خطر التحالف بين الإرهاب والجريمة المنظ مة

عبد القادر دندن

الملخّص

يبدو أنّ التحالفات وأعمال التعاون والتنسيق لم تعد تقتصر على الدول أو الهيئات الدولية فقط، بل حتى التنظيمات الإرهابية والإجرامية المنضوية تحت مسمّ ى الجريمة المنظ مة أصبحت تتحالف مع بعضها البعض؛ لتطوير أعمالها وتنفيذ مخططاتها وتحقيق أهدافها. وعلى الرغم من الاخت فاا من حيث البنية والهدف بين الجماعات أو الشبكات الإرهابية (تحمل أهداف ا سياسية)، ومجموعة الأنشطة الإجرامية المعروفة بالجريمة المنظ مة (أهداف مادية بالدرجة الأولى)، فمصالحهما تتقاطع معًا ممّ ا يقتضي منهما التعاون والتنسيق المتبادل. وهذا ما يزيد من قوّتها ويجعل مكافحتها وتفكيكها صعبين على السلطات الأمنيّة. وت عدّ منطقة شمال أفريقيا من الأمثلة الحيّة على التحالفات القائمة بين الجماعات الإرهابية ومختلف أنشطة الجريمة المنظ مة، بخاصة نشاط تهريب المخدّرات والات جار بها؛ لأنّ الخصائص الجغرافية للمنطقة بوصفها همزة وصل بين مناطق متعدّدة في قارة آسيا وأفريقيا (أفريقيا جنوب الصحراء، وغرب أفريقيا)، وأوروبا (شمال المتوسّ ط)، جعلتها ممرًّا أساسيًّا لكميات المخدرات المهرّبة من مختلف أنحاء العالم نحو أوروبا بالخصوص، بالتزامن مع تمركز عدد من الجماعات الإرهابية الخطيرة في المنطقة، وعلى رأسها ما يسمّ ى بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإس مااي. ونظرًا لتطابق مصالح الطرفين من حيث حاجة الشبكات المتاجرة بالمخدرات إلى الحماية وتأمين طرق نقلها بضاعتها من جهة، وحاجة الجماعات الإرهابية إلى أموال كافية لتمويل مخططاتها الإرهابية وتنفيذها من جهة أخرى، شهدت المنطقة قيام تحالف خطير بين الطرفين أفرز تحدّيًا كبيرًا لدول المنطقة التي أصبحت مجبرة على مواجهة تهديد مزدوج، وضرورة وضع إستراتيجيات كفيلة بمواجهة الخطر المتنامي لهذا التحالف.

العلاقة بين التنظيمات المسل حة وشبكات الات جار بالمخدّرات شمال أفريقيا نموذجًا

مقدمة

تأثّر شمال أفريقيا بالتهديدات الأمنية العالمية المستجدّة، وأضحى ضمن المناطق الجيوسياسية الحسّاسة؛ نظرًا لتضافر عوامل جغرافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وإقليمية ودولية أثّرت في البيئة الأمنيّة هناك، ومن أخطرها تهريب المخدرات التي جعلت المنطقة طريق عبور نحو أوروبا وموطنًا لزراعة أنواع خطيرة من المخدرات كالقنب الهندي. وتأثّرت أيضًا بشبكات تهريب الأسلحة في صورة جماعات دعم للجماعات المسلّحة، وشملتها التوترات السياسية والأمنيّة مع الحراك السياسي الذي شهده عدد من دول المنطقة، مثل ليبيا وتونس، ومعاناة دول الجوار من حركات انفصالية، مثل مالي. ونظرًا لتعقّد البيئة الأمنيّة في شمال أفريقيا وتعدّد التهديدات الأمنيّة المحدقة بها، قامت هنالك تحالفات غير معلنة بينها بخاصة تلك المتعلقة بالنشاط الإرهابي ونشاط تهريب المخدّرات، والتي تزيد من توتّر البيئة الأمنيّة من جهة، وتجعل عملية محاربتها صعبة من جهة أخرى. ولكنّها من جهة ثالثة ولو نظريًّا فقط، تزيد حتمية التعاون والتنسيق بين دول المنطقة ودول من خارجها؛ لمواجهتها وتحييد خطرها. وعليه، ترتكز هذه الدراسة على تحليل إشكالية مدى الترابط بين الجماعات المسلّحة وشبكات الاتّجار بالمخدّرات في شمال أفريقيا، ومنها نطرح هذه التساؤلات: - ما هي الخصوصيات التي تؤهّل منطقة شمال أفريقيا لتكون جزءًا من المشهد العالمي للتحالف بين تهديدين خطيرين في حجم الإرهاب والمخدّرات؟ - ما هي صور الارتباط بينهما في المنطقة؟ - كيف تؤثّر التطوّرات المستجدة الحاصلة في المنطقة وفي جوارها الإقليمي (منطقة الساحل، وغرب أفريقيا) في توطيد العلاقة بين هذين التهديدين؟ - ما هي الإستراتيجيات المنتهجة لمواجهة التحالف بين هذين التهديدين؟

خطر المخدّرات عالميًّا

تعدّ مشكلة المخدّرات أحد الملفات الساخنة التي لا يخلو منها أي مؤتمر أو ندوة أو ملتقى دولي أمني، بوصفها إحدى المشاكل الدولية الثلاث التي أصبحت في العقدين الأخيرين تهدّد السلم والأمن العالميَيّن. وهذه المشاكل هي: الإرهاب، والمخدرات، وتلوّث البيئة1. واكبت المتاجرة بالمخدرات التطوّرات الحاصلة في العلاقات الدولية بنهاية حقبة الحرب الباردة من جهة، ومساهمة العولمة من جهة أخرى في نقل المتاجرة بالمخدرات وغيرها من الجرائم إلى طور الانتشار الواسع المتخطّي الحدود؛ فقد طرح نشوء الجريمة المنظّمة المتخطية الحدود الوطنية – بما فيها المخدرات - بوصفها قضية في السياسة العالمية، تحدّيات خطيرة لأكثر من واحدة من نظريات العلاقات الدولية؛ فلا واقعية هوبز (والواقعية الجديدة المشتقّة منها)، ولا المذهب المؤسسي الليبرالي أو الليبرالية الجديدة من جهة أخرى تستوعب – على صعيد مفاهيمي أو على صعيد عملي - المنظمات الإجرامية المتخطّية الحدود الوطنية؛ إذ يرى الواقعيون أنّه لا صلة لهذه المنظمات بالصراع الدائم بين الدول الساعية إلى القوة والأمن في العلاقات الدولية. في حين يرى أصحاب المذهب المؤسسي أنّها غير مرحّب بها؛ لأنّها شكل من أشكال التنافر في عالمٍ من الانسجام المتزايد2. لقد استغلّت عصابات تصنيع المخدرات والمتاجرة بها ما تتيحه العولمة من تسهيلات لتوسيع نشاطها بحيث لم يبق في العالم مجتمع لا يعاني من شرور المخدرات. ومع ذلك لا يمكن الادّعاء أنّ المخدرات أو انتشارها نتيجة مباشرة من نتائج العولمة؛ فهي مرض عرفته مجتمعات محدودة وعلى نطاق جغرافي وبشري ضيّق نسبيًّا. إلا أن عصابات المخدرات وظّفت إمكانات العولمة توظيفًا واسعًا من أجل الدخول إلى ساحات جغرافية جديدة، والتأثير في مجالات حيويّة أخرى3.

  1. عبد اللطيف محمد أبو هدمة، " مشكلة المخدرات وأبعادها الدولية على الأمن القومي "، الإدارة العامة لمكافحة التهريب والمخدرات، على الرابط والتنمية: http://www.aladel.gov.ly/main/modules/sections/item.php?itemid=282
  2. فيل ويليامز، "الجريمة المتخطية للحدود الوطنية والفساد"، في: برايان وايت، ريتشارد ليتل ومايكل سميث (محررون)، قضايا في السياسة العالمية (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص.308
  3. مصطفى عمر التير، "المخدرات والعولمة: الجوانب السلبية"، في: عبد القادر عبد الله المخدرات والعولمة العرابي (محرر)،، ط 1 (الرياض: مركز الدراسات والبحوث، 2007)، ص.9 حة وشبكات الات جار بالمخدّرات (شمال أفريقيا نموذجًا العلاقة بين التنظيمات المسل)

وتقف الأرباح الطائلة المتأتّية من تجارة المخدرات وراء إصرار الشبكات المختصة في هذا المجال على مواصلة نشاطها والدفاع عنه باستعمال القوّة إن لزم الأمر؛ يقول جياكوميللي: "إنّ الأرباح الطائلة المحصّلة من الاتّجار غير المشروع بالمخدرات هي شريان الحياة الرئيس لتنظيمات الجريمة المنظمة، ولذلك تحارب هذه المنظمات بشراسة لحماية مصدر تمويلها الرئيس، ووسيلتها في تسهيل عملياتها الإجرامية بالفساد والإفساد، كما أنّه ليس غريبًا أن نجد أنّ النشاط المشترك بين هذه التنظيمات الإجرامية هو الاتّجار غير المشروع بالمخدرات"4.

