محورية الجغرافيا والتحكم في البوابة الشرقية للغرب: أوكرانيا بؤرة للصراع

عماد قدورة

الملخّص

تحتل أوكرانيا موقعًا حساسًا بين روسيا وأعضاء حلف شمال الأطلسي؛ إذ تعد حاليًا الدولة الفاصلة الأكبر بينهما، كما تحتل أكثر من نصف مساحة "البوابة الشرقية" المؤدية إلى أوروبا، وهي تعدها بوابة لعبور التهديدات تاريخيا. ويستهدف استمرار عمليات الإدماج والشراكة الأوروبية والأطلسية تقليصَ نفوذ روسيا في تلك المنطقة وإحكام السيطرة عليها. أما روسيا التي بات يؤرقها وصول نفوذ الغرب إلى جوارها المباشر والواسع، فا تستطيع أن تترك أوكرانيا لتصبح جزءًا من منظومته الأمنية والاقتصادية؛ إذ فضل ا عن المشاعر القومية الروسية تجاهها، فإنها تعتبر ضمن "منطقة المصالح المتميزة" والحصن الإستراتيجي الأخير الذي يعزلها عن الغرب وحلفائه. إنّ التوتر العالمي الذي أحدثته أزمة أوكرانيا وتهديدها عاقات فاعلين دوليين كبار، يستدعي مناقشة الإطار الأوسع لمكانتها في الرؤى الإستراتيجية الغربية والروسية. كما تناقش الدراسة أيض ا الدلالات الإستراتيجية لتحرّكات الطرفين عبر قراءة الخريطة السياسية الحالية للمنطقة المحيطة بأوكرانيا، وتركز بشكل أكبر على إستراتيجية الغرب؛ فتناقش احتمالات السلوك المستقبلي الغربي تجاه روسيا ضمن "إطار إستراتيجي كلي" يتناسب وحجم المشكلة وعمقها، وتجيب أخيرًا عن سؤال: لماذا قد تستمر الأزمة؟

مقدمة

عندما توضع أزمة أوكرانيا في السياق الإستراتيجي الواسع والدائم، وليس ضمن وصفٍ للأحداث المتغرة، فإنّ إدراك عمق الأزمة في المنطقة الواقعة فيها يتطلب الانطلاق من ملاحظات واقعية متعلقة بالتفكر السائد لدى الغرب وروسيا. فعلى الرغم من أننا نعيش عصر العولمة والانفتاح وتجاوز الحدود وتلاشي مفاهيم "الغزو" و"الضمّ" و"المناطق العازلة والفاصلة"، فإنّ أولى تلك الملاحظات تتمثل بهاجس الغرب القائم على ضرورة "تأمين" البوابة الشرقية التي ولج منها "الغزاة" في التاريخين القديم والمعاصر بصور متعددة إلى داخل أوروبا؛ وذلك عبر مدّ النفوذ إليها والتحكّم فيها أو احتواء من يسيطر عليها. و الثانية، أنّ روسيا مسكونة بهاجس "الغزو" الغربي بأشكاله المختلفة أيضًا، وأنّ مركزها الشرقي وعظمتها الإقليمية والدولية تتطلب قبل كل شيء بسط نفوذها الكامل على مناطق مصالحها الحيوية التي تجاور أراضيها. و الثالثة، أنّ تغيّ النظام الدولي إلى أشكال مختلفة منذ القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة، لم يغيّ طبيعة التفكر الاستقطابي الروسي - الغربي ومحاولات بسط النفوذ على مناطق أوروبا الشرقية (ومنها أوكرانيا وشبه جزيرة القرم التي ظلت محل نزاع وحروب.) و الرابعة، أنّ مركزية هذه المناطق وأهميتها ولّدت تحرّكات بشرية تاريخية تعاقبت على احتلالها أو المرور عبرها، فأثّرت في مصائر شعوبها وكوّنت دولً أو عدّلت حدود أخرى. وقد حفّزت هذه التحرّكات الديناميكية المؤرخين والمفكرين على تفسرها اجتماعيًا وسياسيًا وجغرافيًا. وكانت من بين أبرز تلك المحاولات الأفكار الجيوبولتيكية المرتكزة على محورية الجغرافيا وثباتها وتأثرها في إستراتيجيات الغرب وروسيا في القرن العشرين حتى هذه اللحظة الراهنة التي نرقب فيها توترًا دوليًا حادًا وعقوبات صارمة ومتصاعدة بسبب "أحداث" أوكرانيا. فأوكرانيا - مركز الأزمة العالمية الجديدة – تحتل موقعًا حساسًا بين روسيا وأعضاء حلف شمال الأطلسي "الناتو." وتتمثل وجهة النظر الأمركية والأوروبية بأنّ وجود أوكرانيا قوية ومستقلة يعد جزءًا مهمً من بناء "أوروبا كاملة وحرة وآمنة"1. ويتطلب استكمالُ عمليات تأمين أوروبا – التي أخذت تتسارع منذ تسعينيات القرن العشرين عبر توسيع نطاقي الناتو والاتحاد الأوروبي - تقليصَ نفوذ روسيا في الأراضي "الأوروبية" ومحيطها، والوصول إلى آخر نقطة ممكنة تلامس الأراضي الروسية عبر إدماج أوكرانيا بمظلة الشراكة الاقتصادية والأمنية؛ ما يمكّن الغرب من إحكام سيطرته على "البوابة" الشرقية بدرجة كبرة. أما روسيا العاجزة في التسعينيات، فيبدو أنها – بعد تعافيها – تعمل على استعادة المبادرة في مناطق نفوذها الخاصة، ولن تسمح للغرب بأن يقوم بمزيد من التوسع شرقًا لتحقيق أهدافه. ولم يكن لجوؤها إلى "الغزو" والضم أو دعم انفصال أجزاء من أوكرانيا، وقبلها في جورجيا، إلا جزءًا من إدراكٍ جيوبولتيكي ثابتٍ أيضًا.

