إسرائيل وحركة المقاطعة

محمود محارب

الملخّص

تعرض هذه الدراسة لتنامي الحراك الدولي لمقاطعة اسرائيل، بسبب احتلالها أراضي الفلسطينيين وخرقها المستمر للاتفاقيات وللقوانين الدولية، وانتهاجها سياسات عنصرية ضد الفلسطينيين. تقول الدراسة إن القلق داخل اسرائيل من تنامي المقاطعة بلغ حد التكهن من جانب بعض الاسرائيليين بأن إسرائيل ربما تصبح دولة منبوذة في نظر المجتمع الدولي مثل جنوب إفريقيا في فترة الأبارتهايد. وتناقش الدراسة الرؤى، والمواقف، والنقاشات الإسرائيلية الداخلية، الرسمية وغير الرسمية، كما تقف على الأساليب التي اعتمدتها إسرائيل في مواجهتها، مستعرضة السياسات التي اتبعتها والخطوات التي اتخذتها في سياق تصديها لها. كما تعرض الدراسة لتنامي المقاطعة وفرص تناميها وتأثيرها.

مقدمة

منذ أكثر من عام ازداد القلق في إسرائيل من إمكانية فرْض مقاطعة دولية عليها بسبب عدم انصياعها للقرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية، وإصرارها على الاستمرار في الاحتلال والاستيطان، والبطش بالشعب العربي الفلسطيني في المناطق المحتلة. لقد احتدمت نقاشات وبرزت خلافات في إسرائيل بين تيارين أساسيين بشأن المقاطعة، أحدهما يدرك مخاطر المقاطعة على إسرائيل ولكنه يخفِّف من إمكانية حدوثها على نحوٍ كبير وبلوغها تلك الدرجة التي تلحق أذى جديًّا بها؛ ما يستدعي تغيير سياساتها تجاه استمرار الاستيطان والاحتلال ومجمل القضية الفلسطينية. في حين يحذر التيار الآخر من إمكانية حدوث المقاطعة ومن مدى مخاطرها على إسرائيل، ويدعو إلى إجراء تغيير في سياسة الحكومة الإسرائيلية إزاء الاستيطان والمفاوضات، ولا سيما في الجوانب التي تتحدى المجتمع الدولي تحدِّيًا سافرًا، لتجنيب إسرائيل العزلة الدولية والمقاطعة. وقد ساهم في ازدياد القلق الإسرائيلي في السنة الأخ ةرر عاملان أساسيان؛ أحدهما توزيع المفوضية الأوروبية في حزيران/ يونيو 2013 تعليمات إلى جميع دول الاتحاد الأوروبي، دخلت حيِّز التنفيذ في بداية عام 2014، تمنع فيها هذه الدول، إلى جانب مؤسّساتها والصناديق والهيئات الفاعلة فيها من تقديم الهبات، أو الجوائز، أو القروض، للمستوطنات في المناطق المحتلة، أو للمؤسّسات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر التي لها علاقة بالمستوطنات1، والآخر ازدياد تأثير الحركة الشعبية العالمية لمقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها2 Boycott Divestment and BDS Sanctions/، وتسارع توسعها ووصولها إلى التيارات السياسية الأساسية في أوروبا، إلى جانب اليسار الراديكالي واليسار بوجهٍ عام.ٍّ وتسعى هذه الدراسة لمتابعة الرؤى، والمواقف، والنقاشات الإسرائيلية الداخلية الرسمية وغير الرسمية وتحليلها، بشأن مقاطعة إسرائيل، ومداها، وفرص نجاحها. وتقف الدراسة على كيفية محاولة إسرائيل مواجهة المقاطعة، وعلى السياسات التي اتبعتها والخطوات التي اتخذتها في سياق تصديها لها.

ازدياد نسبة مقاطعة إسرائيل

شهدت بداية سنة 2014 نسبة ازدياد ملحوظ في مقاطعة إسرائيل. ففي الأول من كانون الثاني/ يناير 2014 دخلت تعليمات مفوضية الاتحاد الأوروبي التي تحظر على دوله ومؤسّساته والصناديق الفاعلة في دوله تقديم الهبات أو القروض أو الجوائز للمستوطنات، أو المؤسّسات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر ذات العلاقة بالمستوطنات في المناطق المحتلة سنة .1967 وانسجامًا مع هذا التوجه أعلنت مؤسّسات عديدة في أوروبا عن سحْب استثماراتها من إسرائيل. ففي كانون الثاني/ يناير 2014 أعلن أكبر صندوق تقاعد في هولندا PGGM، وهو يُعَدُّ أحد أكبر صناديق التقاعد في العالم؛ إذ تُقدر الأموال التي يديرها بنحو 150 بليون يورو، عن سحب استثماراته من البنوك الإسرائيلية، بسبب علاقاتها بالمستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة3. وكان هذا الصندوق قد توجه قبل إقدامه على خطوته تلك إلى البنوك الإسرائيلية، ووضَّ ح لها أنّ علاقاتها بالمستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة سنة 1967 تتناقض مع قرار محكمة لاهاي الدولية الصادر سنة 2004 الذي أكَّد أنّ المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة غير قانونية، وأنَّها تتناقض أيضًا مع البند 49 من اتفاقية جنيف التي تنصُّ بوضوح على منْع الدولة المحتلة نقْل سكانها إلى الأراضي التي احتلتها. وفي الوقت نفسه أعلنت شركة المياه الهولندية عن قطع علاقاتها بشركة المياه الوطنية في إسرائيل مكوروت Mekorot بسبب صلة هذه الشركة بالمستوطنات في المناطق المحتلة. وكانت شركة هولندية أخرى قد ألغت، في أيلول/ سبتمبر 2013، عقدًا مع شركة مياه

  1. للمزيد بشأن تعليمات الاتحاد الأوروبي، انظر: "خطوات الاتحاد الأوروبي ضد الاستيطان الإسرائيلي"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013/7/30، على الرابط: http://www.dohainstitute.org/release/9ba9e681-7e72-443f-9b0b- d0f5ecd88803
  2. في تموز/ يوليو 2005 أصدرت مؤسّسات المجتمع المدني الفلسطيني الناشطة في مختلف المناطق التي يوجد بها الشعب الفلسطيني نداء مقاطعة إسرائيل، وسحْب الاستثمارات منها، وفرْض عقوبات عليها مشابهة لتلك العقوبات التي طبقت على نظام الأبارتهايد في أُجنوب أفريقيا. وفي سنة 2008 سِّست اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب
  3. الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وهي تضمّ ائتلافًا واسعًا من الأحزاب السياسية والنقابات ومختلف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني الناشطة في مختلف المناطق التي يوجد بها الشعب الفلسطيني. 3 باراك رافيد، "صندوق التقاعد الأكبر في هولندا يقاطع بنوكًا في إسرائيل بسبب تمويلها المستوطنات"، هآرتس، 2014/1/8، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2211065

إسرائيلية لإقامة منشأة تطهير مياه للمجاري؛ بسبب وقوع هذه المنشأة في المناطق الفلسطينية المحتلة4. وإلى جانب ازدياد حملة المقاطعة في هولندا ضدّ إسرائيل، بادرت عدَّة مؤسّسات حكومية وغير حكومية في الدول الإسكندنافية إلى مقاطعة إسرائيل. وكانت أبرز مقاطعة إعلان وزارة المالية النرويجية أنّ صندوق التقاعد الحكومي النرويجي قرَّر وقف الاستثمار في شركتين إسرائيليتين كبيرتين، لانتهاكهما حقوق الإنسان الفلسطيني الأساسية؛ بسبب قيامهما بالبناء في المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة5. وأعلن كذلك أكبر بنك في الدانمارك (دنكا بنك) عن حظْر الاستثمار في بنك هبوعليم الإسرائيلي؛ لضلوعه في تمويل الاستيطان. وفي الفترة نفسها أعلنت الحكومة الألمانية أنها تعتزم تعديل معايير حصول شركات الهايتك الإسرائيلية على دعْم ألماني، بإضافة بند يمنع تمويل الشركات الإسرائيلية العاملة في الأراضي المحتلة أو دعمها، بوصفه شرطًا ضروريًّا لتوقيع أيّ اتفاق تعاون علمي بين ألمانيا وإسرائيل6.

