الانتخابات البرلمانية العراقية 2014: رؤية تحليلية للنتائج والتوقعات
الملخّص
جري في أ 30 نيسان / أبريل 2014 أوّل انتخابات برلمانية في العراق منذ الانسحاب الأميركي عام 2011، وهي الثالثة منذ الاحتال الأميركي للعراق في عام 2003. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لما ستتركه من آثار في تحديد تركيبة بنية النظام السياسي في العراق، وما لها من تداعيات على مستقبل الدولة العراقية. كما أنّ تحالفات القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات سيكون لها أثرٌ كبير في الواقع الاجتماعي سلبيًّا أو إيجابيّا، خصوصا أن ها تأتي بعد انتفاضة أهالي الأنبار وزيادة حدّة الصراع بين الجيش العراقي وتنظيم الدولة الإسامية في العراق والشام "داعش." تحاول هذه الورقة أن تشرح أبعاد الصراع السياسي في العراق من خال نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية 2014 ومقارنتها بما سبقها. وتعمل على شرح الظروف التي جرت فيها الانتخابات، وطبيعة الكتل الانتخابية وصول ا إلى نتائج الانتخابات واحتمالات تشكيل الحكومة المقبلة.
المراهنة الطائفية
تبدو الظروف الأمنيّة مشابهة تلك التي أُجريت فيها انتخابات عام 2005 وعام 2010، وربّ ا أكثر تعقيدًا منها؛ فهي تتمثّل في ظروف البلد بصورةٍ عامة والحالة الخاصة التي تعيشها مدن شمال وغرب العراق التي خرجت عن سيطرة الحكومتين المركزية والمحلية، والوضع الأمني الهشّ في المناطق ذات الأغلبية السنّية والمختلطة، والخلاف بين حكومتي إقليم كوردستان والحكومة المركزية برئاسة المالكي، والتذمّر الكبر الذي أبداه قادة بعض التيارات والكتل السياسية التي كانت متحالفة مع "ائتلاف دولة القانون"، وأوصلت المالكي إلى الولاية الثانية لرئاسة الوزراء، وأبرز هؤلاء السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي تمثّله كتلة "الأحرار" في مجلس النواب، والسيد عمار الحكيم الذي يرأس تيار "الحكيم"، ويمثّله حزب "المجلس الأعلى" و"منظمة بدر" التي انشقّت عنه لاحقًا لتتحالف مع "ائتلاف دولة القانون." ويضاف إلى كلّ هذه التحدّيات تحدّي الاستياء الشعبي بصورةٍ عامّة من تردّي الوضع الأمني، واستمرار نقص الخدمات والفساد الإداري، والتهديد الذي يواجه وحدة البلاد، انقلبت كلّها إلى تهديد موجّه بالدرجة الأولى ضدّ التجديد لولاية ثالثة لرئيس الوزراء نوري المالكي؛ لأنّ جميع هذه الأطراف تقريبًا تعتقد أنّ سبب الأزمات هو المالكي نفسه، نتيجةً لسعيه الحثيث إلى بناء دكتاتورية شخصية وحزبية؛ شخصية من خلال التفرّد بالسلطة التي بُنيت على التوافق أصلً، واستحواذه على المناصب الحسّاسة، فإضافةً إلى رئاسة الوزراء، يشغل منصب القائد العام للقوّات المسلحة وزير الدفاع ووزير الداخلية. كما بسط هيمنته أو مدّ نفوذه إلى هيئات يُفترض أن تكون مستقلة وبعيدة عن السلطة التنفيذية؛ مثل مجلس القضاء الأعلى، وهيئة النزاهة والبنك المركزي العراقي، والمفوضية العليا للانتخابات وهيئة الإعلام العراقي. أمّا من ناحية الدكتاتورية الحزبية، فهي الخشية من استمرار تغلغل أتباع حزب السلطة ومؤيديه في العديد من المناصب واحتكار الوظائف الحكومية، أو توزيعها بحسب الولاء له. لقد بدَا التحدّي الانتخابي مراهنة طائفية أكثر ممّ هو تحدٍّ انتخابي ومراهنة وطنية؛ فالمالكي وأتباعه "يسوقونه" على أنّه مختار العصر (في إشارة إلى المختار الثقفي) الذي رفع شعار الأخذ بثأر الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب بعَيْد مقتله في واقعة كربلاء، وهذا تسويق طائفي بلا شكّ، ويصوّر الأمر على أنّ المالكي "حامي" المذهب، وأنّ منتقديه ورافضي عودته إلى سدّة الحكم هم من مناوئي المذهب، وأنّ ما يجري في الأنبار هو المدّ التكفري المتمثّل بالقاعدة وما خرج من عباءتها من جماعاتٍ إرهابية. ويعزّز هذا المنحى حادثة قطع مياه نهر الفرات في سدة الفلوجة على يد "الإرهابيين أو المسلّحين" هناك، عن المناطق الوسطى والجنوبية. وبات الإرهاب إرهاب الماء وسبل العيش أيضًا، وليس القتل العشوائي للآمنين فحسب. ولعلّ هذه الحادثة قد أفادت المالكي كثرًا في حملته الانتخابية. وعليه، فليس مجازفة القول إنّ معظم مؤيّدي المالكي في الوقت الحالي هم ممّن يحملون الهمّ الطائفي؛ بمعنى أنّهم مشغولون بالهاجس الطائفي بصورةٍ أو أخرى، مثلما أنّ هناك العديد من مناوئيه لا شكّ في أنّهم يبادلونهم الهاجس نفسه بالتضادّ.
