مراجعة كتاب رأس المال الفكري الوطني والأزمة المالية في إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند

صالح سليمان عبدالعظيم

العنوان باللغة الأصلية:

National Intellectual Capital and the Financial Crisis in Indonesia, Malaysia, the Philippines, and Thailand

المؤلّف: كارول ييه- يون لين، جيفري شين، تورد بيدنج. الناشر: سبرنغر - نيويورك،.2014 عدد الصفحات: 100 صفحة.

يتناول هذا الكتاب1 التأثيرات السلبية الناجمة عن الأزمة المالية لعام 2008 من خلال مدخل رأس المال الفكري الوطني ودوره في صيانة الدول وتجاوزها للأزمات الاقتصادية. وعلى الرغم من تناول الكتاب لهذه التأثيرات في أربع دول آسيوية هي إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند، فإنّ أهميته تبرز من خلال توقعاته المستقبلية لهذه الدول، والكيفية التي يمكن أن تتلافى بها هذه التأثيرات الناجمة عنها. ومن المعلوم أنّ الأزمة المالية لعام 2008 التي ضربت الأسواق العالمية وأثرت بشكل رئيس في الولايات المتحدة وانتقلت بعد ذلك للأسواق الآسيوية ارتبطت بشكل أساسي بانهيار أسواق العقارات وعدم قدرة المدينين على السداد، وهو ما ارتبط بانهيار متتابع للبنوك، ومحاولات محمومة من قبل مؤسسات الاقتصاد العالمي من أجل مواجهة الانهيار المالي الكوني2. لذلك، فإنّ الكتاب يمثل بوصلة عمل نحو إمكانية الوقاية من الأزمات الاقتصادية من خلال تأكيده على وجود رأس المال الفكري والتحفيز المرتبط به للعمليات الاقتصادية المختلفة.

رأس المال الفكري الوطني

يشمل رأس المال الفكري الوطني الجوانب غير المنظورة المتصلة برأس المال البشري التي يمكن تحويلها إلى قيم مؤثرة في فاعلية السوق والمؤسسات المختلفة والعمليات الاقتصادية المتنوعة. ويمثل رأس المال الفكري قيمة محورية في ما يتعلق بالاقتصاد المعرفي الكوني المعاصر وما يرتبط به من بحوث وتنمية وتكنولوجيا واتصالات وألعاب وفنون وموسيقى وأفلام وغيرها. فالاقتصاد لم يعد حكرًا على الجوانب المادية الملموسة فحسب بقدر ما تعدى ذلك إلى الجوانب المعرفية والقدرات المختلفة الخاصة بالبشر. ويرى الكتاب أنّ أهمية رأس المال الفكري الوطني تكمن في أنه أصبح الوسيلة الأكثر أهمية في قيادة التنمية في مجتمع المعلومات الحديث. وتُعتبر تايوان نموذجًا مثاليًا للمجتمع القائم على اقتصاد المعرفة، فهي لا تمتلك وفرة من الموارد الطبيعية، ولكن يكمن رأس المال الخاص بها في الابتكارات وارتفاع مستوى التعليم. ومن ثم، فإنها تستثمر بشكل كبير في رأس المال البشري الذي يعتبر أحد العناصر المهمة المشكلة لرأس المال الفكري الوطني3. ويجري التركيز على رأس المال الفكري الوطني من خلال الحصول على المزيد من الابتكارات وتغيير العقلية المجتمعية نحو إنجاز المزيد من الاختراعات المختلفة. وعلى الرغم من انتشار الاهتمام بالمعرفة والابتكارات كونيًا، فإنّ هذه المؤشرات غير الملموسة لم يجر استخدامها على نطاق واسع، إذ توجد مسافة بين التركيز على هذه الجوانب والاهتمام بها نظريًا وبين البدء في استخدامها عمليًا والتعامل معها من خلال رصدها، ومن ثم قياسها تنمويًا.