وفي غضون ذلك، أعلن عدد من صناديق التقاعد الكبرى في أوروبا، وعدد من كبار المستثمرين الأوروبيين أيضًا، أنهم يدرسون سحب استثماراتهم من البنوك الإسرائيلية لضلوع هذه البنوك في تمويل الاستيطان في المناطق المحتلة سنة 1967. وشمل ذلك "صندوق التقاعد للموظفين الحكوميين في هولندا ABP  الذي يُعَدُّ من أكبر صناديق التقاعد في العالم، و"صندوق التقاعد في الدول الإسكندنافية"، وصندوق تقاعد آخر في النرويج7. إلى جانب ذلك، ازدادت في السنة الأخيرة، على نحوٍ كبير، شبكات التسويق في أوروبا، وأماكن أخرى في العالم؛ مثل دولة جنوب أفريقيا التي شرعت في وضع إشارات على منتوجات المستوطنات الإسرائيلية. وقد ترافق ذلك مع اشتداد نشاط حركة المقاطعة الدولية الشعبية لمنتوجات المستوطنات الإسرائيلية؛ ما أدَّى إلى انخفاض مبيعاتها على نحو ملحوظ، وإلى مزيد من الصعوبات في تسويق منتوجات المستوطنات في شبكات التسويق الكبرى في أوروبا وسائر أنحاء العالم8. وشهدت مقاطعة إسرائيل أكاديميًّا، أيضًا، ازديادًا ملحوظًا في السنة الأخيرة. فقد قررت مؤسّسات أكاديمية عديدة في أوروبا وأميركا مقاطعة إسرائيل. وكان من أبرز هذه القرارات، قرار جمعية الدراسات الأميركية ASA في كانون الأول/ ديسمبر 2013، وهي جمعية أكاديمية للمحاضرين في الجامعات الأميركية، يبلغ عدد أعضائها 5000 عضو. ووضَّ حت هذه الجمعية أنّ قرارها جاء بسبب انتهاكات إسرائيل حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ولا سيما الانتهاكات المتعلّقة بالمؤسَّسات التعليمية الفلسطينية في الأراضي المحتلة9. وفي كانون الثاني/ يناير 2014 دانت إسرائيلَ جمعية تدريس اللغات الحديثة MLA، وهي جمعية أكاديمية أميركية يبلغ عدد أعضائها نحو 28 ألف عضو؛ وذلك بسبب الممارسات الإسرائيلية القمعية تجاه الفلسطينيين في المناطق المحتلة10.

  1. المرجع نفسه، وتعزو المصادر الإسرائيلية ازدياد حملة مقاطعة إسرائيل في هولندا إلى النشاط المكثف لرئيس الحكومة الهولندية الأسبق البروفيسور أندرياس فان آخت، وإلى "هيئة الحقوق" التي يرأسها، والتي أسسها سنة 2009، في حملة مقاطعة إسرائيل بسبب؛ استمرارها في الاحتلال، والاستيطان، والبطش بالشعب الفلسطيني. للمزيد انظر: أرئيل كهانا، "رئيس حكومة هولندا الأسبق يحرك مقاطعة إسرائيل"، معاريف، 2014/1/29، على الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/546/420.html?hp=1&cat=666
  2. باراك رافيد، "صندوق التقاعد الحكومي النرويجي لن يستثمر في الشركات التي تبني المستوطنات"، هآرتس، 2014/1/30، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2231263
  3. باراك رافيد، "ألمانيا: لن نقدّم مساعدات للهايتك الإسرائيلي إنْ وصلت إلى المستوطنات"، هآرتس، 2014/1/23، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2224751
  4. مستثمرون أجانب يفكرون في إلغاء استثمارات في البنوك: المستوطنات غير قانونية"، ذي ماركر، 2014/1/20، على الرابط: 1.2221844/http://www.themarker.com/markets
  5. سارة ليفوفيتش، "هل تستطيع المقاطعة الأوروبية تقويض الاقتصاد الإسرائيلي"، معاريف، 2014/1/17، على الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/541/255.html للمزيد بشأن زيادة مقاطعة إسرائيل وإمكانات تعاظمها، انظر: باراك رافيد، "رذاذ عقوبات إسرائيل يهدد بالتحوُّل إلى طوفان"، هآرتس، 2013/12/14، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/.premium-1.2189646
  6. يردين سكوف، "جمعية الدراسات الأميركية قررت مقاطعة إسرائيل"، هآرتس، 2014/1/12، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/education/1.2192114
  7. الولايات المتحدة الأميركية: منظمة أكاديمية يبلغ عدد أعضائها 28 ألفًا دانت إسرائيل"، هآرتس، 2014/1/12، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2214808

وفي نيسان/ أبريل 2013 أقرَّت نقابة المعلمين وأساتذة الجامعات في آيرلندا مقاطعة إسرائيل، ودعت أعضاءها إلى وقْف جميع أشكال التعاون الأكاديمي والثقافي مع إسرائيل11. وفي الشهر نفسه أقرَّت جمعية الدراسات الآسيوية – الأميركية في الولايات المتحدة AAAS مقاطعة المؤسّسات الأكاديمية الإسرائيلية؛ بسبب تعاون الجامعات الإسرائيلية مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي في خرق القوانين الدولية في المناطق المحتلة، وبسبب اتباع الجامعات الإسرائيلية سياسة التمييز ضدّ الأكاديميين والطلاب العرب المواطنين في إسرائيل أيضًا12.

سفراء إسرائيل يحذرون من المقاطعة

عند دخول تعليمات مفوضية الاتحاد الأوروبي حيِّز التنفيذ في بداية سنة 2014 التي رافقها ازدياد حملة مقاطعة إسرائيل واحتدام النقاش فيها بشأن المقاطعة نفسها، عقَد سفراء إسرائيل في دول الاتحاد الأوروبي اجتماعًا في القدس الغربية في كانون الثاني/ يناير 2014، ناقشوا فيه موضوع مقاطعة إسرائيل13. ومن خلال المداولات التي أجراها السفراء في هذا الاجتماع، جرى تبيُّ النقاط التالية: أولً، لا تخلق تعليمات مفوضية الاتحاد الأوروبي بشأن الاستيطان جوًّا مشجعًا على مقاطعة المستوطنات فحسب، بل على مقاطعة إسرائيل أيضًا. علاوةً على ذلك تمنح تلك التعليمات شرعيةً لمؤسّسات غير حكومية في أوروبا لمقاطعة أيّ نوع من التعاون مع إسرائيل، وقد تتسع المقاطعة في أوروبا اتِّساعًا كبيرًا تمتدُّ خلال سنة أو سنتين إلى مقاطعة كبيرة للمؤسّسات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر. ثانيًا، تشجع تعليمات مفوضية الاتحاد الأوروبي، بشأن الاستيطان الإسرائيلي، دولً كثيرةً في العالم على اتباع السياسة الأوروبية تجاه الاستيطان، حتى وإن لم يدعُها الاتحاد الأوروبي إلى القيام بذلك. ثالثًا، هناك خطوات عديدة وأفكار مجمدة حتى الآن في الاتحاد الأوروبي تحظى بتأييد كبير لدى متخذي القرار في مفوضية الاتحاد الأوروبي ودوله، بوجهٍ عامٍّ، يأتي في صدارتها وضْ ع علامات على منتوجات المستوطنات للإشارة إلى أنّها منتوجات المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة، ووضع قائمة بأسماء المستوطنين الإسرائيليين في المستوطنات الإسرائيلية المقامة في المناطق المحتلة سنة 1967، وطلب منهم استصدار تأشيرات دخول إلى دول الاتحاد الأوروبي سلفًا، بخلاف بقيَّة المواطنين الإسرائيليين الذين يدخلون إلى الدول الأوروبية من دون الحصول مسبقًا على تأشيرات الدخول. رابعًا، تحظى سياسة مفوضية الاتحاد الأوروبي ضدّ استمرار البناء في المستوطنات الإسرائيلية، وكذلك التعليمات التي أصدرتها مفوضية الاتحاد الأوروبي، بتأييد جارف من جميع دول الاتحاد الأوروبي؛ لذلك من الصعب أن تتوقَّف العقوبات التي تزداد أكثر فأكثر ضدّ إسرائيل. وهذه العقوبات ستُلحق بإسرائيل أضرارًا جدِّيةً، ما لم تغيِّ حكومتها سياستها الاستيطانية14.

مسألة البديل بالنسبة إلى أوروبا

على إثر ازدياد النقاش في إسرائيل، بشأن إمكانية فرْض الاتحاد الأوروبي ودوله عقوباتٍ اقتصاديةً على إسرائيل، صرّح مصدر سياسي إسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة معاريف بأنه إذا لم يُثمرْ جهد جون كيري ولم يَجْرِ التوصُّل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، فمن المتوقع أن تشهد علاقات إسرائيل بالاتحاد الأوروبي تدهورًا مهمًّ. وتوقع هذا المصدر أنّ المقاطعة والعقوبات لن تقتصر في هذه الحالة على منتوجات المستوطنات، بل ستمتدّ إلى كلّ المنتوجات الإسرائيلية، وأنّ أوروبا لن تشتريَ من إسرائيل إلَّ ما هي في حاجة إليه. وأضاف المصدر السِّياسي أنه من المحتمل أن تصل إسرائيل في غضون عدّة سنوات إلى وضع جنوب أفريقيا إبان فترة الأبارتهايد، وأكَّد أن

  1. يردين سكوف، "مختصر تاريخ مقاطعة إسرائيل أكاديميًّا"، هآرتس، 2013/5/9، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/education/.premium-1.2015801
  2. جمعية طلاب أميركيين تؤيد مقاطعة إسرائيل أكاديميًّا"، هآرتس، 2013/4/27، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/world/america/1.2005145
  3. إيلي بردنشتاين، "سفراء إسرائيليون يحذرون: الاتحاد الأوروبي يخلق جوًّا يشجع على مقاطعة إسرائيل"، 2014/1/14، على الرابط:
  4. http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/540/108.html?hp=1&cat=404 14 المرجع نفسه.

