المعارضة السياسية في المغرب بين الإقصاء والاحتواء

نور الدين الحوتي

الملخّص

رافقت ثورات بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط تحولات سياسية كثيرة أدَّت، في بعض هذه البلدان، على الأقل في ما أسفرت عنه من نتائج أولية في انتظار أن تضع الثورات أوزارها، إلى تغييب زعامات كثيرًا ما وُصفت بالتاريخية والأبدية، وتبوُّء قوً ى سياسية معارضة سابق ا، الصدارة في مراكز القرار السياسي بعد تغييب وتهميش وإقصاء. بيد أنّ مسار التحولات الموصوف باختصار في الأسطر القليلة أعلاه، لم يكن المسار الوحيد الذي اتخذته هذه التحولات المصيرية في تاريخ المنطقة. ويشك ل المغرب نموذجً ا للدولة التي أفرزت فيها التحولات السياسية الأخيرة واقعًا سياسيًّا آخر كر. بل يُجمع المتتبعون على أنّ النظام الملكي في المغرب غير ما ذ - عكس ما توقعت بعض الأوساط - ا  خرج بعد مرور عاصفة الربيع العربي، أصلب عودًا وأمكن رسوخ. ومن تجليات هذا المسار/ الواقع، أنّ النظام السياسي المغربي، استغل الربيع العربي فرصة، للإمعان في تغييب المعارضة السياسية وتقزيمها، ومحْ و دورها أيض ا، ليدخل المشهد السياسي في المملكة العلوية مرحلة غير مسبوقة من تاريخها، كاشفةِّ ومُعز زة لكثير من مظاهر ما يمكن أن نسميه: "سريالية المشهد السياسي المغربي."

مقدمة

رافقت تحولّات سياسية كثيرة ثورات بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وأدّت هذه التحولّات، في بعض هذه البلدان، على الأقلّ في ما أسفرت عنه من نتائج أوّلية في انتظار أن تضع الثورات أوزارها، إلى تغييب زعاماتٍ كثيرًا ما وُصفت بالتاريخية والأبدية، وتبوُّء قوى سياسية معارضة سابقًا، الصدارة في مراكز القرار السياسي بعد تغييب وتهميشٍ وإقصاء. بيد أنّ مسار التحولّات الموصوف باختصار في الأسطر القليلة أعلاه، لم يكن المسار الوحيد الذي اتّخذته هذه التحولّات المصيرية في تاريخ المنطقة. يمثِّل المغرب نموذجًا للدولة التي أفرزت فيها التحولّات السياسية الأخيرة واقعًا سياسيًّا آخر غير ما ذُكر. بل يُجمع المتتبّعون - عكس ما توقّعت بعض الأوساط – على أنّ النظام الملكي في المغرب بعد مرور عاصفة الربيع العربي، خرج أصلب عودًا وأمكن رسوخًا1. من تجلّيات هذا المسار/ الواقع، أنّ النظام السياسي المغربي استغل الربيع العربي فرصةً، أمعن فيها في تغييب المعارضة السياسية وتقزيمها، بل محو دورها؛ ليدخل المشهد السياسي في المملكة العلويّة مرحلةً غير مسبوقة من تاريخها، تكشف كثيرا مظاهر ما يمكن أن نسمّيه: "سريالية المشهد السياسي المغربي"، وتعزّزها. يمكن الوقوف على هذه السريالية برصد ما يسود النموذج السياسي المغربي الحالي من "ظواهر"، يكاد يتفرّد بها، لأسبابٍ أو لأخرى، بين الأنساق السياسية السائدة ضمن بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وهذه الظواهر منها ما هو "جيني"، لا يمكن الحديث عن النظام السياسي المغربي دون استحضاره؛ إذ هي مكوّنات ماهويّة فيه. ومنها ما هو "مكتسب" تراكمي، لكن النظام يتقن، كما هي عادته، توظيفه لتعزيز موقعه بين أحجار اللعبة السياسية، ولا سيمّا إذا جرت رياح التطوّرات الدولية والإقليمية بما تشتهيه سفنه. وبما أنّ ظواهر هذا التفرّد على قدرٍ كبير من التنوّع في تجلّياتها ومظاهرها، وهي إلى ذلك بينها تعالق على مستويات كثيرة، سنكتفي في هذا التحليل برصد تميّز النسق السياسي المغربي المعاصر على مستوى واحد منها هو "المعارضة السياسية"، أو بمعنى أدقّ "طبيعة المعارضة السياسية"2. وخصوصًا ما آلت إليه هذه المعارضة من واقع تراكم على امتداد فترات زمنية طويلة، جاء الربيع العربي ليسرّع إيقاعها ويحسم مصير التحولّات الذي لم يكن شيئا آخر غير ما كان يخطّط له. إنّ راهن المعارضة السياسية في المغرب الذي يباركه النظام السياسي بل هو الذي يشكّله ويسعى لترسيخه بآليات على قدرٍ كبير من التنوّع، يمثِّل في طرحنا الذي نورده ونرصد تجلّياته في هذا التحليل، مظهرًا من مظاهر "تهافت" النظام السياسي المغربي، بل يمكن عَد هذا التوجّه إلى حدودٍ بعيدة من "الأخطاء التاريخية" التي يرتكبها النظام الحالي؛ وإن كان يبدي كما هي عادته قدرةً هائلة على التكيّف مع مستجدّات المشهد السياسي، وضبط توجّهات سفينته بآليات مستحدثة.

وقبل تفصيل القول في ما سبق، نؤكّد أنّ عدّ المعارضة السياسية في نظرنا، مدخلً لرصد تفرّد النسق السياسي المغربي في الوقت الراهن، ودليلً على استفادة النظام السياسي المغربي من موجة الثورات الأخيرة، مبنيّ إجمالا على: أوّل: أنّ النموذج السياسي المغربي في احتواء المعارضة السياسية يكاد يكون نموذجيًّا. ففي المغرب - وبجعل "لغة النهايات" محلية المعنى - بات من الجائز الحديث حاليًّا عن "نهاية المعارضة"، أو بعبارةٍ أدقّ "نهاية معارضة النظام"؛ وسنقيم الدليل على هذا الحكم الذي قد يراه البعض مبالغًا فيه إن لم يكن متطرّفًا3.

  1. ممّن عبّ عن هذه الفكرة كاتب اليوميات في جريدة Le Figaro الفرنسية ألكسندر
  2. بسبب التعالق المشار إليه، نسجّل أنّ الحديث عندما يكون حول نسق سياسي ما، فإنّه من الصعب جرد معطى أو فاعل ما في هذا النسق وتخصيصه بالتحليل استقلالا دون باقي مكوّنات النسق. 3 قد يقول قائل إنّ في هذا إنكارًا لطبائع الأشياء وسنن التاريخ. أقول إنّ التحليل المقدّم هنا تحليل ظرفي آنيّ، يستند على معطيات الواقع السياسي المغربي الحالي، ومن ثمّ لم يكن هذا التحليل تنبئيًّا ولا استشرافيًّا، وليس من أهدافه أن يكون كذلك.
  3. آدلر في مقالته: Alexandre Adler, "La solidité du Maroc face à la révolution arabe", Le figaro , 16 Juillet 2012.

