العراق: انهيار ترتيبات ما بعد الاحتلال

عبد الوهاب القصاب

الملخّص

ل سقوط الموصل إثر هجومٍ شن ته فصائل مسل مث 10 حزيران / يونيو 2014 حة في مقدمتها تنظيم الدولة الإسامية في العراق والشام "داعش"، نقطة تحوّل كبيرة في المشهد السياسي في العراق، لا سيّما بعد انسحاب قوّات الجيش والشرطة العراقية، وتوالي سقوط المدن في شمال العراق وغربه. تقف هذه الورقة على التطورات المتسارعة في الأزمة العراقية منذ 10 حزيران / يونيو 2014. وتحاول فهم الحدث وتوصيفه. وتقدّم روايتين متداولتين؛ الأولى: داعش بوصفه الفاعل الوحيد والمخطّ ط والمنف ذ لما جرى ويجري. والثانية، ترصد انبعاث حركات المعارضة السن ية في سياق انتفاضة الأنبار ضدّ الحكومة العراقية. وتستعرض الورقة مواقف القوى الفاعلة الداخلية: مواقف الحكومة وحلفائها، والفصائل المسل حة وحلفائها، والقوى السياسية العراقية المشاركة في العملية السياسية؛ ومواقف الفاعلين المؤث رين خارجيّا: في الإقليم (إيران، والسعودية، وتركيا، والنظام السوري)، وفي النظام الدولي (روسيا، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة.) وبعد ذلك، وفي ظل الصورة الملتبسة في العراق، تقدّم الورقة مشاهدَ عدة لمآلاتٍ محتملة للأزمة، والتقاطع بين هذه المشاهد

مقدمة

في تطوّرٍ مفاجئ، شنّت فصائل مسلّحة عدة في مقدمتها تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام (داعش) 10 حزيران / يونيو 2014، هجومًا عسكريًّا مباغتًا على مدينة الموصل. ونجحت خلال ساعاتٍ قليلة في اقتحامها والسيطرة عليها بعد فرار قوّات الجيش والشرطة العراقيّة. ومثّل "سقوط" الجيش العراقي وانهياره فرصةً للفصائل المسلّحة لتتابع تقدّمها باتّجاه محافظات أخرى. ولم تمض أيام قليلة، حتى تمكّنت من السيطرة على مدنٍ عدة ومناطقَ واسعة في شمال العراق وغربه، ووصلت إلى أسوار العاصمة بغداد. جاءت التطوّرات الأخرة، في مرحلةٍ دقيقة يمرّ بها العراق والإقليم؛ فالانتخابات البرلمانيّة العراقية التي جرت في شهر نيسان / أبريل 2014 فاقمت الأزمة السياسيّة الحادة في العراق؛ إذ على الرغم من فوز ائتلاف دولة القانون الذي يتزعّمه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي ب 95 مقعدًا (المركز الأوّل)، فإنّ فرصه في ولاية ثالثة كانت تواجَه بعوائق عدة في مقدمتها "عجزه" عن تأمين كتلة برلمانية 1+%50(من إجمالي عدد النواب)1 تؤهّله لتشكيل حكومة جديدة في ظلّ المواقف السياسية المعلَنة للقوى العراقيّة، إذ كانت كتل كبرة (التحالف الوطني الذي يضمّ قوى شيعية كبرى، والأكراد، والعرب السنّة) تعارض الولاية الثالثة للمالكي. يضاف إلى ذلك، "انتفاضة" الأنبار التي بدأت حركةًاحتجاجية بمطالبَ سياسية محورها وقف التهميش والإقصاء، وتحوّلت لاحقًا إلى تمرّدٍ مسلّح نتيجة سياسات المالكي ورفضه الاستجابة للمطالب التي رفعتها، واستخدام قوات الجيش لفضّ الاعتصامات في الفلوجة والحويجة وغرها. وعلى الصعيد الإقليمي، ألقت الثورة السوريّة بتداعياتها على العراق؛ إذ انحازت الحكومة إلى النظام السوري وإيران، وهو ما أحدث استقطابًا حادًّا بين القوى السياسية العراقية، وفي المجتمع العراقيّ أيضًا. كما ساهمت تطوّرات الأزمة السوريّة في إحداث خلل أمني كبر داخل العراق بعد تعاظم قوة تنظيم دولة العراق الإسلامية والذي أعلن زعيمه في 9 نيسان / أبريل 2013، عن دمج تنظيمه وجبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سورية) في تنظيم واحد سمّ ه (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وانتقال نشاطه إلى سورية مانحًا التنظيم حديقة خلفية مهمّة، وتواصلً جغرافيًّا، وخطوطَ إمداد دائمة. تقف هذه الورقة على التطوّرات المتسارعة في الأزمة العراقية منذ 10 حزيران / يونيو 2014. وتحاول فهم الحدث والقوى الفاعلة فيه. وتستعرض مواقف الأطراف الداخلية، والحراك الإقليمي والدولي للوقوف على مآلات الأزمة ومساراتها.

توصيف ما حدث

طرح الانهيار السريع لقوّات الجيش والشرطة العراقية وفرارها من مواجهة المسلّحين تساؤلاتٍ عديدةً عن حقيقة ما حدث. وقد ظهرت قراءتان في محاولة الاقتراب من تفهّم الحدث وتفسره؛ الأولى تردّ جلّ ما حصل إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" بوصفه قوة إرهابية صاعدة، تقاتل لإنشاء دولة إسلامية متشددة، وهي القراءة التي حاولت حكومة المالكي أن تروّج لها في محاولةٍ لتصوير ما يجري على أنّه صراع بين الدولة والمجتمع من جهة، وقوى إرهابية متطرفة من جهةٍ أخرى. أمّا القراءة الثانية، فقد نظرت إلى الحدث بوصفه محصّلة طبيعية لحركة الاحتجاجات الشعبية في المحافظات السنّية، إذ لولا دعم المجتمع السنّي التمرّد ومؤازرته لما تمكّن المسلّحون من هزيمة الجيش العراقي وطرده من عموم مناطق غرب العراق في فترة زمنية قياسية.

"داعش" بوصفه الفاعل الوحيد

تستند هذه القراءة إلى اعتقاد أنّ انسحاب القوات الأمركية عام 2011 من العراق، والذي تزامن مع بدء فعاليات حركات الاحتجاج الثوري في العالم العربي ودخوله إلى سورية منتصف آذار / مارس ثم وصوله إلى العراق نهاية 2012، عمل على ولادة ثالثة لتنظيم القاعدة، وبعث الحياة في جسد تنظيم "داعش"، وتكوين سلالة جديدة أكثر عنفًا وأشدّ فتكًا. فقد استثمر "داعش" الظروف الموضوعية التي تمثّلت بالثورة السوريّة، والحركة الاحتجاجية التي شهدتها المحافظات العراقية السنّية الستّ المنتفضة؛ وهي الموصل، والأنبار، وديالى، وصلاح الدين، وأجزاء عدة من بغداد وكركوك.

  1. في الانتخابات البرلمانية عام 2010، حصلت القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي على المركز الأول ب 91 مقعدًا، تلاها ائتلاف دولة القانون ب 89 مقعدًا. وعلى الرغم من ذلك فإنّ تفسر المحكمة الدستوريّة منح المالكي أحقية تشكيل الحكومة، على أساس أنّه صاحب "الكتلة الأكبر" في البرلمان.

وترتبط ولادة "داعش" بتمرّد الفرع العراقي للقاعدة على القيادة المركزية لتنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري؛ فقد أبرزت الثورة السوريّة التي وُلدت من رحم "الربيع العربي" عددًا من الخلافات الأيديولوجية والتنظيمية التاريخية بين القاعدة المركزية وفروعها الإقليمية. وجاء إعلان "أبو بكر البغدادي" أمر "الدولة الإسلامية في العراق" في 9 نيسان / أبريل 2013 عن ضمّ "جبهة النصرة" في سورية إلى دولته لتصبح "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، تتويجًا حتميًّا للخلافات التاريخية بين الفرع والمركز والتي جرى احتواؤها إبّان زعامة أسامة بن لادن. وقد تطوّر الخلاف بعد أن أصدر زعيم "جبهة النصرة" أبو محمد الجولاني في اليوم التالي لإعلان الدمج في 10 نيسان / أبريل بيانًا يرفض فيه الامتثال للدمج والانضمام لتنظيم "داعش"، وأعلن عن ارتباطه بالتنظيم المركزي للقاعدة وتأكيد بيعته الصريحة للظواهري. ولم يفلح جهد الظواهري في احتواء الخلاف حين أصدر قراره القاضي بتحديد الولاية المكانيّة للفرعين في 9 حزيران / يونيو 2013، والفصل ببطلان الدمج وحلّ "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، مع بقاء "جبهة النصرة" و"الدولة الإسلامية في العراق" فرعين منفصلين يتبعان تنظيم القاعدة. وقد تدرّج الخلاف بين الفرع العراقي للقاعدة والتنظيم المركزي منذ بيعة "أبو مصعب الزرقاوي" لأسامة بن لادن وصولً إلى "إعلان الدولة"؛ فأجندة القاعدة تهدف منذ الإعلان عن تأسيس "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" عام 1998 إلى قتال الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا بوصفها حاميةً للأنظمة العربية الاستبدادية، وراعيةً لحليفتها الإستراتيجية إسرائيل من جهة، والسعي لتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الخلافة من جهةٍ أخرى. إنّ مواجهة الغرب ورفع الهيمنة الخارجية، والتصدّي للاستبداد وتمكين الشريعة داخليًّا، هما ركنا القاعدة الأساسيان2. أمّا أجندة "داعش"، فتقوم على أولوية مواجهة النفوذ والتوسّع الإيراني في المنطقة ومحاربة "المشروع الصفوي" كما تصفه، وخصوصًا بعد رحيل القوّات الأمركية عن العراق؛ فالأساس الهويّاتي (السنّي – الشيعي) هو المحرّك الرئيس لسلوك الفرع العراقي، في حين يبدو الأساس المصلحي الجيوسياسي هو المحرّك الرئيس للقيادة المركزية للقاعدة. أمّا تمكين الشريعة، فهو الهدف المشترك للطرفين. إلا أنّ توقيت الإعلان عن قيام الدولة الإسلامية في العراق فجّر خلافات جرى تجاوزها آنذاك، نظرًا للظروف الموضوعية والأسباب العملية. وساهم وجود بن لادن على رأس التنظيم بما له من كاريزما في تدبر الاختلاف والتعايش الحذر، على الرغم من الانتقادات التي لم تنقطع لنهج الفرع العراقي وممارساته المتعلقة بتكتيكاته القتالية من خلال التوسّع في استخدام العمليات الانتحارية وتحديد دائرة الاستهداف.