ذلك سيكون صعبًا على إسرائيل من الناحيتين الاقتصادية والمعنوية، ولكنه عبَّ عن اعتقاده أنّ هناك إمكانيةً لأنْ تجد إسرائيل بديل من الاتحاد الأوروبي ودُوَله بإقامتها علاقاتٍ اقتصاديةً واسعةً مع كل من روسيا، والصين، والهند، ودول آسيوية أخرى. وأكَّد هذا المصدر أنّ إسرائيل لا ترغب في عملية التحول هذه. ولكن إنْ فَرض الاتحاد الأوروبي ودوله عقوبات عليها، فلا مناص حينئذٍ من التوجه إلى تلك الدُّول15. ومن نافلة القول إنّ معظم النُّخب في إسرائيل تعارض ادعاء بعض الإسرائيليين أنّ لإسرائيل بديلً من أوروبا. وقد أشارت دراسة إسرائيلية مهمة، نشُرت مؤخرًا وعالجت في إسهاب مكانة إسرائيل في العالم، ومسألة العزلة ومقاطعتها دوليًّا، إلى عدم وجود بديل لإسرائيل من علاقاتها الاقتصادية بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وإلى أن الادعاء المستند إلى أنه بإمكان روسيا والصين والهند ودول آسيوية أخرى أن تشكّل بديلً من الدول الغربية لا أساس له من الصحة16. ووضَّ حت هذه الدراسة أنّ تجارة إسرائيل مع دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في السنة الأخيرة تشكّل 70 في المئة من مجمل تجارة إسرائيل الخارجية؛ إذ تبلغ صادرات إسٍرائيل إلى دول الاتحاد الأوروبي 34 في المئة، في حين تبلغ وارداتها من دول الاتحاد الأوروبي 55 في المئة.

وتبلغ صادرات إسرائيل إلى الولايات المتحدة 35 في المئة، في حين تبلغ وارداتها من الولايات المتحدة 15 في المئة. أمّا تجارة إسرائيل مع روسيا والصين والهند وجميع الدول الآسيوية فتبلغ 25 في المئة من مجمل تجارة إسرائيل الخارجية. إلى جانب ذلك، لا يوجد أيّ ضمان إطلاقًا لأنْ تكون الأسباب التي تجعل دول الاتحاد الأوروبي تقاطع إسرائيل هي نفسها الأسباب التي تجعل روسيا، والصين، والهند، ودولً آسيوية أخرى تقاطع إسرائيل أيضًا. وأكَّدت هذه الدراسة، بشأن المقاطعة، أنّ إسرائيل شديدة الحساسية إلى أبعد الغايات، وأنَّها أكثر الدول في العالم تأثُّرًا بها؛ لأنَّها دولة صغيرة، قليلة الموارد الطبيعية من ناحية، متقدمة صناعيًّا وتكنولوجيًّا، وتمثِّل صادراتها 40 في المئة من مجمل منتوجها المحلي من ناحية أخرى. ثم إنّها تعتمد في اقتصادها، وأمنها، ومناعتها، على علاقاتها الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والعلمية، بدول العالم، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ولاحظت هذه الدراسة أنه منذ صعود نتنياهو إلى الحكم سنة 2009، برز على نحوٍ جليٍّ تقدير ذاتي زائد لقوة إسرائيل من جانب، وتقليل من نسبة الضرر الذي قد يصيب إسرائيل من جرّاء تدهور جِديٍّ يمس علاقاتها بالاتحاد الأوروبي من جانب آخر؛ ما قد يلحق أضرارًا جدية بها إذا ما استمرّ توجهها ذاك. وأكَّدت الدراسة كذلك أنّ سبب مقاطعة إسرائيل يعود كلُّه إلى استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، وإلى إصرارها على استمرار الاستيطان في الأراضي المحتلة ورفضها المستمر الانسحاب منها، على الرّغم من القرارات والقوانين الدولية. ونوَّهت الدراسة بأنّ القيم التي قادت الدول الغربية إلى تأييد إسرائيل ودعمها؛ مثل قيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام القانون الدولي، هي القيم نفسها التي تشكِّل أرضيةً صلبةً لمعارضة الدول والمجتمعات الغربية استمرارَ الاحتلال الإسرائيلي، وهي أيضا القيم نفسها التي تدفع الدول والمجتمعات الغربية إلى السير قُدمًا نحو فرْض مقاطعة إسرائيل، وفرض العقوبات عليها. واستخلصت الدراسة أنه من العبث أن تعتقد إسرائيل أنها تستطيع الحفاظ على علاقاتها الجيدة بالدول الغربية في الوقت الذي تستمر في الاحتلال وتصرُّ على الاستيطان، وتواصل رفْض الانسحاب من المناطق المحتلة، وأنّ الدول الغربية إنْ أدركت إدراكًا يقينيًّا أن إسرائيل تتعامل مع الاحتلال على أنّه ليس أمرًا موقَّتًا يجري التفاوض بشأنه مع الفلسطينيين على شروط إزالته، وأنها تعمل على تحويله إلى حالة دائمة، فإنّ مقاطعتها لإسرائيل هي والمجتمعات الغربية ستزداد زيادةً كبيرةً؛ بهدف إرغامها على إنهاء الاحتلال17.

  1. أرئيل كهانا، "مصدر سياسي: إذا حدثت مقاطعة أوروبية ستتجه إسرائيل نحو الشرق"، معاريف، 2014/1/14، على الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/540/308.html
  2. أساف شارون وآخرون، "مكانة إسرائيل في العالم ومسألة العزلة: حلف في أزمة"، مولاد – المركز لتجدد الديمقراطية، كانون الأول/ ديسمبر  2013، على الرابط:
  3. http://www.molad.org/images/upload/files/Brit-BeMashber.pdf 17 المرجع نفسه.

الخلافات وتراشق التهم بين الوزراء بشأن المقاطعة

مع ازدياد حملة المقاطعة الدولية الشعبية لإسرائيل وتوجُّه مفوضية الاتحاد الأوروبي لإصدار تعليماتها بشأن المستوطنات، كلَّف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في، حزيران/ يونيو 2013، وزارة الشؤون الإستراتيجية بمسؤولية مواجهة مقاطعة إسرائيل، سواء كانت هذه المقاطعة من جهات رسمية في أوروبا ودول أخرى، أو كانت شعبيةً دوليةً منضويةً، أساسًا، إلى نشاط بي. دي. آس .BDS وقد جاء قرار نتنياهو استجابةً لطلب وزير الشؤون الإستراتيجية يوفال شتاينتس الذي أولى المقاطعة وضرورة مواجهتها أهمية18. ومن الملاحظ أنّ شتاينتس يفصل فصلً كليًّا، هو ونتنياهو، والأغلبية في الحكومة الإسرائيلية، بين مقاطعة إسرائيل من جهة، والاحتلال، والاستيطان الإسرائيلي، وسياسات إسرائيل وجرائمها في المناطق المحتلة من جهة أخرى. ويسعى الخطاب السياسي الحكومي الإسرائيلي السائد للتنكُّر لأسباب المقاطعة ودوافعها الحقيقية المرتبطة، ارتباطا مباشرًا، باحتلال إسرائيل العسكري والاستيطاني الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، وبجرائمها المستمرة في حقّ الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وبرفضها المستمر الانصياع للقرارات الدولية، واستمرارها - بدلً من ذلك - في الاستيطان، ومصادرة أراضي الفلسطينيين، والبطش بهم. ويحاول الخطاب الحكومي الإسرائيلي السائد أن ينسب المقاطعة إلى عوامل ليست ذات صلة بأسبابها إطلاقًا؛ كالادعاء الممجوج والمفضوح بأنّها تعود إلى معاداة السامية. وفي هذا السياق تسعى الدعاية الإسرائيلية لاتهام كلّ من يدعو إلى المقاطعة ويدعمها بأنه لا يسعى لإزالة الاحتلال والاستيطان الإسرائيليَيّن، ووضع حدّ للقمع القومي، والتمييز العنصري ضدّ الفلسطينيين، وإنهاء ظلمهم التاريخي؛ بل إلى نزع الشرعية عن إسرائيل والعمل على إنهاء وجودها. وقد بلور وزير الشؤون الإستراتيجية يوفال شتاينتس خطةً شاملةً، في كانون الثاني/ يناير 2014، لمواجهة حملة مقاطعة إسرائيل، ليجري عرضها على اجتماع حكومي مقلَّص مُخصَّص لبحث المقاطعة وكيفية مواجهتها. وتنطلق هذه الخطة من منطلق أنّ مقاطعة إسرائيل ظاهرة تزداد اتساعًا وتحمل بين ثناياها مخاطر جدية عليها في المستقبل إن لم يجْرِ التصدي لها. بناءً على ذلك، تدعو الخطة إلى تبني إستراتيجية إسرائيلية هجومية، علنية وعنيفة، ضدّ حملة المقاطعة، وإلى تخصيص مبلغ مئة مليون شيكل لتنفيذ الخطة التي تشمل حملاتٍ ونشاطاتٍ دعائيةً وإعلامية وقانونيةً ضدّ المؤسّسات التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل في أوروبا وأميركا19. وقبل أن يتسنَّى لنتنياهو عقد اجتماع مقلَّص للحكومة الإسرائيلية يشمل جميع الوزراء الذين هم على صلة بموضوع المقاطعة، ويخصص لبحث مقاطعة إسرائيل وكيفية مواجهتها، ظهر على السطح خلاف حادّ بين توجهين، في صفوف الوزراء الإسرائيليين، لهما امتدادات في الخريطة الحزبية والمجتمع الإسرائيليَّيْ. ويرتبط هذان التوجهان ارتباطًا وثيقًا بموقف أصحابهما من الاحتلال، والاستيطان، ووتيرة زيادته وأماكنه، ومن حلّ القضية الفلسطينية، والمفاوضات بشأنها.