الإحباط والاحتجاج: الوعي ومستويات المشاركة في الأحداث الانتخابية
باستخدام بطاقة الناخب الإلكترونية، وجهاز الاقتراع1 لضمان دقّة الانتخابات البرلمانية العراقية ونزاهتها، وفي ظروف أمنيّة صعبة، سجّل تصويت 12 مليونًا من أصل 20 مليون شخص مؤهّل للانتخابات؛ أي جرت الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2014 بنسبة حضور بلغت %60. وتعدّ نسبة المشاركة معقولة في مثل هذه الظروف، لا سيمّا في ظلّ التهديد الأمني. وإذا ما قورنت بنسب المشاركة في بعض بلدان المنطقة، مثل انتخابات الرئاسة الجزائرية التي جرت في فترة مقاربة وسجّلت حضور نسبة %51.7، وهي بلاد تنعم باستقرار لا يمكن مقارنته بظروف العراق إطلاقًا. ومقارنةً بنسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية للدورة السابقة 2010()، فإنّ هذه الانتخابات تقلّ بنسبة ضئيلة هي %2، إذ بلغت آنذاك %62.4، وشهدت أيضًا أعمال عنف، قُتل فيها نحو 40 شخصًا. أمّا انتخابات البرلمان (الجمعية الوطنية) عام 2005، فقد سجّلت 76 %. في حين كانت نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور العراقي التي جرت عام 2005، 78.59
| الحدث الانتخابي | نسبة المشاركة % | ملاحظات |
|---|---|---|
| الاستفتاء على الدستور 2005 | 78.59 | |
| الانتخابات البرلمانية 2005 | 76 | |
| انتخابات مجالس المحافظات 2009 | 51 | لا تشمل محافظات إقليم كوردستان الثلاث (أربيل، والسليمانية، ودهوك) |
| الانتخابات البرلمانية 2010 | 62 | |
| انتخابات مجالس المحافظات 2013 | 51 | لا تشمل محافظات إقليم كوردستان الثلاث (أربيل، والسليمانية، ودهوك) |
| الانتخابات البرلمانية 2014 | 60 |
%. في حين بلغت نسبة المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات الأخرة)2013(%51. وهي نسبة المشاركة نفسها في الانتخابات السابقة لمجالس المحافظات عام 2009(انظر الجدول 1.) علمً أنّ نسب المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات العراقية لا تشمل انتخابات مجالس محافظات إقليم كوردستان العراق الثلاث (أربيل، والسليمانية، ودهوك) التي تجري في فترة مختلفة وغر مرتبطة بالمركز. تبُرز المعطيات أعلاه تدنّ نسبة المشاركة في الانتخابات، سواء البرلمانية أو مجالس المحافظات. وإن كان الفارق بالنسبة إلى المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات كبرًا من حيث هبوط نسبة المشاركة فيها. وهذا مُؤشّ على درجة الإحباط جرّاء عدم تحسّن الأوضاع سواء على الصعيد الأمني، أو الخدمات، أو مستويات الحياة بصورةٍ عامة. وهكذا يكون هذا العزوف نوعًا من الاحتجاج، وإن كان بطريقة تبرز جهلً بالتغير الذي ينادي به الكثرون، بمن فيهم المواطنون العاديون. ولا غرابة في ذلك؛ فالتجربة "الديمقراطية" لا تزال تحبو وتتعثّ في ظلّ الظروف التي يعيشها البلد، ومستويات التأثر في الناخب وتوجيه بوصلته ترتبط غالبًا بولاءاته أو مرجعياته الفكرية والوجاهات الاجتماعية عوضًا عن التفكر في البرنامج الانتخابي للمرشّح، وسرته والمصلحة الوطنية. لكن الانتخاب بوصفه ثقافة عامة في الاختيار يحتاج إلى وقت حتى يترسّخ تقليدًا في الحياة السياسية والإدارية، وربّ ا حتى الاجتماعية.
أسماء الكتل والائتلافات تعكس الخطابات
لقد تنوّع الخطاب الانتخابي لهذه الدورة بين النداءات الطائفية، والإقليمية والإثنية، والجهوية (المناطقية) سواء دعوات الأقاليم أو المحافظية (كتل وائتلافات تدعو إلى تحسين واقع المحافظة.) في المقابل هناك خطابات تدعو إلى الهويّة الوطنية، وأخرى إلى الدولة المدنية المؤسسية، وثالثة إلى تحسين الواقع الاجتماعي، وأخرى تحمل شعارات دينية. ولعلّ جولةً سريعة بين أسماء الكيانات والقوائم والائتلافات تكشف لنا ذلك؛ فإلقاء نظرة على الخريطة الجغرافية مثلً يكشف لنا أنّ القوائم في إقليم كوردستان ذات طابع عرقي (قومي)، بحيث لحق باسم كلّ منها كوردستان أو الكوردستانية (الاتحاد الوطني الكوردستاني، والديمقراطي الكوردستاني، والحركة الإسلامية الكوردستانية، والسلام الكوردستانية، طابع التسمية يمكن أن يستثنى منه فقط حركة التغير (كوران) علمً أنّها كوردستانية الهوى والهويّة بصورةٍ صرفة. وفي المناطق ذات الغالبية السنّية، تجد أسماء القوائم تدلّ على نوعٍ من التحدّي والتحشيد والتأكيد على القيم والهويّة العربية والاعتداد بالذات. ومن هذه الأسماء التي حملتها الكتل والائتلافات: متّحدون، وكرامة، والعربية، وخلاص، والجبهة العربية للإنقاذ، وكتلة المجد المستقلة، وكفى. وتُظهر أسماء هذه الكتل الهمّ الرئيس الذي تعانيه
تلك المناطق، والمتعلّق بمحاولات التغلّب على الواقع الذي تعانيه جرّاء الظروف المستجدّة. أمّا الكتل والائتلافات في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، فنجدها تركّز على الخدمات والمواطنة؛ إذ تطالعنا أسماء مثل: دولة القانون، والدولة العادلة، والمواطن، والعراق للتنمية والبناء، والبديل المدني المستقلّ، وأوفياء للوطن، وتجمّع العدل والمساواة، والرفاه والسلام، والعراق للتنمية والبناء، وتجمّع النهضة الشاملة، وحركة شمس، وتجمّع الكفاءات والجماهر، وحركة العمل والوفاء، وتجمّع الشراكة الوطنية. وهذه بحكم استقرارها النسبي يكون فيها الهمّ الخدمي والهوية الوطنية من أولويات المواطن. وبرزت بعض الكتل التي تمثّل حركاتٍ وأحزابًا ذات صبغة دينية، وإن كان بعضها ليس جديدًا، مثل: حزب الدعوة الإسلامية/تنظيم الداخل، وهو حركة منشقّة عن حزب الدعوة لكنّها ليست متقاطعة معه تمامًا. وحزب الفضيلة الذي يتبع المرجع الشيعي الشيخ اليعقوبي. وقد ترشّح بقائمة منفردة هذه المرة، فحصل على 6 مقاعد فقط. وجرّبت حركة "عصائب أهل الحق" التي يقودها الشيخ الشاب قيس الخزعلي المنشقّ عن التيار الصدري والمتقاطع معه بقائمة منفردة اسمها "الصادقون"، حصلت على مقعدٍ واحد فقط. هناك حزب باسم "الداعي." وهو يتبع رجلَ دين شيعيًّا مغمورًا من ديالى، يبدو أنّه أراد أن يجرّب موقعه وصيتَه، فحصل على أصواتٍ قليلة2. أمّا الكتل والائتلافات الجهوية، فقد ظهرت قوائم بأسماء محافظات مثل "ديالى" وحصدت 6 مقاعد برلمانية، و"الوفاء للأنبار" التي نالت 3 مقاعد، وفي الديوانية لم تنل شيئًا. وكتلة "الوارثون" تتبع رجلَ دين شيعيًّا غر معروف أيضًا اسمه الشيخ قاسم الأسدي، والظاهر أنّها تابعة لكتلة "المواطن"، ولم تحصل على أيّ مقعد. ولم يحصل متصدّرو القائمتين سوى على بضع مئات من الأصوات لكلٍّ منهما. وحريّ بنا أن نذكر اختفاء القوائم ذات الصبغة القبلية والعشائرية التي ظهر بعضها في انتخابات سابقة، وفشل فشلً ذريعًا. ما يدلّ على تفوّق النزعة الطائفية والإثنية والجهوية على القبلية. ومقارنةً ببلدانٍ أخرى مجاورة نجد سيادة القوائم والمرشّحين القبليين؛ ومن هذه البلدان: الأردن، والكويت، واليمن، حيث الفاعلية القبلية مؤثّرة ويتميز ما يمكن أن نصطلح عليه ب "القبلية السياسية."
