قيامها رسميًّا، أن تتّخذ في أضيق الحدود التي يتطلّبها الوضع، تدابير لا تتقيّد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد. بيد أنّ العهد يشترط عدم منافاة هذه التدابير الالتزامات الأخرى المترتّبة على هذه الدول بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرّره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي84. وهذا يعني أنّ العهد يعطي أهمية أكبر للتمييز القائم على هذه الأسباب، ما يستدعي التشدّد في تقدير مبررات التفرقة المبنيّة عليها. ولا تملك الدولة التي تريد أن تصبح طرفًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إبداء تحفّظات على الحقّ في عدم التمييز المنصوص عليه في المادة الثانية من العهد؛ فمثل هذه التحفّظات "تعتبر متناقضة مع العهد عندما ينظر إليها في ضوء أغراض العهد ومقاصده85. وتجيز اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 في المادة 42 منها إبداء التحفّظات على أحكام الاتفاقية، ولكنّها تحظر التحفّظ على بعض الموادّ، ومن بينها المادة الثالثة الخاصة بمبدأ عدم التمييز، والمادة الرابعة الخاصة بحرّية العبادة. وينظر إلى التمييز العنصري الذي يستند إلى العرق عادةً على أنّه الأكثر خطورةً من بين أشكال التمييز الأخرى. وهذا ما ذهبت إليه محكمة العدل الدولية في قضية شركة برشلونة تراكشن للجرّ والإنارة؛ إذ وصفت المحكمة حقوق الإنسان الأساسية للكائن البشري، بما في ذلك الحماية من العبودية والتمييز العنصري، بأنّها حقوق في مواجهة الكافة omnes erga أي أنّها ملزمة لجميع الدول. وقد أقامت المحكمة، في قرارها في هذه القضية تفرقة أساسية "بين الالتزامات الواجبة تجاه دول معيّنة والالتزامات الواجبة تجاه المجتمع الدولي ككلّ." وفي ما يتعلّق بالالتزام الأخير، خلصت المحكمة إلى أنّه "نظرًا لأهمية الحقوق التي ينطوي عليها الأمر، يمكن القول إنّ لجميع الدول مصلحة قانونية في حمايتها؛ وهي التزامات تجاه الكافّة." وقد
أشارت المحكمة على سبيل المثال، إلى "تحريم الأعمال العدوانية والإبادة الجماعية"، وإلى "المبادئ والقواعد المتعلّقة بحقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك الحماية من العبودية والتمييز العنصري"119. ويقدّم مستوى الالتزامات التعاهدية الخاصة بعدم التمييز وبالحقوق المتساوية وبالمساواة أمام القانون مقرونة بالنصوص القانونية الداخلية المماثلة، دليلً واضحًا على أنّ مبدأ عدم التمييز قد أصبح جزءًا من القانون الدولي العرفي201. ويحظى حظر التمييز العنصري بقبولٍ واسع في العالم أجمع، بحيث يمكن القول إنّه غدا قاعدة آمرة Jus cogens لا يجوز الاتّفاق على مخالفتها. وعلى الرغم من أنّ التمييز على أساس نوع الجنس قد خصّص له اتفاقية دولية هي الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة التي بلغ عدد الدول الأطراف فيها 187 دولة، كثيرًا ما يُنظر إلى هذه الاتفاقية على أنّها أقلّ أهمية من الاتفاقيات الدولية الأخرى لحقوق الإنسان؛ وهذا ما يفسّ العدد الكبير من الدول الأطراف التي أبدت تحفّظات عديدة على الاتفاقية، والتي يقوّض بعضها الأساس الذي تقوم عليه. والواقع أنّ التمييز بسببٍ يعود إلى العرق أو الدين أو الجنس، هو الأخطر من بين أنواع التمييز. وعليه، نجد أنّ تشريعات المساواة وعدم التمييز في جميع البلدان تقريبًا تنصّ صراحةً على حظر التمييز لهذه الأسباب.
الخاتمة والتوصيات
تعاني الدول وبدرجات متفاوته، من آفة التمييز. وتفتقر في كثير من الأحيان إلى نصوصٍ كافية خاصّة بهذا الشأن. وتكتفي غالبية الدول بتضمين الحقّ في المساواة وعدم التمييز في دساتيرها الوطنية، دون أن توجد لها قوانين خاصة بهذا الشأن. وفي المقابل توجد قوانين لمناهضة التمييز الآن في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 28(دولة بعد انضمام كرواتيا مؤخرًا إلى الاتحاد) دون استثناء، وفي عدد متزايد من الدول في أنحاء العالم كافّة. ويتطلّب حظر التمييز كذلك مراجعة القوانين التمييزية النافذة لتعديلها أو إلغائها فضلً عن وضع الإستراتيجيات والسياسات وخطط العمل الوطنية الرامية للقضاء على هذه الآفة. ويمكن القول إنّ أيّ قانون داخلي خاصّ بالحقّ في المساواة وعدم التمييز، يفي بالمعايير الدولية لهذا الحقّ، لا بدّ أن يتضمن النص بوضوح حظر أنواع التمييز كافّة، وأن يعتمد تعريفاته المقبولة في القانون الدولي، والتي عرضنا لها أثناء الدراسة. ولا بدّ له من أن يتضمّن أكبر عددٍ ممكن من الأسس التي يقوم عليها التمييز المحظور في القانون الدولي بما في ذلك وبوجه خاصّ التمييز المبنيّ على نوع الجنس. وينبغي أن تكون قائمة الأسس التي يقوم عليها التمييز مفتوحة وليست حصرية أو مغلقة، وبما يمكن معه للقضاء وغيره من سبل الانتصاف إضافة أسس جديدة للتمييز المحظور، وتوسيع قاعدة الجماعات المحميّة من التمييز. وينبغي النصّ على تدابير الغاية منها الانتقال من المساواة الشكلية إلى المساواة الفعليّة، وعدّ التدابير الخاصة بالمفهوم المحدّد لها في القانون الدولي واجبًا في مجالات معيّنة، ولا سيمّا لمصلحة المرأة، فضلً عن تشجيع اللجوء إلى التيسيرات أو التسهيلات المعقولة للأشخاص ذوي الإعاقة. وينبغي تجريم بعض أشكال التمييز ولا سيمّا منها الحضّ على الكراهية وتحديد العقوبات الملائمة والفعّالة والرادعة لها. غير أنّه لا يمكن لأيّ قانون أن ينظّم كلّ شيء. ولا يجدر الاكتفاء بالنصوص القانونية لتغيير الواقع، أو لمقاومة ظاهرةٍ ما، أو لتبديل ثقافة أو سلوك اجتماعي يترسّخ عبر الزمن وتتوارثه الأجيال لأسبابٍ عديدة. ومن الأهمّ نشر ثقافة قبول الآخر، وتعميق الوعي المجتمعي بأهمية الحقّ في المساواة، وعدم التمييز بين مكوّنات المجتمع الواحد.