وفي الوقت الذي يرفض فيه التيار السائد في الحكومة الإسرائيلية الذي يقوده نتنياهو، وينضوي إليه وزراء الليكود وإسرائيل بيتنا، والبيت اليهودي - وفي صدارتهم يوفال شتاينتس ونفتالي بنيت - رفضًا قاطعًا الربط بين الاحتلال والاستيطان الإسرائيليَّيْ والمقاطعة، يربط كل من الوزراء من حزب "الحركة" بقيادة وزيرة القضاء تسيبي ليفني، وحزب "يوجد مستقبل" بقيادة وزير المالية يائير لبيد، بين مقاطعة إسرائيل والاحتلال والاستيطان، وحلّ القضية الفلسطينية، ويطالبون بالسير قُدمًا في العملية السلمية، وبالتعامل إيجابيًّا مع خطة كيري؛ من أجل تجنُّب فرْض المقاطعة والعقوبات على إسرائيل. وتجدر الإشارة إلى أنّ مواقف المجتمع الإسرائيلي من المقاطعة ومن احتمالات حدوثها ترتبط ارتباطا كبيرًا بانتمائهم إلى أحد المعسكرين

  1. باراك رافيد ويائير إطينغر، "خلاف في الحكومة على طريقة مواجهة دعوات مقاطعة إسرائيل"، هآرتس، 2014/1/31، على الرابط:
  2. http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2231658 19 المرجع نفسه.

بوجهٍ عامٍّ؛ "معسكر اليمين" أو "معسكر اليسار." ويجري في إسرائيل تحديد معيار الانتماء إلى أحد هذين المعسكرين وفق الموقف السياسي إزاء الاحتلال، والاستيطان، وحلّ القضية الفلسطينية. فقد جريَ مؤخرًا في إسرائيل أن أظهر استطلاع للرأي العامّ أ 42 في المئة من الإسرائيليين الذين ينتمون إلى معسكر اليمين يعتقدون أنه ستُفرض عقوبات اقتصادية جدية على إسرائيل في حال توقُّف المفاوضات بينها وبين السلطة الفلسطينية، مقابل 71 في المئة من الإسرائيليين الذين ينتمون إلى معسكر اليسار ويعتقدون أنه ستُفرض عقوبات على إسرائيل في حال فشلِ المفاوضات20. وعلى خلفية التباين في الربط بين استمرار الاحتلال والاستيطان، واحتمال فرض عقوبات على إسرائيل، دار نقاش مرتفع بين عدد من الوزراء الإسرائيليين بشأن المقاطعة ومخاطرها، وطرائق معالجتها، بخاصة بين نفتالي بنيت وتسيبي ليفني. وقد اتَّهم نفتالي بنيت الوزيرة تسيبي ليفني بأنّ تحذيراتها المتكررة من إمكانية مقاطعة إسرائيل وفرْض عقوبات عليها تخدم حركة المقاطعة، وتشجِّع على فرْض مزيد من المقاطعة والعقوبات على إسرائيل. مقابل ذلك اتهمت تسيبي ليفني وزراء اليمين واليمين المتطرف - وفي صدارتهم نفتالي بنيت -وهم الذين يبادرون إلى زيادة الاستيطان غير المحدود في الضفة الغربية المحتلة ويعارضون في الوقت نفسه العملية السلمية ومبادرة كيري، بأنهم هم أنفسهم الذين يخدمون المقاطعة وفرْض العقوبات على إسرائيل. وأكّدت تسيبي ليفني أنّ مواجهة المقاطعة ومخاطرها تتطلب أن تعلن إسرائيل، في الوقت نفسه، عن وقْف الاستيطان في المستوطنات المنعزلة واستمرار زيادة الاستيطان في ما يُطلق عليه "الكتل الاستيطانية" الكبيرة، وأنها تتطلب كذلك التعامل إيجابيًّا مع مبادرة كيري21. وقد عارض نفتالي بنيت بشدة أيّ شكل من أشكال وقْف الاستيطان ودعا في خطابه في المؤتمر السنوي الذي نظَّمه معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، وفي مناسبات أخرى كثيرة، إلى زيادة الاستيطان في مختلف مناطق الضفة الغربية المحتلة، وإلى أن تُضمّ إلى إسرائيل المنطقة "ج" التي تشكِّل 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية المحتلة. وادّعى بنيت أنّ التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين لا يحسِّن وضْ ع إسرائيل الاقتصادي، بل على النقيض من ذلك يزيده سُوءًا. وأقرَّ نفتالي بنيت بأنّ المقاطعة تشكّل خطرًا على إسرائيل، ولكنه قال إنّ هذا الخطر محدود ويجري تضخيمه داخل إسرائيل وخارجها؛ لأهداف سياسية. وأكَّد نفتالي بنيت أنّ طريقة مواجهة المقاطعة تكمن في تخصيص مزيد من الجهد والمال للدعاية والإعلام؛ من أجل التأثير في الرأي العامّ ومتخذي القرارات في أوروبا وأميركا22.

وقد سخ رت تسيبي ليفني من موقف نفتالي بنيت من المقاطعة ومن كيفية مواجهتها، فكتبت مستهزئةً: "استمعت أمس إلى خطاب بنيت، ولديّ خطة عمل دعائية تستند إلى أهمّ ما جاء في خطابه." واقترحت أن تشمل هذه الدعاية صورًا لمستوطني "شبيبة التلال" وهم يمارسون عمليات "جباية الثمن" الإرهابية ضدّ الفلسطينيين، وأضافت ساخرةً، ليس من الضروريِّ أن تشمل هذه الصور العمليات التي يقوم بها تنظيم "جباية الثمن" ضدّ الكنائس والأديرة"، في إشارة إلى أنّ جميع عمليات "جباية الثمن" يدينها المجتمع الدولي على نحوٍ واسعٍ، كما اقترحت أن يُكتب تحت هذه الصور "إسرائيل قررت فرْض السيادة على جميع المناطق"، و"هنا ليس جنوب أفريقيا حتى يكون الفلسطينيون مواطنين من الدرجة الثانية، إنَّهم ليسوا مواطنين إطلاقًا"23. ومن جانبه حذر وزير المالية يائير لبيد في خطابه الذي ألقاه في 29 كانون الثاني/ يناير 2014، في المؤتمر السنوي لمعهد الأمن القومي في

  1. مارك هلر، "المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات: كيفية إفشالها"، مباط عال، العدد 516، 2014/2/11، على الرابط: http://heb.inss.org.il/index.aspx?id=4354&articleid=6596
  2. باراك رافيد، "نتنياهو سيعقد اجتماعًا مخصصًا لمقاطعة أوروبا إسرائيل"، هآرتس، 2014/1/29، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2229450
  3. انظر: خطاب نفتالي بنيت وزير الاقتصاد الذي ألقاه في 2014/1/28 في المؤتمر السنوي معهد دراسات الأمن القومي السابع لمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب،، على الرابط: http://heb.inss.org.il/index.aspx?id=4354&articleid=6507 وانظر رافيد، "نتنياهو سيعقد اجتماعًا"، المرجع نفسه.
  4. باراك رافيد، "على خلفية أزمة نتنياهو – بنيت: تأجل بحث مقاطعة إسرائيل"، هآرتس، 2014/1/29، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politi/1.2229780

