عرض كتاب التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية
المؤلّف: مجموعة مؤلفين الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت/الدوحة.2014 عدد الصفحات: 655 صفحة.
للثورات العربية أسبابٌ اقتصادية واجتماعية تراكمت عبر عقود من الاستبداد السياسي، إلا أنّ مآلاتها لا تتحدد بالضرورة وفقًا للمطالب التي خرجت من أجلها الشعوب العربية؛ إذ كانت المصالح الإقليمية والدولية محددًا أساسيًّا في صيروراتها أو في مخرجاتها النهائية. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي حاول أن يدرس دور الفاعلين غير المحليين، أي المؤثّرات الإقليمية والدولية في الثورات العربية وتداعيات تلك الثورات على النظام الإقليمي. ينقسم الكتاب إلى مقدمة وثلاثة أقسام، تتضمّن ثلاثة عشر فصلً، شارك في كتابتها أربعة وعشرون باحثًا عربيًّا من ذوي الخبرة والكفاءة، ومن تيارات فكرية وتخصصات علمية متعددة. في القسم الأوّل "البنية الجيوسياسية في الوطن العربي"، والذي يضمّ أربعة فصول تتناول توصيف طبيعة النظام الإقليمي العربي وإستراتيجيات اختراقه وإعادة تشكّله، وتحديد أهداف كلّ من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، ومصالحها، وإستراتيجيتها في العالم العربي. يكشف الكتاب عن مستوى عميق من الاخ اررق العسكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يفقد المنطقة، كنظام إقليمي، القدرة على التخطيط المستقلّ، كما يجعلها أسيرة الخلافات البينية بقدر يُسَ هِّل على القوى الخارجية الدخول من خلال شقوق البنية الإقليمية، للتلاعب بها. وتسعى دول الاختراق والتغلغل إلى ضمان التدفق الطاقوي لأسواقها، وضمان الأمن الإسرائيلي، وتوظيف قدرات المنطقة في تنافس القوى الدولية المختلفة. وضمن هذه الإستراتيجية لاختراق النظام الإقليمي، استمرّت الولايات المتحدة في عهد حكم أوباما في تعريف مصالحها في المنطقة بأولوية ضمان حرية الوصول إلى مصادر الطاقة في المنطقة، والحفاظ على تفوّق الولايات المتحدة على جميع القوى المحلية والدولية واحتواء جميع قوى الممانعة العربية لضمان أمن إسرائيل. أمّا بالنسبة إلى القوى الدولية وتعاطيها مع الثورات العربية، فقد أتاح الربيع العربي فرصة نادرة للاتحاد الأوروبي لتول زمام القيادة، ولإجراء عملية إعادة تقويم إستراتيجي لسياسته، ولتأكيد نفسه فاعلً متماسكًا وثابتًا وموثوقًا؛ لأنّ الاتحاد الأوروبي له مصالح حيوية في العالم العربي، ومستقبله يكمن في جنوبه. وكذلك على روسيا والصين أن تطوّرا خطابهما إزاء قضايا التحوّل الديمقراطي وحقوق الإنسان في المنطقة العربية؛ حتى تتحسّن صورتهما أمام الرأي العام العربي بعد الأزمة السوريّة. وفي المقابل على الدول العربية أن تطوّر خطابًا تجاه القضايا والتفاعلات والتوازنات الدولية الجديدة التي أضحت فيها القوى الآسيوية أطرافًا وفواعل رئيسة. يضمّ القسم الثاني "القوى الدولية والتغيّ ات الجيوستراتيجية في الوطن العربي" الفصول من 5 إلى 11 التي تتناول مواقف روسيا وتركيا وإيران والهند وباكستان وإسرائيل، من الثورات العربية ومآلاتها، إضافةً إلى المنظمات والحركات العابرة للحدود. لا يتحدّد الموقف الروسي من الأزمة السوريّة بالعوامل الاقتصادية أو صفقات التسلّح بين الطرفين. وإنّ ا بالهواجس الروسيّة في الخوف من