وعلى الرغم من انضمام الفرع العراقي لتنظيم القاعدة المركزي ومبايعة بن لادن، فإنّ المؤسس الأوّل للتنظيم العراقي "أبو مصعب الزرقاوي" (أحمد فضيل الخلايلة) عمل على تأسيس شبكته الممتدة الخاصة المستقلة بدءًا من الأردن وتنظيم "بيعة الإمام" مرورًا بأفغانستان وإنشاء "معسكر هرات" وختامًا في العراق؛ فقد عمل على توسيع دائرة نفوذه وتأثره عقب احتلال الولايات المتحدة الأمركية العراق عام 2003، وأعلن عن تأسيس جماعة "التوحيد والجهاد" في أيلول / سبتمبر 2003، كما أعلن عن تأسيس "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" عقب بيعة بن لادن في 8 تشرين الأوّل / أكتوبر.2004 بعد مقتل الزرقاوي في 7 حزيران / يونيو 2006، أعلن عن تأسيس "الدولة الإسلامية في العراق" في 15 تشرين الأوّل / أكتوبر 2006 بزعامة "أبو عمر البغدادي" (حامد داود الزاوي)، وعقب مقتل "أبو عمر البغدادي" في 19 نيسان / أبريل 2010، إلى جانب وزير حربه أبو حمزة المهاجر، تولّ الإمارة أبو بكر البغدادي "(أبو دعاء" إبراهيم عواد البدري) بتاريخ 16 أيار / مايو 2010. وهي الحقبة التي شهدت تحوّلً في البنية التنظيمية للفرع العراقي بعد سيطرة عدد من العسكريين الذين عملوا في المؤسسة العسكرية في عهد صدام حسين، ومنهم العميد الركن محمد الندى الجبوري المعروف ب "الراعي" والذي استلم قيادة أركان الدولة بتكليف من المهاجر؛ وهو الذي وضع العميد الركن سمر عبد محمد المعروف ب "حجي بكر" نائبًا له، والذي أصبح بعد أشهر قائدًا لأركان الدولة بعد مقتل الراعي.

  1. للمزيد من التفاصيل انظر: حسن أبو هنية، "القاعدة واندماج الأبعاد.. ولادة ثالثة مركز الجزيرة للدراسات ونشأة مستأنفة"،،:2013/8/24 http://goo.gl/hezz5j

سيطر "داعش" على مساحات شاسعة في غرب العراق، وخصوصًا في محافظة الأنبار وكذلك في شرق سورية وبخاصة محافظة الرقة. ولم يعد التنظيم يحفل برضا القاعدة والجماعات الإسلامية المسلّحة؛ إذ يتعامل معها بالقوة المميتة بوصفها جماعات مرتدّة وصحوات، وخصوصًا عقب الصدام المسلّح المفتوح منذ انفجاره في 3 كانون الثاني / يناير 2014 مع الفصائل الإسلامية المسلّحة وفي مقدّمتها جبهة النصرة، وجيش المجاهدين، والجبهة الإسلامية، وجبهة ثوار سورية، فضلً عن تشكيلات الجيش الحر، وقوى المجتمع المحلي3. ويبلغ عدد أعضاء التنظيم نحو 15 ألف مقاتل؛ وهو يستقطب النسبة الكبرى من المقاتلين الأجانب، ويتوافر على موارد مالية كبرة تعتمد على فرض الإتاوات في مناطق نفوذه في العراق، وعلى التبرعات التي تأتيه من شبكة منظمة في دول عديدة. وقد شهدت موارده نموًّا كبرًا عقب دخوله سورية من خلال سيطرته على موارد رئيسة تركّز معظمها في المنطقة الشرقية، مثل النفط؛ إذ استولى التنظيم على عدة حقول للنفط والغاز في الرقّة والحسكة ودير الزور، وعلى قطاع الزراعة، حينما استولى على صوامع الحبوب في الحسكة، وهو يتحكّم في إدارة المنتجات الزراعية واستثمارها. كما تعدّ الفدية من مصادر تمويله التقليدية؛ إذ اعتقل التنظيم عددًا من السوريين والأجانب وأفرج عنهم بعد أخذ فدية مالية.

على الرغم من قوّة تنظيم "داعش" الذاتية، فإنّ قوته الحقيقية موضوعية؛ فالمشاكل السياسية والاقتصادية في العراق وسورية تتيح بيئات حاضنة للتطرف. كما أتاحت الطبيعة السلطوية والطائفية لنظامَي الأسد والمالكي المدعومة من إيران وانحراف طبائع الصراع إلى شكل هويّاتي طائفي بين السنّة والشيعة، بيئةً مثاليةً خصبةً للتعبئة، وجاذبيةً أيديولوجيةً للتنظيم. وبناءً عليه، فإنّ قوّة تنظيم داعش لا تؤهّله للسيطرة على مساحاتٍ واسعة من العراق وسورية بمفرده ودون قوى أخرى فاعلة، أو ظروف موضوعية سهّلت هذه السيطرة.

المعارضة السنّية: انبعاث الحركات المسلّحة

تستند هذه القراءة في تفهّم ما حدث في الموصل والمدن العراقية الأخرى وانهيار المنظومة العسكرية والأمنيّة للحكومة المركزية إلى عدّه محصّلة طبيعية لحركة الاحتجاجات الشعبية في المحافظات السنّية المنتفضة؛ إذ أدّت سياسات المالكي الطائفية الفجّة إلى فقدان السياسيين السنّة الذين لم ينضمّوا إلى تلك الاحتجاجات صدقيتهم، وإلى تحوّل الحركة الاحتجاجية السلمية التي انطلقت مع نهاية عام 2012 إلى حركات مسلّحة. فالسياسات الهوياتية الاستبدادية الفاسدة التي طبعت مسارات الدولة منذ بداية الاحتلال عملت على إذلال المكوّن العربي السنّي، ولم تجلب محاولات العرب السنّة للانخراط في العملية السياسية سوى مزيد من التهميش والشعور بالظلم والتمييز. وقد تنامت هذه المشاعر وتعزّزت عقب اقتحام قوّات المالكي خيم المعتصمين على الطريق الدولي الرابط بين بغداد وعمان ودمشق؛ فقد استخدم المالكي جميع الوسائل الممكنة المغلّفة بالقانون والشرعية لاستبعاد خصومه السياسيين وترسيخ سلطته الفردية، من خلال تولّيه جميع الملفات الحيوية في الدولة. فإضافةً إلى تولّيه منصب رئاسة الوزراء، يتولّ المالكي المسؤولية عن وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني، ويتحكّم في تفسر جملة من القوانين وتطبيقها؛ بدءًا بقانون الإرهاب الذي بات سيفًا مصلتًا يستخدمه للتخلّص من معارضيه وخصومه السياسيين وتدعيم سلطته الدكتاتورية، كما حدث مع نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي الذي بات ملاحقًا بتهمة الإرهاب، مرورًا بالتعامل مع وزير المال رافع العيساوي واعتقال حرّاسه ورئيس البرلمان أسامة النجيفي وبعض أتباعه، واعتقال النائب أحمد العلواني وقتل شقيقه، وانتهاءً بقانون المساءلة والعدالة الذي حلّ مكان قانون اجتثاث البعث. ومن خلال القانون الأخر، جرى تهميش سياسيين بارزين من السنّة واستبعادهم بحجّة وجود ارتباطات مزعومة عليا بحزب البعث السابق. كما أنّ قوات المالكي كانت تنتشر بطريقة استفزازية في سائر الأحياء السنيّة في بغداد، وفي المحافظات التي يقطنها السنّة في الأنبار، وصلاح الدين، ونينوى، وكركوك، وديالى. وقد تغاضت الولايات المتحدة عن عمليات التهميش والإقصاء الطائفي التي مارسها المالكي تحت ذريعة "الحرب على الإرهاب"؛ وذلك لضمان مصالحها بتأمين "الاستقرار." وعقب انطلاق الثورة السورية

  1. انطلاق المواجهة مع "داعش" على أبواب جنيف"، 3 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (ورقة تقدير موقف)،:2014/1/19 http://www.dohainstitute.org/release/cdbee336-5cce-40e7-a5d3- c9e780c6c67e

في منتصف آذار / مارس 2011، وبروز الجماعات الجهادية السنّية وتصاعد نفوذ تنظيم القاعدة، باتت مسألة محاربة الإرهاب تهيمن على مجمل الرؤى والتصوّرات في واشنطن، الأمر الذي دفع المالكي إلى التمادي في سياساته المتصلّبة في التعامل مع الحركة الاحتجاجية السنّية السلمية نهاية عام 2012. لقد اتّخذ المالكي قرارًا حازمًا بعدم الاستجابة ولو جزئيًّا لمطالب الاعتصامات السلمية والعمل على فضّ ها بالقوة. ووصل في ذلك حدّ قتل 50 محتجًّا سلميًّا، وجرح أكثر من 110 محتجيّن في مدينة الحويجة في محافظة كركوك بتاريخ 23 نيسان / أبريل 2013. وقبل أحداث الحويجة، اصطدمت قوات الأمن بالمتظاهرين في مناسبتين؛ في الفلوجة في 25 كانون الثاني / يناير، وفي الموصل في 8 آذار / مارس 2014 ما أدّى إلى مصرع سبعة أشخاص في الحادثة الأولى وشخص واحد في الثانية. لقد تعامل المالكي مع هذه الحوادث باستخفاف بوصفها تمرّدًا يقوده "الصداميون والبعثيون والإرهابيون." كما لجأ إلى تكتيكات أكثر خطورة في التعامل مع الاحتجاجات السلمية من خلال ادّعاء أنّ المتظاهرين ترعاهم تركيا ودول الخليج، والإصرار على أنّ بينهم إرهابيين ينتمون إلى حزب البعث السابق، أو أنّهم مدفوعون بالعداء الطائفي للشيعة. لقد أدّى ذلك إلى تحويل الطائفة الشيعية نحو قدرٍ أكبر من الراديكالية، الأمر الذي بلور اقتناعًا لدى المحتجيّن بعدم جدوى النضال السلمي، وهو ما استثمره تنظيم "داعش" عبر توسيع دائرة التجنيد وتكثيف نطاق عملياته المسلّحة.