تل أبيب، من مخاطر فرْض المقاطعة والعقوبات على إسرائيل؛ وذلك في موضوع المقاطعة الذي احتلّ القسم الأكبر من خطابه. وقال يائير لبيد إنّ وزارته بحثت نسبة الأضرار الاقتصادية التي ستلحق بإسرائيل إذا ما فشلت المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وجرى تحميل إسرائيل مسؤولية هذا الفشل، فوجدت أن كلّ مواطن في إسرائيل سيتعرَّض للمعاناة من جرّاء المقاطعة التي ستواجهها إسرائيل في هذه الحالة، ولا سيما مقاطعة الاتحاد الأوروبي. وأضاف لبيد "إن الجمهور الإسرائيلي لا يستوعب حتى الآن هذا الأمر؛ لأنّ المقاطعة لا تحدث مرةً واحدةً، بل هي عملية تدريجية تزداد وتتعاظم بمرور الوقت، ونحن نقف على شفا نقطة التحول التي ستترك إسرائيل خارج الاقتصاد العالمي"24. وتطرَّق لبيد إلى ادعاء الوزير نفتالي بنيت أنّ حديث المسؤولين والقادة الإسرائيليين عن مخاطر المقاطعة يخدم حملة مقاطعة إسرائيل فقال: "إنني أعرف الادعاء الذي يقول إنّه من الأفضل عدم الحديث عن هذا الموضوع؛ لأنّ ذلك يشجع على النضال ضدنا. إنّه ادعاء قديم، فالجميع يعرف نقاط قوَّتنا ونقاط ضعفنا، سواء تحدثنا عن هذا الموضوع أو لم نتحدث." وعارض لبيد ادعاء نفتالي بنيت أنّ التوصل إلى حلّ سلمي مع الفلسطينيين يُلحق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي، وأشار إلى أنّ الدراسات التي أجرتها وزارته بشأن هذا الموضوع تُفنِّد ادعاء نفتالي بنيت وتُظهر عكس ذلك كليًّا. واختتم لبيد خطابه بقوله إنّ هناك ضرورةً للتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين وفق البرنامج العامّ الذي يطرحه حزبه، والذي يعارض الانسحاب من القدس الشرقية المحتلة وممَّ يُطلق عليه "الكتل الاستيطانية" المقامة في الضفة الغربية المحتلة، من أجل تجنُّب عقوبات ضدّ إسرائيل25. وفي خضمّ تراشق الاتهامات بين الوزراء الإسرائيليين واحتدام النقاش بشأن المقاطعة وأفضل طرائق مواجهتها، تطرَّق وزير الخارجية الأميركية جون كيري في مؤتمر صحافي باقتضاب إلى مخاطر المقاطعة بالنسبة إلى إسرائيل. ويتضح من ردَّات فعل رئيس الحكومة الإسرائيلية وعدد من الوزراء الإسرائيليين أنّ وجهة النظر السائدة في الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما في صفوف وزراء اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، تعتقد أنه لا يحقُّ لمسؤول أميركي - مهما علا شأنه - أن يتطرق إلى المقاطعة، وأن يحلِّل احتمالات ازدياد مقاطعة إسرائيل دوليًّا، إذا ما فشلت المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، حتى وإن أكَّد أنه يقف هو ودولته ضدّ المقاطعة. ففي معرض إجابة وزير الخارجية الأميركية جون كيري عن سؤال أحد الصحافيين بشأن مستقبل المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، في عقب المحاضرة التي ألقاها في الأول من شباط/ فبراير في مؤتمر ميونيخ للأمن، قوله إنه يبذل جهدًا مضنيًا من أجل التوصل إلى اتفاق بين الطرفين وإنّ الأمل يحدوه في أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق بينهما؛ لأنّ نتائج فشل المفاوضات ستكون صعبة بالنسبة إلى الطرفين. وفي هذا السياق قال جون كيري "نحن نرى أنّ إسرائيل تواجه حملة نزع الشرعية التي تتسع، الناس حساسون جدًّا تجاه هذا الأمر." وأضاف "يتحدثون عن المقاطعة وما شابه. فهل سيكون ذلك أفضل بالنسبة إلينا كلِّنا مثلً مع كلّ هذه الأمور؟." واستطرد قائلً إن الازدهار الاقتصادي والأمن الذي تشهده إسرائيل هما أمر موقَّت، وإنّ من يعتقد أنه يمكن الحفاظ على الوضع القائم فهو واهم، لأنه لا يمكن الحفاظ على هذا الوضع26.

أثارت أقوال جون كيري التي تطرَّق فيها إلى إمكانية ازدياد مقاطعة إسرائيل دوليًّا، في حال فشل المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ردَّات فعلٍ حادةً من وزراء اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل وقادتهم. وقد بدا كيري من خلالها كأنه قطع خطوطًا حمراء وارتكب معصيةً. فقد رفض رئيس الحكومة نتنياهو أقوال كيري، ورفض الربط بين المقاطعة والاحتلال وازدياد الاستيطان الإسرائيلي في المناطق المحتلة، وذلك على غرار تعنّت إسرائيل المستمر المتمثّل برفض تطبيق القرارات والقوانين الدولية بشأن القضية الفلسطينية،

  1. خطاب يائير لبيد في 2014/1/29، في المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي في معهد دراسات الأمن القومي تل أبيب،، على الرابط: http://heb.inss.org.il/index.aspx?id=4354&articleid=6540
  2. المرجع نفسه.
  3. انظر: مارك هلر، "المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات"، المرجع نفسه. وانظر: باراك رافيد، "نتنياهو يرفض تحذير كيري: تهديدات المقاطعة لن تحقّق هدفها"، هآرتس، 2014/2/2، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2232737

وعلل رفضه بجملة من المغالطات ادعى فيها أنّ دوافع المقاطعة تعود إلى عداء السامية، وأنها غير أخلاقية، وأنَّه لا مبرر لها، وأنها لن تحقّق هدفها، بل ستشجع الفلسطينيين على التمسك بمواقفهم. أمّا وزير الشؤون الإستراتيجية يوفال شتاينتس، فقد دان بشدة أقوال كيري وقال "إنها مؤذية ولا يمكن تحمُّلها." وفي الوقت نفسه هاجم وزير الاقتصاد نفتالي بنيت جون كيري واتهمه بأنه "يشكل بوق دعاية للمقاطعة" بدلً من الوقوف ضدّها إلى جانب إسرائيل. وأضاف: "لم يولد بعد الشعب الذي يتنازل عن بلاده بسبب تهديدات اقتصادية، ونحن لن نتنازل عن بلادنا"، عادًّا المناطق الفلسطينية المحتلة بلادَه وتابعةً لإسرائيل27.

الاجتماع الحكومي المصغر يتخذ قرارات في مواجهة المقاطعة

في أجواء احتدام النقاش وتراشق التهم بين عدد من الوزراء الإسرائيليين بشأن المسؤولية عن مقاطعة إسرائيل من ناحية، والهجمة على وزير الخارجية الأميركية جون كيري من ناحية أخرى، عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو اجتماعًا وزاريًّا مقلَّصا، في التاسع من شباط/ فبراير 2014؛ للبحث في كيفية مواجهة مقاطعة إسرائيل، وسحْب الاستثمارات منها، وفرْض العقوبات عليها. وكان هذا الاجتماع قد تأجل بسبب خلافات نشبت بين رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الاقتصاد نفتالي بنيت؛ لأسباب ليست ذات صلة بالمقاطعة. لم يدعُ رئيس الحكومة نتنياهو إلى هذا الاجتماع وزيرة القضاء تسيبي ليفني، ووزير المالية يائير لبيد، ووزير التربية والتعليم شاي بيرون، ووزير العلوم يعقوب بيري، بسبب مواقفهم من المقاطعة وأسبابها وطرق مواجهتها؛ وذلك على الرّغم من أنه كان قد دعاهم إلى المشاركة في الاجتماع السابق الذي جرى تأجيله. وقد شارك في هذا الاجتماع الحكومي المقلَّص، إلى جانب نتنياهو، وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، ووزير الشؤون الإستراتيجية يوفال شتاينتس، ووزير الاقتصاد نفتالي بنيت، وقادة كلّ من جهاز الاستخبارات العامة (الشاباك)، وجهاز الموساد، وجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)، ومنسق شؤون المناطق المحتلة، والمستشار القضائي للحكومة28. قدَّم الوزير يوفال شتاينتس في هذا الاجتماع خطته لمواجهة مختلف أشكال مقاطعة إسرائيل، وطالب فيها باتباع سياسة هجومية وعنيفة ضدّ حملة المقاطعة، ولا سيما ضدّ المنظمات المنضوية إلى حركة بي. دي. آس. وبعد مداولاتٍ واستماعٍ إلى تقارير مختصين في صدارتهم ممثِّلو الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، تبنَّى المجتمعون في مواجهة المقاطعة السياسات والخطوات التالية29: أولً، تكثيف الاتصالات الإسرائيلية السياسية بقادة الدول في العالم، بخاصة دول الاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى المسؤولين في المؤسّسات الدولية والإقليمية المختلفة؛ لحثِّهم على العدول عن أيّ شكل من أشكال مقاطعة إسرائيل، ومعارضته.

ثانيًا، شنّ حملة إعلامية ودعائية متشعبة على المقاطعة، في أوروبا، وأميركا، وفي بقيَّة الدول المهمّة في العالم. وتستهدف هذه الحملة الوصول إلى النُّخب وذوي التأثير في مجتمعاتهم في المجالات السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والثقافية، والأكاديمية، إلى جانب استهداف الرأي العامّ في هذه الدول. ثالثًا، تفعيل اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية (آيباك) في مواجهة مقاطعة إسرائيل، وحثّه على اتخاذ خطوات فعالة ضد المقاطعة، بما في ذلك سَنّ قوانين في الكونغرس الأميركي ضدّ حركة المقاطعة، شبيهة بتلك القوانين التي سنَّها الكونغرس الأميركي في سبعينيات القرن الماضي ضدّ المقاطعة العربية.

  1. انظر: زئيف كام، "نتنياهو: المقاطعة لن تقودني إلى التنازل عن أمن إسرائيل"، معاريف، 2014/2/2، على الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/547/921.html وانظر: رافيد، "نتنياهو يرفض تحذير كيري"، المرجع نفسه.
  2. إيلي بردنشتاين وأرئيل كهانا، "من دون ليفني: بحث سري عند نتنياهو في مقاطعة إسرائيل"، معاريف، 2014/2/10، على الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/551/176.html?hp=1&cat=404
  3. انظر: باراك رافيد، "نتنياهو والوزراء بحثوا في المساء تهديد مقاطعة إسرائيل"، هآرتس، 2014/2/9، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2239243 وانظر: بردنشتاين وأرئيل كهانا، "من دون ليفني: بحث سري عند نتنياهو"، المرجع نفسه.