ماليزيا: التكامل مع السوق العالمية

هناك اختلاف كبير بين الدول الأربع في مساحة التعامل مع الآثار الناجمة عن الأزمة وفقًا للمستوى التنموي الفعلي الذي كانت عليه قبلها؛ فهناك اختلاف بين ماليزيا من ناحية وإندونيسيا من ناحية أخرى. فالثانية حديثة العهد بالتحول نحو التنمية والتطور والتصنيع بينما الأولى بدأت نهضتها منذ سبعينيات القرن الماضي فتحولت من دولة منتجة ومصدرة للمواد الخام إلى دولة ذات اقتصاد متنوع ومتعدد النشاطات. وقد ساعدت هذه البنية الاقتصادية الأقدم والأكثر تنوعًا بدرجة كبيرة على تعامل ماليزيا مع أزمتي عامي 1997 و 2008 بنجاح كبير ومرونة فائقة. وهو ما يفسر وضع ماليزيا التي جاءت في المركز الأول بالنسبة إلى رأس المال الفكري الوطني مقارنة بالدول الثلاث الأخرى، وفي المركز 24 بين 48 دولة، وكانت صاحبة أعلى نصيب للفرد من إجمالي الناتج المحلي طوال السنوات الست. وتحاول ماليزيا الانتقال من وضعية الدول ذات الدخل المتوسط إلى الدول ذات الدخل المرتفع بحلول عام 2020، بل إنها تحاول أن تنوّع اقتصادها أكثر بالمزيد من جذب الاستثمارات في مجالات الصناعة الأكثر تكنولوجيا وفي مجالات التكنولوجيا الحيوية والخدمات. واللافت للنظر هنا أنّ المرحلة التي تحاول ماليزيا تجاوزها والانتقال

  1. يعد هذا الكتاب واحدًا ضمن 12 مجلدًا أمكن من خلالها دراسة 48 دولة حتى الآن، قبل الأزمة المالية لعام 2008 وبعدها. ولقد بدأت هذه السلسلة بكتاب لكل من كارول ييه- يون لين وليف إيدفنسون في بدايات عام 2011 تحت عنوان "رأس المال الفكري: مقارنة بين 40 دولة"، وفي ما بعد تم نشر مجموعة واسعة من الكتب أكثر تفصيلً وعمقًا حول موضوع رأس المال الفكري وعلاقته بالأزمات الاقتصادية شملت العديد من الدول وفقًا لتوزيعها الجغرافي في كل من آسيا وأميركا اللاتينية وشمال أميركا والشرق الأوسط وأوروبا بما يساعد على المقارنة في ما بينها وفقًا لدرجة رأس المال الفكري وقوته التي تنطوي عليه.
  2. 3  Tain-Jy Chen, Joseph Lee and Cheng Li, The New Knowledge Economy of Taiwan (UK: Edward Elgar Publishing, 2004).
  3. 2  Jeffrey Friedman (ed.), What Caused the Financial Crisis (Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, 2010).