وعلى الرغم من سياسات المالكي الطائفية، فإنّ الولايات المتحدة وافقت خلال زيارته إلى واشنطن مطلع تشرين الثاني / نوفمبر 2013، على بيع حكومته كميات كبرة من الأسلحة المتطوّرة بما فيها طائرات الاستطلاع وصواريخ هلفاير، بذريعة محاربة "الإرهاب" وعدم السماح بانتقال الفوضى إلى الدول المجاورة4. كما تتفاوض واشنطن مع بغداد على تدريب قوات خاصة مشتركة، وتعمل على تأسيس قواعد لطائرات من دون طيّار بحجّة التصدّي لتنظيم "القاعدة." كما أمّنت واشنطن للمالكي غطاءً سياسيًّا على أساس أنّ ما يواجهه هو إرهاب تقوده القاعدة و"داعش"، وساندته في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أعرب في 11 كانون الثاني / يناير 2014 عن دعمه جهد الحكومة العراقية في الأنبار ضدّ ما أسماه العنف والإرهاب، ودان هجمات "داعش" من دون الإشارة إلى الفاعلين الشعبيين الآخرين، ولا إلى المطالب العادلة لأهالي هذه المناطق5.

بعد أن تفجّرت الأوضاع في الأنبار وسيطرت قوات العشائر على الفلوجة والرمادي، تشكّلت مجالس عسكرية مكوّنة من بعض أفراد الجيش العراقي السابق، وعناصر عشائرية مسلّحة ومن غرهم من بقايا جماعات المقاومة العراقية مثل "الجيش الإسلامي"، و"حماس العراق"، و"كتائب ثورة العشرين"، و"جيش المجاهدين"، و"أنصار السنّة." ووفقًا لهذا التفسر، فإنّ ما جرى في العراق هو نتيجة "انتفاضة" عراقيّة مسلّحة، وأنّ القوى المسلّحة الفاعلة فيها تلاقت في بعض الأهداف مع "داعش."

الصورة مركبة، لكن داعش في المقدمة

تلامس كلا القراءتين السالفتين جانبًا من الحقيقة، لكنّهما تصبحان معًا أكثر قدرةً على تفسر ما يجري الآن؛ فالقراءة التعددية المركّبة تؤكّد أنّها تتكامل في رسم صورة تفصيلية أكثر دقة. إنّ الصورة الظاهرية لتطوّرات العراق حاليًّا، تبرز سيطرة "داعش" وتحكّمه في تفاصيل المشهد، على الرغم من وجود فصائلَ عدة قد تكون أكثر عددًا، ولربّ ا أكثر قوة من "داعش." في الظاهر أيضًا، إنّ التنظيم هو ما يفرض

  1. السفارة الأمركية في بغداد: واشنطن سلمت العراق صواريخ هلفاير وبنادق M4"، قناة العالم الإيرانية، 2014/3/17، على الرابط: http://www.alalam.ir/news/1576479
  2. الأزمة في الأنبار: مجلس الأمن يعلن دعمه للحكومة العراقية "، BBC (العربية)، http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/01/140111_iraq_un_anbar. shtml

رايته، ولا يسمح بأيّ راية أخرى تنافسه سواء كان ذلك في الموصل وتكريت وصلاح الدين، أو في المعابر الحدودية. والجدير بالذكر أنّ صدامات عدة حصلت بين قوى مسلّحة كجيش الطريقة النقشبندية، والعشائر وداعش على خلفية رفع رايات غر راية "داعش"، وانتهت بانتصار الأخر كما جرى في تكريت، وفي المعابر الحدودية، وساهمت في تسيّده المشهد حتى الآن. وفي محاولة رمزيّة لفرض سيطرته وتحكّمه، أقام تنظيم "داعش" عرضًا عسكريًّا ضخم 27(حزيران / يونيو 2014) لقوّاته في الموصل، ضمّ عشرات السيارات ذات الدفع الرباعي، والعربات العسكرية (همفي الأمركية)، والمدافع التي "غنمها" بعد دخوله الموصل6. يبقى أنّ ما جرى لم يكن ليحصل لولا هشاشة الجيش العراقيّ وضعفه؛ فعلى الرغم من أنّ الحكومة العراقية الحاليّة أنفقت ما مقداره 45 مليار دولار لتجهيز الجيش، وتدريبه على يد خبراء أمركيين، فهو لم يصمد أمام بضع مئات من المسلّحين المدرّبين والمصمّمين7. ويُعزى ذلك بالطبع، إلى أنّ المؤسسة العسكريّة العراقية كانت تعاني من قصور بنيوي في هيكلها، كونها لم تعتمد المعاير القياسية في اختيار الأفراد والمجنّدين، واعتمدت دمج الميليشيات وغالبيتها من الطائفة الشيعية في الجيش دون إعداد عسكري سليم. كما أنّ استحضار قادة الجيش والقادة السياسيين الخطاب الطائفي وتوظيفه8، رسّخا صورةً طائفيّة عن الجيش العراقي لدى شرائح مجتمعية عدة، ففقد أيّ رمزية، بل على العكس لاقى دخول المسلّحين إلى مدن عدة، وانسحاب قوّات الجيش والشرطة، ترحيبًا شعبيًّا متفاوتًا نتيجة الصورة السلبية تجاهه. التوجّهات الطائفية للجيش العراقي هي أيضًا ما يفسّ انهياره أمام هجوم المسلّحين في المدن ذات الأغلبية السنّية التي يعدّها الجيش مناطقَ معادية في العموم، في حين كان يصمد في وضع عسكري مشابه عند اقتراب المسلّحين من مدن ذات أغلبية شيعية أو لها رمزية دينية لدى الشيعة كما هي الحال في ضواحي بغداد، ومدينة سامراء حيث يوجد مرقد الإمامين العسكريين. ومن عوامل الخلل البنيوي في المؤسسة العسكرية، انهماك ضبّاطها وأفرادها في الفساد المستشري داخلها، والذي شجّعته الحكومة الحالية، على مستوى القيادة (صفقة الطائرات الروسية)، والقاعدة (التغاضي عن عمليات الابتزاز، والخطف، والسرقة)، ما جعل الانتساب للمؤسسة العسكرية "غاية نفعية"، فأضرّ بالعقيدة العسكريّة، والتي يُفترض أن تركّز على الولاء والانتماء للوطن والذود عنه9.

التفاعلات مع الحدث

داخل العراق

إثر انهيار الجيش العراقي وسيطرة المسلّحين على شمال العراق ووسطه، برزت حالة من التخبّط في تصريحات الحكومة العراقية ومواقفها. في البداية، تحدّث رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي عن مؤامرة دون أن يحدّد أطرافها، واتّهم القيادات العسكريّة بالخيانة، وهدّد بمحاسبتهم. بعد ذلك، اتّهم المالكي دولً إقليمية، وحدّد السعودية، بالوقوف وراء الهجوم. لم يكن لدى المالكي تبرير منطقي لما جرى، لذلك اجترح خطابًا تبريريًّا تارةً، وطائفيًّا تارةً أخرى بهدف استثارة العراقيين الشيعة لتأييد موقفه؛ إذ ادّعى أنّ هدف هجوم "الإرهابيين" هو "استهداف المراقد الشيعية بغية تدمرها." ولمواجهة الانهيار المتسارع، سعى المالكي إلى فرض حالة الطوارئ، لكنّه لم ينجح في مسعاه، إذ عارضته غالبية الكتل النيابية مخافة استئثاره بالقرار.

كما أعلن المالكي عن البدء في تشكيل ما سمّ ه "الجيش الرديف"، وأبدى استعداد حكومته لتسليح من يرغب في حمل السلاح "للدفاع عن العراق"، وتدريبه10. وجاءت فتوى المرجع الشيعي علي

  1. بالصور… استعراض عسكري لداعش في الموصل"، موقع 6 اخوة،:2014/6/27 http://goo.gl/HCOVHk
  2. لمقارنة القدرات، انظر: بيتر بيومونت Beaumont(Peter)، "تأثر داعش مقارنة الغارديان اللندنية بالجيش العراقي والبيشمركة الكردية"،، 12 حزيران/يونيو 2014، على الرابط:
  3. خلال خطابه عشية العاشر من محرم من العام الحالي في كربلاء، استخدم نوري المالكي خطابًا طائفيًّا متزمّتًا عندما أعلن أنّ القتال حتمي بين أنصار الحسين وأنصار يزيد، على الرابط: www.youtube.com/watch?v=rDrVt_TFUM 9 احتلّ العراق الموقع 171 من 177 بلدًا ومنطقة في رصد الفساد في مقياس الشفافية الدولي، ولم يحصل إلا على درجة 16 من 100
  4. http://www.theguardian.com/world/2014/jun/12/how-battle-ready-isis-iraqi- army-peshmerga
  5. المالكي يدعو العراقيين إلى التطوع وتشكيل جيش موازي لمواجهة داعش"، 10 البوابة نيوز،:2014/6/12 http://www.albawabhnews.com/631170

السيستاني بالجهاد الكفائي وحمل السلاح لتعطي المالكي دفعة معنوية حاول استغلالها لمصلحته باللعب على الوتر الطائفي، قبل أن يصدر السيستاني بيانًا توضيحيًّا يوضح فيه أنّ دعوته للتطوّع ليست خاصة بفئة أو طائفة بل بجميع مكوّنات العراق، وأنّ دعوته للتطوّع تكون ضمن المؤسسات الأمنيّة وليس تشكيل ميليشيات مسلّحة خارج القانون. ودعا السيستاني إلى التئام مجلس النوّاب الجديد لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، وانتخاب رئيس جديد للخروج من الأزمة الراهنة11. من جهة أخرى، تقدّمت الحكومة العراقيّة بطلبٍ رسمي إلى الولايات المتحدة لتوجيه ضربات جوّية للمسلّحين12.