إشكالية احتساب عدد الأصوات وتوزيع المقاعد
بحكم اتّباع طريقة سانت لاغ method Sainte-Laguë لاحتساب الأصوات، فإنّه يجري إهمال عددٍ كبر من الأصوات سواء في الدوائر الانتخابية أو المجموع الكلي. ويمكن اختصار منهج سانت لاغ، في النقاط التالية3: ترتّب النتائج وفقًا لعدد الأصوات من الأكثر إلى الأقلّ. تقسم الأصوات التي حصل عليها كلّ كيان على الأرقام الفردية 1(،3،5،7،9،11... إلخ.) يحتسب عدد المقاعد على ضوء عدد النتائج التي تظهر نتيجة القسمة، وهكذا. أمّا حصة النساء، فيجري احتسابها من المقاعد المخصصة للدائرة على ألّ تقلّ عن %25. ولضمان تحقيق هذه النسبة، فإنّ نظام توزيع المقاعد حرص على تحقيقها؛ ففي مثالنا هذا لا بدّ أن يكون عدد النساء أربعة. ويظهر الجدول 2() حقيقة ذلك نتيجة إجمالية لطريقة التصويت. يلاحظ أنّ أصوات الكتل الفائزة مجتمعة أقلّ من الأصوات المهملة. وليست هذه المشكلة الوحيدة في هذه المنهجية باحتساب الأصوات، إنّ ا تحويل أصوات أخرى للكتل الكبرة، وحيازة مقاعد لها وفقًا لما يسمّى بالمقاعد التعويضية، وهذا ما سوف يعيد بعض الوجوه التي
رفض الشعب انتخابها، لا سيمّا من بعض قادة الأحزاب والكتل؛ مثلما حصل في الدورة الانتخابية البرلمانية السابقة لعام 2010، إذ فشل كلٌّ من رجلَ الدين الشيخ همام حمودي والشيخ جلال الدين الصغر، وكلاهما عن الائتلاف الوطني العراقي، في نيل الأصوات التي تؤهّلهما لعضوية البرلمان. لكن وفقًا للمقاعد التعويضية عادا إلى الواجهة، وهذا ما يخشاه الكثرون من أن يعاد إدخال بعض الوجوه من "الشبّاك" بعدما جرى إخراجها من الباب. وتجلّت غرابة هذه الطريقة أيضًا في عدم فوز مرشّحين على الرغم من حصولهم على أعدادٍ مرتفعة من الأصوات فاقت مرشّحين آخرين في الدوائر نفسها أو في دوائرَ أخرى عدد أصواتهم أقلّ من أولئك. ومن أبرز الخاسرين "ظلمً " وفقًا لهذه الطريقة: ممثّل التحالف المدني الديمقراطي عن الحزب الشيوعي العراقي جاسم الحلفي الذي نال 17.575 صوتًا، وفي محافظة ذي قار تخسر مرشّحة التحالف المدني عن الحزب الشيوعي أيضًا هيفاء الأمين على الرغم من نيلها أكثر من 8.536 آلاف صوت، ولم ينفع ال 11.751 صوتًا سعدون الدليمي عن ائتلاف وحدة أبناء العراق في الأنبار لينال مقعدًا في البرلمان، في حين يفوز ممثّلو دولة القانون بغداد، ممّن تراوحت أصواتهم بين 7 آلاف صوت، مثل محمد شياع السوداني، ونحو 5 آلاف صوت لحيدر العبادي بل أقلّ من ذلك. وفي الوقت نفسه يفوز عن ائتلاف المواطن في بغداد أيضًا الشيخ همام حمودي بأقلّ من 10 آلاف صوت، ويفوز إبراهيم الجعفري عن تحالف الإصلاح ب 12.140 صوت. والأمثلة كثرة على ذلك.