وتشير مختلف الدراسات والتقارير إلى ضخامة العوائد المالية المحصّلة من تجارة المخدرات في العالم بصورة متزايدة وتفوق حتى دخول دول بأكملها؛ فقد خلص تقرير عن "سوق المخدرات العالمي "2007-1998 الصادر عن اللجنة الأوروبية ومعهد "تريمبوس" ومؤسسة "راند"، إلى أنّ العائدات الإجمالية لتجارة المخدرات بحسب تقديرات "تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة "2005 UNODC قد بلغت 322 مليار دولار سنة 2003(أي أعلى من الناتج القومي الذي تحصّله %88 من دول العالم)5. وهي دخول آخذة في التزايد؛ إذ أفاد تقرير الأمم المتحدة عن المخدرات لعام 2005 بارتفاع عائدات المخدرات مقارنةً بالتقارير السابقة لتصل إلى 400 مليار دولار، أو ما يعادل %8 من حجم التجارة العالمية6. وارتفعت الدخول الناتجة من الاتّجار بالمخدرات سنة 2009 إلى 600 مليار دولار أو ما يعادل %7.6 من التجارة العالمية بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات وصندوق النقد الدولي. وارتفعت قيمة أموال المخدرات التي يجري غسيلها عبر مؤسسات وشركات قانونية إلى 1.5 تريليون دولار؛ أي %5 من الناتج الإجمالي العالمي. وتمثّل هذه التجارة %70 من دخول التنظيمات الإجرامية. وارتفع هامش الربح الناتج من هذه التجارة من 300 % إلى %2000، ما جعل التنظيمات الإجرامية المحلية والعابرة الحدود تنخرط في تجارة المخدرات؛ لتحصيل أكبر قدرٍ من الدخول في وقت قصير7. ويشير الخبير بيتر ليللي إلى امتلاك هذه التجارة المحظورة 400 مليون زبون منتظم، ويجري في إطارها غسل 200 مليار دولار بنجاح عبر العالم كلّ سنة. وأضحت هذه التجارة تمثّل قسطًا كبيرًا في الناتج العام لعددٍ من الدول؛ ففي كولومبيا يتحدث الخبير بيتر ليللي عن حصد "كارتل" كالي الكولومبي لتجارة المخدرات ما قيمته 206 مليار دولار، مع توغّل عصابات المخدرات بصورة كبيرة داخل أوساط الساسة الفاسدين. وتتجذّر هذه التجارة المحظورة أكثر في عدد من المجتمعات؛ لأنّها تخلق فرص عمل كبيرة تصل إلى 300 ألف في بوليفيا، وما بين 500 ألف ومليون في بيرو مثلً8.

دور شمال أفريقيا في تجارة المخدرات العالمية

لم تستثن شبكات الاتّجار بالمخدرات أيّ بقعة من بقاع العالم بفضل إستراتيجيتها ذات الطابع العالمي والمبنيّة على التنسيق المحكم بينها، بغضّ النظر عن مكان وجودها وتمركزها. وفي منطقة شمال أفريقيا تتضافر العديد من العوامل التي تجعل منها محورًا مهمًّ في تجارة المخدرات العالمية سواء بوصفها منطقة عبور أو منطقة إنتاج أو استهلاك، نذكر منها: الموقع الجغرافي: يمكن فهم هذا الدور الذي تضطلع به منطقة شمال أفريقيا في تجارة المخدرات العالمية بالعودة إلى خصائص موقعها الجغرافي؛ فهي مرتبطة بأفريقيا جنوب الصحراء من خلال الصحراء الأفريقية الكبرى، وتحاذي منطقتَي غرب أفريقيا

  1. محمد فتحي عيد، "المخدرات والجريمة المنظمة"، في: عبد القادر عبد الله العرابي المخدرات والعولمة)(محرر،، المرجع نفسه، ص.235
  2. Peter Reuter & Franz Trautmann (eds). A report on global illicit drug markets 1998-2007 (European comisssion, RAND corporation and Trimbos
  3. عمر التير، المرجع نفسه، ص.22
  4. « Drug-trafficking profits» (Ria Novosti,30/5/2010), http://en.ria.ru/ world/20100530/159275376.html. 8 عبد القادر عبد الله العرابي، "تجارة المخدرات وعلاقات الشمال بالجنوب في ضوء تجارة المخدرات العولمة"، في:، المرجع نفسه، ص.95
  5. Institute. Netherlands. 2009), p.12.

ودول الساحل الأفريقي مباشرة، وتتّصل بوسط أفريقيا من خلال الحزام الجنوبي لدول الساحل الصحراوي، وتمكّن مصر التي تعدّ دولة عبور من ربط المنطقة بدول حوض النيل، وبشرق أفريقيا، وبقارّة آسيا من خلال شبه جزيرة سيناء. كما أنّ هنالك مقاطعات مغربية في الأصل (سبتة، ومليلية)، ولكنّها تابعة لإسبانيا حاليًّا (وهو ما يجعلها همزة وصل مباشرة بقارّة أوروبا)9. وعزّز هذا الموقع الإستراتيجي للمنطقة اكتسابها صفة منطقة العبور الحيوية لشحنات المخدرات الموجّهة نحو السوق الأوروبية بالأساس؛ فقد أفاد تحقيق قام به المرصد الجيوبوليتيكي للمخدرات سنة 2007 بأنّ المغرب قد أصبح نقطة عبور مهمّة للكوكايين المرتبط بشبكات التهريب الكولومبية. وأكّد تقرير إدارة مكافحة المخدرات سنة 1993 أنّ: "دول شمال أفريقيا تعرف استغلالا متزايدًا لأراضيها ومياهها الإقليمية من طرف شبكات إجرامية لتهريب الكوكايين بكميات كبيرة نحو أوروبا"10. وبحسب المختصيّن، تمثّل الجزائر محورَ عبور مهمًّ للمخدرات. وأفادت تقارير من هيئات أمنيّة مختلفة بأن %90 من البضاعة المحجوزة في الجزائر كانت في طريقها نحو السوق الأوروبية والشرق أوسطية. وتحليل المعطيات الموجودة يكشف أنّ الجزائر تعرف تطوّرًا كبيرًا في تجارة المخدرات، ومنها الكوكايين وموادّ أخرى تهرّبها شبكات من الساحل الأفريقي، عبر اختراق حدود النيجر ومالي خفيةً. كما تمثّل المساحات الواسعة في تمنراست وعين قزام ممرًّا مفضّ لً لتلك الشبكات التي تهرّب في الغالب ما يُعرف بالمخدرات الصلبة des drogues.11 dures وتمثّل المتاجرة بالمخدرات %26.63 من نشاط الجريمة المنظّمة في الجزائر بحسب تقريرٍ لمصالح الدرك الوطني صادر سنة 2009، وهي السنة التي شهد سداسيّها الأوّل فقط حجز 42 طنًّا من المخدرات، منها 22 طنًّا في ولاية بشار وحدها. ويفيد المصدر نفسه بأنّ الكمّية المستهلكة ضئيلة جدًّا مقارنةً بالكمّية الإجمالية المحجوزة12. في حين أشار الديوان الوطني لمكافحة المخدرات والإدمان عليها في الجزائر، إلى أنّه جرى حجز نحو 78 طنًّا من القنب الهندي في الجزائر خلال السداسي الأوّل من سنة 2013، وهو رقم في ارتفاع مقارنةً ب 71 طنًّا سُجّلت خلال الفترة نفسها من السنة الماضية13.