على الطرف الآخر، استمرّت حالة الغموض والضبابية التي تسود مشهد القوى (خارج العملية السياسية) المناوئة لحكومة المالكي، لعدم وجود موقف موحّد من الحلّ الأفضل للأزمة؛ ففي حين ركّز "داعش" وفصائل أخرى في بياناتٍ عدة على الجوانب الميدانية وضرورة إكمال المعركة ل "تحرير" بغداد من "الشيعة الروافض" وهدم العملية السياسية، خرجت أصوات أخرى من أبرزها هيئة علماء المسلمين التي أصدرت بيانًا شاملً لأهداف ما أسمته "ثورة العشائر"، وهي: "تحرير الوطن من مشروع الاحتلال القائم على التفتيت الطائفي والإثني، وأنّ العراقيين جميعًا سواسية متساوون في حقوق المواطنة وواجباتها، وأنّ مقدّسات المسلمين مصونة، وأنّ الإرهاب ليس سلاحًا للثوّار، وإنّ ا هو سلاح الميليشيات الطائفية"13، ورئيس مجلس عشائر العراق علي الحاتم السليمان، والذي دعا إلى حلّ سلمي عبر "تعديل العملية السياسية وإعادة حقوق الآخرين"، ورفض الحاتم فكرة حكومة الشراكة في ظلّ ما سماه "الهيمنة الإيرانية"14. أمّا القوى الممثّلة للعرب السنّة في العملية السياسيّة والقوى الوطنية الأخرى، فقد ألقت بأغلبيتها المسؤولية على المالكي، وطالبت باستقالته وتشكيل حكومة جديدة لإعادة الحقوق ومحاربة الإرهاب والتصدّي لداعش، كما جاء على لسان رئيس البرلمان العراقي السابق أسامة النجيفي. في المقابل، دعا رئيس ائتلاف الوطنية إياد علاوي إلى تشكيل "حكومة إنقاذ"، وانتخابات برلمانية "نزيهة"15، وهو ما رفضه المالكي وحذّر من خطورته، ومسعى القوى التي تقف وراءه. أمّا القوى الكرديّة، فكانت الأكثر تأثّرًا واستفادةً من الأحداث الجارية؛ فعلى الرغم من التهديد الذي يشكّله "داعش" على كردستان العراق لا سيمّا أنّها تبنّت تفجرات أربيل والتي حصلت العام الماضي، فإنّ الإقليم الطامح للانفصال والذي كان مشتبكًا مع حكومة بغداد بخصوص قضايا فئوية؛ كحصّته من النفط، و"المناطق المتنازع عليها"، وجد في سيطرة المسلّحين على الموصل "فرصة" سانحة للسيطرة على كركوك الغنيّة بالنفط، والتي تضمّ أديانًا، وإثنيات وطوائفَ مختلفة. ولم تمض أيامٌ قليلة على انسحاب القوّات العراقية من المدينة حتى دخلت "البشمركة" مدينة كركوك، وفرضت سيطرتها عليها بعد اشتباكات مع فصائل مسلّحة في الأطراف. وفي محاولة لترسيخ الواقع الجديد، زار رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني 27 حزيران / يونيو 2014 المدينة، وأعلن أنّ سيطرة الأكراد على كركوك أصبحت "نهائية" ليلغي بذلك المادة 140 من الدستور العراقي، والتي كانت تنصّ على "إجراء استفتاءات شعبية محلية لتقرير مصر المناطق المتنازع عليها"16. يمكن القول، إنّ الفرقاء العراقيين تعاملوا، كلّ على حدة، بمنظور حزبي وفئوي مع التطوّرات الأخرة، وهو ما كرّس حالة الاستقطاب القائمة.

في الإقليم

في مجال العلاقات السياسية الإقليمية، تقوم أربع قوى إقليمية بدورٍ واضح في الأزمة العراقية؛ وهي:

  1. انظر فتوى السيستاني في صفحته الرسمية على 11 الفيس بوك 21(شعبان 1435/ه)
  2. “ The Iraqi Government Is Asking for U.S. Airstrikes”, time, 12/6/2014: http://time.com/2862759/iraq-insurgent-isis-baghdad-air-strikes/
  3. هيئة علماء المسلمين في العراق: ما يجري في البلاد ثورة"، 13 المدينة نيوز، 2014/6/13،
  4. الموافق ل 2014/6/20(م)، تاريخ المشاهدة 2014/6/28()، على الرابط: https://www.facebook.com/alrostamy?hc_location=timeline
  5. علاوي يدعو لتشكيل حكومة انقاذ واجراء انتخابات نيابية نزيهة"، 15 العراق نت  "، 2014/6/26، على الرابط: http://www.aliraqnet.net/haet/motefrqat/4221-2014-06-26-17-05-07.html 16  " بارزاني: سيطرة الأكراد على كركوك نهائية"، جريدة الاتحاد الإماراتية،:2014/6/28 http://www.alittihad.ae/details.php?id=57223&y=2014
  6. على الرابط: http://www.alsahwa-yemen.net/subjects.aspx?id=41265 " علي الحاتم: لا مكان لحكومة شراكة في ظل هيمنة إيرانية"، 14 العربية نت،:2014/6/26 http://goo.gl/xhpGTr

إيران، وهي منحازة بصورة كاملة لحكومة المالكي؛ إذ يمثّل العراق ساحة جيوسياسية مهمة بالنسبة إلى إيران، ولطالما مثّل تهديدًا مباشرًا لها أو لمشروعها الإقليمي، والذي حقّق نتائجَ مهمّة بعد الانسحاب الأمركي من العراق عام 2011، بصورة جعلتها اللاعب الإقليمي الأكثر تأثرًا في العراق من خلال تحالفها مع القوى السياسية الشيعية. مثّلت التطوّرات الأخرة مفاجأة لإيران، والتي كانت تراهن على قدرة حكومة نوري المالكي على وأد الحراك الاحتجاجي والمسلّح ضدّه، وتشكيل حكومة جديدة موالية لها لا سيمّا بعد حصول ائتلافه على المركز الأوّل في الانتخابات البرلمانية الأخرة. وبناءً على ذلك، عبّ ت إيران في أكثر من مناسبة عن دعمها الكامل لحكومة نوري المالكي، واستعدادها لتقديم المساعدة العسكرية والأمنيّة لمواجهة "داعش." كما أبدت استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة الأمركيّة في العراق للتصدّي للخطر المشترك؛ فقد أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أنّ "إيران يمكن أن تفكّر في التعاون مع الولايات المتحدة لإعادة الأمن للعراق إذا واجهت واشنطن جماعات إرهابية في العراق وفي أماكن أخرى"17. ترى إيران أنّ خسارة المالكي منصبه وولايته الثالثة سوف تمثّل "ضربة" قوية لمساعيها الرامية إلى إيجاد تحالف إقليمي متواصل جغرافيًّا (إيران، والعراق، وسورية، وحزب الله في لبنان) تقوده وتتحكّم فيه. وعليه، جاءت سيطرة المسلّحين على مساحات واسعة وكبرة من العراق لتهدّد هذا التواصل الجغرافي. وتدرك إيران أنّ انهيار الحكومة الموالية لها في بغداد سوف يترك تداعياته السلبية على النظام السوري في مجالات مختلفة؛ كانقطاع الإمدادات العسكريّة (البرية والجوية)، والدعم الاقتصادي واللوجستي، بل والعسكري المباشر عبر الميليشيات الشيعية، والذي كانت تؤمّنه حكومة المالكي، وهو ما قد ينعكس مباشرةً على موازين القوى الميدانية في الصراع السوريّ، والتي لم تدّخر جهدًا، وباعتراف مسؤوليها، في قلبه لمصلحة النظام، ومنع سقوطه. كما أنّ تغيّ المشهد السياسي في العراق سيكون له تأثره المباشر في مفاوضاتها النووية مع الغرب، إذ إنّ دورها الإقليمي الذي تسعى إلى ترسيخه وإقرار القوى الدولية به، سيكون مهدّدًا أو على الأقلّ يواجه صعوبات وعوائق جمّة. من هنا، نفهم الاندفاع الإيرانيّ لحماية حكومة المالكي بشتّى الوسائل. ولكي لا تبدو خارج المساعي الإقليمية والدولية الرامية إلى حلٍّ سياسي لمنع تفاقم الأزمة، دعت إيران إلى تشكيل حكومة "شاملة" وفقًا لنتائج الانتخابات البرلمانية، في إشارةٍ إلى إصرارها على بقاء المالكي.