قراءة في توجهات الناخبين
يمكن تعليل درجة المشاركة المعقولة %60() هذه في الانتخابات على الرغم من ظروف البلد، بأنّها انعكاس للحشد التنافسي الانتخابي بين أقطاب العملية السياسية، ورغبة في التغير بالنسبة إلى البعض الآخر، من جانب، ومن جانب ثانٍ هي تحدٍّ للتهديدات الإرهابية التي تتكرّر بخاصة في مثل هذه المناسبات، وتستهدف الناخبين العاديين بغضّ النظر عن طوائفهم وأعراقهم وليس السياسيين فقط. مع أنّ التوقّعات كانت تشر إلى أنّ نسبة المشاركة ستنخفض كثرًا عن المشاركات في الانتخابات السابقة نتيجة خيبات أمل المواطنين في أداء ممثّليهم البرلمانيين وأقطاب العملية السياسية عامّةً. لقد ظهرت فاعلية المشاركة الأكثر في المحافظات الجنوبية، حيث حقّقت محافظة كربلاء أعلى نسبة مشاركة بين المحافظات العراقية في الانتخابات النيابية هذه؛ إذ شارك %80 من ناخبي المحافظة الذين قاموا باستلام بطاقاتهم الإلكترونية. وتجاوزت نسبة المشاركة في محافظتَي القادسية وميسان %70. ويرجّح تفسر ارتفاع العدد في محافظة كربلاء إلى كونها مسقط رأس نوري المالكي رئيس الوزراء؛ إذ له فيها قاعدة جماهرية كبرة. وهو ما استغلّه المالكي وأقرباؤه بترشيح شخصين آخريْن من عائلته؛ هما صهره وابن أخيه اللذان حصدا المرتبتين الأولى والثانية في المحافظة متقدّميَن حتى على الشخص الثاني في حزب الدعوة الذي يقوده المالكي، وهو علي الأديب الذي يشغل منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي، فقد حلّ ثالثًا. وإن صدقت البيانات الانتخابية، فإنّ هذه المؤشرات تدلّ على نوع التأييد الذي يحظى به المالكي في هذه المحافظة وليس لشعبية هذين الشخصين، كما تدلّ على الولاء الأعمى للبعض وقلّة وعيه؛ بحيث يمنح صوته لأشخاصٍ مجهولين في عالم السياسة والإدارة. إنّهما شخصيتان مغمورتان، وليس لهما رصيد سياسي أو اجتماعي أو حضور إعلامي. إنّها تُظهر جانبًا من طبيعة توجّهات الناخب العراقي في هذه المرحلة. لقد تنافس في هذه الانتخابات 9032 مرشّحًا، منهم 6425 رجلً و 2607 امرأة مرشّحة إلى حصّة (كوتا) المقاعد النسوية التي يجب ألا
تقلّ عن %25 من العدد الكلّ لأعضاء مجلس النوّاب العراقي، على 328 مقعدًا، وتوزّعوا في عدد قوائم انتخابية بلغ 107 قوائم، اشتملت على 36 ائتلافًا سياسيًّا و 71 كيانًا سياسيًّا. في حين بلغ عدد الناخبين المشمولين بالتصويت العام 20 مليونًا و 437 ألفًا و 712 شخصًا. وبلغ عدد الناخبين المشمولين بالتصويت الخاص، مليونًا و 23 ألفًا. أمّا الغيابي للمهجّرين، فهو 26 ألفًا و 350، وبلغ عدد مراكز الاقتراع العام 8075 مركزًا ضمّت 48 ألفًا و 852 محطة. وفي الاقتراع الخاص، بلغت نسبة المشاركة %91، تتوزّع على عدد الناخبين من القوّات الأمنية البالغ عددها مليونا و 23 منتسبًا، صوّت منهم 835 ألف منتسب. في حين صوّت من نزلاء السجون والمستشفيات 19 ألفًا. ويلاحظ أنّ أعداد المشمولين بالتصويت الخاص تعدّ كبرة ومؤثّرة بلا شكّ. وبالنظر إلى نتائج الاقتراع الخاص في المحافظات العراقية، فإنّ ائتلاف دولة القانون برئاسة المالكي قد نال نصف المقاعد في بغداد ومحافظات الجنوب التسع الأخرى. ويمكن تفسر ذلك بأنّ الأجهزة الأمنيّة غالبًا تدين بالولاء للمالكي، نتيجةً لطبيعة التعيينات التي جرت في فترة ولايتيه.
أمّا ارتفاع أعداد المرشحين، فيمكن قراءته على أنّه يتوزّع بين الدوافع الشخصية للبعض للتنعّم بالمكاسب الكبرة التي يحظى بها النوّاب، من رواتبَ عالية، وحراسة كبرة، ورواتب تقاعدية عالية، بعد انتهاء مهامّهم. كما تقوم بعض العوائل والأقرباء والمناطق في بعض الأحيان بالدفع بمرشّحين من بينهم، للاستفادة من المناصب والنفوذ الذي سيحصل عليه هؤلاء عند فوزهم بعضوية البرلمان؛ فالبعض يطمع في الحصول على فرصة وظيفة أو فرصة عمل بواسطة هذا المرشّح "القريب"، أو تحلم بعض المناطق والعشائر، بمكاسبَ لها جرّاء فوز أحد أبنائها في الانتخابات. والأمر نفسه يمكن أن يقال عن ترشيح شخصيات نسائية، لا سيمّا وأنّ وجود نظام الكوتا النسوية في البرلمان، قد طمأن الكثر منهن أو ذويهنّ، على أنّ فرصهنّ في الفوز مضاعفة أكثر من الرجال حتى وإن حصد زميلها في القائمة أو الكتلة الانتخابية أصواتًا أكثر منها في الدائرة نفسها؛ بحكم أنّ هذا النظام يمنح الفرصة لامرأة من بين كلّ ثلاثة مرشحين. كما أنّ وجود نظام الكوتا الإجباري للكتل السياسية هذا، قد أذاب الكثر من القيود الاجتماعية ودفع بالعديد من الوجاهات الاجتماعية ورجال الدين للوقوف خلف النساء أحيانًا في مؤتمرات صحفية وانتخابية، إذا ما كانت أولئك النسوة ضمن العناصر القيادية في القائمة. ولوحظ انعدام حظوظ المرشحين من الشخصيات الأكاديمية والعراقيين المقيمين في الخارج خصوصًا المقيمين في بلدان غربية؛ فبحسب علمنا تقدَّم الكثر من هؤلاء، ولم يفز أيّ منهم. وكذا الحال بالنسبة إلى الشخصيات الأكاديمية من أساتذة الجامعات، أضف إلى هؤلاء شخصيات إعلامية ورياضيين مشهورين في البلد لم يحقّقوا المطلوب من الأصوات. تدلّ هذه المؤشرات على حذر الناخب. وتبُرز تصوّره؛ فهؤلاء قادمون لزيادة أرصدتهم المالية وشهرتهم، وهم بعيدون عن الواقع اليومي للمواطن البسيط. ولعلّ ضعف الدعاية الانتخابية، وغياب برامجَ انتخابية مقنعة، يعدّان سببين إضافيين لذلك. فنال بعض هؤلاء المرشّحين أصواتًا بالعشرات.
موقع المرأة
يمتاز قانون الانتخابات العراقية بفرض كوتا نسوية تمثّل %25 من عدد مقاعد البرلمان، ووضع امرأة من بين كل 3 أشخاص في كلّ قائمة انتخابية. وعليه، فإنّ المرشحة يمكن أن تتقدّم إلى الترتيب الثالث حتى لو كان الشخص الرابع (رجلً) أكثر منها رصيدًا بعدد الأصوات. ولكن على الرغم من ذلك، فقد حقّقت بعض النساء أصواتا تغني عن الكوتا، وعدد أولئك النسوة 22. وهو رقم جيّد، وفاجأ كثرين. وهؤلاء النساء الفائزات هنّ: حنان الفتلاوي في بابل التي حصلت على أعلى الأصوات 90.781(صوتًا) من بين بقية المرشحات، وهدى سجاد من محافظة القادسية 39.691(صوتًا)، ونجيبة نجيب في دهوك، وناهدة الدايني عن ديالى، وسعاد محمد في النجف، وزينب كاظم عن بابل، وسهاد موسى من القادسية، وخولة منخي في المثنى، وشرين عبد الرحمن عن دهوك، وابتسام هاشم من كربلاء، ونوال جمعة عن ذي قار، وصباح عبد الرسول من بغداد، وعائشة مهدي في بغداد أيضًا، وأشواق الجاف عن السليمانية، وانتصار علي ومحاسن حامد عن نينوى، وسروة عبد الواحد عن أربيل، وآلا طالباني عن كركوك، وندى عبد الله، وسعاد حبيب، وناهدة حبيب، وعالية نصيف عن بغداد.