من خلالها لمصاف الدول الأكثر تقدمًا في المنطقة، تحاول الدول الثلاث الأخرى الوصول إليها. كما تحاول ماليزيا تحقيق التوازن بين نمط الإنتاج من أجل التصدير الذي تعتمد عليه ونمط توسيع دائرة الاستهلاك من خلال تعزيز الطلب المحلي. ويُعتبر توسيع الطلب المحلي الواجهة الجديدة لتطلعات الدول الآسيوية؛ فمن خلاله يمكن تلافي الاشتباك مع المنظومة الكونية عند اندلاع أي أزمات مالية اقتصادية. وبالطبع، فالوضع الأفضل هنا هو الجمع بين مستوى الاعتماد على الصادرات ومستوى التوسع في الاستهلاك المحلي. وما يميز الاقتصاد الماليزي مقارنة بغيره من الدول الثلاث الأخرى أنه اقتصاد متكامل بدرجة كبيرة مع السوق العالمية في التجارة والاستثمارات المختلفة، وهو ما أدى إلى تأثره بشكل كبير في أعقاب الأزمة المالية. وفي ضوء ذلك، يمكن القول بأنّ ماليزيا واجهت أمرين مهمين هما: التراجع الحاد في الصادرات، والانكماش الحاد في إجمالي الناتج المحلي. وهما أمران نتج منهما تسريح دائم لبعض العمال، وتسريح مؤقت لبعضهم الآخر، وتخفيض أجورهم، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بقطاع التصنيع. وفي مواجهة تبعات الأزمة المالية أطلقت ماليزيا حزمة منشطة للاقتصاد بلغت قيمتها 18.1 مليار دولار أميركي بما يعادل %10.4 من إجمالي الناتج المحلي بهدف امتصاص آثار الصدمة المالية، وبشكل خاص في ما يتعلق بقطاع التصدير. كما تم اعتماد ما قيمته 202 مليون دولار أميركي من أجل برامج التدريب وإنتاج فرص عمل جديدة تحل محل الفرص الضائعة على العمال بسبب الأزمة وبما يوفر 100 ألف فرصة عمل جديدة. ومن خلال التحفيز المالي الذي قام به بنك نيغارا، تم تنشيط الاقتصاد ومنحه قوة دفع جديدة وهو ما أدى إلى نمو الاقتصاد بنسبة %4.4 في الربع الأخير لعام.2009 ولقد تمت هذه الحزم التحفيزية من دون أن تفقد الحكومة الماليزية إستراتيجيتها الهادفة لأن تصبح من الدول ذات الدخل المرتفع بحلول عام 2020، وهى مسألة مهمة من ناحية الثبات على تحقيق الإستراتيجيات الاقتصادية بغض النظر عن مواجهة آثار الأزمات المفاجئة أو المتوقعة على السواء.

إندونيسيا: الاعتماد على السوق الداخلية

جاءت إندونيسيا في المركز الرابع في ما يتعلق برأس المال الفكري الوطني، كما جاءت في المركز 47 بين 48 دولة، وأظهرت مرونة فائقة في مواجهة الدين الحكومي وتقليل البطالة سواء قبل الأزمة المالية لعام 2008، أو بعدها، بما ساعد بدرجة كبيرة على مواجهة الكثير من المشكلات الاقتصادية فيها. وساعد اعتماد إندونيسيا الكبير على الاستهلاك المحلي الذي يمثل ما نسبته %65 من إجمالي الناتج القومي، إضافة إلى الإصلاحات الهيكلية التي قامت بها منذ الأزمة المالية الأولى لعام 1997 على تحمّل أعباء الأزمة المالية 2008 والقدرة على تجاوزها. ولقد ظهرت آثار أزمة عام 2008 من خلال سوق الأوراق المالية ونقص أسواق المال وضعف القطاع الإنتاجي الفعلي، كما عانت القطاعات المرتبطة بالإنتاج من أجل التصدير من خسارة كبيرة في الفرص المتاحة للعمل وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة، ولكن ما خفف من التأثيرات السلبية الناجمة عن هذا الارتفاع هو زيادة نسبة العمالة الإندونيسية في الخارج والتي وصلت في كانون الأول/ ديسمبر 2008 إلى 4.4 ملايين عامل. قامت الحكومة الإندونيسية بضخ 7.6 مليار دولار لمواجهة آثار الأزمة من خلال الحفاظ على مستوى الاستهلاك المحلي ودعم التنافسية وتخفيض الفائدة وتدعيم البنى التحتية إضافة إلى تخفيض أسعار الطاقة. كما تم الحصول على الدعم المالي من بنك الصين وبنك اليابان، وحصلت إندونيسيا على قرض قدره مليار دولار أميركي في أيار/ مايو 2009 من بنك التنمية الآسيوي من أجل المساعدة في استقرار الأوضاع المالية، والعمل على زيادة حصيلة العملات الأجنبية وتحسين مراقبة النشاطات الاقتصادية المختلفة من خلال إصدار لائحة تحدّ من استيراد الملابس والإلكترونيات. إضافة إلى ذلك، وفي أعقاب الأزمة المالية لعام 1997، قامت الحكومة الإندونيسية بمراقبة المؤسسات الحكومية المالية ومتابعتها للتيقن من جودة أدائها، إضافة إلى اهتمامها بالتركيز على البرامج الاجتماعية للحد من انعكاسات السياسات الاقتصادية المالية على رفاهية الشعب الإندونيسي. ويمكن القول إنّ كل من ماليزيا وتايلاند قد تأثرتا بأزمة عام 2008 لكنهما عادتا سريعًا بحلول عام 2010 وذلك بفضل اعتمادهما على نمط الإنتاج من أجل التصدير على العكس نسبيًا مما حدث في إندونيسيا التي تعتمد على الاستهلاك المحلي، والفلبين التي تعتمد