ويرجّح البعض أنّ إيران، وبعد التطوّرات الأخرة، قامت بدور محوري في إقناع الكتل الشيعية الرئيسة، وهي: تيار المجلس الأعلى (عمار الحكيم)، والتيار الصدري (مقتدى الصدر)، ورئيس الوزراء الأسبق (إبراهيم الجعفري)، والمستقلون (أحمد الجلبي) بتجميد الخلافات مع المالكي حاليًّا، إلى حين اجتياز الأزمة. وكانت فتوى السيستاني بخصوص الجهاد الكفائي، وانصياع عمار الحكيم لهذه الفتوى وارتداء الملابس العسكرية التزامًا بها، أولى ثمار هذه الضغوط. أمّا مقتدى الصدر، فلم يعارض مضمون الفتوى، وأعلن عن تشكيل "جيش السلام" لحماية "العتبات المقدسة." لكنّه أبقى نفسه على مسافة منها عندما صرّح بأنّ "واجب قوّاته هو حماية المقدّسات كافة، ولا تزجّ نفسها في قتال طائفي." وعلى الرغم من اندفاع طهران لحماية المالكي، فإنّ حدود دورها الفاعل غر معروفة حتى الآن. وتبقى جميع الأسئلة والاحتمالات قائمة؛ هل تقبل إيران بحلّ سياسي دون المالكي؟ هل ستتدخل عسكريًّا وبصورة مفتوحة في الصراع الداخلي العراقي؟ أم ستكتفي بالدعم المعنوي والتخطيطي أو الدعم غر المباشر عبر دعم ميليشيات طائفية؟ المملكة العربيّة السعوديّة: لا يزال الغموض يكتنف موقفها؛ فالتطوّرات الأخرة في العراق تمثّل مكسبًا إستراتيجيًّا مهمًّ بالنسبة إلى السعودية، لأنّها تضعف النفوذ الإيراني، وتشكّل أزمة للحكومة العراقية المناهضة لها، لا سيمّا بعد تصعيد الخطاب الدبلوماسي من جانب رئيسها نوري المالكي، والذي اتّهم السعودية بمؤازرة الإرهاب وتقديم الدعم والتخطيط للهجوم

  1. روحاني: مستعدون لمساعدة العراق والتعاون مع أمريكا ضد داعش"، 17 الوطن الكويتية،:2014/6/14 http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?Id=365007

المسلّح على الموصل والمدن العراقيّة الأخرى. وهو موقف ردّت عليه السعودية على لسان وزير خارجيتها بقوة متّهمةً سياسات رئيس الوزراء العراقي الطائفية بتدمر الوضع الداخلي العراقي18. ومن جهةٍ أخرى، يمثّل تنامي قوّة "داعش" ونفوذه تهديدًا مباشرًا للمملكة، لا سيمّا بعد توسّعه في مناطقَ محاذية لحدودها، ولحدود الأردن. أمّا على المستوى الداخلي، ونتيجة للاستقطاب الطائفي السنّي - الشيعي، فقد ازداد تعاطف بعض الشرائح الشعبية مع تنظيم "داعش" بعد الهجوم الأخر. وهو ما قد يساهم، ومن جديد، في زيادة عدد المنتسبين السعوديين للتنظيم المدرج حركة إرهابية في قوائم وزارة الداخلية السعودية. وقد تنبّهت السعوديّة لهذا الأمر، فعقد مجلس الأمن الوطني اجتماعًا برئاسة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود 2014/6/27، وأوصى باتّخاذ "كافة الإجراءات اللازمة لحماية الأمن الوطني مما قد تلجأ إليه المنظمات الإرهابية أو غرها من أعمالٍ قد تخلّ بأمن السعودية"19. كما تعهّد الملك السعودي في 29 حزيران / يونيو 2014 في رسالةٍ للشعب السعودي بمناسبة حلول شهر رمضان، بسحق من سمّ هم "المتشددين الإسلاميين الذين يهدّدون المملكة"20. وبناءً عليه، ستحاول المملكة ما أمكن تعظيم مكاسبها الإستراتيجية من الأزمة الحاليّة في العراق، من خلال التنسيق مع الولايات المتحدة في محاولة لتشكيل حكومة عراقية قد تستثني المالكي في نهاية المطاف، ولكن من دون أن تتشدّد المملكة في موقفها السابق الداعي إلى استقالة المالكي قبيل تشكيل الحكومة المرتقبة21. وبالطبع، ستحاول السعوديّة الاستفادة من الحاجة الأمركيّة إلى جهودها الأمنيّة والسياسية في احتواء الأزمة العراقيّة، لدعم ساحات أخرى مهمّة بالنسبة إلى السعودية، كسورية. وهو ما تجاوبت معه إدارة أوباما؛ إذ طلبت من الكونغرس التصديق على مبلغ 500 مليون دولار لتدريب المعارضة السورية "المعتدلة"، وتجهيزها22. وقد جاءت الخطوة الأمركيّة بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الأمركي جون كري إلى جدّة ولقائه مع رئيس الائتلاف الوطنيّ أحمد الجربا. والجدير بالذكر أنّ الخطوة الأمركية تجاه ما تعدّه "المعارضة السورية المعتدلة"، جاءت بعد أيام قليلة من تصريحات للرئيس الأمركي باراك أوباما رأى فيها أنّ وجود معارضة سورية معتدلة قادرة على هزيمة الأسد هو "فانتازيا"23.

تركيا: تعدّ تركيا أكثر الدول المتأثّرة بتطورات ما يجري في العراق؛ فازدياد نفوذ تنظيم "داعش" في سورية والعراق يشكّل تهديدًا مباشرًا، خصوصًا وأنّه يتمركز في شريط جغرافي طويل بمحاذاة حدودها الجنوبية مع سورية. وقد جرت اشتباكات محدودة بين الجيش التركي وعناصر التنظيم في عدة مناطق حدودية لا سيمّا في بلدة الراعي السوريّة. وجاءت تطوّرات العراق لتزيد من القلق والارتباك التركي بخاصة بعد قيام "داعش" بخطف موظّفي قنصليتها في الموصل، إضافةً إلى خطف مواطنين وسائقي شاحنات على خطوط النقل البرية بين العراق وتركيا. الأمر الذي قيّد حكومة العدالة والتنمية وفرض عليها التعامل بحذرٍ شديد، لتحرير مواطنيها، تجنّبًا لزيادة الانتقادات الداخلية لسياساتها في سورية والعراق من قبل أحزاب المعارضة التي تتّهم حكومة العدالة والتنمية بالمساهمة في تقوية التنظيمات المتطرفة. لا تستطيع تركيا القيام بدور عسكري مباشر أو غر مباشر في العراق؛ فما يجري خارج قدرتها على الحركة. لكنّها قد تقوم

  1. إلى أين تمضي العلاقة بين السعودية والعراق؟ "، BBC (العربية)، 2014/6/19، على الرابط: http://www.bbc.co.uk/arabic/interactivity/2014/06/140619_comments_iraqi_ saudi_realtion.shtml
  2. خادم الحرمين يوجه بحماية المملكة من المخاطر الإرهابية"، الوطن السعودية، 2014/6/27، على الرابط: http://www.alwatannewspaper.ae/news.php?n_id=22577
  3. الملك السعودي يتعهد ب ’سحق المتشددين‘ ويُعفي نائب وزير الدفاع"، 20 العربي
  4. للوقوف على التطورات في الموقف السعودي انظر: "السعودية: مواجهة ‘المتشددين..’
  5. الجديد، 2014/6/28، على الرابط: http://www.alaraby.co.uk/politics/aef57f40-2193-41e0-8335-719d4ab54c1a
  6. العربي الجديد وتنازل عن رحيل المالكي"،،:2014/6/28 http://www.alaraby.co.uk/politics/7574b9e0-ecbd-4584-8141-fb0a150bf692 22  " أوباما يطلب 500 الحياة مليون دولار لدعم مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة"،، 2014/2/26، على الرابط: http://goo.gl/aKn0hm " أوباما لا توجد ’معارضة معتدلة‘ تستطيع هزيمة الأسد"، 23 العربية نت،:2014/6/22 http://goo.gl/jSZUcB

بدور استخباراتي داعم، وسياسي في صوغ حلّ سياسي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضه، مستفيدةً من تحالفها مع رئيس إقليم كردستادن مسعود البارزاني، والسياسيين العرب السنّة. أمّا القوة الأخرة، فهي النظام السوري والذي ينظر بعين الريبة لما يجري في العراق، لا سيمّا بعد فقدانه خطّ إمداد عسكري مهمًّ إثر سيطرة المسلّحين على المنافذ الحدودية بين البلدين، وما نجم عنه من توحيد جغرافي كلّ للساحتين السورية والعراقيّة، والتي قد تفيد الفصائل المسلّحة المناوئة له في الحصول على الإمدادات عبر العراق، وتجاوز العقدة الأردنية. الأمر الذي دفعه للتدخّل مباشرةً وقصف المدن العراقية القريبة من المنافذ الحدودية في القائم، وإلى الداخل كمدينة راوة، ومدينة الرطبة الواقعة على طريق المرور الدولي السريع الرابط بين العراق وكلٍّ من سورية والأردن24. ولا شكّ في أنّ سياسات المالكي الأمنيّة العنيفة المدعومة من الولايات المتحدة الأمركية وإيران في الوقت ذاته دفعت القوى السنّية السلمية المطالبة بالعدالة والديمقراطية والحرية ومحاربة الفساد والاستبداد، إلى الاقتناع بعدم جدوى المطالبات السلمية والانتقال إلى المقاومة العسكرية في صدّ الهجوم، الأمر الذي استثمره تنظيم "داعش" لتوسيع نفوذه، وملء الفراغ، والدخول في تحالفات موضوعية مضمرة مع القوى المسلّحة السنيّة في مواجهة عدوٍّ مشترك يمثّله الحلف المالكي - الأمركي. لكنّ السؤال الأهمّ هو: هل ستصمد التحالفات السابقة؟ أم أنّها ستبدأ في التفكّك والبحث عن بدائل أخرى بعد تبيّ فشل المالكي؟ والسؤال الثاني هو: هل ستدرك القوى العربية السنّية التي عانت الأمرّين منذ الاحتلال أنّ "داعش" هي في النهاية عبء حقيقي معادٍ للديمقراطية والمدنية على حدٍّ سواء، في العراق كما في سورية؟ وقد تدرك أيضًا أنّه لا بدّ من طرح المطالب العربية بصيغة ديمقراطية، وأنّ الموقف ضدّ الطائفية السياسية يجب أن يكون ضدّ كلّ طائفية سياسية في العراق، وفي المشرق العربي عمومًا.