ثانيًا: أنّ المعارضة السياسية المسموح بها في البلاد، تقدّم بصورتها وبطبيعتها - إلى جانب معطيات أخرى - مظهرًا من مظاهر سريالية المشهد السياسي فيها كما ألمحنا. وهذا في نظرنا ما يضمن للموضوع أهميته؛ إذ التطرّق لموضوع المعارضة هو تطرّق لواحد من أبرز مكوّنات النسق السياسي بالمفهوم المعاصر، وعدم وجود هذا المكوّن/الفاعل، أو وجوده على غير الصورة التي يكون بها فاعلا حقيقيًّا مؤثّرًا، يجعل الوضع السياسي - ودعنا نستبق الحكم هنا - غير صحّي ولا طبيعي، وعلى هذا يترتّب ما يترتّب؛ إن لم يكن في المدى المنظور، فلا شكّ في الأمد البعيد.

التجل ي الأوّل للمعارضة السياسية المغربية

إنّ معارضة النظام في المغرب، بمعنى السعي إلى تغيير طبيعة الحكم وشكله عن طريق ثورات أو محاولات انقلاب، تراجعت بعد انقضاء فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني الذي عرف عهده محاولات انقلابية باءت كلّها بالفشل. ومن ثمّ، فبعد الانقلابات التي عرفتها البلاد في سبعينيات القرن الماضي، وبعد دخول رموز اليسار المغربي نهاية التسعينيات معترك العملية السياسية الديمقراطية4، انحصرت معارضة النظام في المملكة المغربية في قطبين، هما: القطب الأوّل: قطب اليسار الراديكالي الذي تشتّت طرائق قددا، وبات يعاب عليه أنّه لا يزال يتمسّك بتصوّرات وأفكار، هي أقرب في نظر منتقديه إلى الطوباوية الفكرية والنظرية منها إلى الواقعية السياسية، ويدافع عنها. القطب الثاني: قطب الإسلام السياسي الذي لم يقبل بشروط اللعبة السياسية الموضوعة في البلاد. وعند إطلاق هذا الوصف، يكون تحديدًا هو "جماعة العدل والإحسان"؛ أقوى جماعات الإسلام السياسي تأطيرًا وحضورًا في الساحة5. تكشف الثنائية القطبية المبيّنة أعلاه، في النسق السياسي المغربي مفارقة مثيرة للانتباه. هذه المفارقة تتمثّل في أنّ خطابات هذه التيارات المعارضة ومواقفها السياسية ومطالبها الاجتماعية التي تعلن عنها في أدبياتها المرجعية ووقفاتها الاحتجاجية، تتقاطع وتتماهى في جملتها مع ما يُعرف ب"مطالب الشارع" المغربي في التغيير؛ بيد أن قدرة هذه التيارات الاستقطابية وقوّتها التمثيلية في أوساط الجماهير تبقيان محدودتين؛ وهو ما يطرح أكثر من سؤال عن الأسباب الذاتية والموضوعية لهذه المفارقة. وعلى العموم، ودون إسقاط مسؤولية هذه القوى السياسية الذاتية عن ظهورها الباهت في المشهد السياسي المغربي6، يمكن القول إن النهج الذي يسلكه النظام في تعاطيه مع من يتبنّى فكرة "معارضة النظام"، يبقى محدّدًا مهمًّ في الإجابة عن سؤال المفارقة المذكورة. فباستقراء تاريخ الصراع السياسي في المغرب، نلمس ازدواجية في تعاطي النظام السياسي مع معارضيه، "حيث كانت التنظيمات السياسية التي تبدي قبولها بقواعد اللعبة السياسية القائمة وبثوابت النظام السياسي والمقتنعة بجدوى العمل السياسي من داخله، تقابل بسياسة الباب المفتوح وباعتراف الدولة وباقي القوى السياسية المشاركة في الحقل السياسي الرسمي. هذا إلى جانب دور المؤسسة الملكية التي كانت تبحث دائمًا عن قنوات لاحتواء المعارضة السياسية

  1. المقصود هنا هو مشاركة اليسار المغربي في حكومة ما سمّي "التناوب التوافقي"؛ وإلا فإنّ اليسار المغربي كان دائم الحضور في العملية السياسية، وإن اختلفت تياراته ما بين تبنّي
  2. تعتمد هذه الجماعة تكتيكًا سياسيًّا يقوم على "الكرّ والفرّ"، ومن ثم يصعب أحيانًا الحكم على مدى فعاليتها في المشهد السياسي المغربي، غير أنّ الذي يُجمع عليه الباحثون هو أنّ جماعة العدل والإحسان انكسرت شوكتها كثيرًا بعد مصابها في وفاة مرشدها الروحي والمؤسس عبد السلام ياسين، وقبلها بسبب عدم تحقّق نبوءة الشيخ الموعودة سنة 2006 التي تسمّى في أدبيات الجامعة "القومة." كما يلاحظ أنّ تعبئة الجماعة تعبئة مناسباتية سرعان ما تتحوّل إلى حالة كمون بزوال أسبابها. وإلى جانب جماعة العدل والإحسان، نجد تيارات إسلامية أخرى في المغرب لها وزنها؛ كالتيار السلفي بشقّيه العلمي والجهادي. غير أنّ تأثير هذا التيار الأخير في العملية السياسية لا يكاد يذكر على الأقلّ لسببين: مقاطعة هذا التيار العملية السياسية برمّتها والتزامه الحياد بخصوصها أوّلً؛ وقد نستثني هنا حزب "النهضة والفضيلة" عمّن يعدّه حزبا سلفيًّا، ثم تعرّض التيار السلفي الجهادي للتشتيت، خصوصًا بعدما زجّ برموزه في المعتقلات على خلفية التداعي العالمي لما سمّي بمحاربة الإرهاب، والتي عُدّ المغرب شريكا إستراتيجيًّا فيها ولا يزال. أضف إلى ذلك التضييق الذي بات يتعرّض له الشقّ العلمي من التيار السلفي في المغرب الذي يتّهم بمعاكسة التوجّه الرسمي للدولة دينيًّا، وبالحصول على تمويل خارجي خصوصًا من دول الخليج، وغيرها من التهم. 6 يكفي دليلا على ذلك أنّ آخر معطيات صادرة عن وزارة الداخلية في المغرب بخصوص الأحزاب، تؤكّد أنّ من أصل 33 حزبًا في البلاد، 17 حزبًا منها فقط ممثّلة في البرلمان.
  3. الاختيار الثوري"، أو المشاركة في التدافع السياسي وفقًا لقواعد مقرّرة وافق عليها هذا اليسار أم لم يوافق.