لقد وُجدت قائمة انتخابية باسم "تيار المرأة المستقل" لم تحصل إلا على أصوات قليلة أكثرها 239 صوتًا في بغداد لمرشحتها الأولى، ومثلها في محافظة البصرة، ونالت باقي الأعضاء وكلّهن من النساء بالطبع أصواتًا متواضعة. ويرجّح أنّ عدم فوز هذه القائمة يعود إلى ضعف شعبية هؤلاء النسوة المرشحات فيها وعدم وضوح برنامجها الانتخابي، وإن كان يُفهم منها أنّها معنيّة بقضية الجندر وتريد إنصاف المرأة. لا يزال الناخب العراقي مشغولً بهمومٍ غر تلك؛ فالهمّ الأمني، وتحسين الخدمات، وتقليص البطالة، ووحدة البلد، والتدافع الطائفي والإثني، تأتي في سلّم الأولويات.
يبدو أنّ إلزامية إدراج النساء في القوائم بحكم نظام الكوتا، وحتمية وجودهنّ في البرلمان، قد جعلت مشاركتهنّ في العملية السياسية أمرًا واقعًا، وفرضت قبولً من المواطنين والسياسيين على السواء؛ فباتت حتى العوائل المحافظة لا تمانع في ترشيح بناتها إلى المؤسسات السياسية، بخاصة وأنّ الصورة النمطية للمرأة (السياسية) قد تغيّ ت؛ فسابقًا كانت كلّ النساء اللواتي يعملن وينشطن في الاتحادات والتنظيمات النسوية، وأعضاء البرلمان الأسبق والوزيرات وأعضاء حزب البعث وقياداته (بوصفه الحزب الوحيد المجاز والفاعل في الحياة السياسية سابقًا)، غر محجّبات، إلا بعض الاستثناءات المعدودة. بتنا الآن نشاهد نساءً بملابسهنّ التقليدية (بخاصة العباءة والحجاب) يدخلن البرلمان العراقي، ومجالس المحافظات، أعضاء فيه وناشطات في الحياة السياسية.
نتائج الانتخابات: المفاجآت بين الرابحين والخاسرين
مقارنةً بنتائج انتخابات 2010، فإنّ عدد مقاعد ائتلاف دولة القانون قد زاد في البرلمان بفارق 6 أصوات. وكان عدد مقاعد المالكي في الدورة السابقة 89 مقعدًا، وأصبح 95 مقعدًا بإضافة مقاعد الكتل الصغرة المتفرّعة عنه. علمً أنّ منظمة بدر قد انضمّت إليه بعد أن كانت ضمن الائتلاف الوطني في الدورة السابقة. أمّا كتلة الأحرار التي تمثّل التيار الصدري، فيبدو أنّها قد تضرّرت بانسحاب زعيمها مقتدى الصدر الذي أعلن انسحابه من العمل السياسي ووقوفه على مسافةٍ واحدة من الجميع كما صرّح، فقد تراجع عدد مقاعد الكتلة من 40 مقعدًا إلى 34 مقعدًا بانضمام القائمتين الأخريين التابعتين له (تيار النخب، وتجمّع الشراكة الوطنية)، لتكون الكتلة الثانية الأكبر في البرلمان بعد دولة القانون. في حين ارتفع رصيد "ائتلاف المواطن" ليسجّل 31 مقعدًا على الرغم من انشقاق منظمة بدر عنه. وقد مثّل انفتاح ائتلاف المواطن في هذه الدورة على شخصيات لبرالية بخاصة من النساء (غر محجّبات)، خرقًا للعادة كون الائتلاف يرتكز على حزبٍ ديني (المجلس الإسلامي العراقي الأعلى) وقيادة دينية تقليدية. وحافظ إياد علاوي على رصيد شعبي طيّب، على الرغم ممّ مرّت به كتلته (العراقية سابقًا) من عملية تفتيت، خرج منها أعضاء كثر شكّل بعضهم ائتلاف الوطنية البيضاء وانضمّ آخرون إلى ائتلاف دولة القانون، والبعض إلى الكتل التي تمثّل الطائفة السنّية. ولاقى أيضًا محاربة ومحاصرة كبرة من جانب غريمه المالكي، تمثّلت بحرمانه من المناصب، وإبعاد بعض أعوانه بمختلف الحجج. وعليه، فإنّ ما حصل عليه من مقاعد 21(مقعدًا) يُعدّ مكسبًا طيّبًا وفقًا لهذه الظروف (انظر الجدول 3)، لا سيمّا وأنّ معالم كتلته باتت أكثر وضوحًا في تصنيفها "وطنية" لبرالية. ولم يسجّل الحزب الشيوعي حضوره في البرلمان المقبل سوى مرشّحته المهندسة والناشطة المدنية شروق العبايجي عن التحالف المدني الديمقراطي، وهي ثالث ثلاثة مرشّحين (إلى جانبها مثال الآلوسي، وفائق الشيخ علي)، فازوا عن هذا التحالف الذي يُعدّ قائمة "وطنية" خالصة، تضمّ شخصيات معتدلة من مختلف الطوائف. تقدّم "ائتلاف دولة القانون" القوائم والكتل الائتلافية الأخرى بفارقٍ كبر، سواء بعدد الأصوات الكلّية أو عدد المقاعد في البرلمان، إضافةً إلى أعلى تصويت فردي؛ فقد حصد الائتلاف الذي يقوده رئيس الوزراء 92 مقعدًا بصورة أوّلية، وازداد العدد إلى 95 مقعدًا بعد إضافة القوائم الأخرى المتفرّعة عنه، ثمّ انضمام كتل صغرة إليه، على الرغم من أنّ كلّ ذلك ليس كافيًا لتشكيل حكومة تتطلّب النصف 1+ من
مجموع المقاعد البرلمانية البالغ عددها 328 مقعدًا. أمّا على صعيد مجموع أصوات الناخبين، فقد نال ائتلاف دولة القانون 3.141.835 صوتًا، وبفارقٍ كبر عن أقرب ائتلاف له وهو ائتلاف المواطن الذي وصل عدد المصوّتين له إلى 982.003 صوتًا، ثمّ تيار الأحرار.