الموقف الدولي

تباينت مواقف القوى الدولية في توصيف الحدث العراقي؛ إذ تبنّت روسيا رواية حكومة المالكي. وأعلن رئيسها فلاديمر بوتين تأييده الحكومة العراقية في محاربة "الإرهاب." وعقد صفقة سريعة مع الحكومة العراقية لتوريد أربع طائرات سوخوي 25 مستخدمة بهدف مساعدة قوّات الجيش العراقي25. في حين ركّزت مواقف القوى الغربية بمجملها على مسألة "الحل السياسي" وضرورة إنجازه بسرعة. وحمّلت الحكومة العراقية الحالية جزءًا من المسؤولية في تطوّر الأوضاع وبلوغها النقطة الحرجة. فقد انتقد مسؤول ملفّ العراق في الاتحاد الأوروبي ستراون ستيفنسن مواقف الحكومة العراقية، وسياساتها الإقصائية التي قادت العراق إلى هذا المأزق. وفي المقابل، رأى بيان صادر عن الرئاسة الفرنسية أنّ هجوم داعش يهدّد وحدة العراق والمنطقة، وأنّ مواجهة الإرهاب تتطلّب حوارًا بين شرائح المجتمع العراقي كافة لتشكيل حكومة وحدة وطنية26. وهو خيار دعت إليه بريطانيا التي شاركت في غزو العراق واحتلاله عام 2003. لكن وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ رفض "التورّط العسكري" لبريطانيا في الأزمة العراقية الحاليّة؛ لأنّ "حفظ الأمن الداخلي هو مسؤولية الحكومة العراقية التي عليها أن تجد صيغة تلبّي المطالب المشروعة لمواطنيها." يبقى أنّ الموقف الأمركي هو الأهمّ لأسباب عدة من أبرزها أنّ الإستراتيجية الأمركية في العراق ساهمت بشكل أو بآخر في خلق هذا المأزق. مثّلت الورطة الأمركية في العراق تحت قيادة الجمهوريين، إضافةً إلى ركود الاقتصاد الأمركي، الرافعة التي جاءت بباراك أوباما إلى سدّة الرئاسة الأمركية عقب الانتخابات التي جرت أواخر عام 2008؛ فأوباما كان قد قدّم وعودًا حازمة بأنّه سيسحب القوّات الأمركية من العراق في أواخر عام 2011. ولتحقيق ذلك، دعمت إدارته بقاء المالكي في موقع رئاسة الوزراء بعد انتخابات آذار / مارس 2010، وذلك على الرغم من أنّ النتائج أسفرت عن تقدّم القائمة العراقية، برئاسة رئيس

  1. فرنسا: أحداث العراق نتيجة للوضع السوري والحل بحكومة وحدة"، 26 العربي الجديد، 2014/6/20، على الرابط: http://www.alaraby.co.uk/politics/f92f1557-faf3-4a15-be73-563ecb5d28ce
  2. المالكي: العراق اشترى طائرات سوخوي مستخدمة من روسيا وستنفذ مهمات خلال السومرية أيام"، قناة، 2014/6/26، على الرابط: http://goo.gl/OTIjmh
  3. 24  " استشهاد وإصابة العشرات بقصف لطران النظام السوري على مدينتي القائم قناة بغداد والرطبة غربي الأنبار"،، 2014/6/24، على الرابط: http://goo.gl/TkP69w

الوزراء الأسبق إياد علاوي، على ائتلاف دولة القانون برئاسة المالكي. وبرّرت إدارة أوباما ذلك بأنّه لم يكن في وسع علاوي تشكيل حكومة أغلبية، في اعترافٍ ضمني بنفوذ إيران في العراق الذي لم يعد ممكنًا تجاهله.

وعلى الرغم من إصرار أوباما على الجدول الزمني للانسحاب من العراق، فلقد حاول أن يبقي على قوّة دعمٍ وإسناد أمركية صغرة الحجم فيه، وفاوضت إدارته حكومة المالكي على ذلك. إلا أنّ هذا الأخر أصرّ على رفض إعطاء حصانة لتلك القوّات من الملاحقة أمام المحاكم العراقية. لكن ذلك لم يكن سوى الحجّة التي استخدمها المالكي لتحقيق هدف إيران بإجلاء الأمركيين عن العراق حتى يتسنّى لها الانفراد بالسيطرة عليه. وهو ما تحقّق عندما قرّر الأمركيون في النهاية سحب قوّاتهم كلّها. حاولت إدارة أوباما إقناع المالكي بحاجته إلى شراكة أمنيّة وعسكرية وإستراتيجية مع الولايات المتحدة. غر أنّ المالكي الذي كان مستندًا إلى الدعم الإيراني الكامل، لم يأبه للدعوات الأمركية تلك. وما كاد آخر جندي أمركي ينسحب من العراق في كانون الأول / ديسمبر 2011، حتى كان المالكي يصدر مذكّرة اعتقال بحقّ نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي. ومنذ ذلك الحين، والمالكي يتبع سياسات تمييزية وتهميشية ضدّ المواطنين العراقيين من العرب السنّة، ويقوّي قبضته على السلطة في العراق؛ ما أثار أيضًا امتعاض حلفائه الآخرين من الشيعة، وشركائه في مؤسسات الحكم من الأكراد. وتصاعدت سياسات المالكي التسلطية باستهدافه وزير ماليته السابق رافع العيساوي، واعتقال العشرات من مساعديه وحرّاسه الشخصيين في كانون الأول / ديسمبر 2012. وهو الأمر الذي أثار حنق العرب السنّة، خصوصًا في إقليم الأنبار، الغاضبين أصلً من مساعي المالكي الحثيثة لتهميشهم ومن قيام قوّاته باعتقال النساء وتعذيب المعتقلين والمعتقلات في السجون. ودخلت مدن الأنبار في إضراب عامّ متمردةً على قمع حكومة المالكي منذ ذلك الحين. عند تمرّد الأنبار فقط، شعر المالكي بحاجته إلى الدعم السياسي والعسكري الأمركي؛ فقام بتوظيف مخاوف الولايات المتحدة من "داعش"، والذي كان نفوذه يتزايد في سورية الغارقة في فوضى الصراع بين ثورتها ونظام الأسد. في المقابل، وجد أوباما في دعم المالكي خيارًا أفضلَ من إعادة وضع قوّاتٍ أمركية على الأرض العراقية لمحاربة "داعش"، وهو الذي يباهي بانسحابه من ذلك البلد. كما أنّ في دعمه المالكي عسكريًّا وسياسيًّا، إضعافًا لحجّة خصومه من الجمهوريين بأنّ خروجه المتعجّل من العراق دون إبقاء قوّات أمركية على الأرض، هو ما سمح للتنظيمات "المتطرّفة" بالنموّ مجدّدًا في العراق، كما أفسح المجال للمالكي لإقامة دكتاتورية جديدة في الحكم وتهميش خصومه، خصوصًا من العرب السنّة.

وأثبت المالكي مرةً أخرى أنّه لا يعر المبادئ حتّى التفاتة؛ فحين يلزم يعمل على التوسّل إلى الولايات المتحدة بأن تتحالف معه وتسلّحه. وحين يأخذ ما يريد يعود إلى مواقف طائفية سياسية متعنّتة. لقد طلبت إدارة أوباما من المالكي مقابل منحه دعمها، الانفتاح على خصومه السياسيين. وفي مقابل وعود لفظية بشأن الكفّ عن تهميش العرب السنّة، وافقت واشنطن خلال زيارة المالكي إليها مطلع تشرين الثاني / نوفمبر 2013، على بيع العراق كميات كبرة من الأسلحة المتطوّرة بحجّة محاربة "الإرهاب" وعدم السماح بانتقال الفوضى في العراق إلى الدول المجاورة له، ومن سورية إليه. على الرغم من أنّ المالكي لم يكن خيار الولايات المتحدة المفضّ ل لقيادة العراق، خصوصًا في ظلّ الشكوك التي تدور حول ارتباطاته، إن لم يكن ارتهانه لإيران، فلقد اضطرّت إدارتا بوش وأوباما إلى أن تتعاملا معه كأمر واقع جرّاء أخطائهما الكارثية خلال احتلال العراق؛ فتقسيم البلد طائفيًّا، وحلّ مؤسسات الدولة والجيش والأمن، أحدثا

فراغًا سلطويًّا أسقط الدولة، وسمحا لإيران وحلفائها الداخليين بملء الفراغ تحت أسماع الأمركيين وأبصارهم.