)..(وفي مقابل هذا الفعل الإدماجي الذي ينهجه المخزن7 المغربي)...(يظهر السلوك الإقصائي كفعل يطال كلّ القوى التي تقوم على تناقض بين إيديولوجيتها وإيديولوجية النظام، والقوى التي تخلق حقولا مضادّة تنافس مشروعية المؤسسات القائمة"8. إذًا، لا خيار أمام الفاعلين السياسيين في المغرب، إلا الاحتواء أو الإقصاء، وبطبيعة الحال للمقام الأوّل مغانم وللمقام الثاني مغارم، ولا منزلة بين المنزلتين في الموقف من النظام.

وينبغي أن لا يُفهم من آلية الإقصاء، أنّ النظام يخلي سبيل القوى السياسية التي تعارض طبيعته، بل إنّه يسخّر كلّ الوسائل والآليات لكي تعجز هذه القوى عن تحقيق التواصل السياسي المثمر مع الجماهير. فإلى جانب الآليات الاستخباراتية المعروفة التي تسخّر للتضييق على قوى المعارضة، والتي تفضي إلى تفكيك هذه الحقول المضادّة في المشهد السياسي واعتقال رموزها ونفيهم والقضاء على فعاليّتها. يشتغل النظام السياسي في المغرب عبر قنوات كثيرة، يمكن أن نسمّيها "قنوات تثبيت ودعم الشرعية." وهي في مجملها قنوات لما يمكن أن نسمّيه "السيطرة الناعمة"، المفهوم الذي نجده مؤسّسًا له ومبثوثًا في فكر الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي. ومن هذه القنوات/ الآليات التي منها ما هو تقليدي ومنها ما هو مستحدث، نقف على اثنتين:

آليّة الحضور

تتبدّى هذه الآلية في صور كثيرة تعود في مجموعها إلى اثنتين: في ما يخصّ شخص الملك نجد أنّ حضوره يهيمن على حضور باقي الفاعلين السياسيين. ومن هنا يلمس المراقبون أنّ محمدا السادس، وإذا ما استثنينا الأنشطة التي يحضرها بوصفه الممثّل الأسمى للمملكة المغربية، حريص على الظهور في الأنشطة الإنسانية والاجتماعية التي تتغيّا تعزيز التعاطف الشعبي، كالمناسبات التي يتدخّل فيها مثل لمواساة أسر ضحايا حوادث السير والكوارث الطبيعية عن طريق تقديم التعازي والتكلّف بمراسيم الجنائز... ونحو ذلك. هذا، وقد تحوّل هذا الحضور الملكي منذ سنة 2005، إلى حضور أكثر قوّة. حضور ظاهره اجتماعي لكن عمقه سياسي إلى درجة كبيرة، بعدما جرى الإعلان عمّ يسمّى "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية." وهو ما سنقف عليه بتفصيلٍ أوفى في القسم الثاني من هذه الورقة.

آليّة لغة الخطاب السياسية

تتمثّل هذه الآلية في حرص النظام السياسي المغربي، عبر أجهزته المختلفة، على إنتاج خطاب سياسي وإعادة إنتاجه، قوامه مفاهيم يبدو جليًّا، أن لا هدف منها سوى وَأ د إنتاج خطاب سياسي معارض مَهمْا كانت درجته في سلمية المعارضة9. من هذه المفاهيم التي تروج بكثرة في الخطاب والتواصل السياسي المغربي المعاصر، نجد مفاهيم: "الاستثناء المغربي"، و"التغيير في ظل الاستقرار"، و"الإجماع الوطني"، وما نُسج على منوالها من المفاهيم. ولعلّ ممّ لا يحتاج إلى كبير تفصيل، أنّ اللغة والخطاب السياسيَيّن القائمين على هذا اللون من المفاهيم، هما لغة وخطاب يحدّدان المواقع بصرامة، أو بمعنى أدقّ، الموقع الوحيد الذي ينبغي أن تصطفّ فيه القوى السياسية، وتلتزم به، وتتبنّاه، وتدافع عنه في كل قضية تُطرح في البلاد. مع العلم أنّ هذه القضية من الوارد جدًّا أن تكون قضية خلافيّة، أي أنّها قابلة لأن تكون مجالً لإمكانية ممارسة المعارضة وفقًا للأصول الديمقراطية المتعارف عليها10، دون أن يكون في ذلك ضرورة إضرار بما يروج بوصفه "المصلحة العليا للوطن."

  1. لا علاقة لمفهوم "المخزن" هنا بمعناه المعروف في اللسان العربي، فمفهوم المخزن في النسق السياسي المغربي، يحمل دلالة تاريخية وسياسية غالبًا ما تكون قدحية، على اعتبار أنّه يدلّ على جهاز السلطة في الدولة، القائم على انتقال السلطة بطريقة وراثية في الغالب،
  2. إبراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي (الرباط: مطبعة دار السلام، 1999.157)، ص
  3. للمزيد من التفاصيل، انظر: نور الدين الحوتي، "في مفهوم الاستثناء في النسق السياسي القدس العربي المغربي، أو العبور اللغوي الآمن"،، العدد 7547، 23 أيلول/سبتمبر 2013. وهو نموذج من هذه المفاهيم الكثيرة. 10 لسنين طويلة استفردت أجهزة بعينها داخل النظام المغربي بإدارة ملفّ النزاع المتعلّق بالصحراء، وبطبيعة الحال هذا الملفّ يسوَّق له بلغة وخطاب يجعلان منه موضوع إجماع وطني. وكثيرا ما اتّضح على خلفية مستجدات معيّنة، أنّ الطريقة التي عولج بها الملفّ لم تكن الطريقة الوحيدة الممكنة والأنجح بين طرق كثيرة لإدارة هذا النزاع، بعضها نادت به سابقًا بعض فرق المعارضة في أوج قوّتها وحضورها.
  4. وعلى علاقة حظوة ومصلحة بين الحاكمين والحاشية والمستفيدين؛ بحيث يكون رضا النظام عن الشخص بقدر ما يبدي من ولاء ملموس... وقد راج في الأدبيات السياسية لفترة ما بعد الثورات العربية مفهوم جديد هو "الدولة العميقة." وهو مفهوم يكاد يكون مرادفًا لمفهوم المخزن في دلالته في بلاد المغرب.

وعليه، فهذه اللغة وتبعًا لها الخطاب الذي تؤسّسه، تجعل الفاعلين السياسيين خاضعين للمنطق الذي عُرف في الأدبيات السياسية المعاصرة ب"منطق بوش"؛ منطق "من ليس معنا فهو ضدّنا"11.