رابعًا، حثّ اليهود في مختلف أنحاء العالم، وبخاصة في أوروبا والولايات المتحدة، على الانخراط، من خلال مؤسّساتهم، في مواجهة مقاطعة إسرائيل. خامسًا، شنّ حملة إعلامية مكثفة على حركة بي. دي. آس؛ بهدف تشويه سمعتها. سادسًا، العمل على تقديم شكاوى ودعاوى قانونية ضدّ الهيئات والمنظمات المنضوية إلى حركة المقاطعة بي. دي. آس. سابعًا، بعد أن تعرَّض هذا الاجتماع إلى النقص في المعلومات عن حركة بي. دي. آس، وعن مختلف الهيئات والجمعيات الناشطة في مقاطعة إسرائيل في أوروبا وأميركا، قُرِّر أن يصدر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تعليماته إلى جهازي الاستخبارات العامَّة والموساد بالشروع في جمع المعلومات بشكل منهجي عن حركة بي. دي. آس، ومتابعة نشاط قادتها وكوادرها في أوروبا وأميركا ومراقبته؛ لتسهيل عملية مواجهتها. علاوةً على ذلك خصصت وزارة الشؤون الإستراتيجية مبلغًا ماليًّا لجهاز الاستخبارات العسكرية؛ من أجل القيام بجمع المعلومات عن حركة بي. دي. آس من خلال تخصصه في كلّ ما يتعلق بالفضاء الإلكتروني30. يتضح من قرارات الاجتماع الحكومي المقلَّص، ومن تصريحات وزراء اليمين واليمين المتطرف وقادتهم في إسرائيل، أنها تدَّعي أنّ صورة إسرائيل السلبية في العالم وازدياد التأييد لحملة مقاطعتها يعود، أساسًا، إلى ضُ عف الإعلام والدعاية الإسرائيلية في العالم، وإلى عدم ارتقائها إلى مستوى التحديات التي تواجهها إسرائيل. ويرى هؤلاء أنّ معالجة صورة إسرائيل السلبية وازدياد مقاطعتها يقتضيان تحسينًا وتطويرًا للإعلام والدعاية الإسرائيليَّيْ للارتقاء بها إلى مستوى التحديات؛ وذلك بتخصيصها بمزيد من المال، ولا يرون أنّ تلك المعالجة ينبغي أن ترتكز على تغيير سياساتها وممارساتها العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني والدول العربية. ولقد أثار هذا الادعاء المتكرر لوزراء اليمين واليمين المتطرف وقادتهم حفيظة إسرائيليين كثُر، وليس ذلك بسبب دوافع سياسية جلية فحسب، بل بسبب منافاته حقائق واقع الإعلام والدعاية الإسرائيلية. وفي هذا السياق، أكَّدت دراسة عالجت بتوسع وعمق واقع منظومة الإع ماا والدعاية الإسرائيلية أنّ هذه المنظومة تعدُّ من أفضل منظومات الدعاية المتطورة في العالم، وأنّ تطوّرها ونظامها يفوقان دعاية حركة مقاطعة إسرائيل بدرجة كبيرة جدًّا، وأنّ صورة إسرائيل سلبية ومتدنية في العالم على الرغم من وجود منظومة إعلام ودعاية إسرائيلية متطورة للغاية31. كما أشارت الدراسة إلى أنّ الحكومة الإسرائيلية شكّلت، على إثر دروس حرب لبنان الثانية، في تموز/ يوليو 2007 هيئة الإعلام القومية التي تضم جميع المؤسّسات الرسمية ذات العلاقة بالدعاية والإعلام، وإلى أنّ هذه الهيئة تقود منظومة الإعلام والدعاية الإسرائيلية من داخل ديوان رئيس الحكومة. وأنّ جميع المؤسّسات الرسمية الإسرائيلية وقياداتها ذات العلاقة بالإعلام والدعاية تخضع لهذه الهيئة وتنصاع لتوجيهاتها، مثل وزارة الخارجية، والناطق باسم الجيش، والناطق باسم الشرطة، والوكالة اليهودية، ووزارة السياحة.. إلخ. يُضاف إلى ذلك أنّ هذه الهيئة تفعّل نشاط منظومة إعلامية غير رسمية وتقوده، وأنّ هذه المنظومة تتشكَّل من مئات الإسرائيليين في الخارج، ومن مئات اليهود الفاعلين في أوساط التجمعات اليهودية في العالم، ومن المؤيّدين لإسرائيل من غير اليهود الذين يتبنون السياسات والمواقف الأساسية الإسرائيلية ويبرّرونها، والذين ينشطون في وسائل الإعلام المختلفة، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا. وأشارت الدراسة إلى أنّ وزارة الخارجية الإسرائيلية توظِّف طاقمً خاصًّا مهمته الكتابة والرد على ما يُنشر بشأن إسرائيل في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة. علاوةً على ذلك، خصصت وزارة الخارجية منذ عام 2010 مئة مليون شيكل سنويًّا في مشروع "تحسين صورة إسرائيل في العالم"، وهو يشمل استضافتها مجموعاتٍ مهمّةً من مختلف أنحاء العالم ذات نفوذ وتأثير في بلدانها في مجالات عديدة؛ منها الأكاديمي، والإعلامي، والفني. ثمّ إنّ وزارة الخارجية الإسرائيلية تنظّم نشاطاتٍ كبيرة مختلفةً في مختلف مدن العالم؛ مثل المسيرة السنوية من أجل إسرائيل في نيويورك، والمهرجان الإسرائيلي للأفلام في باريس. واستخلصت الدراسة أنّ الادعاء الذي يكرره وزراء من اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، المتمثّل بأنّ إسرائيل تعاني مشكلةً في الإعلام والدعاية، ليس له أساس من الصحة، وأنّه ادعاء يهدف إلى تجنب بحْث الأسباب الحقيقية للعزلة والمقاطعة المتزايدة ضدّ إسرائيل المرتبطة بسياساتها تجاه الشعب الفلسطيني32.

  1. المرجع نفسه.
  2. شيبي غرينفيلد وآخرون، "الإعلام الإسرائيلي: الأسطورة والواقع"، مولاد - المركز لتجدد الديمقراطية، تشرين الثاني/ نوفمبر، 2012، على الرابط: http://www.molad.org/images/upload/files/47136740111807.pdf
  3. المرجع نفسه.

نتنياهو يحاول تشويه حركة المقاطعة

في سياق سعيه لتشويه سمعة حركة مقاطعة إسرائيل، وانسجامًا مع قرارات الاجتماع الوزاري المقلَّص بشأن تكثيف الدعاية والإعلام ضد المقاطعة، زاد رئيس الحكومة نتنياهو من تطرقه إلى المقاطعة في تصريحاته وخطاباته، ودأب على استعمال ذلك الادعاء الممجوج الذي يزعم أنّ مقاطعة إسرائيل ما هي إلا جزء من ظاهرة اللاسامية. وسعى نتنياهو، أيضًا، لتجاهل العلاقة الوطيدة والمباشرة بين حركة مقاطعة إسرائيل من جهة، واحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وجرائمها المستمرة والمتكررة في حق الشعب الفلسطيني، وإصرار إسرائيل على الاستمرار في استعباد الشعب الفلسطيني، وحصاره، والبطش به، ومصادرة أراضيه وتهويدها، وإقامة المستوطنات الإسرائيلية عليها، إضافةً إلى إصرارها المستمر على حرمان الشعب الفلسطيني حقَّه في الحرِّية والاستقلال، مخالِفةً بذلك القرارات والقوانين الدولية من جهة أخرى.