على صعيد التصويت الفردي، وباستعراض العشرة الأوائل، نال نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون 721.782 صوتًا، تلاه خصمه إياد علاوي قائد ائتلاف الوطنية ب 229.709 صوتًا، ثمّ ئارام محمد علي من قائمة التغير في السليمانية 150.613 صوتًا. وحلّ رابعًا مرشّح "الحزب الديمقراطي الكوردستاني" نجم الدين عمر كريم محافظ كركوك والمرافق الخاص لرئيس الجمهورية جلال طالباني ب 150.84 صوتًا. أمّا الترتيب الخامس، فقد ناله خلف عبد الصمد رئيس مجلس محافظة البصرة من دولة القانون ب 126.848 صوتًا. في المركز السادس، حلّ رئيس البرلمان أسامة النجيفي رئيس قائمة "متحدون للإصلاح" في نينوى بحصوله على 112.551 صوتًا. في الترتيب السابع، حنان الفتلاوي من "ائتلاف دولة القانون" عن محافظة بابل ب 90.781 صوتًا، وهي أوّل امرأة تدخل في المراكز العشرة الأولى لأعلى الأصوات خلال هذه الدورة والدورة السابقة. وفي الترتيب الثامن شركو مرزا عن الاتحاد الكوردستاني في السليمانية بحصوله على 83.663 صوتًا. أمّا الثامن، فكان محمد الدراجي وزير الإعمار ورئيس قائمة "الأحرار" في بغداد، في حين حصد ئاريز عبد الله محمود عن الاتحاد الوطني الكوردستاني في أربيل المركز التاسع بحصوله على 76.380 صوتًا. وأخرًا في المركز العاشر حلّ رئيس كتلة المواطن في بغداد باقر جبر الزبيدي ب 62.898 صوتًا. يلاحظ أفول نجم إبراهيم الجعفري الذي كان ضمن الأوائل في الانتخابات السابقة، وبرصيدٍ كبر. هناك عدّة عوامل ساهمت في حصول نوري المالكي على هذا العدد الكبر من الأصوات بفارق يقارب الثلثين عن أقرب منافسيه، وهو خصمه اللدود إياد علاوي الذي تفوّق عليه في الدورة السابقة. ويمكن إيجاز هذه العوامل في ما يلي: اعتقاد من صوّت له أنّه الشخص القادر على ضرب الإرهاب الذي يستهدفهم على أسس طائفية بصورة رئيسة. الحشد الطائفي الذي أشرنا له في مبحثٍ سابق من هذه المادة، والذي صوّر المالكي على أنّه "مختار العصر." العقلية العراقية لدى الغالبية ربّ ا لا تزال تعتقد في الشخص "المخلص" والزعيم الأوحد الذي يقود البلد ويخلّصه من أزماته. في حين أنّنا نرى أنّ الوضع العراقي الآن في حاجةٍ إلى مشروع "كاريزما" ينقذه عوضًا عن شخص. استغلال المالكي وكتلته المناصب الحكومية والممتلكات العامة للتأثر في أصوات الناخبين، دون السماح لخصومه بذلك. وقد تجسّد ذلك في توظيف قناة العراقية الفضائية التي أصبحت إلى حدٍّ كبر ناطقة باسمه، واستخدام الملاعب الرياضية الكبرة مثل ملعب المدينة الرياضية الثاني في البصرة وهو قيد الإنشاء، للقائه بأتباعه أثناء حملاته الانتخابية. وكذا الحال في ملعب ميسان الدولي الذي هو قيد الترميم وإعادة التأهيل الآن. علمً أنّ هذه الملاعب غر مفتوحة حتّى للرياضيين، فضلً عن خصوم المالكي لإجراء لقاءاتهم الجماهرية عليها. واستخدام بعض المؤسسات والآليات الحكومية لتوزيع موادّ دعاية أو تشغيل موظفيها للأغراض نفسها. وهذه كّلها بالطبع خروقات لقانون الانتخابات العراقية. استغلال المالكي منصبه وصلاحياته لأغراضه الانتخابية، مثال ذلك توزيع سندات تمليك قطع أراضٍ سكنية على المحتاجين في محافظات الجنوب بخاصة في لقاءات مع حشود منهم يحضرها بنفسه ويقوم بتوزيع صكوكها، قبل الانتخابات بأيّام. وبطبيعة الحال، فإنّ هذا السلوك سرهن أصوات المحتاجين وذويهم طالما أنّ عملية التمليك تستغرق وقتًا، ما يعني أنّها قد تذهب أدراج الرياح مالم يكن المالكي نفسه قائمًا عليها؛ ما يؤكّد حاجة هؤلاء إلى إعادة انتخابه. وتمتاز هذه العوائل الفقرة بكبر حجم كلٍّ منها، ومن هنا، تعدّ العملية "استثمارًا" انتخابيًّا مربحًا. يعتقد البعض من بسطاء الناس في "التجربة"، وإن كانت سلبية. وبحسب الثقافة العراقية يقول المثل الشعبي: "شين (سيّء) تعرفه، أفضل من زين لا تعرفه"؛ أي شخص سيّء تعرفه أفضل من جيّد تجهله. ولهذا يعتقد البعض أنّ المالكي أصبحت له تجربة في إدارة الدولة ومحاربة الإرهاب، وأنّه يبذل جهوده لكن شركاء العملية السياسية لا يقفون معه.