التجلّي الثاني للمعارضة السياسية المغربية

على مستوى الأحزاب

هنا نلج متاهة من متاهات المشهد السياسي المغربي، حيث يتجل البعد الأوضح للسريالية في هذا المشهد؛ وحيث يصعب الإمساك بخيوط متينة للتحليل والرصد؛ إلا إذا كنّا على علم بأنّ هذه السريالية تكشف في واقع أمرها أنّها أمر يراد وواقع يُرام. وإن مع ثبوت عواقب ذلك السيّئة، كان يكفي النظام السياسي في المغرب أن يقتصر في تضييقه على المعارضة، على أن يوجّه سهامه نحو من يعارض النظام من القوى السياسية، وهي معارضة لم يكن النظام السياسي ليعدم من يؤيّده في سبيل القضاء عليها وكسر شوكتها؛ لأنّها معارضة تبين غير ما مرّة أنّها كانت تستهدف حيازة السلطة السياسية لأغراضٍ لم تكن يومًا ما مصرّحًا بها ولا كانت بريئة. كما أنّ هذا النوع من المعارضة يرى فيه جمهور واسع من المغاربة، زعزعة للاستقرار الذي تتمتع به البلاد بين سائر كيانات الجوار الإقليمي، خصوصًا مع ما يسجَّل في بعض بلدان الثورات الأخيرة من مؤشّات "اللااستقرار" و "اللاأمن"، وما يكتنف مآلات هذه الثورات من غموضٍ كثيف. كان من الممكن أن يقتصر الأمر على ما سبق؛ غير أنّ النظام السياسي في المغرب أبى إلا أن "يستأصل" المعارضة السياسية ويخمد جذوتها، حتى تلك التي هي من ضرورات النظم السياسية وملح الديمقراطية في الدول الحديثة. يعترف الدستور المغربي بالمعارضة السياسية صوريًّا. غير أنّه وموازاة مع هذا الاع اررف، نجده يضيّق من مجال تحرّكها بصورة كبيرة؛ فالفصل الثالث من الدستور السابق للمملكة (دستور 1996) حصر دور الأحزاب في تمثيل المواطنين وتأطيرهم. ولم يوسّع مجال تحرّكها ليشمل الصراع حول السلطة مع احتمال الوصول إليها من أجل تطبيق برامجها، كما هو مقرّر في العلوم السياسية عند الحديث عن دور الأحزاب السياسية. لقد كرّس هذا الواقع الدستور الجديد 2011() الذي ينصّ بالعبارة (الفصل 7":) تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العامّ، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة."...

ولا يغرنّ قارئ هذه النص ما توحي به عباراتٌ من قبيل سماح النظام للأحزاب بالانخراط في "تدبير الشأن العام"، و"المشاركة في ممارسة السلطة..." ذلك أنّ طبيعة النظام، تحدّد طبيعة السلطة أو سقف السلطة التي يمكن أن تكون مجال تنافسٍ بين القوى السياسية. وهذا هو ما تحدّثت عنه الوثيقة الدستورية بوضوح ومباشرة في الفصل العاشر منها، حينما تطرّقت لطبيعة المعارضة التي يقبل بها النظام، "إنّها المعارضة البرلمانية"؛ هذه المعارضة التي يتمثّل سقف دورها في اللعبة السياسية في مراقبة عمل الحكومة والمشاركة في العمل البرلماني... وأمور أخرى مشابهة. إلى جانب تقليص دور الأحزاب السياسية وتسطيره؛ بما يجعل كل خروج عنه خرقًا للقانون قد يؤدّي ب"الحزب العاقّ " إلى الحلّ، يوظّف المخزن المغربي آليةً أخرى تضمن له بطريقة أو بأخرى "وجودًا" في الخريطة الحزبية في البلاد. كثيرًا ما يتحدّث المهتمّون بالعلوم السياسية في المغرب، وفي غيره من البلدان التي تتقاطع مع تجربته السياسية، عمّ يسمّونه "الأحزاب الإدارية." المقصود بهذا الصنف من الأحزاب، هو تلك التي تُحسب على القصر؛ أي أحزاب أسّسها أشخاصٌ كانت لهم علاقة ودّ مع القصر؛ إمّا بمبادرة شخصية منهم أو بإيعاز من القصر وهذا هو غالب أمرها. وهو المعطى الذي يشرعن لنا وصف هذا النوع من الكيانات السياسية ب"أحزاب المخزن" التي يُجمع دارسو الأحزاب وقوى الضغط في

  1. يُنسب هذا المنطق ل George W Bosh وقد استخدمه إبان الحرب الأميركية على ما سُمّي الإرهاب؛ فمن لم يؤيّد هذه الحرب بحسب هذا المنطق، فهو يصطفّ إلى جانب الإرهاب ضرورةً؛ إنّه منطق اللاحياد.

الأنظمة السياسية، على أنّها تتلقّى التعليمات التي تبني عليها مواقفها السياسية من كلّ القضايا، بل يمكن القول إنّها أداة المخزن وقناته في إيصال مواقفه هو منها. وفي سبيل هذا، نجد النظام المغربي حريصًا على الاحتفاظ بنمط للاقتراع وبتقطيع للدوائر الانتخابية، يضمن بهما لهذه الأحزاب مواقع في دوائر القرار الحكومية ومواقع أقدام في ما دونها من مراكز تدبير الشأن العام؛ ولا سيمّا في ظلّ تصاعد نفوذ بعض الأحزاب التي يخشى المخزن من اكتساحها المسرح السياسي12. هذا، فضلً عمّ تضمنه هذه الأحزاب لنفسها بتدخلّات محاباتية من مكاسب سياسية عبر الوسائل غير المشروعة في العملية السياسية عمومًا والانتخابية على وجه الخصوص. إنّ التاريخ المغربي يحفظ لنا في أرشيفه نماذجَ عن هذه الأحزاب التي سّست لهذه الغايات؛ فمن هذه الأحزاب "حزب الحركة الشعبية أ" سّس سنة الذي أ 1959، وهو حزب يشارك في الحكومة الحالية13. ثمّ حزب "الاتحاد الدستوري"، وهو حزب أسّسه المعطي بوعبيد لمّا كان وزيرًا أوّل بإيعاز من القصر سنة 1983. ومعلوم أنّ تأسيسه إنّ ا كان ليقوم بدورٍ معيّ في سياق الاستعداد لانتخابات.1984 ومنها كذلك "التجمّع الوطني للأحرار"، الحزب الذي أسّسه أحمد عصمان صهر الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1978. وقد انضمّ إلى حكومة بن كيران في نسختها الثانية بعد انسحاب حزب الاستقلال منها. بل إنّ حزب "العدالة والتنمية" الذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي في المغرب، لا يخرج عن هذه "السلالة" من الأحزاب. غير أنّ حزب المصباح مرّ قبل تحوّله إلى حزبٍ مقبول في الساحة السياسية بجملة مراحل. إنّ النواة الأولى للحزب كانت في تنظيم الشبيبة الإسلامية الذي انشق لتتولّد منه جماعة "الجماعة الإسلامية"14، هذه التي تحوّلت إلى "حركة الإصلاح والتجديد"، ثمّ إلى "حركة التوحيد والإصلاح" التي اندمجت مع حزب "الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية" الذي كان قد أسّسه في شباط / فبراير سنة 1967 الدكتور عبد الكريم الخطيب، أخ الملك الراحل الحسن الثاني من الرضاعة، ليتولّد من هذا الاندماج حزبٌ جديد تحت اسم "العدالة والتنمية15. لقد كان تأسيس حزب العدالة والتنمية، أوّل تجربة للإسلاميين المغاربة المعتدلين مع العمل السياسي المؤسساتي. وقد كان هذا التأسيس، أو بالأحرى الترخيص، سلوكًا سياسيًّا جديدًا اتّخذته الدولة وتحديدًا الملك الحسن الثاني، "تحت ضغط إكراهات ظرفية، مخافة تحوّل الإسلاميين المعتدلين إلى جماعة العدل والإحسان أو الجماعة الجهادية لعبد الكريم مطيع"16. إذًا، وهذا بيت القصيد في تحليلنا، نسجّل أنّ حزب العدالة والتنمية اندمج في سيرورة تشكّله مع حزب إداري أسّسه أخ الملك. والترخيص له بدخول المعترك السياسي بحسب ما تقتضيه آلية الإدماج السياسي، كان بناءً على دفتر تحملات واضح وأجندة معروفة التفاصيل عند المهتميّن بالنسق السياسي المغربي. ومن ال وررري الإشارة إلى أنّ المخزن المغربي لم يتخلَّ عن هذا التوجّه في "تدجين" الأحزاب السياسية؛ بحيث نجد أنّ آخر حزب إداري يدخل غمار التفاعل السياسي في المغرب، هو حزب "الأصالة والمعاصرة" الذي تأسّس سنة 2008 برعاية فؤاد عالي الهمة صديق العاهل المغربي محمد السادس وأحد مستشاريه حاليًّا. هذا الحزب الذي يتّهمه حزب العدالة والتنمية، بكونه إنّ ا وُجد لمهمّة وحيدة