ففي خطابه في 17 شباط/ فبراير 2014 في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الذي عُقد في القدس الغربية، قال نتنياهو بأسلوبه الديماغوجي المعهود "إنّ الأمر المثير للقشعريرة، الأمر المخزي جدًّا، هو أنّ أناسًا على أرض أوروبا يتحدثون عن مقاطعة اليهود." وأضاف، "في الماضي قاطع اللاساميون الأشغال اليهودية، واليوم هم يدعون إلى مقاطعة الدولة اليهودية فقط"33. وخصص نتنياهو – في أسلوب رخيص - قسمً كبيرًا من خطابه الذي ألقاه في مؤتمر اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، في الرابع من آذار/ مارس 2014، للهجوم على التوجّه الداعم لمقاطعة إسرائيل، ولا سيما على حركة بي دي آس؛ فلقد حاول تشويه اسم هذه الحركة وادعى أنها حركة عنصرية، معادية للسامية، تسعى لإبادة إسرائيل. ولم يتورَّع من الإسفاف، ومن استعمال كلمات نابية تجاه حركة بي. دي. آس، في محاولة بائسة منه للإساءة إليها34. وأثارت محاولات ربط نتنياهو المتكررة بين حركة المقاطعة واللاسامية، في خطاباته وتصريحاته المختلفة، حفيظة عدد من المثقفين الإسرائيليين. وقد أشار الصحافي الإسرائيلي حامي شاليف إلى أنّ هذا الربط بين اللاسامية والاحتجاج على سياسات إسرائيل وجرائمها في المناطق المحتلة، وقد بات منذ فترة ليست قصيرةً أمرًا ثابتًا عند نتنياهو بوجهٍ خاصٍّ واليمين الإسرائيلي بوجهٍ عامٍّ، يهدف إلى ردع كلّ من يعارضونه ويحتجون على سياسة إسرائيل وجرائمها في المناطق المحتلة وإرهابهم، وإلى تشويه اسم حركة المقاطعة التي تزداد قوتها في أوروبا وأميركا، وردع الناس عن الانضمام إليها، وتجنيد يهود الولايات المتحدة في المعركة ضدّ المقاطعة35. لقد عارض المفكر وأستاذ العلوم السياسية زئيف شتيرنهل ادعاء نتنياهو أنّ اللاسامية هي القوة الدافعة للمقاطعة، وأكَّد في مقال له تحت عنوان "المقاطعة ليست لاسامية" أنّ قراءة معمَّقة للواقع ولدوافع مقاطعة إسرائيل تقود إلى أنها بمنزلة "احتجاج ضد الكولونيالية والأبارتهايد السائدين في المناطق المحتلة"36، وذكر أن الأوروبيين الذين يدركون الواقع أكثر من الأميركيين قد استخلصوا العبِر من ماضيهم الكولونيالي. فاليسار الأوروبي يخجل من ماضي أوروبا الكولونيالي مثلما يخجل من ماضيها اللاسامي تمامًا. وهذا اليسار الذي يناهض اللاسامية ويناضل ضدّها ليس على استعداد لقبول استمرار احتلال شعب كامل؛ لذلك يتسع التأييد في أوروبا لنضال الفلسطينيين من أجل الاستقلال؛ لأنّ من شأن السكوت عن هذا الموضوع أن يُفس على أنَّه قبول بالاحتلال وتنكُّر لحقوق الفلسطينيين. وأشار شتيرنهل إلى أنّ اليسار ليس وحده الذي يدعم هذا الموقف، بل تدعمه أغلبيّة الرأي العامّ في أوروبا بتياراته المختلفة.

  1. تسفيكا كلاين، "نتنياهو: قوة يهودية في الغور- وهم"، معاريف، 2014/2/17، على
  2. انظر: باراك رافيد، "نتنياهو في آيباك: على استعداد لصنع السلام مع الفلسطينيين، على عباس الاعتراف بإسرائيل"، هآرتس، 2014/3/4، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2260523 وانظر، أيضًا، مقالته "خطاب نتنياهو في آيباك ينبغي أن يشعل ضوءًا أحمر عند المستوطنين"، هآرتس، 2014/3/4، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2260758
  3. حامي شاليف، "نتنياهو يصرخ يا للهول ويهود الولايات المتحدة من خلفه"، هآرتس، 2014/2/21، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/world/america/1.2250450 36 زئيف شتيرنهل، المقاطعة ليست لاسامية"ً، هآرتس، 2014/1/31، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.2230849
  4. الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/554/503.html?hp=1&cat=404&loc=13

وذكر، أيضًا، أنّ رفض الاحتلال الإسرائيلي والمطالبة بإزالته، يتجلى في تأييد المقاطعة و"فرض عقوبات اقتصادية وثقافية على مستعمرة المستوطنين الكولونياليين الإسرائيليين في المناطق المحتلة." وقال إنه يسود اقتناع، لدى الأغلبيّة الساحقة من الرأي العام في أوروبا الذي يقف بوضوح ضدّ اللاسامية، مفاده أنّ المقاطعة وسيلة ضغط شرعية من أجل تحرير الفلسطينيين من الاحتلال الإسرائيلي، وأنّ تلك الأغلبيَّة تعتقد أنّ قمْع إسرائيل للفلسطينيين، وبطشها بهم، وتنكّرها لحقوقهم تحت غطاء ادعاء السيادة على فلسطين وفق وعد رباني، بمنزلة وصمة عار في التاريخ اليهودي. وخلَص زئيف شتيرنهل إلى القول إنّ تمسُّك إسرائيل بالاحتلال وتنكُّرها لحقوق الفلسطينيين سيقودان، في نهاية المطاف، إلى عزْلها دوليًّا. وأكَّد أنّ هذا الأمر إذا ما حصل، فإنه ليس لاسامية37.

من جانبه فنَّد الصحافي جدعون ليفي ادعاء نتنياهو أنّ المقاطعة الدولية لا تستهدف إلَّ "الدولة اليهودية"، وحاجَّ في مقال له عنوانه "حان وقت العقوبات"38 بأنّ نجاح المجتمع الدولي في فرض عقوبات على إيران وإرغامها على تجميد مشروعها النووي، يشكِّل أرضيةً صلبة له في فرض عقوبات على إسرائيل؛ من أجل إرغامها على وضع حد للاحتلال وإنهاء تنكُّرها لحقوق الفلسطينيين. واستطرد قائلً، لقد بات الوضع واضحًا للغاية، فبعد فشل العملية السلمية وأطول مفاوضات في التاريخ الحديث، وبعد قبْ إسرائيل خطط السلام واستمرارها في الاحتلال والاستيطان، حان وقت فرْض العقوبات الدولية عليها، وبعد أن تؤثِّر هذه العقوبات المؤلمة في إسرائيل وتحسّ بها بطريقة ملموسة، عند ذلك فقط ينبغي عقْد مؤتمر دولي يترجم فيه المجتمع الدولي تأثير هذه العقوبات الاقتصادية وتحوّلها إلى إنجازات سياسية حقيقية. فكما نجحت العقوبات ضدّ إيران، يمكنها أن تنجح ضد إسرائيل. وأكَّد جدعون ليفي أنّه ليس للإسرائيليين سبب لإنهاء الاحتلال والاستيطان طالما أنهم لا يدفعون ثمنًا مقابل ذلك، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى عدم الاكتفاء بالعقوبات المحدودة التي فرضها على الاستيطان، وطالب بفرْض عقوبات اقتصادية على إسرائيل؛ لأن الاستيطان والاحتلال يشكلّان مشروع إسرائيل، وقال إنه لا يمكن حصْ العقوبات على المستوطنات؛ مثلما أنه لم يكن ممكنًا حص العقوبات الدولية التي فُرضت على جنوب أفريقيا في مؤسّسات الأبارتهايد. فمثلما كان كلّ شيء في جنوب أفريقيا مرتبطًا بالأبارتهايد فإنّ كلّ شيء في إسرائيل أيضًا مرتبط بالاحتلال والاستيطان. فإسرائيل هي التي تبادر إلى إقامة المستوطنات، وهي التي تموِّل الاستيطان وتحميه؛ لذلك فإنّها كلّها مسؤولة عن الاستيطان والاحتلال. ولا يوجد في إسرائيل منظمة، أو سلطة، أو بنك، أو جامعة، أو مؤسَّسة طبية، أو شبكة تسويق، إلا يوجد لها موطئ قدم أو فرع في المناطق المحتلة39.

شبح نظام الأبارتهايد البائد يلاحق إسرائيل

من الملاحظ أنّ شبح نظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا، والعقوبات الدولية التي قادت إلى إسقاطه، يهيمنان على كثير من التحليلات والمواقف الإسرائيلية التي تتطرق إلى مسألة مقاطعة إسرائيل. وليس المقصود في هذا السِّياق تلك التحليلات والمواقف العَرضيّة أو المحدودة جدًّا، بل المهمة من قبيل تلك التي يطلقها نفر من الإسرائيليين بين الفينة والأخرى للمطالبة بمقاطعة إسرائيل وفرْض عقوبات عليها، كما رأينا ذلك من خلال مطالبة الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي بفرْض عقوبات جدية على إسرائيل. إنّ شبح الأبارتهايد يلاحق التحليلات والمواقف السائدة في إسرائيل بشأن المقاطعة، وهي تحاول جاهدةً نفيَ وجود أوجه شبه بين نظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا من ناحية، وواقع استمرار الاحتلال واستمرار السيطرة الصارمة على المناطق المحتلة والاستيطان،، والتحكّم الإسرائيلي في الفلسطينيين، من دون أن يكونوا مواطنين في إسرائيل، من الدرجة الثانية أو من الدرجة العاشرة، فلا هم متحررون من احتلالها ولا هم مستقلُّون عنها، من ناحية أخرى. إنّ التحليلات السائدة المستندة إلى نفيِ أيّ أوجه شبه بين إسرائيل ونظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا، تسعى للتقليل من إمكانية

  1. المرجع نفسه.
  2. جدعون ليفي، "حان وقت العقوبات"، هآرتس، 2014/1/23، على الرابط:
  3. http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.2178785 39 المرجع نفسه.

فرْض المقاطعة الجدية على إسرائيل، ومن وطأة تأثيرها في اقتصادها. وهذا الشبح يطارد كذلك تلك التحليلات والمواقف الإسرائيلية التي تخشى أن يؤدِّيَ استمرار الاحتلال والاستيطان الإسرائيليَيّن إلى الإسراع في عملية التحويل الجارية في إسرائيل، على نحوٍ مشابهٍ لواقع نظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا؛ ما سيقود إلى تعجيل مقاطعة إسرائيل وتعميقها دوليًّا، وإلى فرْض عقوبات جدِّية عليها. في هذا السياق دعت الصحافية الإسرائيلية ميراف أرلوزوروف في مقال لها إلى أن تكُفَّ إسرائيل عن خداع الذات من خلال ادّعائها القدرة على الحفاظ على الاحتلال40؛ وذلك لأنّ العالم لم يعدْ يقبل أن تستمر إسرائيل في احتلال شعب آخر، وخصوصًا في ظلّ وجود انقسام حقيقيّ في المجتمع الإسرائيلي بشأن مصير المناطق المحتلة.