تفاجأت الولايات المتحدة بانهيار الجيش العراقي وسقوط الموصل 10(حزيران/ يونيو 2014.) وتبنّت في البداية رواية الحكومة العراقيّة، وركّزت على الجانب العسكريّ والأمنيّ في مواجهة هذه التطورات؛ فقد ذكرت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأمركية جين بساكي في 11 حزيران/ يونيو 2014 أنّ "سقوط الموصل يثبت أنّ داعش بات يمثّل مصدر تهديد للمنطقة، وأنّ الولايات المتحدة تحبّذ ردًّا قويًّا ومنسّقًا لدحر هذا العدوان"27، وهو ما شجّع الحكومة العراقيّة على تقديم طلب رسميّ لتنفيذ ضربات جوية ضدّ المسلّحين. الموقف الأمركيّ المتحمس لردّ عسكري قويّ بداية الأزمة الحالية، والذي دلّت عليه مؤشرات عدة كإرسال حاملة طائرات إلى مياه الخليج العربي 14 تموز/ يوليو 2014، تراجع بصورة ملحوظة مفضّ لً إستراتيجية أبعد من الخيار العسكري الآني؛ فقد أعلن الرئيس أوباما أنّ الولايات المتحدة لن تُقْدم على تدخّلٍ عسكري في العراق، وأنّها ستقوم بإرسال 300 مستشار عسكري لمساعدة القوات العراقية في مكافحة الإرهاب. ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين في الإدارة أنّ أوباما "قرّر عدم تنفيذ ضربات جوّية في المدى المنظور ضدّ المسلّحين في العراق، ويريد العمل على إستراتيجيات أخرى تعزّز التبادل الاستخباراتي مع العراق، وتتعاطى مع الانقسامات السياسية واستقطاب الدعم من الحلفاء الإقليميين"28. يمكن القول إنّ الولايات المتحدة لم تستجب لطلب حكومة المالكي بتنفيذ غارات جوية ضدّ المسلّحين، على الرغم من إعلان المالكي استعداد حكومته لإعطاء القوات الأمركية الحصانة القانونية التي كانت تسعى إليها الولايات المتحدة عشية سحب قوّاتها من العراق في 30 كانون الأول / ديسمبر 2011، وبدلً عن ذلك خفّفت الولايات المتحدة من وجودها الدبلوماسي في أكبر سفارة لها على مستوى العالم، ورحّلت الكثر من منتسبي السفارة إلى الكويت وعمان وأربيل. ثمّ عزّزت السفارة بقوة من المارينز لحمايتها. وفي السياق نفسه، أوفد الرئيس أوباما وزير خارجيته جون كري إلى العراق والمنطقة للوقوف على الأوضاع، وتقييمها، ولقاء القوى السياسية العراقية والقادة الإقليميين الفاعلين والمؤثّرين في الأزمة للدفع باتّجاه تشكيل حكومة عراقيّة " شاملة"، تحظى بإجماع داخلي وبتوافق إقليمي، وتكون الطرف المؤهّل لتلقّي المساعدة العسكريّة لمواجهة تنظيم "داعش." ويمكن تفسر الموقف الأمركي تجاه الأزمة العراقيّة وفقًا لما يلي: قناعتها بفشل الخيارات العسكرية وخوفها من الانجرار مجددًا إلى التورّط عسكريًّا في الواقع العراقي المعقّد: فتجربة الولايات المتحدة خلال أكثر من ثماني سنوات في العراق -2003(2011) أثبتت فشل الخيار الأمني – العسكري في معالجة الأزمات. وعليه، فإنّ خيار التدخل العسكري الأمركي الراهن، وإن حقّق نتائج مرحليّة، إلا أنّ نتائجه غر مضمونة على المدى الطويل، الأمر الذي يفرض على الإدارة الأمركية تبنّي مقاربات وإستراتيجيات جديدة تمسّ جوهر المشكلة وليس تداعياتها. لكي لا تظهر كأنّها تدعم الشيعة ضدّ السنّة: كانت صورة المشهد العراقي غامضة بداية أحداث الموصل؛ فالمعطيات الأوّلية بالنسبة إلى الولايات المتحدة كانت تختصر ما حدث في "داعش"، وهو ما أثبت خطأه بعد اتّضاح الصورة وتبيّن وجود قوى وفصائل أخرى سنّية غر "داعش" شاركت، وتشارك بفعالية في قتال الجيش العراقيّ. وبناءً عليه، وجدت الولايات المتحدة أنّ تدخّلها العسكري سيُفهم بالضرورة على أنّه دعم للحكومة الحالية والتحالف الشيعي الموالي لإيران في مواجهة عشائر وفصائل سنّية رافضة للتهميش والإقصاء الممارس عليها. الأمر الذي قد يزيد من تعقيدات الصراع في العراق، ويجعل المشهد أكثر تركيبًا، ويمنح الحركات المتطرفة ذرائعَ وحججًا إضافية تساعدها على التغلغل في المجتمعات المحلية السنّية في العراق.

  1. الأزمة العراقية: نزوح 500 ألف شخص من الموصل بعد سيطرة (داعش) عليها"، bbc، 2014/6/11، على الرابط: http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/06/140611_iraq_150k_flee_ mosul.shtml
  2. أوباما يسعى إلى استراتيجية أبعد من العراق لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في الحياة العراق والشام"،، 2014/6/19، على الرابط: http://www.alhayat.com/Articles/3058354

اجتذاب السنّة لمحاربة "داعش:" أو إحياء ما يسمّى ب "مشروع باتريوس"؛ أي أنّ قيام قوات الجيش العراقي، والفصائل والميليشيات الشيعية بمحاربة الحركات الجهادية في مناطق ذات أغلبية سنّية لن يؤتي ثماره، بل على العكس قد تكتسب هذه الحركات حاضنة اجتماعية صلبة تمكّنها من التكيّف المستمر مع المواجهة العسكرية. وبناءً عليه، يُطرح في الولايات المتحدة إحياء مشروع "الصحوات" الذي اشتغل عليه الجنرال ديفيد باتريوس عام 2007، ولكن بصيغة أخرى، يتضمّن مشاركة العشائر العراقية السنّية في العملية السياسية، والتنسيق معها لمواجهة داعش. تعقيدات المشهد الإقليمي: إنّ خيار التدخل العسكري الأمركي، فيما لو حصل، كانت بعض القوى الإقليمية في المنطقة ستفسّه بأنّه تدخّل داعم للدور والنفوذ الإيراني، على أساس أنّ حكومة المالكي أصبحت موالية تمامًا أو تابعة للتوجهات الإيرانية، سواء كان ذلك في السياسات الداخلية أو السياسة الخارجية؛ الأمر الذي قد يربك دولً إقليمية تسعى للحدّ من الدور الإيراني المتنامي أو لاحتوائه. لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها بعد أزمة العراق أمام مأزقٍ جديد في الشرق الأوسط، لا سيمّا بعد انفتاح الساحتين السورية والعراقيّة، وتنامي نفوذ الحركات المتطرفة29. وهو ما دفعها للتحرّك بصورة عاجلة وبالتنسيق مع القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثّرة؛ من أجل احتواء الأزمة في العراق للوصول إلى صيغة تفاهم بين القوى السياسية العراقية لتشكيل حكومة جديدة تحظى بإجماع الفرقاء، وتكون قادرة على هزيمة "داعش" والجماعات المتطرفة. ويفيد بعض ما سُّب عن اجتماعات كري مع القوى السياسية العراقية بأنّ الولايات المتحدة قد طلبت من المالكي رسميًّا التنحّي، متسلّحةً بالموقف المعلن للصدريين والمجلس الأعلى والكتلة الكردستانية والكتلة السنّية في البرلمان الرافضة منح فرصة أخرى لرئيس الوزراء نوري المالكي لتشكيل الوزارة، إلا أنّ الأخر لا يزال كما يبدو متشبّثًا بالسلطة وغر راغب في التخلّ عنها، مهما كان الثمن الذي سيدفعه البلد، وهو ما يجعل الأزمة العراقية مفتوحة على جميع الاحتمالات، لا سيمّا بعد فشل مجلس النوّاب بتاريخ 1 تموز / يوليو 2014 في الالتئام لانتخاب رئيس جديد له، وتكليف رئيس الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وانتخاب رئيس جمهورية جديد. لكن، سوف يبقى الموقف الأمركي عرضةً للتبدّل وفقًا لتطوّرات الوضع على الأرض والضغوط التي تتعرّض لها إدارة أوباما في الداخل من جانب المعارضة الجمهورية التي تتّهمها في سنة انتخابية بالمسؤولية عمّ آلت إليه الأوضاع في العراق، بسبب إصرارها على الانسحاب الكامل عام 2011.

المشاهد والاحتمالات

لا تزال الصورة في العراق ملتبسة، والاحتمالات مفتوحة؛ فعلى الرغم من الهجوم المضادّ الذي شنّته الحكومة العراقية الحاليّة، فإنّها لم تنجح في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 10 حزيران / يونيو 2014، وتكبّدت خسائرَ كبرة، بل على العكس توالى سقوط المدن العربية السنّية وسط العراق وشماله وغربه. وأضحت المنافذ الحدودية للعراق من الأردن وسورية خارج سيطرة الحكومة. وسيطر المسلّحون على مناطق محافظة الأنبار عدا بعض المناطق والمرتكزات كما في قاعدة عين الأسد، والحبانية وجزيرة الخالدية وقطاعات من الرمادي حيث ما زالت تحت سيطرة الحكومة وحلفائها من الصحوات. وبناءً عليه، يمكن القول إنّ مشاهد الأزمة العراقية تنحصر في الآتي: المشهد الأوّل: تَ كُّن الحكومة العراقية الحالية، بمساعدة حلفائها في سورية وإيران من إيقاف زخم الهجوم، والقيام بهجوم مضادّ لدحر المسلّحين. لقد أبدت إيران استعدادها لتزويد العراق بما يلزم من مساعدات عسكرية لمكافحة ما تعدّه "الإرهاب"، كما غمز الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى إمكانية التدخّل المباشر بذريعة حماية "المقدّسات" الدينية. على الجانب الآخر، وفي السياق ذاته، شهدت الحدود العراقية السورية قصفًا نفّذه الطران السوري واستهدف المنافذ الحدودية وقرى ومدنًا داخل العراق. وبناءً عليه، قد يوظّف حلفاء المالكي مسألة مكافحة الإرهاب وتنامي نفوذ "داعش"، والمخاوف الإقليمية والدولية لتقديم مساعدة عسكرية لقوّات المالكي لاستعادة المدن الخارجة عن سيطرة حكومة بغداد. وما يساعد في تحقّق هذا الاحتمال هو الشحن الطائفي الذي تتعمّده الحكومة

  1. انظر: “ White House beginning to consider conflicts in Syria and Iraq as single challenge”, Washington post , 19/6/2014: http://goo.gl/4HwDtA