بشكل كبير على عوائد العاملين في الخارج. ومع ذلك، فقد حازت إندونيسيا وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عام 2009 المركز الثالث بالنظر لنمو إجمالي الناتج المحلي بعد الصين والهند ضمن مجموعة دول العشرين G20 التي تمثل إندونيسيا أحد أعضائها، ويعود ذلك لعوائدها النفطية الضخمة وعدد سكانها الكبير.

تايلاند: الاستعدادات المالية والاقتصادية المُسبقة

جاءت تايلاند في المركز الثاني في ما يتعلق برأس المال الفكري الوطني بالنسبة إلى الدول الثلاث، وجاءت في المركز 34 بين 48 دولة، كما أنها كانت أكثر اعتمادًا على التصدير ومن ثم أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية. ومع ذلك، فإنّ قيام الحكومة التايلاندية بإعادة بناء الاقتصاد والجوانب المالية المرتبطة به على أسس علمية وضمانات اجتماعية في أعقاب أزمة عام 1997 قد ساعد على تجاوز الآثار الناجمة عن أزمة عام 2008. ويتمتع الاقتصاد التايلاندي بين عامي 2000 و 2007 ببنية تحتية قوية ومتطورة واقتصاد حر وسياسات داعمة للاستثمار وصناعات تصدير قوية، وهو ما أدى لنمو قوي في هذه الفترة بمتوسط نمو بلغ %4 سنويًا. وعمومًا فقد تعافى الاقتصاد التايلاندي من الأزمة المالية لعام 1997 لكنه بالتأكيد تأثر مرة أخرى بالآثار الناجمة عن أزمة عام 2008 من ناحية ضعف الطلب الخارجي على الصادرات التايلاندية وتخفيض النمو. كما تأثر القطاع المالي في النصف الثاني من عام 2008 من خلال هروب رأس المال الأجنبي وعودته إلى بلدانه الأم في كل من أوروبا وأميركا، وهي المناطق التي تضررت بشكل كبير من الأزمة المالية لعام 2008. ولقد تقلصت صادرات تايلاند بما نسبته %20 شهريًا في الفترة من تشرين الثاني/ نوفمبر 2008 وحتى تموز/ يوليو 2009 إذ واجهت أغلب القطاعات الاقتصادية تراجعًا كبيرًا تجاوز.%10 كما ارتفعت نسبة البطالة في القطاع الصناعي وبلغت 900 ألف عامل في كانون الثاني/ يناير 2009، وتأثر القطاع السياحي بشكل كبير ليس فحسب بسبب الأزمة الاقتصادية الخارجية، ولكن أيضًا بسبب الاضطرابات السياسية في تايلاند، وهو ما انعكس على الاستثمارات الخاصة والاستهلاك المحلي. ولقد قامت الحكومة الجديدة في كانون الثاني/ يناير 2009 بإطلاق حزمة تحفيزية بقيمة 3.27 مليار دولار من أجل زيادة الطلب الداخلي بسرعة، والتخفيف على المنتجين المحليين، والحفاظ على فرص العمل المتاحة والمعروضة. وبدعم من الاحتياطي البالغ 111 مليار دولار استعاد الاقتصاد عافيته بسرعة، وهو ما أدى لعودة الصادرات والاستهلاك المحلي والاستثمارات الخاصة إلى النمو والازدهار.