  1. التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع باللائحة المعتمد في المغرب، لا يسمح بانفراد حزب بقيادة العملية السياسية، وهذه "آلية للتحكّم" في المشهد السياسي؛ فإذا ما حدث أن فاز حزب ما غير مرضيّ عنه تمام الرضا لسببٍ من الأسباب، فإنّه لا يسمح له بالمضيّ قدمًا دون عراقيل. مثال ذلك حزب العدالة والتنمية الذي ما إن فاز في الانتخابات التشريعية لسنة 2011 حتى وجد نفسه مكرهًا على الدخول في ائتلاف حكومي مكوّن من حزب الاستقلال اليميني، وحزب التقدّم والاشتراكية وهو وريث الحزب الشيوعي في المغرب، وحزب الحركة
  2. في النسخة الأولى من حكومة عبد الإله بن كيران، كانت حقيبة الداخلية في يد هذا الحزب، وقد عانت حكومة الإسلاميين المغاربة من هذا المعطى أشدّ المعاناة، بسبب تصرّفات
  3. الشعبية الذي يروّج على أنّه حزب الأمازيغ المغاربة، ثمّ ليضطرّ في النسخة الثانية من حكومة بن كيران بعد انسحاب الاستقلال إلى التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو حزب إداري تصريحًا.
  4. وزارة الداخلية وقراراتها التي راج أنّها كانت تجري دون استشارة رئيس الحكومة، وهو ما حدا بالمتتبّعين إلى وصف وزارة الداخلية حينئذ بأنّها حكومة مستقلّة عن حكومة بن كيران.
  5. وحزب الحركة الشعبية أسّسه كما هو ثابت في أرشيف الأحزاب المغربية، عددٌ من الشخصيات السياسية كان على رأسها المحجوبي أحرضان، وعبد الكريم الخطيب، وامبارك البكاي، والحسن اليوسي... 14 أسّسها عدد ممّن كانوا ينتمون لتنظيم الشبيبة الإسلامية بعد انشقاقهم عنها. ومنهم عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة الحاليّة. والشبيبة الإسلامية تنظيم جرى حظره في المغرب واعتقال معظم قياديّيه، وتقديمهم للمحاكمة التي وصلت في أغلبها إلى السجن المؤبّد والحكم على عبد الكريم مطيع زعيم التنظيم بالإعدام، ما اضطرّه إلى الهروب إلى ليبيا كمنفى اختياري له... 15 الإسلاميون المغاربة عكاشة بن المصطفى، (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، مطبعة النجاح الجديدة، 2008.51)، ص 16 عبد الإله سطي، "الملكية والإسلاميون في المغرب: مقاربة لآليات الإدماج والإقصاء في النظام السياسي المغربي من خلال نموذجي: حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان"، دفاتر وجهة نظر سلسلة، العدد 25، 2012()، ص -163.164

تتمثّل في أن يكون حجر عثرة له في طريق اكتساحه الحلبة السياسية وانفراده بها، وهو الأمر الذي يسرد له حزب بن كيران أكثر من دليل. وبنوعٍ من التعميم القائم على أكثر من برهان، يمكن القول إنّ جل الأحزاب السياسية في المغرب حاليًّا، أحزاب إدارية ومخزنية بمعنى من المعاني؛ يكفي أن نعلم أنّ في المغرب قانونًا لتأسيس الأحزاب (قانون -04 36) يحدّد الشروط التي ينبغي أن يلتزم بها كلّ داخل إلى المعترك السياسي، كما أنّ الواقع السياسي في مغرب اليوم لم يشهد "انفلاتًا حزبيًّا"، بأن يتجرّأ حزب ما على تبنّي موقف يعاكس الموقف الرسمي من قضيةٍ من القضايا الكبرى التي لا يسمح فيها بهذه المعاكسة17. لم يكتف المخزن المغربي إذًا، بإضعاف الأحزاب السياسية، مع نجاحه في ذلك إلى حدودٍ قصوى، بل حرص دائمًا على ضمان وجود تمثيلية له داخل تشكيلة البلاد الحزبية. وهي آليّة من آليات اختراق الأحزاب السياسية، أو بالأحرى، آليّة من آليات اختراق استباقي لتفادي إمكانية توجّه رياح العملية السياسية وجهة غير مرغوب فيها ولا متوقّعة. خلاصة القول، بالنظر إلى الدور الذي رسمه الدستور المغربي للأحزاب السياسية، وإذا كانت الأحزاب الإدارية هي بالتعريف تجمّعات سياسية تشكّلت تحت عيون النظام، فإنّ جلّ الأحزاب المغربية، أحزاب إدارية تعريفًا ووظيفة18.