| مجموع الأصوات | عدد المقاعد | الائتلاف | ت |
|---|---|---|---|
| 3141835 | 92 | األقانون (المالكي) | 1 |
| 917589 | 28 | ك املأحرار (الصدر) | 2 |
| 982003 | 29 | ااإلمواطن (الحكيم) | 3 |
| 680690 | 23 | مم ماتحدون للإصلاح (أسامة النجيفي) | 4 |
| 686017 | 21 | ي اييملوطنية (إياد علاوي) | 5 |
| 852198 | 19 | يا اييالديمقراطي الكوردستاني (مسعود بارزاني) | 6 |
| 780519 | 19 | ني ني يم االاتحاد الوطني الكوردستاني (طالباني) | 7 |
| 315858 | 10 | ني ني يا ارئتلاف العربية | 8 |
| 451858 | 9 | اييلتغيير (كوران) | 9 |
| 185804 | 6 | اياإلتحالف الكوردستاني في نينوى | 10 |
| 165856 | 4 | ني في ااإلحركة الإسلامية في كوردستان | 11 |
| 192763 | 6 | ف تميار الإصلاح (الجعفري) | 12 |
| 211257 | 6 | ي اميملفضيلة والنخب المستقلة | 13 |
| 112563 | 3 | اىالتحالف المدني الديمقراطي | 14 |
| 159605 | 5 | يم ن اائتلاف ديالى هويّتنا | 15 |
| 153672 | 5 | ااإائتلاف العراق | 16 |
| 137594 | 3 | ااملجماعة الإسلامية الكوردستانية | 17 |
| 61807 | 2 | قائمة السلام الكوردستانية | 18 |
| 116268 | 3 | م تريار النخب | 19 |
| 110933 | 3 | تجمّع الشراكة الوطنية | 20 |
| 79071 | 3 | تامحالف نينوى | 21 |
| 71492 | 2 | قاائمة جبهة تركمان كركوك | 22 |
| 67796 | 2 | ارائتلاف الوفاء العراقي | 23 |
| 67084 | 2 | يا تأاجمّع الكفاءات والجماهير | 24 |
| 58994 | 3 | ائتلاف الوفاء للأنبار | 25 |
| 46627 | 2 | واحدة أبناء العراق | 26 |
| 46039 | 1 | تميماحالف صلاح الدين الوطني | 27 |
| 41090 | 1 | يا اائتلاف البديل المدني المستقلّ | 28 |
| 38328 | 1 | نيما ائتلاف عرب كركوك | 29 |
| 36288 | 1 | كرامة | 30 |
| 36026 | 1 | كتلة الصادقون | 31 |
| 31973 | 1 | تيار الدولة العادلة | 32 |
| 27515 | 1 | حاياازب الدعوة تنظيم الداخل | 33 |
| 26910 | 1 | م ايلائتلاف الوطني في صلاح الدين | 34 |
| 26013 | 1 | ياا في املتضامن في العراق | 35 |
| 24353 | 2 | في قأيريمائمة الرافدين (مسيحية) | 36 |
| 23781 | 2 | ااالمجلس الشعبي الكلداني السرياني الأشوري | 37 |
| 18229 | 1 | يأ ن ني يم ااإئتلاف خلاص | 38 |
| 14910 | 1 | امملحركة اليزيدية من أجل الإصلاح والتقدم | 39 |
| 12626 | 1 | م قائمة الوركاء الديمقراطية | 40 |
| 7194 | 1 | حارث شنشل (الصابئة) | 41 |
| 3357 | 1 | ممجلس أحرار الشبك | 42 |
| 11222403 | 328 | المجموع |
أفرزت نتائج الانتخابات اختفاء عددٍ من الوجوه التي كانت مألوفة في المشهد السياسي العراقي. وقد مثّل ذلك مفاجأةً كبرة كون بعضهم من قيادات أحزاب مهمّة منها حزب "الدعوة" الحاكم. ومن هؤلاء: حسن السنيد، وخالد العطية، وكمال الساعدي، وعلي الشلاه، وسامي العسكري، ونعيم عبعوب أمين العاصمة. ولم تتمكّن قائمة القيادي في دولة القانون عزت الشابندر من الحصول على أيّ مقعد من ضمن ذلك رفيقه المعارض السابق للمالكي مشعان الجبوري، وكذا القائمة البيضاء بزعامة جمال البطيخ. كما نال حسن العلوي عددًا متواضعًا من الأصوات لم يؤهّله بالطبع لمقعدٍ في البرلمان. وتشمل القائمة أيضًا: القاضي جعفر الموسوي، وسلمان الجميلي، وشروان الوائلي وزير الأمن الوطني السابق، وعلي الحلي القيادي في حزب الدعوة، وسعدون الدليمي وزير الثقافة ووزير الدفاع بالوكالة. مقارنةً بانتخابات 2010، يمكن تلخيص المشهد الجديد لخريطة القوائم الانتخابية، بما يلي: أوّلً: انشطار بعض الكتل التي كانت تمثّل ركائزَ أساسية في البنية السياسية الطائفية العراقية؛ فقد انقسم "الائتلاف العراقي الموحّد" الذي كان يمثّل ائتلاف الشيعة في الانتخابات السابقة إلى: "دولة القانون" الذي يقوده المالكي، و"الأحرار" الذي يقوده مقتدى الصدر، و"المواطن" الذي يقوده الحكيم. في المقابل انشطرت "القائمة العراقية" التي قادها إياد علاوي، وكاد أن يحصد منصب رئاسة الوزراء مع المالكي لولا عملية التكتلّات التي حصلت، فأخرجته. وانقسمت القائمة التي كان يشار إلى أنّها تمثّل الطائفة السنّية إلى كتلة "العربية" التي يقودها صالح المطلك، و"متحدون" برئاسة أسامة النجيفي، إضافةً إلى "الوطنية" التي يرأسها إياد علاوي. لا شكّ في أنّ هذه الانشقاقات في الكتل الطائفية علامة صحية وبارقة أمل في اختبار الوطنية العراقية. ثانيًا: هناك مؤشرات تدلّ على نوعٍ من الائتلافات داخل قبّة البرلمان بين قوائم سنّية وشيعية، يجمعها هدف رئيس هو إبعاد المالكي عن ولاية ثالثة. وإنّ هذا معطى إيجابي في مصلحة الوطنية؛ فالائتلاف داخل البرلمان يكمل مشاريع القوائم المشتركة (العابرة للطائفية) على الأقلّ في هذه المرحلة، ويبعث أملً بأن يكون هناك نوع من الانسجام في تشكيلة الحكومة اللاحقة وعملها، نتيجة وجود معارضة برلمانية قويّة مفترضة تتمثّل بكتلة "ائتلاف دولة القانون." ثالثًا: لا تزال الائتلافات المدنية والوطنية "العابرة للطائفية"، غر جاذبة بالشكل المرجوّ على الرغم من مناداة الجميع بالتغير. وهذا ما حقّقه "التحالف المدني الديمقراطي" الذي شُكّل حديثًا قبل الانتخابات، ونواته الرئيسة "الحزب الشيوعي العراقي"، وبعض العناصر من الأوساط الثقافية والأكاديمية والناشطين السياسيين، ممّن لم يعرف عنهم مشاركتهم بفاعلية في إدارة البلد في المرحلة الماضية، أو ممّن عُرفوا بانتقادهم الشديد طريقة إدارة الدولة والصراع بين أقطابها؛ فقد حصل على ثلاثة مقاعد فقط. ولم يحصل ائتلاف الوطنية الذي يقوده إياد علاوي إلا على 21 مقعدًا. رابعًا: استمرار غياب الكتل وحتى الفائزين ممّن يحملون الصبغة القبلية (العشائرية) عن المشهد الانتخابي العراقي، في تأكيدٍ على "وهمية" التأثر القبلي في الصوت الانتخابي إلا بحدودٍ قليلة جدًّا. قد يكون تصويت بعض الناخبين واختيار بعض المرشّحين على أساسٍ قبلي، نتيجة غياب البرامج الانتخابية الواضحة والمؤثّرة، وغياب المشاريع الوطنية التي تجذب الناخبين، إضافةً إلى تفشّ المحسوبين كمظهر من مظاهر الفساد الإداري هو الذي يدفع البعض إلى التفكر في شخصٍ يستجيب لمطالبهم.