الفلبين: تواضع الاقتصاد وتحويلات العمالة المهاجرة

كانت الفلبين صاحبة أقل نصيب للفرد من إجمالي الدخل القومي طوال السنوات الست، كما أنها جاءت في المركز الثالث في ما يتعلق برأس المال الفكري الوطني وفي المركز 46 بين 48 دولة. ولقد استطاع اقتصاد الفلبين مواجهة الأزمة المالية بسبب قلة ارتباطه بالاقتصاد العالمي وذلك لأنه لا يعتمد على التصدير بدرجة كبيرة مثله في ذلك مثل الاقتصاد الماليزي، إضافة إلى اعتماده على عوائد العمالة الفلبينية الخارجية والتي يتراوح عددها ما بين 4 إلى 5 ملايين عامل. كما أنّ الاقتصاد يعتمد على الاستهلاك المحلي في العقدين الماضيين بما يمثل %75 من إجمالي الناتج المحلي في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الاحتياطيات الضخمة من العملات الأجنبية التي ساعدت الفلبين على مواجهة أعباء الأزمة. ولقد تأثرت الفلبين بالأزمة من ثلاث نواحي: ضعف الصادرات، فالفلبين تقوم بتصدير %18 من حجم صادراتها للولايات المتحدة، كما أن %50 من صادراتها الأخرى عبارة عن مكونات وسيطة لصناعات أخرى يجري تصنيعها من أجل تصديرها لدول أخرى مثل اليابان والصين وهونج كونج وكوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا، وهذه الدول انكمشت بشكل كبير في أعقاب الأزمة وهو ما أدى إلى تراجع الصادرات الفلبينية إليها. تراجع تحويلات العاملين في الخارج، إما بسبب تراجع الطلب على هذه العمالة في أعقاب الأزمة، أو فقدان الكثير منهم لوظائفهم في الدول التي يعملون بها بسبب التأثيرات السلبية للأزمة المالية. تراجع الاستثمارات الخارجية المباشرة، بسبب الانكماش المالي العالمي، وعودة الكثير من الاستثمارات لبلادها الأم.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، لكنه تعداه إلى حدوث تباطؤ في التصنيع والتجارة والقطاع المالي. وفي ضوء ذلك، أطلقت الحكومة الفلبينية خطة تحفيز بما قيمته 7 مليارات دولار أميركي، بما يمثل %4 من إجمالي الناتج المحلي، إضافة إلى وضع برنامج اقتصادي يشتمل على الإنفاق الحكومي، وخفض الضرائب، والشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص في المشروعات. وتضافر ما سبق مع بناء شبكات اجتماعية لضمان الاستقرار المجتمعي تتعلق بالإعفاء الضريبي لمن يحصلون على راتب محدود، ودعم الغذاء، وتوفير فرص عمل للعاطلين. كما تم إصلاح واسع للطرق والجسور وتجديد شبكات الري وبناء مدارس ومستشفيات جديدة. وكان الهدف هنا يتعلق بتسريع نمو الاقتصاد مع ضمان الرفاهية الاجتماعية، وبما لا يخل بقواعد العدالة الاجتماعية لجميع شرائح المجتمع. وعمومًا، فإنه بحلول عام 2009 استطاعت الفلبين التعافي من الأزمة من خلال تجليات ومؤشرات عديدة مثل التدفقات المالية الخارجية التي بلغت 1.3 مليار دولار، وارتفاع عوائد العاملين في الخارج التي بلغت 16.4 مليار دولار بما يمثل %13 من إجمالي الناتج المحلي.