تيارات الإسلام السياسي، وتنامي القوّة التركية في الشرق الأوسط بخاصة مع النجاحات الاقتصادية المتقدّمة لحزب العدالة والتنمية. كما أنّ روسيا رأت أنّ ما يجري في سورية يستهدف إيران بالدرجة الأولى، ما يتنافى حاليًّا مع المصالح الروسية؛ لأنّ وجود إيران دولة قويّة في مواجهة واشنطن يعدّ أمرًا حيويًّا للأمن القومي الروسي. إضافةً إلى مصالح خاصة بالطاقة وعوامل داخلية تتعلّق بمفهوم الثورة ونظرية النخبة في مقابل الرعاع. كما يعرض الكتاب للأهداف والمصالح التركيّة في النظام العربي مناقشًا فكرة "النموذج التركي"، و"ضرورة الاقتداء به في الثورات العربية." لكن صاحب الدراسة يشير إلى أنّ المهم في الاستفادة من مراحل التحوّل الديمقراطي في تركيا، هو التجربة التركية بكلّيتها في الانتقال إلى الديمقراطية، وليس النموذج التركي. ويتناول الكتاب أيضًا الأهداف والمصالح الإيرانية في النظام العربي بعد الثورات العربية. ويركّز على تحليل طبيعة العلاقات السوريّة الإيرانية، ومستقبلها. ويربط أيّ تصوّر إقليمي عربي واضح المعالم بمآلات الأزمة السوريّة مع استمرار إيران في العمل على ألّ تكون الأنظمة في سورية ومصر إمّا متصالحة معها، أو ليست جزءًا من جبهة إقليمية ودولية معادية لها.
يظهر في الكتاب أهمية فائقة للبيئة الجيوستراتيجية للمحيط الهندي، وخطورة الموقع الذي تتمتّع به الهند؛ لأنّ الخليج العربي والجزيرة العربية هما الساحة الأكثر ترجيحًا للرغبة الهندية في فرض نفسها قوّة دولية كبيرة على الصعيد العالمي. وما يصحّ على الهند يصحّ على باكستان ولو بدرجة أقلّ. ويولي الكتاب أهمية لخطورة ملفّ العمالة الآسيوية الوافدة في الخليج من الناحية الديموغرافية والقيمية، وتماسك مجتمعات الخليج وحيويتها. اتّسم الموقف الإسرائيلي من الثورات العربية بحالةٍ من الارتباك والقلق تجاه التغيّ ات والثورات في الوطن العربي، والتخوّف من إمكانية نجاحها في بناء أنظمة حكم ديمقراطية، ووصول قوى سياسية معادية لإسرائيل ولسياساتها في المنطقة. أمّا الحركات الجهادية وتنظيم القاعدة، فقد شهدت تحولّات فكرية بعد الثورات العربية تمثّلت في الانتقال من "النخبوية" إلى "الشعبوية." وقد أظهر تنظيم القاعدة قدرةً فائقة على التكيّف والتطوّر مع التحدّيات والمتغيرات الجديدة. وتمكّن من ابتكار طرائق فريدة للحفاظ على وجوده، وتطوير قدراته الواقعية والافتراضية. يضمّ القسم الثالث "المتغيّ ات الجديدة في الوطن العربي من جهة نظر تركية وإيرانية" الفصلين الثاني عشر والثالث عشر. ويتناول المشهد الجيوسياسي من وجهتي النظر التركية والإيرانية. خلصت الرؤية التركية إلى أنّ الشرق الأوسط منطقة جغرافية تحتضن تناقضات هائلة وفرصًا وتهديدات عديدة. وهو مرشّح أيضًا لأن يصبح مركز قوّة في القرن الحادي والعشرين. فإذا أديرت هذه التناقضات بصورة جيدة كانت فرص النجاح كبيرة. أمّا إذا تلاعبت أطراف خارجية بهذه التناقضات أو خضعت لتنافسات بين الأطراف الإقليمية، فقد تواجه المنطقة حروبًا أهلية. أمّا الرؤية الإيرانية، فهي لا ترى النزاع "السنّي – الشيعي" أو "العربي – الإيراني" نزاعًا أيديولوجيًّا بين العرب والإيرانيين، بقدر ما هو نزاع على السلطة داخل العالم العربي. والوجود الإيراني في المنطقة هو من أجل ضمان الأمن القومي الإيراني، أكثر ممّ هو أيديولوجي.