ويمثّل موقع مصر نقطة عبور لتجارة الهيروين والقنب من مناطق الإنتاج الرئيسة في جنوب شرق آسيا إلى الأسواق الأوروبية. وعلى النطاق العالمي، تعدّ الموانئ والمطارات وقناة السويس التي تعبرها آلاف السفن سنويًّا أضعف النقاط في مصر بالنسبة إلى تجارة المخدرات؛ فقد مرّ بالقناة 14600 سفينة عام 1997. ومن ثمّ يمكن أن تكون مصر منفذًا جنوبيًّا مهمًّ لتهريب المخدرات إلى أوروبا. ولم تسلَم الأراضي الموريتانية من سطوة شبكات تهريب المخدرات؛ إذ شهدت سنة 2007 حجز نحو 12 طنًّا من الكوكايين. وسجّل حجز 5.4 أطنان من القنب خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة ذاتها، مع توقيف 40 شخصًا خلال عمليات مختلفة14. توسّع رقعة إنتاج المخدرات في المنطقة: لم يقتصر دور شمال أفريقيا في تجارة المخدرات العالمية على كونها منطقة عبور فحسب، بل هي من مناطق إنتاج المخدرات أيضًا. وتعرف المساحات المزروعة بمختلف أنواع الموادّ المخدّرة تزايدًا ملحوظًا لا سيمّا في المغرب الذي يعدّ محور إنتاج المخدرات وتجارتها في المنطقة؛ إذ أصبحت المخدرات موردًا من بين الموارد الرئيسة

  1. North Africa", Wikipedia , http://en.wikipedia.org/wiki/North_Africa.
  2. Nadjia Bouaricha & O. Cheikh, «Marché marocain de trafic de drogue: 10 milliards d'euros de chiffre d'affaires» (La Nouvelle République , 10/8/2004),
  3. Ousmane Wague, "Afrique du Nord: Trafic de drogue au Maghreb - Danger et itinéraires des grands cartels transsahariens" (AllAfrica , 5 Janvier
  4. « Le trafic de drogues représente 26 % de la criminalité organisée en Algérie» (algerie-dz.com , 8 juillet 2009), http://www.algerie-dz.com/ article17326.html. " 13 تهريب المخدرات: الجزائر تحارب نوعا جديدا من الإرهاب"، جزايرس، 2013/07/24، على الرابط: http://www.djazairess.com/aps/314584. 14  Wague, Ibid. حة وشبكات الات جار بالمخدّرات (شمال أفريقيا نموذجًا العلاقة بين التنظيمات المسل)
  5. http://cannabis.free.fr/articles/maroc_trafic.html.
  6. 2009), http://fr.allafrica.com/stories/200901051169.html

للدخل القومي، فما يجنيه المغرب سنويًّا - وهو من بين البلدان التي يرد ذكرها كثيرًا في التقارير المتخصّصة - يقارب 6 مليارات دولار، أو ما يعادل نحو %20 من الناتج الإجمالي للدخل15. وتذهب مصادر أخرى إلى أنّ مهربّي المخدرات في المغرب يجنون ما مقداره 13 مليار دولار سنويًّا. وهو ما يوازي نسبة تتراوح ما بين %17 و %40 من الناتج الداخلي الخامّ المغربي. وهو ما عزّز سمعة المغرب بوصفه أحد أهمّ منتجي القنب ومصدّريه على الصعيد العالمي16. وفي تحقيقٍ أجرته الحكومة المغربية بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة سنة 2003، اتّضح أنّ ربع المساحة المخصّصة للزراعة في منطقة الريف المغربي خاضعة لهيمنة ما يُعرف بثقافة القنب17. وتعدّ دخول 800 ألف شخص أي نحو ثلثي سكّان تلك المناطق الريفية، ذات صلة بتلك الثقافة. إضافة إلى كون نحو %70 من الكيف المعالج المتداول في أوروبا مصدره المغرب18.

ونتيجة تجذّر ثقافة القنب في تلك المناطق، فإنّ مساحات القنب المزروعة تغطّي %27 من المساحة الزراعية في كامل تراب منطقة الريف. وهنالك توجّه لإنتاج بذور القنب المعدّة للتهريب الدولي، ما وضع المغرب في طليعة المصدّرين العالميين لهذه المادة منذ سنوات عديدة، ويموّل السوق العالمية إجماليًّا بما مقداره %40 من القنب. وترتفع هذه النسبة إلى %80 عندما يتعلّق الأمر بتمويل السوق الأوروبية19. تزايد الاستهلاك في المنطقة: في عام 2007 بلغ عدد مستهلكي القنب الهندي لمرة واحدة على الأقلّ ما بين 142.6 مليون و 190.3 مليون مستهلك، أي ما بين %3.3 و %4.4 من السكان المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و 64 سنة، منهم 28 مليون مستهلك في قارة أفريقيا يتركّز منهم أكثر من 3 ملايين في منطقة شمال أفريقيا20.

الانعكاسات الأمنيّة للتحالف بين الجماعات المسلّحة وشبكات المخدّرات على المنطقة

برز الاهتمام بتمويل الإرهاب عن طريق عائدات تهريب المخدرات مشكلةً كبرى منذ أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001، بعد تحوّل أفغانستان خلال عقد التسعينيات، ووقوعها تحت حكم طالبان، إلى مركز عالمي لإنتاج الأفيون، وبلوغ هذا الإنتاج أوجه سنة 1999 بمقدار 4581 ألف طن. ووجد تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن حينها في أفغانستان، ملاذًا آمنًا للتخطيط لأعمال إرهابية وتحويل أفغانستان إلى دولة راعية للمخدرات وراعية للإرهاب. وهذا ما دفع المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة أنطونيو ماريو كوستا للتصريح بأنّ: "الأدلّة تتزايد بشأن استخدام عائدات المخدرات في تمويل النشاطات الإجرامية بما في ذلك الإرهابية منها." وأضاف أنّ: "محاربة تهريب المخدرات معناها محاربة الإرهاب"21. وحينها، برز توجّه قائل إنّه لا يمكن ربح حرب مكافحة الإرهاب من دون ربح معركة القضاء على تهريب المخدرات والاتّجار بها. وقد فتح التوجّه الأميركي لتوظيف الخبرة المكتسبة من الحرب على الإرهاب

  1. عمر التير، المرجع نفسه، ص.22
  2. Wague, Ibid.
  3. * 17 عرف المغرب ما يُعرف ب "ثقافة القنب" culture Cannabis منذ القرن ال 16، في البداية كانت هذه الثقافة منحصرة في خمس قرى شمال البلاد بين منطقتي كتامة وبني خالد، وبعد الاحتلال الفرنسي والإسباني المغرب تدعمت ثقافة القنب وأتيحت لها الحماية في ظل إطار قانوني وقضائي. وتوسّعت إلى مناطق أخرى واقعة تحت السلطة الإسبانية والفرنسية. وبفضل اتفاقية سنة 1906 جرى السماح لتلك المجتمعات المتركزة في الريف المغربي باستغلال محاصيل القنب التي كانت موجهة في البداية للاستهلاك المحلي واحتكارها، ومع مرور الوقت بدأ المنع التدريجي بقوانين تشريعية خلال الفترة الاستعمارية. وعند استقلال البلاد سنة 1956 جرى المنع الكلّ لهذه الثقافة. وأحدث هذا القرار اضطرابًا في المناطق المعنيّة بهذه
  4. Bouaricha & Cheikh, Ibid. 19  La culture du Cannabis au Maroc, Ibid. 20 “ world drug report 2009”, United Nations office on drugs and crime (Vienna: United Nations publications , 2009), p. 95. 21  Pierre-Arnaud Chouvy, "Drugs and the Financing of Terrorism", Terrorism Monitor , Volume 2, Issue 20, 21/10/2004, http://geopium.org/243/ drugs-and-the-financing-of-terrorism.
  5. الثقافة التي تمثّل مصدر الدخل الرئيس لسكّانها الذين عاشوا في ظلّ هذه الظروف السوسيو
  6. اقتصادية لفترة طويلة. انظر: - La culture du Cannabis au Maroc, La problématique de la culture du

في محاربة المخدرات، المجال للحديث عن العلاقة بين الحربين؛ فمن وجهة نظر البعض، هناك تشابه بين الاثنين؛ فكما يمتدّ حزام الإرهاب من أفغانستان وباكستان مرورًا بالشرق الأوسط إلى أوروبا، فإنّ الشبكات الدولية للمخدرات كذلك تتجمّع حول نقاط عالمية ساخنة تمتدّ من المكسيك إلى غرب أفريقيا. ومثلما تكيّفت التنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة" بسرعة ونجاح مع وسائل التكنولوجيا الحديثة، ومنها شبكة الإنترنت، فإنّ الحال لا تختلف بالنسبة إلى عصابات المخدرات الدولية التي يرجع نجاحها إلى ما لديها من نشاط ومرونة ورغبة دائمة في التنوّع، وذلك التشابه يعضده ويؤكّده ما سبقت الإشارة إليه بشأن وجود علاقة وثيقة بين الإرهاب وتجارة المخدرات مع استخدام الأموال الناتجة من هذه التجارة في تمويل النشاط الإرهابي. ما يعني أنّ مكافحة الإرهاب مرتبطة بمكافحة تجارة المخدرات، وأنّ نجاح الأخيرة ربّ ا يساهم في نجاح الأولى، وربّ ا يؤدّي إلى انحسار22.

وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، كانت هناك روابط عديدة بين المخدّرات والإرهاب؛ فمن بين المنظمات الثلاث والأربعين المعرّفة رسميًّا منظمات إرهابية أجنبية، وجدت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية أنّ تسع عشرة منها ترتبط بشكل أو بآخر بتجارة المخدرات العالمية. وتعتقد الإدارة أنّ ما يصل إلى %60 من المنظمات المسلّحة ترتبط بالتجارة غير المشروعة بالمخدرات. ومع زيادة انخراط التنظيمات الأجنبية المسلّحة في تجارة المخدرات بدأت تظهر المنظمات المهجّنة التي تعمل في المجالين معًا. وهذه المنظمّات المهجّنة منظمات مسلّحة أجنبية، نصْفها منظمة إرهابية ونصفها الآخر "كارتل" عالمي لتجارة المخدرات. ومن الأمثلة النموذجية للمنظمات المهجّنة حركة طالبان والقوّات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)؛ إذ يجسّدان من حيث الجوهر وجه الجريمة المنظمة في القرن الحادي والعشرين23. ويورد مارك كليمان خمس طرق على الأقلّ يمكن من خلالها لتجارة المخدرات – سواء في الدول المنتجة أو المستهلكة أو مناطق العبور - أن تقود لمساعدة الإرهاب، وهي: إيجاد السيولة النقدية لتمويل عملياتها. خلق الفوضى في الدول التي تنتج فيها المخدرات، أو تمرّ عبرها، أو تُستهلك فيها، ما يتيح بيئة ملائمة للنشاط الإرهابي. توليد الفساد في المؤسسات القانونية والعسكرية ومؤسسات حكومية أخرى، وحتى في أوساط المجتمع المدني، بحيث يجري بناء دعم شعبي للإرهاب، وإضعاف قدرة المجتمع على محاربة التنظيمات المسلّحة وأنشطتها. إيجاد خدمات مفيدة لنشاط تلك الجماعات المسلّحة، في شكل أسلحة، وتبييض أموال، وهويّات مزوّرة، ووثائق أخرى تخدم تهريب المخدرات والأغراض الإرهابية أيضًا. تشتيت جهد المنظومة القانونية والاستخباراتية24. في شمال أفريقيا وعلى غرار مناطق أخرى من العالم تعاني من خطر الإرهاب والمخدرات على السواء، يمكن إيجاد صلات وروابط بين التنظيمات المسلّحة وشبكات تهريب المخدرات. ودول المغرب العربي التي تتركّز في شمال القارة الأفريقية تواجه تحدّيات حقيقية لأمنها واستقرارها، في ظلّ خصوصياتها الجيوبوليتيكية المعقّدة، من حيث الموقع الجغرافي ومن حيث طبيعة الأوضاع المتوتّرة السائدة سواء في دول الساحل الأفريقي المجاورة أو في داخل الدول المغاربية في حدّ ذاتها، والنشاط الكبير لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في المنطقة. لقد تحوّلت منطقة المغرب العربي إلى مسرح حقيقي لنشاط تنظيم القاعدة. ويشهد على ذلك العمليات التي يقوم بها "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في الجزائر خلال السنوات الأخيرة. وبدأت

  1. 22 سمير فاروق حافظ، "مشكلة الاتجار في المخدرات وتعثّ الجهود الدولية للمكافحة"
  2. trafficking-and-middle-eastern-terrorist-groups-a-growing-nexus 24  Mark A. R. Kleiman, "Illicit drugs and the terrorist threat: causal links and implications for domestic drug control policy”, Washington: Congressional research service (CRS) , report for congress, (20/4/2004), pp 1-2. حة وشبكات الات جار بالمخدّرات (شمال أفريقيا نموذجًا العلاقة بين التنظيمات المسل)
  3. مايكل براون، " الاتجار بالمخدرات والجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط: صلة متنامية؟" (معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، /7/25 2008)، على الرابط: http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/drug -
  4. (الإمارات العربية المتحدة: مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية، 2010)، على الرابط: http://www.policemc.gov.bh/reports/2011/July/4-7- 2011/634454015434209631.pdf

مخاوف الأجهزة الأمنيّة في المنطقة تتزايد من سعي هذا التنظيم إلى توسيع رقعة عملياته واستهداف الدول المجاورة للجزائر، في محاولة لإثبات وجودها إقليميًّا. ولقد أكّد سعيد لكحل الباحث في الحركات الإسلامية في المغرب أنّ: "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بات تنظيم جهويًّا، ولم يعد خطره محصورًا داخل حدود الجزائر، بحيث امتدّت دائرة أعماله الإرهابية لتشمل دول الجوار بخاصة موريتانيا ومالي والنيجر إضافةً إلى الجزائر"، وأضاف لكحل في تصريح ل "إيلاف" أنّ ما ساعد الإرهاب على التمدّد "الطبيعة الصحراوية، وضعف الإمكانات اللوجيستيكية لدول جنوب الصحراء، بالإضافة إلى ضعف التنسيق الأمني بين دول المنطقة"25. وأصبح اسم القاعدة في المغرب الإسلامي لا يُذكر إلا وهو مرتبط بعملية اختطاف رهائن، أو تهريب مخدرات، أو سرقة وكالة مصرفية. وأصبح التداخل بين الجريمة المنظمة والإرهاب قويًّا لدرجة أنّ بعض المحلّلين مثل جان بابتيست كاربونتيي شرع في الحديث عن تحوّل القاعدة من ممارسة الإجرام بهدف تمويل الإرهاب، إلى اتّخاذ الإرهاب غطاءً لممارسة الجريمة من أجل جني المال. وقال قاضي مكافحة الإرهاب الفرنسي جان لويس بروكيير: "هناك شبكات مالية دولية موجّهة لتمويل الإرهاب وتجارة المخدرات والسجائر المهرّبة وتجارة البشر، دون تمييز، وهذه الشبكات المرتبطة بشكلٍ وثيق بالقاعدة في المغرب الإسلامي، من جهة، وبكارتيلات المخدرات في أميركا الجنوبية، من جهة ثانية، تمثّل خطرًا كبيرًا على استقرار المنطقة"26. ويضيف بروكيير أنّ مخطّط القاعدة في المنطقة يتمثّل في إضعاف نفوذ دول الساحل الأفريقي والمنطقة المغاربية التي تمثّل معبرًا للكوكايين الوارد من جنوب أميركا باتّجاه الأسواق الأوروبية. وأشار إلى أنّ القاعدة تسعى إلى بسط سيطرتها على هذه المناطق عبر التغلغل في المجتمعات المحلية باستعمال المال الذي تجنيه من عمليات الاختطاف، ومن تجارة المخدرات وغيرها من الأعمال الإجرامية. ويقول بروكيير: "إنّ قاعدة المغرب الإسلامي لن تكتفي بالمجال الذي تسيطر عليه اليوم في مالي والنيجر، والذي تتّخذه كقاعدة خلفية للارتداد والاختباء"27. يجد تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في شبكات المخدرات وباروناتها، حليفًا مهمًّ لتوفير التمويل اللازم، في ظلّ تشديد الخناق على مصادر التمويل التقليدية، في إطار سياسة تجفيف منابع تمويل الإرهاب؛ إذ أصبح الاتّجار بالمخدرات يمثّل عصب الحياة بالنسبة إلى المجموعات المسلّحة النشطة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء. وهنالك عدد من الشواهد والتأكيدات الرسمية على وجود تحالف بين الجماعات الإرهابية من جهة وبارونات المخدرات من جهة أخرى في شمال أفريقيا؛ فقد قال مسؤول مكافحة التهريب والمخدرات في هيئة الجمارك الجزائرية أرزقي هناد في تقرير قدّمه عن التهريب وتهريب المخدرات في الجزائر، إنّه: "في غالب الأحيان ثبت أنّ هناك علاقة بين شبكات تهريب السلع والمخدرات التي تقوم بتبييض أموالها وتمويل الإرهاب في بعض المناطق في الجزائر." وتفيد مصالح الأمن الجزائرية وكذا تقارير الأمم المتحدة بأنّ بعض المجموعات الإرهابية التي تنشط في الصحراء والساحل لها صلات مع شبكات تهريب المخدرات؛ إذ تقوم بتأمين مسالك لها مقابل تلقّي أموال طائلة28.