على مستوى الأفراد/ النخبة

على مستوى الأفراد وخصوصًا النخبة منهم، رسّخ النظام السياسي المغربي "آليّة الاستقطاب" التي تجد تفعيلً لها في تطبيقات بعينها. تجد هذه الآلية جذورها التاريخية في فترات سابقة من تاريخ المغرب الحديث، حيث حرص النظام السياسي على إحاطة نفسه بعددٍ من الأشخاص/الأعيان النافذين ليضمن ولاءهم من جهة، وليساعدوه في تدبير الشأن السياسي الذي لا يمكن الانفراد بتدبيره على كلّ حال. غير أنّ هذا الاستقطاب، وجريًا من المخزن على عادته في تكييف آلياته السياسية، اتّخذ بعد هذه "الصورة الكلاسيكية" التي تعتمدها الأنظمة السياسية دون استثناء، مظاهر أخرى. أهمّ هذه المظاهر جاء في صيغة "تصريف موقف"؛ ففي السادس من تشرين الثاني / نوفمبر سنة 2003، أعلن ملك المغرب عن تأسيس ما عُرف باسم "هيأة الإنصاف والمصالحة"، بوصفها جهة رسمية أوكل لها - كما هو جليّ من اسمها - النظر في ملفّات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي أفرزتها الفترة المعروفة في المملكة ب "سنوات الرصاص"، بعد سنوات من الصراع على السلطة بين النظام في عهد الملك الراحل الحسن الثاني والنخبة السياسية ممثّلة في اليسار المغربي الذي كان يعيش أوج حضوره السياسي في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. صحيح أنّ في هذه المبادرة بعدًا إنسانيًّا لا يُنكر؛ كما لا يُنكر أنّها دشّنت تجربة مغربية عدّتها منظمات عالمية لحقوق الإنسان في مجال "العدالة الانتقالية"، ناجحة ورائدة. بيد أنّ الدافع الإنساني لا يمنعنا من موقعة التجربة في سياقها التاريخي ورصد ثمارها السياسية، وقراءتها على ضوء واقع التدافع والسعي لتعزيز المواقع بين القوى الفاعلة في الحقل السياسي في البلاد. تمثّلت الثمرة السياسية لهذه الخطوة في إنهاء نوعٍ من المعارضة السياسية كثيرًا ما أزعج العرش، خصوصًا في ظلّ توارد تقارير حقوقية دولية تستفسر عن أسباب الاعتقال وظروفه ومصير المعنييّن بهذا الملف. إنّ النظام وفي ما يشبه الاعتراف19 بالخروقات التي شابت مرحلة من مراحل الصراع السياسي في المغرب المعاصر، اختار فتح هذا الملف لإحكام طيّه بعد ذلك؛ فكان أن استفاد المتضررون من تعويضات مالية عن سنوات الاعتقال والتعذيب، مع إغلاق الملفّ دون التفكير في تحريك دعاوى قضائية في حق المسؤولين أصالةً أو نيابةً عن هذه الخروقات؛ هؤلاء الذين كان عدد كبير منهم لا يزال على قيد الحياة. المهمّ، أنّ جسر التواصل مدّ بين المخزن وضحايا ماضي الانتهاكات. وهذا الجسر سوف يجري تمتينه بآلية أخرى أثبتت بدورها فعالية كبرى؛ فإبّان هذه الفترة بالضبط، قرّر النظام السياسي المغربي، المضي قدمًا في تفعيل "آلية المجالس الاستشارية" التي كانت ومنذ الشروع في تجربتها - ودعنا من وظيفتها التي يروّج أنّه على أساسها تؤسّس - آلية من آليات المخزن لتأطير النّخب المعارضة، وسقفًا جمعت تحته كثيرًا من الأسماء/الأصوات المزعجة، وخصوصًا قسمً من فلول اليسار

  1. لاحظ المتتبعون كيف تبنّت الأحزاب السياسية في بياناتها بتماهٍ كبير، موقف الدولة الرسمي في قضية الصحفي علي أنوزلا.
  2. ينحصر الاستثناء في هذا المقام في أحزاب لا تزال ترفض "إغراءات الاستقطاب والدمج"، وهي على العموم أحزاب لم يرض عنها المخزن يومًا؛ إذ لا تستشار في ما تستشار فيه الأحزاب من أمور السياسة العامة، ولا يهنّأ من يجري انتخابه أمينًا عامًّا أو رئيسًا لها من طرف ملك
  3. البلاد على غرار ما يصنع مع باقي الأحزاب ونحو ذلك... وكمثال على هذه الأحزاب نذكر حزب اليسار الاشتراكي الموحّد، وحزب الطليعة. 19 قلنا شبه اعتراف لفهم القضية فقط، وإلا فإنّ العرش المغربي والمشرفين بتكليف منه على مسلسل المصالحة، لم يصدر عنهم ما يثبت تورّط جهةٍ ما في الانتهاكات موضوع الحديث.

الراديكالي، والتيّار الأمازيغي الراديكالي، وأعيان منطقة الصحراء، سواء منهم من قضى عقوبات حبسية أو لا في الفترات السابقة20. وهكذا تفرخ في المغرب، عددٌ من المجالس: المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية • المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي • المجلس الاستشاري/ الوطني لحقوق الإنسان المجلس الأعلى للجالية المغربية بالخارج • الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري • المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية المجلس الأعلى للوظيفة العمومية)...(وتبقى آلية المجالس مفتوحة للتوظيف في كلّ حين، إذا دعا داع إليها؛ ففي الفقرة الخامسة من دستور 2011 نقرأ: "يُحدث مجلس استشاري للأسرة والطفولة"، وهو الأمر الذي لم يُفعّل بعد إلى تاريخ كتابة هذه الأسطر21. ويكفي دليلً أنّ النظام المغربي لم يكن يهمّه من تأسيس هذه المجالس أو على الأقلّ بعضها، الأهداف التي تعلن في قرارات اعتمادها، وإنّ ا توظيفها آلية من آليات ضبط الفعل السياسي المعارض، أنّ هذه الأخ ةرر، تقوم بعمل إداري هناك أطراف أخرى تقوم به داخل مختلف الوزارات، إلا ما كان من باب ذرّ الرماد في العيون22. ثم إنّ قسمً من عمل بعضها الآخر لا يعدو كونه توصيات لا تؤخذ في الحسبان كثيرًا في رسم السياسات العامة23؛ وهو ما يدلّ دلالة واضحة أنّ التعيين في هذه المجالس، يمثّل واحدًا من أجلى مظاهر "الريع السياسي" في البلاد24 . وبموازاة ما سبق، فتح النظام بالاستعانة بمريديه، باب المشاركة السياسية أمام هذه النخب المعارضة سابقًا. وهنا تولّد مظهر آخر من مظاهر سريالية المشهد السياسي المغربي؛ إذ لم نعدم أن يرتمي يساريون راديكاليون سابقًا، آمنوا بالطرح الثوري اللينيني أو التروتسكي حتى النخاع؛ بل قضوا في سبيله زهرة عمرهم في المعتقلات المعروفة منها والسرّية، في أحضان أحزاب إدارية على غرار ما سُجّل في تجربة الأصالة والمعاصرة.