العراقية - وبالاستفادة من الفتاوى الدينية - لتجنيد عدد كبر من المتطوّعين الشيعة، واستنهاض العصبيات الطائفية لتشكيل الميليشيات وتسليحها لقتال المسلّحين، في مناطق شمال العراق وغربه. كما أنّ اختلاف توجّهات الفصائل المقاتلة ضدّ الحكومة وتعارض أهدافها وعدم وجود قيادة عسكرية موحّدة، وعدم التوافق على رؤية سياسية للحلّ قد يساعد المالكي وحلفاءَه، لا سيمّا إذا ما استمرّت المواجهات وتلاشى زخم العمليات والانتصارات، وحصلت انشقاقات وصدامات فيما بينهم. وعلى الرغم من واقعية هذا الاحتمال، فإنّ عوائقَ عديدة تقلّل من إمكانيته، في مقدّمها أنّ قوات الحكومة العراقية تقاتل في مناطق تعدّ معادية لها، وهي لذلك تواجَه بمقاومة عنيفة لدى محاولة استعادتها كما حصل في كلّ من بيجي وتلعفر، وللسبب نفسه لا تبدي قوات الحكومة تمسّكًا كبرًا بها. كما أنّ المسلّحين يسيطرون على مساحاتٍ واسعة تمكّنهم من المناورة، وتمنحهم القدرة على امتصاص الهجوم المضادّ والسيطرة على مناطق أخرى. وهو ما يعني عجز قوّات الجيش العراقي عن تغطية جميع المناطق واستعادتها. ومن العوائق أيضًا الإرباك الإقليمي والدولي الذي سوف يحدثه التدخّل الإيراني أو الخارجي المباشر لمصلحة قوّات المالكي ما يجعل حصوله أمرًا مستبعدًا في ظلّ الظروف الحالية. أمّا بالنسبة إلى المتطوّعين والميليشيات، فإنّ سوء تدريب المتطوّعين والزجّ بهم في العمليات دون تأهيل وتدريب عسكري، قد يجعل فاعليتهم العسكرية محدودة، لا سيمّا أنّهم يقاتلون في مناطقَ خارج بيئتهم الاجتماعية والطائفية. المشهد الثاني: أن تفشل الحكومة في استعادة المدن خارج سيطرتها، ويتابع المسلّحون تقدّمهم ومسعاهم بإكمال تطويق العاصمة بغداد والتهيّؤ لاقتحامها. ما يعزّز من حصول هذا الاحتمال، الزخم العسكري للمسلّحين، والذي لم يتلاش حتى الآن، والمعنويات القتالية التي يتمتعون بها بعد ما كسبوا من جولات وغنموا من أسلحة تساعدهم في التقدّم والدفاع عن المناطق التي سيطروا عليها. يضاف إلى ذلك احتقان المناطق السنّية داخل بغداد من ممارسات الميليشيات الطائفية. وهو ما قد يمهّد الأرضية ويحدث ثغرة في مسعى الحكومة العراقية لإبعاد الصراع المسلّح عن العاصمة بغداد. لكن هذا الاحتمال يواجه عوائقَ وصعوبات، من أبرزها تضارب أهداف الفصائل المشاركة وعدم وجود إجماع على خطّة عسكريّة واحدة بشأن بغداد، إذ يسود فهم لدى بعض الفصائل - قادة العشائر بخاصة - يتمثّل في أنّ دخول بغداد من دون إستراتيجية عسكرية واضحة قد يشتّت الجهود، ويحدث ثغرات عسكرية، ويعرّضهم لخسائر كبرة، ويعرّض المناطق السنّية في بغداد لخطر انتقام الميليشيات الطائفية. إضافةً إلى أنّ هذا الخيار سيواجَه برفضٍ دولي ما يعطي ذريعةً لإيران وحلفائها للتدخّل العسكري المباشر. المشهد الثالث: تدخّل عسكري أمركي؛ إذ لا شكّ في أنّ تنامي نفوذ "داعش" وسيطرته على مساحات واسعة من العراق وسورية يمثّل تهديدًا للولايات المتحدة، ولمصالحها في المنطقة ولحلفائها الإقليميين، لا سيمّا بعد انفتاح الساحتين السورية والعراقية على بعضهما، ووصول التنظيم إلى مناطق ومدن على الحدود العراقية الأردنية، والعراقية السعوديّة، والسورية التركيّة. وبناءً عليه، فإنّ الحدّ من نفوذ "داعش"، يمثّل أولوية ملحّة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وبخاصة بعد إعلان التنظيم الخلافة الإسلامية، والذي من شأنه أن يجذب مزيدًا من الجهاديين من مختلف أنحاء العالم لتدريبهم وتأهيلهم. وهو ما قد يشكّل خطرًا على الولايات المتحدة والدول الغربية عامّة. انطلاقًا ممّ سبق، فإنّ خيار التدخّل الأمركي في العراق قائم، لكنّه مرتبط مرحليًّا بمجموعة من الشروط أبرزها، اتفاق القوى السياسية العراقية على حكومة توافق وطني تضمّ جميع مكوّنات الشعب العراقي، وتتّخذ موقفًا واضحًا من "داعش"، وتطلب التدخّل الأمركي رسميًّا. ومن الشروط أيضًا حصول القوّات الأمركية على الحصانة التي كانت تطلبها باستمرار. ومثل جميع الاحتمالات السابقة، فإنّ عوائقَ عدة قد تمنع تنفيذه في المدى المنظور، وأهمّها صعوبة فضّ التحالف القائم، والتمييز بين الفصائل العراقية المسلّحة المستعدة للدخول في العملية السياسية، وتلك سواء كانت جهادية (داعش) أو بعثية ترفض العملية السياسية برمّتها، وتسعى إلى هدمها. كما أنّ الوصول إلى حكومة توافق وطني على أسس لا طائفية تستبعد رموزًا من المشهد الحالي قد يكون أمرًا متعذرًا في ظلّ تمسّك المالكي والقوى السياسية الحليفة له وإيران بالسلطة ورفضه التخلّ عنها. يضاف إلى ذلك أنّ تردّد الإدارة الأمركية ورغبتها في عدم التورّط عسكريًّا في

العراق قد يمنعان حصول مثل هذا التدخّل، أو قد يجعلانه مقتصرًا على المساندة الجوّية، والدعم اللوجستي الاستشاري. المشهد الرابع: تكرار السيناريو السوري. قد يساهم تماسّ الساحتين العراقية وتواصلهما بشكل يجعل انتقال ممارسات كلٍّ منهما إلى الأخرى ممكنة، وتعدّد مرجعيات المسلّحين، وضعف الحكومة والقوى المؤيّدة لها، في استمرارية الصراع دون أن ينجح أيّ طرف في الحسم. يعدّ هذا السيناريو الأسوأ بالنسبة إلى الأزمة العراقية نتيجة تداعياته الإنسانية والاقتصادية والسياسية الباهظة الثمن على الدولة والمجتمع العراقي. وقد يفتح بابًا لتقسيم العراق إلى كيانات طائفية وإثنية.

مناقشة المشاهد والاحتمالات

من تقاطع المشاهد مع بعضها، يتبيّ لنا صعوبة استحواذ مشهد واحد على فرصة التطبيق؛ لذلك فإنّ كلّ مشهد سيكون محكومًا بمتطلبات لا يمكن تنفيذه إلا بتأمينها؛ فنجاح المشهد الأوّل بصورة كاملة يتطلب التزمًا إيرانيًّا كاملً، وقطعات عسكرية عراقية قادرة على القتال، وميزانية عسكرية ضخمة. وفي هذا الإطار، تمثّل خسارة نفط كركوك مشكلة ستتفاقم لو تحوّل جهد "داعش" نحو المنظومة النفطية المغذّية لموانئ التصدير، وهذا أمر محتمل. أمّا المشهد الثاني، فيقتضي تيسّ إمكانات كبرة لدى المسلّحين، وإضعاف قوّات الحكومة حول بغداد لفتح المنافذ باتّجاهها، فضلً عن وحدة المقاتلين التي نرى أنّها لم تتحقّق حتى الآن. أمّا قضية دخول الولايات المتحدة الأمركية على خطّ القتال، فستكون مشروطة بتشكيل حكومة أكثر تمثيلً؛ لذلك فإنّ التدخّل الأمركي سوف يظلّ حذرًا وعلى وترة ما يجري في اليمن وباكستان، من استخدام لطائرات دون طيّار لا تلحق أذى بالمسلّحين بمقدار ما تلحقه بالمدنيين. وهو – أي التدخّل - في كلّ الأحوال لن يصل إلى مرحلة وضع جنود على الأرض. وقد يكون المشهد الرابع هو المرجّح في هذه المرحلة، على الرغم من الاختلاف البيّ في سلوك المتقاتلين في الساحتين. وهو مشهد قد تتأقلم معه الحكومة الحالية، فتستمرّ في سلوكها الرافض تقديم تنازلات طالما أنّها تسيطر على بغداد، ويعترف بها حكومة تمثّل العراق وتهيمن على وارداته.

خاتمة

لقد دفعت سياسات المالكي الأمنيّة العنيفة المدعومة من الولايات المتحدة الأمركية وإيران في الوقت ذاته، القوى السنيّة المطالبة بالعدالة والديمقراطية والحرية ومحاربة الفساد والاستبداد إلى الاقتناع بعدم جدوى المطالبات السلمية، والانتقال إلى المقاومة العسكرية لتحقيق مطالبها؛ الأمر الذي استثمره تنظيم "داعش" لتوسيع نفوذه وملء الفراغ والدخول في تحالفات موضوعية مضمرة مع القوى المسلّحة السنّية في مواجهة عدوٍّ مشترك يمثّله نظام المالكي ومن يقف وراءه. لكنّ السؤال الأهمّ هو: إلى متى ستصمد التحالفات القائمة الآن في مواجهة المالكي؟ أم أنّها ستبدأ في التفكّك والبحث عن بدائل أخرى مع استمرار الأزمة وتعقّدها بخاصة بعد أن أعلنت "داعش" عن قيام دولة الخلافة الإسلامية؟ والسؤال الثاني المرتبط بالأوّل، هو: هل ستنجح القوى العربية السنّية التي عانت الأمرّين منذ الاحتلال في طرح مطالبها بصيغة ديمقراطية تتّخذ فيها موقفًا ضدّ كلّ طائفية سياسية في العراق، وفي المشرق العربي عمومًا، بما فيها "داعش"؟