ويؤكّد عدد من الأحداث الأخيرة في المغرب الكبير العلاقة بين القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتهريب المخدرات وجرائم أخرى؛ ففي شهر كانون الأول / ديسمبر 2010 دخل الجيش الموريتاني في اشتباك مع مجموعة من مهربّي المخدرات لها صلة بالجماعة الإرهابية، وقُتل فيه مجموعة من الإرهابيين واعتُقل آخرون، واحتجزت كميات مهمّة من الأسلحة والذخائر والهواتف والسيارات. وتشير تقارير إلى اعتقال أحد أباطرة المخدرات الماليين كان مطلوبًا لعدة بلدان خلال العملية نفسها، وخلّفت عملية مماثلة للجيش الموريتاني في شباط / فبراير 2010 مقتل ثلاثة مهرّبين مشتبه فيهم واعتُقل 20 آخرون.

  1. القاعدة تتوسع في شمال أفريقيا وتؤرق الدول العربية"، موقع الإمام الشيرازي، 2009/8/20، على الرابط: http://www.alshirazi.com/world/news/2009/8/20.htm
  2. مواسي لحسن، " اختطاف الرهائن وتجارة المخدرات تهيمن على نشاط قاعدة المغرب
  3. المرجع نفسه. 28 عثمان لحياني، " الجزائر تكشف عن علاقة بين تهريب المخدرات وخلايا إرهاب"، العربية نت، 2013/6/27، في: http://goo.gl/C4RpSM
  4. الإسلامي"، مغاربية، 2010/12/8، في: " http://magharebia.com/ar/articles/awi/features/2010/12/08/feature-01

إلى جانب ذلك أعلنت السلطات المغربية توصّلها إلى تفكيك عصابة تابعة للقاعدة مكوّنة من 36 شخصًا منهم أربعة أجانب وضالعة في التهريب والاتّجار بالمخدرات. وكشف مصدر أمني أنّ العصابة قامت بثماني عمليات لنقل الكوكايين من شمال مالي إلى أوروبا، عبر المغرب والجزائر. وقدّرت الكميات المنقولة خلال هذه العمليات بنحو 600 كيلوغرام من الكوكايين29. وبرزت عدّة متغيرات مؤثّرة في شمال أفريقيا والمناطق المجاورة لها في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، حملت معها إمكانية زيادة احتمالات إيجاد بيئة ملائمة أكثر من أيّ وقتٍ مضى لنشاط الجماعات المسلّحة وتلك المختصة في تهريب المخدرات، ويمكن حصرها في أربعة متغيّ ات رئيسة: إعلان الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر انضواءها تحت لواء تنظيم القاعدة. قيام ما يعرف بثورات الربيع العربي أو الحراك السياسي الذي عرفه عدد من دول شمال أفريقيا (تونس، ومصر، وليبيا)، وما نجم عن ذلك من ضعف أمني عزّز النشاط المسلّح وتهريب المخدرات والأسلحة وسلع أخرى، كما هي الحال في سيناء المصرية وعلى الحدود الليبية مع تونس والجزائر ودول الساحل الأفريقي، وفي منطقة الشعانبي على الحدود بين الجزائر وتونس. سيطرة الجماعات المتشدّدة على منطقة الساحل الأفريقي عمومًا وشمال مالي خصوصًا. النشاط المتزايد لعصابات تهريب الكوكايين من أميركا الجنوبية في دول غرب أفريقيا. والتساؤل المطروح هو كيف تؤثّر هذه المتغيّ ات في الوضع الأمني في شمال أفريقيا وفي توطيد الصلة بين الجماعات المسلّحة و"كارتلات" تهريب المخدرات في المنطقة؟ مثّل بروز تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تحوّلً مهمًّ في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي. وهذا التنظيم هو وليد الأزمة الأمنيّة التي عاشتها الجزائر مع بداية التسعينيات؛ فالقادة المستقبليون لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هم من أسّسوا في البداية الجماعة الإسلامية المسلّحة GIA، ثمّ أسّسوا تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال GSPC. وفي أيلول / سبتمبر 2006 أعلن هذا التنظيم عن انتمائه رسميًّا لتنظيم القاعدة. وفي كانون الثاني / يناير 2007 تغيّ اسم التنظيم ليصبح "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" AQMI. ومنذ ذلك التحوّل والتنظيم يقدّم الدعم اللوجيستي لغيره من الجماعات المسلّحة الناشطة في المنطقة وحتى الخلايا النائمة في غرب أفريقيا، مع محافظته في الوقت ذاته على علاقاته مع الجماعات الإجرامية المنظّمة المتورّطة في أنشطة التهريب في المنطقة30. مكّن ظهور تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من إيجاد ركيزة أيديولوجية ولوجيستية وتنظيمية لبقية الجماعات والخلايا الإرهابية في غرب أفريقيا وفي الساحل الأفريقي. وأصبحت هجماتها نوعية ذات صدى إعلامي عالمي كبير. وحفّزت جماعات إرهابية في غرب أفريقيا وفي دول الساحل مثل "جماعات أنصار الدين" و"الجهاد والتوحيد"، و"بوكو حرام"، على تنفيذ عمليات أكثر جرأة؛ فجماعة "بوكو حرام" مثلً تطوّرت من مجوعة تشنّ هجمات سيّئة التخطيط إلى مجموعة أكثر تنظيمً، تستخدم العبوات الناسفة وحرب العصابات والاغتيالات المستهدفة والتفجيرات الانتحارية، وركّزت هجماتها على قوّات أمن الدولة، والكنائس والزعماء السياسيين والدينيين (وحقّقت لها هذه العمليات صدى عالميًّا كبيرًا)31. وأوضح الباحث المغربي في الحركات الإسلامية سعيد لكحل، أنّ: "تنظيم القاعدة غدا خطرًا حقيقيًّا في منطقة الصحراء الكبرى والساحل التي تعجز دول المنطقة على مراقبتها وبسط هيمنتها الأمنية والعسكرية، ما يشجّع هذا التنظيم على اتّخاذ المنطقة قاعدة خلفية لتنفيذ عملياته ضدّ دول المنطقة"32. وما يساعد على تحقيق هذا الهدف هو حالة الفوضى والانفلات الأمني اللذَين نتجا من تفكّك السلطة المركزية في ليبيا خصوصًا، وبقاء مسافات شاسعة من الحدود وكميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والثقيلة بلا رقيب؛ فنظرًا لقصور أنظمة الأمن القومي وسهولة اختراق الحدود، ونظرًا لطلب المجرمين وأفراد الجماعات المسلّحة المتزايد على السلاح، فإنّ العصابات المتخصصة في الاتّجار بالأسلحة

  1. لحسن، المرجع نفسه.
  2. فريدوم سي أونوها و جيرالد إي إزريم الحناشي، "غرب إفريقيا: الإرهاب والجرائم مركز الجزيرة للدراسات المنظمة العابرة للحدود (الجزء الأول")، تقرير، الدوحة، 2013/7/24، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/ResourceGallery/media/Documents/2013/7/24/2 0137249713268580west%20Africa1.pdf
  3. فريدوم أونوهوا، "بوكو حرام والإرهاب الانتحاري في نيجيريا.. رغبة في الموت ورهبة منها" (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2012/12/10)، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/reports/2012/12/2012123013565232734.htm
  4. القاعدة تتوسع في شمال أفريقيا"...، المرجع نفسه. حة وشبكات الات جار بالمخدّرات (شمال أفريقيا نموذجًا العلاقة بين التنظيمات المسل)

صمّمت أساليب لإخفاء الأسلحة وتهريبها عبر الحدود، وقد زادت جرأة الجماعات الإرهابية و حليفتها الإجرامية مع انتشار الأسلحة في منطقة الصحراء والساحل في أعقاب زعزعة الاستقرار في ليبيا، وجرى نقل الأسلحة الليبية التي حصل عليها في البداية تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي إلى جماعات أخرى، مثل "أنصار الدين"، و"بوكو حرام"، و"التوحيد والجهاد"؛ الأمر الذي زاد من جرأتها، ومكّنها من شنّ هجمات أكثر قوّة وفتكًا33.