على مستوى المجتمع المدني

في شهر أيلول / سبتمبر سنة 2013، نشُرت دراسة 25 كشفت، وفقًا لنظرة تحليلية سابقة من نوعها، معطيات مهمّة عن انعكاسات انخراط فعاليات المجتمع المدني المغربي في مشاريع "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" التي أعلن الملك عن انطلاقتها سنة 2005، وصرّح في خطاب إعلان انطلاقتها أنّ الهدف منها هو محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعيين26. لا سبيلَ إلى إنكار أنّ هذه المبادرة خطت خطوات مهمة في درب تحقيق أهدافها بشهادة منظمات ومؤسسات عالمية تهتمّ بالشأن التنموي في المغرب. غير أنّ الذي تكشف عنه هذه الدراسة، هو أنّه بموازاة طابعها الاجتماعي والتنموي، هذا الطابع الذي يسوّق في الإعلام الرسمي دون سواه، تتستّ حقيقة أنّ هذه المبادرة الملكية، ضمنت لعاهل البلاد حضورًا ظاهره اجتماعي لكن عمقه سياسي إلى درجة كبيرة؛ وهو حضور يحقّق نتائجَ ثنائية الاحتواء والإقصاء التي تقوم عليها علاقة الفاعل السياسي الأقوى في البلاد بباقي الفاعلين، بنجاعة أكبر ممّ تتحقّق عبر غيرها من الآليات. لقد بات جليًّا أنّ المبادرة موضوع التحليل، لا تعدو كونها آلية من آليات وأد المعارضة السياسية وتجفيف المنابع الاجتماعية لاستنبات

  1. يدفع بعض المستفيدين من هذا الوضع عن أنفسهم تهمة بيع الذمّة عن طريق الالتحاق بهذه المجالس، بكون العهد الحالي يختلف معطى وواقعًا عن عهد الملك الراحل الحسن الثاني. ومن هذه الأسماء نذكر محمد الصبار، وإدريس بن زكري، وأحمد حرزني، وإدريس اليزمي، وصلاح الوديع...
  2. هنا يُطرح السؤال كذلك عن جدوى إحداث مجلس استشاري للأسرة والطفولة، إلى جانب وزارة اسمها: "وزارة التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية." وإذا لم يكن الهدف هنا هو استقطاب رموز معارضة، فلا شكّ في أنّ من بين الأهداف المؤجّلة، إحداث "مؤسسة حقوقية"، ستكون محطّ إشادة الأبواق الموالية للنظام وتنويهها حقيقة أو ادّعاء، وهو نوع من التسويق
  3. المجالس الاستشارية في التجربة المغربية..تعدد مبالغ فيه وحصيلة ضعيفة"، جريدة التجديد، العدد 3057،.2011/1/4
  4. نورد هنا ملاحظة أكثر من دالّة، تتمثل في أنّ المجلس الأعلى للجالية المغربية المقيمة
  5. امتدّ هذا الريع ليشمل الحقائب الوزارية في النسخة الثانية لحكومة بن كيران الحالية، انظر: أحمد الدغرني، "مقاربة منهجية لدراسة حكومة 10 أكتوبر "2013، هسبريس، 2013/11/4، على الرابط: http://hespress.com/permalink/93045.html 25  Mustapha El Mnasfi, «Les effets de la participation citoyenne dans les projets urbains au Maroc : le cas de l’ «INDH» au milieu urbain», Etudes et essais du Centre Jacques Berque de sciences humains et sociales , N° 17, Septembre 2013. 26 في ارتباط بهذا روّج الإعلام الرسمي لقب "ملك الفقراء."
  6. السياسي التقليدي المكشوف.
  7. بالخارج، لم يعقد جمعه العام منذ أن عيّ الملك أعضاءه سنة.2007

الفعل أو الموقف السياسي المعارض، ليس في صفوف النخبة فحسب، بل حتى في صفوف الفئات الهشّة وغير المكتفية اقتصاديًّا. لقد راهن مهندسو هذه المبادرة على إشراك فعاليات المجتمع المدني في تنزيل مشاريعها والإشراف عليها. ومن هنا استطاعت هذه المبادرة أن تحقّق أهدافها السياسية عبر أقصر الطرق. وأمام هذا الواقع وجدت قوى المجتمع المدني المغربي وخصوصًا جمعيات التنمية البشرية، نفسها أمام "خيارين"؛ إمّا الانخراط في مشاريع المبادرة، فتكون ممّن ينالهم نصيب من الغنيمة، أو البقاء على هامش الإقصاء؛ فكان أن مالت، بل سارعت كلّ هذه القوى لتبنّي الخيار الأوّل27؛ نظرًا لاعتمادها على الدعم المالي المباشر للدولة مصدرًا وحيدًا للتمويل لديها، وتجنّبًا منها التغريد خارج السرب أو السباحة ضدّ التيار الذي لن يفهم في هذا السياق إلا بِعدّه خروجًا عن إجماع وطني، بل وقوفًا في وجه مبادرة مَلكية.

لقد سجّل الدكتور مصطفى المناصفي صاحب الدراسة، ملاحظات مهمّة منها: أنّ الجمعيات المستفيدة من هذه المبادرة "باتت تبتعد عن الشأن السياسي وتتّجه نحو التكنوقراطية"؛ بل إنّ منها من كانت قبل المبادرة تشرف على تنظيم أنشطة إشعاعية وسياسية وثقافية، وأخرى احتجاجية ونقدية تجاه الدولة، فباتت بعدها تكتفي بإنجاز المشاريع وتلقى الدعم من المخزن؛ أي أنّه تحقّق للسلطة "إبعادُ المجتمع المدني عن أدواره السياسية والرقابية والنقدية للسلطة"28. كما سجّل أنّ المبادرة أنجزت اختراقًا مهمًّ يتمثّل في إظهار وجه مختلف للمغرب، تبدو فيه الدولة كما لو كانت في علاقة ودّ غير مسبوقة مع المواطن والفاعل الجمعوي. وهي العلاقة التي لم يسبق للمغرب أن أظهرها بهذا الشكل29. ليخلص إلى أنّ المبادرة ليست برنامجًا تنمويًّا اجتماعيًّا يحارب الفقر والهشاشة، بل لها كذلك أدوار سياسية ملموسة، في تثبيت شرعية الشبكات التقليدية للسلطة ونفوذها30، وهو ما بات يروج في الأدبيات السياسية المعاصرة تحت اسم "الدولة العميقة." إنّ ما ذكره الباحث في دراسته، يُعدّ من الثمار السياسية المباشرة لهذه المبادرة. أمّا نتائجها غير المباشرة، والتي يمكن عدّها أهم،ّ فتبدّت مؤشراتها بجلاء في أنّ الملكية في المغرب الأقصى بفضل التضافر بين هذه الآلية وغيرها تمكّنت من الصمود والترسّخ، وهو ما شكّل خروجها من عواصف الربيع العربي، أكثر قوّةً وحضورًا أكبر دليل عليه. ويكفي أن نسجّل دليلً على هذا، أنّ الشبان المغاربة الذين شاركوا في احتجاجات "حركة 20 فبراير"، لم يرفعوا شعارات تطالب بإسقاط النظام كما كانت الحال في باقي بلدان الثورات؛ بل كان سقف مطالبهم "محاربة الفساد"، ونادرة هي التظاهرات التي رُفعت فيها شعارات تطالب برحيل أحد المسؤولين المقرّبين من القصر؛ وأمام خفوت هذه الأصوات لم يتحرّك النظام في تساوقٍ ولا توازٍ مع هذه المطالب؛ بل استجاب للحراك المجتمعي في نسخته المغربية ب "إخراج" آخر.