محورية الجغرافيا والتحك م في البوابة الشرقية للغرب

تمثل الجغرافيا المسرح الذي تصادمت عليه الأمم طوال التاريخ، وهي عاملٌ مهمٌ في السياسة الدولية بوصفها العنصر الدائم والثابت. ولهذا تحدِّد الجغرافيا رؤى قادة الدول، وتؤثر في صناعة قراراتهم في شؤون السياسة الخارجية2. وقد انبرى الجغرافيون المهتمون بالسياسة العالمية ومسار صعود الأمم وأفولها لتقديم رؤيةٍ للمشهد العالمي باستخدام أوصاف واستعارات جغرافية3، وبخاصة ضمن ما عُرف بعلم الجيوبولتكس الذي يرتبط "بشكل وثيق بالجغرافيا الإستراتيجية التي تهتم بالسيطرة على المناطق المؤثِّرة في أمن الدول ورفاهيتها وتأمين الوصول إليها"4. وفي سياق الصراع "المتجدِّد" بين الغرب وروسيا على النفوذ في المناطق والدول العازلة أو الفاصلة بينهما، كان ل "ثبات" الجغرافيا نصيبٌ في ثبات إستراتيجيات الطرفين تجاه بعضهما، على الرغم من اختلاف السلوك والسياسات بين فترة وأخرى. ونقصد بالمناطق العازلة أو الفاصلة في هذه الدراسة دول أوروبا الشرقية والوسطى. ولكن بعد

  1. 4  Mackubin Thomas Owens, “In Defense of Classical Geopolitics,” Naval War College Review vol. LII, no. 4 (Autumn 1999), p. 60, at: http://goo.gl/ H00A3m
  2. Francis P. Sempa, Geopolitics: From the Cold War to the 21st Century (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2002), p. 5.
  3. Klaus Dodds, Geopolitics: A Very Short Introduction (Oxford; New York: Oxford University Press, 2007), p. 4.
  4. 1  Steven Woehrel, “Ukraine: Current Issues and U.S. Policy,” Congressional Research Service , May 8, 2014, p. 1, at: http://www.fas.org/sgp/crs/row/ RL33460.pdf

انضمام أغلبها إلى الاتحاد الأوروبي و/ أو حلف شمال الأطلسي، تقلصت هذه المناطق ودولها إلى دولتين هما: أوكرانيا وبيلاروسيا؛ وهما الدولتان المتصلتان اللتان تشكلان الحاجز الأخر الفاصل بين الغرب وحلفائه من جهة، وبين الأرض الروسية من الجهة المقابلة، وتمتدان طولً لتشكلا معًا الجزء الأكبر من "البوابة" أو المساحة البرية المفتوحة الممتدة بين البحر الأسود وبحر البلطيق (انظر الخريطة لاحقًا.) ونتناول في ما يلي، وباختصار، الرؤيتين الغربية والروسية وإدراكهما لحيوية هذه المناطق ومحوريتها في إستراتيجيتهما، مركزين بالدرجة الأولى على ما يتصل بالواقع الراهن لأزمة أوكرانيا وما يؤثر فيها وفي الإستراتيجيتين المذكورتين.