تدعّمت قوّة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعات أخرى ناشطة في منطقة الساحل الأفريقي، بعد شحنات الأسلحة الليبية الكبيرة التي حصلت عليها. ووصل الأمر إلى حدّ تمكّن عدة حركات مسلّحة متطرّفة من السيطرة على شمال مالي في حدث خلط أوراق كلّ الملاحظين وحساباتهم؛ فعلى عكس التوقّعات باستمرار الاستقرار في مالي وقبل ثلاثة أشهر فقط على انتخابات نيسان / أبريل 2012، أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد الانفصالية في الشمال تمرّدها على الحكومة المركزية في باماكو. ومع تلاحق هزائم الجيش المالي سادت حالة من الاستياء في الأوساط العسكرية انتهت بانقلاب عسكري ضد الرئيس أمادو تومانوي توري في 22 آذار / مارس 2012. وتمخّض عن هذا الانقلاب فراغ في السلطة مكّن المتمردين التوارق في الشمال، وبدعمٍ من خليط من القوى الإسلامية، مثل "حركة أنصار الدين"، و"جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا"، و"تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، من السيطرة على ما يقارب ثلثي البلاد. ومالت الكفّة في الأخير لمصلحة الحركات الإسلامية المسلّحة أمام "حركة تحرير أزواد" التي سرعان ما تراجعت أمام تلك الحركات34. سمحت سيطرة الجماعات المسلّحة على شمال مالي بإعطاء امتيازات عديدة للنشاط المسلّح ولنشاط بارونات المخدرات، بإيجاد ممرّات آمنة لعبور المخدرات بأنواعها للصحراء الأفريقية الكبرى وصولً إلى الدول المغاربية، بخاصة الجزائر والمغرب، لتبلغ محطّتها النهائية في أوروبا، بعد أن وضعت شبكات تهريب المخدرات الطرق التي تتيحها الصحراء الأفريقية الكبرى في صلب إستراتيجيتها الجديدة لمواجهة الخناق المضروب عليها في طرق التهريب التقليدية نحو أوروبا. وكما يؤكّد الباحث عصمان واغ، فإنّ حدود الدول الأوروبية التي أصبحت محميّة جيّدًا ودائمًا، لم تعد "كارتلات" تهريب المخدرات عبرها. لذلك اتّجهت الشبكات الدولية نحو الصحراء الأفريقية الكبرى طريقًا رئيسًا لتمرير بضاعتها35. ويضيف الخبير بروكيير أنّ مخطط القاعدة في المنطقة يتمثّل في إضعاف نفوذ دول الساحل الأفريقي والمنطقة المغاربية التي تمثّل معبرًا للكوكايين الوارد من أميركا الجنوبية باتّجاه الأسواق الأوروبية. وأشار أيضًا إلى أنّ القاعدة تسعى إلى بسط سيطرتها على هذه المناطق عبر التغلغل في المجتمعات المحلية باستخدام المال الذي تجنيه من عمليات الاختطاف ومن تجارة المخدرات وغيرها من الأعمال الإجرامية، وأنّها لن تكتفي بالمجال الذي تسيطر عليه اليوم في مالي والنيجر، والذي تتّخذه قاعدة خلفية للارتداد والاختباء36. وقالت "صنداي تليغراف" Telegraph Sunday The الصحيفة البريطانية المعروفة، إنّ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات الإرهابية المتحالفة معه يجمع الملايين من الدولارات كل عام من وراء تأمين المرافقة المسلّحة لمهربّي الكوكايين عبر الصحراء الأفريقية. وأضافت في تقرير نشرته في كانون الثاني / يناير 2013، أن تكثيف المراقبة على تجّار المخدرات عبر الطرق التقليدية للتهريب دفع  بعصابات المخدرات في أميركا الجنوبية إلى تهريبه إلى الأسواق الأوروبية عبر أفريقيا، وهو ما يعود بفوائد مالية ضخمة على الفرع المغاربي للقاعدة والتنظيمات المسلّحة المرتبطة به. ونقلت الصحيفة ذاتها عن مدير برنامج مكافحة الإرهاب في معهد واشنطن مات ليفيت قوله: "إنّ كمياتٍ متزايدة من الكوكايين تصل إلى الأسواق في بريطانيا وأوروبا من غرب أفريقيا عبر المناطق الخاضعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وبحماية التنظيم"، مضيفًا أن:ّ "التنظيم يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي ويتيح لمهربّي

  1. فريدوم سي أونوها وجيرالد إ. إزيريم، "غرب إفريقيا: الإرهاب والجرائم المنظمة العابرة للحدود (الجزء الثاني"):(الدوحة مركز الجزيرة للدراسات، 2013/7/24)، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/ResourceGallery/media/Documents/2013/7/24/2 0137249119393734west%20Africa2.pdf.
  2. فريدوم أونوها، "التدخل العسكري الفرنسي الإفريقي في مالي والمخاوف الأمنية
  3. المتفاقمة"، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2013/2/13)، على الرابط:
  4. http://studies.aljazeera.net/reports/2013/02/20132148048143942.htm 35  Wague, Ibid. 36 لحسن، المرجع نفسه.

الكوكايين الحماية والأمن وممرّات آمنة عبر الصحراء لتهريبه إلى أوروبا في المقام الأوّل"37. وأوضح تقرير أعدّه الموفد الأممي الخاص لمنطقة الساحل رومانو برودي، أنّ منطقة الساحل صارت معبرًا للمخدرات. وأشار التقرير إلى أن 18 طنًّا من الكوكايين تبلغ قيمتها 1.25 مليار دولار، انتقلت سنة 2012 عبر غرب أفريقيا، وانتقل قسم منها عبر الساحل38. ويبدو أنّ عملية احتجاز الرهائن في المنشأة الغازية في تيقنتورين في عين صالح جنوب الجزائر، قد دفعت بالكثير من المهتميّن والمتخصصين في القضايا الأمنيّة إلى إثارة ما يسمّى بالعلاقة القائمة بين المجموعات المسلّحة الناشطة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل الصحراوي، خصوصًا تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتجّار المخدّرات، وتحديدًا  الكوكايين. وذكرت صحيفة "صنداي تليغراف" في تقريرها وبلغة الأرقام، أن  35 طنًّا من الكوكايين تمرّ حاليًّا عبر غرب أفريقيا كلّ عام وفقًا لتقديرات مكتب الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات. وصرّح متحدّث باسم وكالة مكافحة الجرائم المنظمة الخطيرة في بريطانيا، قائلً: "الصحراء الأفريقية أصبحت معبر كوكايين أميركا اللاتينية إلى أوروبا وتجارته تدر 900 مليون سنويًّا"39. أصبحت طرق تهريب المخدرات في غرب أفريقيا فرصًا للمنظمات الإرهابية لكسب عوائدَ مالية. وتسمح عدة عوامل منها، الحدود (البرية، والبحرية، والجوية) الهشّة من الناحية الأمنيّة في المنطقة، وانتشار الفساد، والتعاون والتواطؤ بين الأطراف الفاعلة الحكومية وعصابات المخدّرات، باستمرار تدفّق المخدرات إلى غرب أفريقيا وعبره؛ فمادة الكوكايين الواردة من أميركا اللاتينية والمتّجهة إلى أوروبا هي الأكثر ربحًا من بين أنشطة الاتّجار في المنطقة، وجل مادة الكوكايين التي يجري ضبطها تأتي من البرازيل أو كولومبيا أو البيرو، ثمّ تصل غرب أفريقيا من خلال بنين، وكوت ديفوار، وغينيا بيساو، ونيجيريا عن طريق البرّ والجوّ والبحر. ووفقًا لمكتب المخدرات والجريمة التابع للأمم المتحدة، فقد بلغت مضبوطات الكوكايين في غرب أفريقيا في عام 2007 ذروتها؛ إذ سجّلت 47 طنًّا (بقيمة ملياري دولار) تمرّ عبر غرب أفريقيا سنويًّا، ويمرّ أكثر من طنّ من تلك الكمية عبر "دولة المخدرات" غينيا بيساو التي أصبحت مركزًا تُشحن منه المخدرات المتّجهة إلى أوروبا، ما يثير المزيد من القلق بشأن هذه الظاهرة40. وتوجّهت عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية لهذه الإستراتيجية كحلّ بديل، بعد أن عرفت السوق الاستهلاكية في أميركا الشمالية تشبّعًا، وتزايد نفوذ العصابات المكسيكية، والرقابة المحكمة على طرق التهريب في الكاريبي، وهذا ما جعلها تركّز على الوصول إلى السوق الأوروبية مستغلّة البيئة غير المستقرة في غرب أفريقيا ووجود شبكات نشيطة وطرق تهريب سالكة. واستقرّ عددٌ من تجّار الكوكايين اللاتينيين في المنطقة لإدارة أعمالهم عن قرب. ويخشى عدد من المراقبين أن تكون الخطوة التالية لتجّار الكوكايين هي العمل على تحويل غرب أفريقيا إلى منطقة إنتاج41.