مشاهد أخرى من سريالية المعارضة السياسية المغربية

بعد رصد هذه الآليّات التي يؤدّي تفعيلها من جانب النظام المغربي، إلى التضييق على المعارضة السياسية وإفقادها فعاليتها، نقف في الآتي عند نماذج من المظاهر التي تزكّ طرحنا بخصوص سريالية المشهد السياسي المغربي من جهة، وضعف المعارضة فيه من جهة ثانية. من المفارقات أنّ الحكومة في المغرب وعند تنصيبها، يعرض رئيسها في البرلمان التصريح الحكومي للتصويت عليه، جريًا على الأعراف الديمقراطية المحكمة في هذا المستوى.

  1. أثبتت الدراسة أن 40 في المئة من الجمعيات انخرطت في هذه المبادرة، وهذا الرقم
  2. المرجع نفسه، ص.14 29 المرجع نفسه، ص.12-11
  3. يدلّ على أنّ تفعيل المبادرة لم يخْل من زبونية في اختيار المستفيدين، وهذا يعني أن 60 في المئة من القوى المجتمعية التي لم تنخرط في المبادرة، إنّ ا أ قصيت من الاستفادة منها بشكل أو بآخر، وليس لأنّها لم ترغب في ذلك.
  4. المقصود هنا بالشبكات التقليدية للسلطة أجهزة التدبير المحلي للسلطة ممثلة في هياكل وزارة الداخلية ومصالحها الخارجية، وعلى هذه الشبكات كان ولا يزال يقوم سلطان المخزن في المغرب. المرجع نفسه، ص.16-15

والتصريح الحكومي بمعناه البسيط يعني البرنامج الذي تعد الحكومة المعيّنة بالسير على هديه؛ لتحقيق أهدافها سياسيًّا، واقتصاديًّا، ومجتمعيًّا، وحقوقيًّا. بيد أنّ ما يلاحظ في المغرب هو أنّ البرنامج الحكومي يمثّل حاليًّا مجالا لابتزاز الحكومة لا غير؛ فالحكومة تجد نفسها لا تسير في عملها كما هو مفروض وفقًا للبرنامج والتصريح اللذين التزمت بهما، وإنّ ا وفقًا لمشاريع ومبادرات أخرى غالبًا ما يكون خلفها عاهل البلاد؛ مثل "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" المشار إليها، وما يُعرف في المغرب باسم المشاريع الملكية، والتي منها المشاريع الهيكلية الكبرى كمشروع ميناء طنجة المتوسط. صحيح، قد يقال إنّ هناك انسجامًا والتقائية بين مخطّطات الحكومة والمشاريع التي يشرف عليها الملك، لكن هذا لا يجنّبنا الإشكال التالي: ما دام الذي يدير البلاد هو الملك، فلماذا توجَّه سهام النقد إلى الحكومة؟ وبأيّ معنى تقيّم المعارضة حصيلة الأداء الحكومي؟ بل بأيّ معنى تقدّم الحكومة تصريحها ما دام سيُخترق بمبادرات من خارجها؟ في ارتباط بصعود الإسلاميين، ظهر في المغرب نوع خاص من المعارضة؛ إذ نجد أنّ بعض زعامات "العدالة والتنمية" الحزب الحاكم من غير الوزراء ويسمّون ب"الصقور"، يتبنّون مواقف من قضايا معيّنة تتعارض وموقف الحكومة منها، كما أنّ "حركة التوحيد والإصلاح" الجناح الدعوي للحزب، وانطلاقًا من "مفهوم التواصي((3("، لا يزال يشقّ عصا الطاعة في بعض مواقفه من بعض القضايا. إنّ هذا الواقع يجد تفسيرًا له في الصعوبات التي أضحت تواجه أحزاب الإسلام السياسي بعدما رفعتها رياح الربيع إلى سدّة الحكم، والمتمثّلة أساسًا في عدم القدرة على التمييز بين موقع الحكومة وموقع المعارضة ومقتضيات كلٍّ منهما. ولعلّ هذا ما لم تفهمه، أو بالأحرى لم تستسغه بعض القوى السياسية التي كانت تعتقد أن "مقام" الحكومة لا يمكن أن يكون مباحًا للجميع31. عرف المغرب في حكومة عباس الفاسي حالةً فريدة من نوعها في مجال المعارضة السياسية، تمثّلت هذه الحالة في كون حزب معارض، هو حزب الأصالة والمعاصرة حينئذ، كان ممثّلً في الحكومة. وفي حكومة بن كيران، غادر حزب الاستقلال صفّ الأغلبية إلى صف المعارضة. بينما ظلّ أحد وزرائه متمسّكًا بحقيبته في الحكومة؛ ليتّخذ الحزب بعد ذلك قرارًا يقضي بطرد "الوزير العاقّ " من صفوفه، هذا الطرد الذي لم يحرم الوزير من وزارته؛ وإنّ ا انتقل من وزارة التربية الوطنية، إلى وزارة الشؤون العامة والحكامة. ومثل هذا كثير.

خلاصة

ما لم يتّخذ النظام السياسي في المغرب مبادرة تاريخية وجريئة بإخراج المعارضة من شرنقتها الحاليّة، وإفساح المجال لها لتكون معارضة بنّاءة قادرة على مدّ جسور التواصل السياسي الحقيقي، بعيدًا عن "الدور الكراكيزي" الذي تقوم به حاليًّا. وما لم تسْع المعارضة من جهتها إلى تغيير أساليب عملها وتحديثها، وعدم الاكتفاء بدور "معارضة الإشادة والتنويه" الذي يفقدها صدقيتها في ذاتها واعتبارها في نظر غيرها. وما لم تُراجع هذه المعارضة أداءها وتقيّمه على امتداد المحطات التاريخية السابقة والحاليّة. ما لم تتحقّق هذه "الأولويات"، يجوز لنا القول إنّ المغرب لم تكن له في يومٍ من الأيام المعارضة التي يستحق. كما أنّه وفي ظلّ بقاء الحال على ما هي عليه دون أخذ الاستجابة لهذه الأولويات في الحسبان، يمكن الحديث عن وضع سياسي مغربي، يتوارث على مرّ الأيام "تشوّهًا جينيًّا"، يصبح النظام مع استفحاله وحرص جهات على استدامته، مهدَّدًا في استمراريته32. تمثّل المعارضة، كما يُجمع على ذلك المهتمون بالسياسة تنظيرًا وممارسة، الوجه الثاني من "عملة التدافع والتداول السياسي." وعندما نتحدّث عن المعارضة بهذا المفهوم، فإنّها ترتقي لتكون "شرط وجود" لا "ديكورا" لتأثيث المشهد، بالنسبة إلى أيّ نظامٍ سياسي يتغيّا البقاء على "قيد المصداقية."