إنّ استمرار الاحتلال يخلق واقع أبارتهايد، وإسرائيل وفق ما طرحته ميراف أرلوزوروف "لا تستطيع أن تسمح لنفسها بالانحدار إلى دولة أبارتهايد"، وقد أضافت أرلوزوروف قائلة: إذا كانت دولة جنوب أفريقيا تحت نظام الأبارتهايد، القوية والكبيرة والغنية، لم تتمكن من الصمود أمام المقاطعة وفرْض العقوبات الدولية، فإنّ دولة إسرائيل الصغيرة التي تعتمد في أمنها واقتصادها اعتمادًا أساسيًّا على علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا، لن تستطيع الصمود أمام المقاطعة الدولية. وقالت أيضًا إنّ أمام إسرائيل احتمالين اثنين لتتجنب مصيرها ذاك؛ فإمّا أن تضمّ المناطق المحتلة سنة 1967 وتتحول إلى دولة ثنائية القومية، وتفقد بذلك الهدف الصهيوني الذي أقيمت من أجله، وإمَّا أن تنسحب من المناطق المحتلة سنة 1967 وتوافق على قيام دولة فلسطينية فيها إلى جانب إسرائيل41. وقد عارض الكاتب والصحافي حامي شاليف توجُّه التيار السائد في إسرائيل الذي يقلّل من نسبة تأثير المقاطعة في إسرائيل، والذي يعتقد أنها ستقتصر على المستوطنات الإسرائيلية. وقارن شاليف المقاطعة بين إسرائيل ونظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، فقال إنّ مقاطعة نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا بدأت عندما كانت جميع الدول الغربية، وفي صدارتها كلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا، تقف بشدة ضدّ مقاطعة نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. وأشار إلى أنّ حركة مقاطعة هذا النظام بدأت بمقاطعة أكاديمية غير منظَّمة، ولكنها سرعان ما انتشرت في مجالات مختلفة؛ اقتصادية، وتجارية، ورياضية، وتوسعت إلى أن وصلت في نهاية المطاف إلى فرْض المجتمع الدولي عقوباتٍ على نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا42. ورأى شاليف أنّ "نقطة التحول" في عملية مقاطعة دولة جنوب أفريقيا كانت عند ارتكاب نظام الأبارتهايد فيها مجزرة سويتو، عام 1976، وما تلاها من عمليات قمعية وحشية ضدّ السود في جنوب أفريقيا. فقد أدَّت تلك المجزرة وتلك العمليات إلى حملة احتجاجات وتظاهرات واسعة في الجامعات، وفي أنحاء مختلفة من العالم. وأعرب شاليف عن اقتناعه بأنّ إسرائيل تقترب من "نقطة التحول" التي ستغير من رؤية العالم إليها، ومن حدَّة المقاطعة، والعقوبات ضدَّها. وذكر شاليف مجموعةً من العوامل المرتبطة بالقضية الفلسطينية من شأنها أن تُقرّب إسرائيل أكثر فأكثر من "نقطة التحول"؛ من بينها ازدياد مظاهر العنصرية تجاه العرب الفلسطينيين في إسرائيل، والبطش بهم، والخلافات المستمرة مع الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية، وبخاصة استمرار الاحتلال وتعاظم الاستيطان في المناطق المحتلة اللذين يخلقان في العالم انطباعًا عامًّا مفاده أنّ إسرائيل ترفض السلام. ثمّ إنه عدَّ "العملية السلمية"، واستمرار المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية التي يقودها جون كيري، مانعين حتى الآن لتشكُّل "نقطة التحول" في حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل التي ستقود إلى تغيير مكانتها الدولية43.

  1. ميراف أرلوزوروف، "إدارة المخاطر التي تتربص بدولة إسرائيل"، هآرتس، 2014/2/6، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.2236325
  2. المرجع نفسه.
  3. حامي شاليف، "حركة مقاطعة إسرائيل الدولية تقترب من نقطة التحول"، هآرتس، 2013/12/13، على الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/world/america/.premium-1.2189602
  4. المرجع نفسه.

الخاتمة

لقد أقامت إسرائيل في المناطق الفلسطينية المحتلة نظامًا احتلاليًّا كولونياليًّا استيطانيًّا عسكريًّا أسوأ في جوهره وفي جوانبه الأساسية من نظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا. وترفض إسرائيل علنًا ورسميًّا تنفيذ القرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية التي تدعوها إلى الانسحاب من المناطق المحتلة سنة 1967 وإلى وقف الاستيطان وإزالته، وتصرُّ على تحدي المجتمع الدولي، والاستمرار في الاحتلال والاستيطان، والبطش بالشعب العربي الفلسطيني.

لقد بات واضحًا منذ فترة طويلة أنّ إسرائيل ترفض السلام مع الفلسطينيين وترفض المبادرة العربية التي دعتها إلى عقد سلام شامل ودائم مع جميع الدول العربية وتطبيع علاقاتها بها، مقابل انسحابها من جميع المناطق المحتلة سنة 1967 وإقامة دولة فلسطينية. وقد بات واضحًا، أيضًا، أنّ إسرائيل لا تتعامل مع احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة بوصفها حالةً موقَّتةً، بل على أنَّها حالة دائمة، وأنَّها تنتظر لحظةً دوليَّةً وإقليميَّةً ملائمة لضمّ قسم كبير من هذه المناطق المحتلة إليها. بات واضحًا، كذلك، أنّ إسرائيل لا تستعمل المفاوضات الثنائية المباشرة للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين، بل للاستفراد بهم، وللاستقواء عليهم، ولتجريدهم من مختلف عوامل قوتهم، وأنَّها تجد في تلك المفاوضات غطاءً لاستمرار استيطانها وتكريس احتلالها، ووسيلة ناجعةً تجنِّبها المقاطعة والعقوبات الدولية. ومن الواضح، أيضًا، أن إسرائيل ستستمر في الاحتلال، والاستيطان، والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، ما لم تدفع ثمنًا باهظًا يُرغمها على تغيير سياستها، ويجبرها على الانسحاب من المناطق الفلسطينية المحتلة، والكفّ عن التنكر لحق الفلسطينيين في الحرِّية والاستقلال. إنّ أجدى طريقة وأفضل وضعٍ حاليٍّ في الزمن المرئي، وزمن السلمية والشرعية التي بات قطاع واسع من الرأي في العالم يؤيّدها، في الوقت نفسه، إجبار إسرائيل على دفع ثمن الاحتلال والاستيطان، وثمن تنكّرها لحقوق الفلسطينيين، وبطشها بهم، وارتكابها الجرائم في حقهم؛ من خلال مقاطعتها، وفرْض عقوبات اقتصادية عليها، وعقوبات سياسية، وأمنية، وثقافية، وأكاديمية، جدية ومؤلمة، تُرغمها على الانسحاب من المناطق المحتلة. لقد ثبت في نحو عقدين ونيِّف، ثبوتًا قاطعًا، أنّ الخنوع لإسرائيل، والخضوع لأهدافها وأجندتها، منذ اتفاقية أوسلو في سنة 1993، لم يقُد إلى النتائج المرجوَّة، بل أدَّى إلى ازدياد عدوانيتها وتوسعها. علاوة على ذلك ثبت أيضًا أنّ الخنوع لإسرائيل وتقديم التنازلات لها لإرضائها بدلً من نبذها ومقاطعتها، وفرْض عقوبات عليها، لم يساهم قيد أنملة في جلب السلام، بل أبعده وساهم مساهمة أساسية في تعزيز قوَّة معسكر اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل وتشجيعه على مواصلة سياساته العدوانية، والتوسعية، والعنصرية، وأنَّه أضعف موضوعيًّا في الوقت نفسه المعسكر الآخر في إسرائيل، وجرَّده من مصدر قوته الأساسي المتمثّل بتحذيره - من منطلقاته هو - من احتمالات فرْض المقاطعة والعقوبات على إسرائيل إذا لم تغير الحكومة الإسرائيلية التي يقودها معسكر اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل سياستها تجاه الاستيطان، والاحتلال، والقضية الفلسطينية. لقد حان الوقت أن توليَ الحركة الوطنية الفلسطينية؛ أيْ قيادة السلطة وقيادة مختلف التنظيمات والفعاليات الفلسطينية، مقاطعة إسرائيل، وسحْب الاستثمارات منها، وفرْض العقوبات عليها، أهمية خاصَّةً في المشروع النضالي الوطني الفلسطيني. فهي أنجع وسيلة وأمضى سلاح في الأوضاع الحالية، وفي الزمن المرئي؛ لإرغام إسرائيل على دفْع ثمن الاحتلال والاستيطان، ولإرغامها على الانسحاب من المناطق المحتلة سنة 1967، ولا سيما إذا ما استند النضال الوطني الفلسطيني إلى إستراتيجية شاملة تعتمد الوحدة الوطنية، والنضال الجماهيري المتواصل في الأراضي المحتلة، وتفعيل طاقات الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.