جهود المواجهة وإستراتيجياتها

بيّنت الوقائع الجارية أنّ الأخطار المحدقة بدول شمال أفريقيا بسبب تنامي الإرهاب ومختلف أشكال الجريمة المنظمة وعلى رأسها تهريب المخدرات، وقيام تنسيق وتعاون بين الإرهاب من جهة وتجارة المخدّرات وتهريب السلع والأسلحة والاتّجار بالبشر أيضًا، في ظلّ تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل وفي ليبيا وتونس ومصر، وغياب رؤية واضحة للشكل الذي يجب أن تأخذه إستراتيجية لمواجهتها، تشكّل جميعها تحدّيات خطيرة تمثّل تهديدًا جديًّا للأمن في المنطقة. والجزائر بوصفها دولة محورية في المنطقة، وعانت كثيرا من ويلات الإرهاب، يعتمد استقرار المنطقة بصورة كبيرة على طبيعة إدراكها المخاطر المتربّصة بها وكيفية التصدّي لها. وتأخذ الجزائر في الحسبان التحدّي الذي يمثّله تطوّر الإرهاب في المنطقة، مثل النشاط المتزايد لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد في

  1. القاعدة ببلاد المغرب تجني الملايين سنويا من تجارة المخدرات"، جريدة صوت الأحرار، 2013/01/28، على الرابط:
  2. الخبر جريدة الجزائرية، عدد 7107،.2013/6/17
  3. القاعدة ببلاد المغرب تجني "...، المرجع نفسه. 40 سي أونوها وإي إزريم، المرجع نفسه.
  4. http://www.sawt-alahrar.net/ara/permalink/8315.html
  5. Stephen Ellis, "West Africa’s international drug trade", African affairs , Vol. 108 Issue 431, (2009), p 171. حة وشبكات الات جار بالمخدّرات (شمال أفريقيا نموذجًا العلاقة بين التنظيمات المسل)

غرب أفريقيا التي شنّت مؤخرًا هجمات في الجنوب الجزائري، لا سيمّا مع ظهور حركات عابرة للحدود الوطنية تنشط في الإرهاب وتجارة المخدرات بدأت في التواصل والتنسيق فيما بينها42. وتبرز تصريحات المسؤولين الجزائريين الوعي بخطورة التحالف بين الإرهاب والمخدرات، إلى درجة أنّ وزير الداخلية والجماعات المحلية الأسبق دحو ولد قابلية صرّح لوكالة الأنباء الجزائرية قائلً: "نحن نحارب نوعًا جديدًا من الإرهاب"، مضيفًا أنّ تهريب المخدرات "نشاط إرهابي." وأوضح وزير الداخلية أنّ هنالك "جماعات منظّمة سواء من الجانب المغربي أو من الجانب الجزائري"، مشيرًا إلى وجود "تكامل كبير" بين هذه الجماعات. واستطرد قائلً: "لقد اتّخذنا إجراءات خلال اجتماع المجلس الوزاري المشترك" وجرى خلاله اتّخاذ نحو 30 إجراء بما في ذلك الإجراء الذي يمكّن الجيش من التدخّل في مكافحة تهريب المخدرات. وكان وزير الشؤون الخارجية الأسبق مراد مدلسي بدوره قد صرّح مؤخرًا أنّ "مشكل (تهريب المخدرات) يقلق الجزائر حاليًّا" مشيرًا إلى أنّ "الجزائر شبه مستهدفة." وأضاف: "إنّنا نأمل في تعاون من قبل المغرب الشقيق لمكافحة هذا التهريب"43. وأكّد الخبير الجزائري في الشؤون الأمنيّة عمر بن جانة، أنّ آفة المخدرات التي تستهدف الدول المغاربية ومنطقة الساحل الأفريقي باتت "أكثر خطورة ممّ كانت عليه سابقًا"، في ظلّ الوضع المتأزّم في المنطقة. وأوضح الخبير نفسه أنّ هذه الخطورة تتجلّ "في تحالف بارونات تهريب المخدرات المنتجة في المملكة المغربية مع الجماعات المسلّحة. وأضاف أيضًا أنّ الجماعات الإرهابية "أصبحت سندًا لبارونات تهريب المخدّرات ما جعل الخطر خطرين على دول المنطقة بخاصة الجزائر التي تملك حدودًا برية شاسعة مع جميع دول المنطقة"، و"ما يزيد من خطورة جرائم المخدرات في الوقت الحالي تركيز الجيوش والمؤسسات الأمنية للدول التي تمرّ بوضع غير مستقرّ على إعادة الاستقرار"44. ويعتقد صانعو القرار في الجزائر أنّ منطقة الساحل ليست منطقة حرجة لأمنهم القومي فقط بل منطقة نفوذ طبيعي للجزائر أيضًا. وقامت الجزائر بإشراك البلدان الأساسية في المنطقة (مالي، وموريتانيا، والنيجر وحتّى نيجيريا) في إستراتيجية إقليمية منسّقة لاحتواء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وكان الهدف من ذلك هو قطع الإمداد والدعم عن الجماعات المسلّحة الناشطة في المنطقة، من جهة أخرى سعت الجزائر بدرجة نجاح نسبية لانتزاع التزام من دول المنطقة بتسوية مشاكل المنطقة دون تدخّل أجنبي عدا في مجالات قطاعيّة محدّدة. وقامت الجزائر بدور بارز في إنشاء بعض المنظمات الإقليمية؛ مثل "لجنة أركان العمليات المشتركة" التي يقع مقرّها في تمنراست، ثمّ "وحدة الاندماج والاتصال" التي تُعدّ الذراع الاستخباراتية للهيئة45.

وعلى صعيد التعاون المشترك تظلّ المساعي المبذولة ونتائجها الميدانية محدودة جدًّا؛ ففي بيان الجزائر بخصوص إشكالية الأمن في منطقة المغرب العربي في 9 تموز / يوليو 2012، جرى وضع أسس إستراتيجية شمولية لمواجهة خطر الإرهاب والجريمة المنظّمة في المنطقة على مستويات متعدّدة: المستوى الوطني: يشمل المسؤوليات الملقاة على عاتق كلّ دولة في مكافحة هذه المخاطر. المستوى الثنائي: من خلال تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء وتفعيل الاتفاقيات وتحيينها وملاءمة الآليّات الثنائية المتاحة، ودراسة إمكانية إبرام اتفاقيات ذات العلاقة بمختلف التحدّيات المشتركة بين المصالح المختصّة. المستوى المغاربي: الاستناد إلى الاتفاقيات المنظمة لعلاقات التعاون القانوني والقضائي القائمة في إطار اتّحاد المغرب العربي أساسًا للتعاون الأمني المغاربي وتحيينها عند الاقتضاء، وعدّها منطلقًا للتحرّك المشترك لإرساء تعاون بين الاتحاد ومحيطه

  1. يحيى زبير، "الجزائر والوضع المعقد في منطقة الساحل: منع الحرب ومكافحة الإرهاب"، الجزيرة نت، 2012/11/28، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/reports/2012/11/201211289594704997.htm
  2. تهريب المخدرات: الجزائر تحارب نوعا جديدا من الإرهاب"، المرجع نفسه.
  3. بارونات المخدرات يتحالفون مع الجماعات الإرهابية"، جريدة النصر، 2013/8/24، على الرابط:
  4. http://goo.gl/dehJuP 45 زبير، المرجع نفسه.

الإقليمي، وتعزيز الهياكل والآليات القائمة المختصة بالتعاون الأمني. المستوى الإقليمي والدولي: العمل على المشاركة الحثيثة في المجهودات الدولية الرامية إلى مواجهة تلك المخاطر من منطلق التزام البلدان المغاربية بالمعاهدات الدولية ذات الصلة، والتركيز على أهمية إرساء شراكة أمنيّة بين دول اتّحاد المغرب العربي ومنطقة الساحل والصحراء، وعدّ الاتجار بالمخدرات بكلّ أنواعها تهديدًا خطيرًا لاستقرار الدول والمنطقة46. وجاء بيان الرباط المنبثق عن اجتماع وزراء داخلية دول اتّحاد المغرب العربي تحت عنوان: "نحو إستراتيجية أمنيّة مغاربية مشتركة" بتاريخ 21 نيسان / أبريل 2013، استجابةً للتحدّيات والمخاطر التي تهدّد أمن الدول المغاربية واستقرارها، بخاصة في ظلّ تفاقم الأوضاع الأمنيّة في منطقة الساحل والصحراء، مع تأكيد المجتمعين أن الإرهاب والجريمة المنظّمة العابرة للحدود ولا سيمّا الاتّجار بالأسلحة والمخدّرات والهجرة غير الشرعية وتبييض الأموال وما بينها من روابط وثيقة، تمثّل جميعها تهديدًا خطيرًا لأمن الدول المغاربية واستقرارها ومحيطها المجاور.