دروس مستفادة من تجارب الدول الأربع

على الرغم من الآثار التي خلفتها أزمة عام 2008 على الدول الأربع السابقة، فإنّ الملاحظ وجود اختلافات في ما بينها تتعلق بالواقع الاقتصادي الخاص بها من ناحية، ومستوى رأس المال الفكري القومي الذي تحوزه من ناحية أخرى. فالمستوى الذي بلغته ماليزيا تعليميًا وتكنولوجيًا ساعدها بدرجة كبيرة على إعادة هيكلة الاقتصاد، وتصميم مجموعة من الخطط الاقتصادية الناجحة في مواجهة أعباء الأزمة. كما أنّ صيغ التحوّل السياسي الديمقراطي في كل من الدول الثلاث الأخرى ساعد على خلق بيئة حاضنة جديدة يمكن من خلالها نمو رأس المال الفكري وتطوره. فكلما تعمّقت حالة الاستقرار السياسي ازدهرت قدرات الأفراد على الإبداع والابتكار، ومن ثم تحقيق النمو المتواصل لرأس المال الفكري الوطني. وعلى الرغم من تركيز الكتاب على أهمية رأس المال الفكري في مواجهة الأزمات الاقتصادية، فإنه أشار للحاضنة الأكبر التي تتعلق بضمان وجود قدر معقول من الاستقرار السياسي بما يضمن ازدهار رأس المال الفكري ضمن منظومة بشرية متكاملة من العمل والإنجاز. وتعود أهمية الاستقرار السياسي إلى أنه يشجع الأفراد على العمل والإنجاز والتعاون في ما بينهم في ظل مناخ آمن يضمن لهم حرية التعبير والقدرة المستمرة والمتواصلة على نقد الواقع المعيش بما يساعد على تطويره وتنميته بشكل دائم ومستمر. والمعنى العميق المرتبط بالاستقرار السياسي لا يتعلق فحسب بضمان الانتقال السلس للسلطة من دون أي صراعات سياسية، بل يتعلق أيضًا بضمان الحدود الدنيا من العدالة الاجتماعية التي تضمن الحفاظ على كرامة المواطنين، ومن ثمّ ضمان مساهمتهم في تشكيل رأس المال الفكري الوطني. وإذا كانت ماليزيا من خلال ارتفاع مستوى دخل الفرد بها قد استطاعت أن تضمن مستويات جيدة لحياة مواطنيها، فإنّ الدول الثلاث الأخرى، ومن خلال تحقيقها للاستقرار السياسي، تبنت خططًا اجتماعية واسعة النطاق قبل الأزمة وبعدها بما يخفف من أعباء الضغوط الاقتصادية على الفئات الفقيرة والأقل دخلً، وبما يضمن دمجها ضمن خطط التنمية القومية، ومن ثم تحفيز المواطنين على التفكير والإبداع والإنتاجية. ولا تقتصر عملية إنتاج رأس المال الفكري على المستوى القومي، بل إنّ الكتاب يؤكد على أهمية إنشاء وحدة إقليمية تربط بين الدول الآسيوية في ضوء الإمكانيات الهائلة التي تنطوي عليها والطموحات المتزايدة لشعوبها، إضافة إلى التحديات الهائلة التي تواجهها. كما أنّ هذه الإقليمية سوف تساعد على الاعتماد على السياق الآسيوي بدلً من الاعتماد على السياق الغربي الذي لا يفهم طبيعة المنطقة وحاجاتها الاقتصادية والاجتماعية في أحيان كثيرة4. فالركيزة الأساسية للتنمية، وإن اعتمدت على مسميات ومفاهيم عديدة مثل رأس المال البشري ورأس المال الفكري الوطني وغيرها من المفاهيم الأخرى القديمة والحديثة، فإنها تتعلق بالقدرة على دمج البشر ضمن منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية عادلة ومستقرة، بما يضمن مشاركتهم وتحفيزهم، وبما يحقق تعاونًا إقليميًا ناجزًا ومبدعًا.