احتمالات تشكيل الحكومة المقبلة
مع تعقّد الوضع الأمني في بعض المناطق ذات الأغلبية السنّية، فإنّ أمر تشكيل الحكومة العراقية أخذ في التعقيد أيضًا، على الرغم من اتضاح صورة نصيب كلّ كتلة وائتلاف شارك في الانتخابات، وإن كان ائتلاف دولة القانون قد جمع أصواتًا من خلال ما حقّقه تحالفه مع بعض الكتل الصغرة وانضمام كتل تابعة له فازت بمقاعدَ قليلة، واحتمال انضمام ممثلّي كتلة حزب الفضيلة 6(مقاعد)، وذلك بحكم التقارب بينهما، كون كتلة الفضيلة تتبع المرجع الديني اليعقوبي الذي ينتقد مرجعية السيستاني، ومن المنطلق نفسه فإنّ المالكي غر مرضيّ عنه من قبل مرجعية السيستاني؛ إذ رفضت استقباله عدة مرات،
وانتقده أحد زملاء المرجع السيستاني والمقربين منه وهو الشيخ بشر النجفي، وأفتى بعدم انتخابه. ويتوقّع أيضًا انضمام كتلة الصادقون الممثلة لحركة عصائب أهل الحق، ولها مقعد واحد، بحكم قربها من المالكي الذي سمح للحركة بالنشاط السياسي على الرغم من تحفّظ الكثر من المراقبين وبعض الأوساط الشعبية على الحركة واتّهامها بنشاطات طائفية وأنّها مليشيا تمارس نشاطًا طائفيًّا. وعلى الرغم من كلّ هذه التحالفات، فإنّ ذلك لا يؤهّل المالكي لتشكيل الحكومة. ويبقى الاحتمال الأرجح أنّ ائتلاف الأحرار والمواطن والأكراد مع الكتل السنّية، سيكفل تشكيل حكومةٍ دون المالكي في الدورة المقبلة. أمّا احتمال المالكي في تشكيل الحكومة المقبلة، فهو يتعلّق بدرجة كبرة بتفاهمه مع الائتلاف الكوردي من خلال إعطائه تنازلات تتعلّق بمطالبهم الرئيسة التي تخصّ استثمار النفط والميزانية والنفوذ في المناطق المتنازع عليها. وفي حالة اتفاق خصوم المالكي وتشكيلهم الكتلة الأكبر في البرلمان، فإنّه من المرجّح أن يكون رئيس الوزراء المقبل من كتلة الأحرار، وذلك نتيجة كونها الكتلة الأكبر بين هؤلاء، ولو بفارقٍ قليل، ولاعتدال الكتلة وموقف زعيمها مقتدى الصدر تجاه القضايا الخلافية ودعوته لإنصاف أبناء المناطق ذات الأغلبية السنّية، وانتقاده المستمرّ المالكي وحكومته. وفي هذه الحالة، يتوقّع أن يكون المهندس علي دواي لازم، محافظ ميسان الحالي هو رئيس الوزراء المقبل، نتيجة طرحه من جانب كتلة الأحرار فترة الانتخابات، وكذلك كونه شخصية إدارية ناجحة جعل من محافظة ميسان محطّ أنظار مواطني باقي المحافظات العراقية، وغبطتهم. تتّجه الكتل السنّية إلى توحيد صفوفها في كتلة موحّدة داخل البرلمان؛ فهناك بوادر لذلك سواء من خلال اتحاد القوى الوطنية الذي شكّله النائب عن محافظة ديالى والقيادي في الحزب الإسلامي سليم الجبوري ويضم 35 نائبًا، أو (كتلة الاتحاد) الذي يضمّ كتلة متحدون وخمس قوائم أخرى من ستّ محافظات. ويدفع باتّجاه توحيد القوى السنّية، كلّ من تركيا ودول الخليج بخاصة السعودية، من أجل تقوية موقف السنّة، وتجنّب إعادة تولية نوري المالكي من جديد. أمّا مسألة شغل منصب رئيس الجمهورية، فإنّ حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني لا يزال متمسّكًا بها؛ فقد شغلها في الدورتين السابقتين زعيمه الرئيس جلال طالباني، والآن طرح الحزب خمسة أسماء من داخله، وهم: برهم صالح، وعادل مراد، ونجم الدين كريم، وعدنان مفتي، وفؤاد معصوم. وقد يكون الأقرب هو الدكتور برهم صالح، لخبرته بالعمل في الحكومة السابقة (نائب رئيس وزراء)، وعلاقاته الطيبة مع العديد من الأوساط السياسية والاجتماعية العراقية بصورة عامة والدولية بخاصة.
خلاصة
بإمكاننا أن نستخلص أنّ نسبة الحماس للمشاركة في العملية السياسية، تتدنّ باستمرار وتنخفض؛ وذلك من خلال مؤشّ المشاركة في الانتخابات، وآخرها الانتخابات البرلمانية 2014. ويمكن تفسر هذا العزوف على أنّه نوعٌ من الاحتجاج جرّاء الإحباط الذي أصاب الناخب وخيبة أمله في ممثّليه البرلمانيين والحكومة. وقد تجلّت هذه الخيبة أيضًا في معاقبته العديد من أعضاء البرلمان السابق بعدم إعادة انتخابهم. كما أنّ توجّهات الناخب العراقي بصورة عامة لا تزال منحازةً إلى الخطابات الطائفية والجهوية والإثنية بصورةٍ عامة. وإنّ نتائج الانتخابات بما فيها تقدّم رئيس الوزراء للدورة المنصرمة (نوري المالكي) وائتلافه في الانتخابات قد أظهرت ذلك. وعليه، فمن المرجّح أن يستمرّ الاحتقان الطائفي ويتأخّر تشكيل الحكومة المقبلة، على الرغم من الاتفاق في وجهات النظر والتقارب بين خصوم المالكي من السنّة والشيعة والأكراد، لكن تضارب المصالح والملفات الشائكة المتعلقة بالأمن وتقاسم المناصب سوف تكون سببًا لذلك التأخر، في حين ستكون المعارضة المتمثّلة بائتلاف دولة القانون قوية ومتماسكة أكثر من أيّ معارضة سابقة، ذلك لأنّها كتلة واحدة أصلً. على الرغم من نقاط التشاؤم هذه، كشفت الانتخابات الأخرة وعيًا بأهمية دور المرأة في الحياة السياسية، وهذا ما بيّنته نتائج الانتخابات؛ إذ حقّقت 22 امرأة الرصيد المطلوب من أصوات الناخبين لتكسب عضوية مجلس النواب، دون الحاجة إلى تطبيق نظام "كوتا" النساء الذي يفترض أن يكون ربع الأعضاء من النساء.