وورد في البيان الختامي للقمّة التأكيد على بذل الجهود كافّة من أجل مكافحة الإرهاب واجتثاث جذوره، بوصف هذه الظاهرة تقتضي مواجهة جماعية منسّقة ومستمرة، مع توحيد الجهود وتكثيف التعاون بين الأجهزة الأمنيّة من خلال تبادل المعلومات والخبرات وتبنّي المقاربة نفسها في مواجهة هذه الظاهرة، واعتماد مقاربة مغاربية شمولية أساسها الجمع بين العمل على توفير مقوّمات الأمن وتعزيز أسس التنمية بالتنسيق مع كلّ الشركاء الإستراتيجيين، مع العمل على إرساء أسس شراكة أمنيّة بين دول اتحاد المغرب العربي ودول منطقة الساحل والصحراء. وفي ما يخصّ مكافحة تهريب المخدرات وتوظيف أموالها في نشاطات أخرى إجرامية وعلى رأسها تلك الإرهابية، دعا البيان إلى تكثيف تبادل الخبرات والمعلومات والتقنيات الحديثة لكشف مصادر المخدرات وطرق تهريبها والأساليب الحديثة المستعملة في ذلك ورصد الأموال المحصّلة من هذا النشاط الإجرامي من أجل مصادرتها ومنع تبييضها أو استخدامها لتمويل أنشطة إجرامية أخرى47. ولكن هذه التوصيات تظلّ شكلية عمومًا وبعيدة عن التنفيذ وتعوقها المصالح المتضاربة بين دول المنطقة وتعدّد الولاءات الخارجية؛ فقد واجهت الإستراتيجية الطموحة التي وضعتها الجزائر مثلً – المشار إليها أعلاه - عقبات كبيرة منها العلاقات القويّة التي تربط بين دول مثل مالي وموريتانيا والنيجر مع فرنسا، وهو ما يفسّ جزئيًّا الشكوك التي توجد بين الدول الأساسية في المنطقة، وتمثّل الشكوك والتعامل المزدوج بين الدول الأعضاء في لجنة أركان العمليات المشتركة العائقين الأساسيين أمام اتّخاذ قرارات أكثر فعالية. إضافةً إلى ذلك يمثّل تدخّل مجموعة دول غرب أفريقيا "الأكواس" وقربها من فرنسا وموقفها الساعي للحرب سحبًا للبساط من الجزائر التي دفعت لقبول مبدأ التدخّل العسكري في شمال مالي ملاذًا أخيرًا لحلّ الأزمة، ولكن ليس قبل فصل حركات التوارق عن بقية الجماعات المتطرفة ومجموعات التهريب48. وحاولت الأمم المتحدة، ممثّلةً في تقرير رومانو برودي ممثّلها في منطقة الساحل، وضع إستراتيجية مشتركة لمواجهة الأخطار المحدقة بالمنطقة، تتضمّن وضع آليات منسّقة للمكافحة، وإرساء عقد اجتماع إقليمي لأجهزة الاستخبارات لتبادل المعلومات، ومنح مساعدة تقنية لعناصر الشرطة والقضاة في البلدان المعنيّة، وتبادل المعلومات بين المطارات في أميركا اللاتينية وأفريقيا الغربية والساحل وبلدان المغرب العربي وأوروبا للتصدّي لعمليات التهريب من مصدرها، وإلى الجهة المرسل إليها، ولدى انتقالها49. ونظرًا لانتشار التهديدات الإجرامية والإرهابية على نطاقٍ واسع يتعدّى حدود الدول المغاربية أو دول الساحل الأفريقي لتشمل مناطق أبعد بخاصة في أوروبا، أصبح من الواجب اتّساع نطاق جهود

  1. 48 زبير، المرجع نفسه. 49 الخبر جريدة، المرجع نفسه. حة وشبكات الات جار بالمخدّرات (شمال أفريقيا نموذجًا العلاقة بين التنظيمات المسل)
  2. البيان الختامي لاجتماع وزراء داخلية دول اتحاد المغرب العربي، الرباط، الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي، 2013/4/21، على الرابط: http://www.maghrebarabe.org/ar/communiques.cfm?id=112
  3. 46 بيان الجزائر حول إشكالية الأمن في منطقة المغرب العربي، 2012/7/9، الأمانة العامة
  4. لاتحاد المغرب العربي،.2012/11/20

المكافحة لتشمل الاتحاد الأوروبي عن طريق وضع إستراتيجيات للتعاون والتنسيق المشترك بين الدول الأوروبية ونظيرتها المغاربية. وفي هذا الإطار، أكّد وزراء الخارجية الأوروبيون على أهمية التعاون الأمني مع دول المغرب العربي، واستدلّ الوزراء بما جرى خلال الفترة الأخيرة في منطقة الساحل والصحراء، حيث أصبح واضحًا مدى ما يمثّله الخطر الإرهابي على المنطقتين، أوروبا ودول المغرب العربي. ودعا الوزراء في هذا الإطار الممثّلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنيّة في الاتحاد وكذلك اللجنة الأوروبية والمنسّق الأوروبي لمكافحة الإرهاب، إلى العمل معًا من أجل تعزيز التعاون مع دول المغرب العربي في هذا المجال؛ وذلك سعيًا لتحقيق أهداف الاتحاد في الأمن والتنمية في منطقة الساحل. وأعرب الاتحاد كذلك عن استعداده التام لتقديم المشورة الفنّية إلى السلطات الفاعلة في هذه البلدان وإلى الأجهزة الناشطة في الحرب على الإرهاب والجريمة المنظّمة وتهريب المخدّرات والتهريب بشتّى أشكاله، وفتح قنوات اتصال بين المسؤولين الأمنييّن من الاتحاد ودول المغرب العربي50. وفي البيان الختامي المنبثق عن مجلس الشراكة المغربية - الأوروبية الحادي عشر المنعقد يومي 16 و 17 كانون الأول / ديسمبر 2013 في بروكسيل، شدّد الاتحاد الأوروبي على أهمية التعاون الوثيق بين البلدان المغاربية لتحقيق الأمن في منطقة الساحل والصحراء. و بدأت هذه الجهود في 2011، وهي السنة التي أجمعت فيها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أهمية التعاون الإقليمي والاندماج المغاربي للتصدّي لتهديد القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وما فتئت بروكسيل تعبّ عن التزامها بوضع طرق للتعاون مع شركائها في المغرب الكبير لمساعدة منطقة الساحل والصحراء، بمشاركة الاتحاد الأوروبي ودول المغرب العربي ودول الساحل51. ويحتلّ التعاون الأمني الأوروبي مع الجزائر حيّزًا معتبرًا من الجهود الأوروبية لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظّمة في المنطقة وفي الساحل الأفريقي؛ نظرًا لما لها من خبرة في محاربة الإرهاب، ولكونها دولة محورية ذات ثقل إقليمي على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وبرز ذلك في إعلان الممثّل الخاص للاتحاد الأوروبي في الساحل ميشال روفيراند دي منتون، في الجزائر العاصمة يوم 15 كانون الثاني / يناير 2014 عن إرادة الاتحاد الأوروبي تعزيز شراكته مع الجزائر، ولا سيمّا في ما يخصّ الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل. وبعد أن أشار إلى دور الجزائر لفائدة الاستقرار في منطقة الساحل، أعرب دي منتون عن إرادته وقناعته بشأن إمكانية التوصّل إلى حلّ الأزمة التي تهزّ هذه المنطقة من خلال الحوار وإيجاد إجابات للحاجيات المرتبطة بالأمن والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والتوصّل إلى فهمٍ أفضلَ للعلاقات والمصالح المشتركة بين سكّانها. كما دعا المنسّق المكلّف بمحاربة الإرهاب للاتحاد الأوروبي جيل دوكرشوف الذي حضر الاجتماع من جهته، إلى تعميق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر في مجال محاربة الإرهاب52.

الخاتمة

تحوّل شمال أفريقيا إلى إحدى المناطق التي يتجلّ فيها بوضوح مدى الترابط الوثيق بين الإرهاب والجريمة المنظّمة بمختلف أشكالها، والتي يتصدّرها تهريب المخدرات بشتّى أنواعها. وتقوم الروابط الوثيقة بين التنظيمات المسلحة كتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وبارونات و"كارتلات" تهريب المخدرات في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا، نتيجة لتقاطع المصالح بينهما. وتطوّرت هذه العلاقة أكثر في ظلّ التنسيق الكبير بين التنظيمات المسلّحة المتشدّدة الناشطة في المنطقة والمناطق الأخرى المجاورة لها، وتمكّنها من التسلّح جيّدًا بعد فوضى السلاح التي عمّت ليبيا، وسيطرة تلك الجماعات على مساحات واسعة في منطقة الساحل، واستغلال ذلك في إتاحة طرق عبور آمنة لشحنات الكوكايين الواردة من غرب أفريقيا التي حوّلتها "كارتلات" المخدرات في أميركا اللاتينية إلى منطقة نشاط مفضّ لة لديها، واستفادتها من ضعف التنسيق الأمني بين دول المنطقة، وعدم وجود إستراتيجيات واضحة بمستوى قوّة التحدّي الأمني المطروح وخطورته.