أول ا: الغرب

تأتي رؤية الغرب للبوابة الشرقية لأوروبا انطلاقًا من التجارب التاريخية المتعلقة بتعرّض ملامح كياناتها السياسية والسكانية للتغيّ بفعل حركة الأقوام والدول التي عبَ ت هذه المنطقة تجاه أوروبا؛ فغزتها وعادت، أو استوطنت فيها وأقامت دولً. وفي التاريخ الحديث، حاولت أوروبا عدم السماح لدولة قاريَّة مركزية مثل روسيا أن تسيطر على هذه المنطقة، فضلً عن أن تتجاوزها، كما حصل في حرب القرم في القرن التاسع عشر والحرب الباردة في القرن العشرين على سبيل المثال. وقد أكدت إستراتيجيات الغرب في القرن الماضي كسياسة الاحتواء مثل - والمُحتمل تجدّدها - على الأهمية "الدائمة" لهذه المنطقة بالنسبة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمركية. لقد فصَّل العالم الجغرافي هالفورد ماكيندر في جغرافيّة "أوراسيا" والمنطقة المركزية فيها، حتى جعلها أحد محاور حركة التاريخ. وركز على المظاهر الجغرافية الطبيعية من سهوب وغابات وتأثر العوامل المناخية التي ساهمت في سهولة العبور إلى أوروبا من تلك المنطقة المفتوحة عليها. وعدَّد غزو القوى الآسيوية لأوروبا، وذكر منها أقوامًا عديدين مثل: قبائل الهون وأشهر حملاتهم بزعامة أتيلا الهوني الذي وصل باريس وروما واتخذ عاصمة لإمبراطوريته في هنغاريا، والأفار، والمجريين، والبلغار، والخزر الذين سيطروا على غرب روسيا وأوروبا الشرقية، والمغول الذين سيطروا أكثر من قرنين على أجزاء واسعة من روسيا. إنّ سهولة حركة القوى الغازية من آسيا وتحديدًا من بين جبال الأورال وبحر قزوين كانت بسبب المناطق المنبسطة أو السهوب الواسعة جنوب روسيا حتى وصلت إلى هنغاريا، ثم إلى قلب شبه الجزيرة الأوروبية، فيما عوّقت الغابات والجبال حركة غزو أوروبا من شمال روسيا5. إنّ المنطقة التي تستشعر أوروبا تحكّمها في مصائر شعوبها ودولها عبر التاريخ، اصطلح على تسميتها ب "أوراسيا" أو "قلب الأرض" أو "المنطقة المركزية" الواقعة في أوراسيا، وقد تعدّدت مسمياتها، وتطورت بحسب الدراسات التي حاولت وصفها وبناء إستراتيجيات ملائمة للتعامل معها. كما أنّ نطاقها الجغرافي زاد ونقص من دراسة إلى أخرى، حتى بالنسبة إلى المؤلف نفسه، وذلك بحسب السياقين الزماني والسياسي التي كتبت فيها. فعلى الرغم من أنّ أشهر مفكري الجيوبولتكس وهو هالفورد ماكيندر قدّم هذه المفاهيم وحدد نطاقاتها الجغرافية في ثلاث مناسبات متباعدة 1904(و 1919 و 1943)، فإنّ مضمونها ومؤداها الإستراتيجي واحد.

ففي عام 1904، حدّد ماكيندر مفهوم أوراسيا Eurasia، فقال: "تلك الأرض البرية المتواصلة، المطوقة بالثلوج من الشمال، والمطوقة بالماء... من جميع الجهات... وتقع فيها المنطقة المركزية area pivotلقد حلت روسيا محل إمبراطورية المغول. وحل ضغطها على فنلندا وإسكندنافيا وبولندا وتركيا وإيران والهند والصين محل الغارات الطاردة المركزية لرجال السهوب. وبشكل أوسع في العالم، إنها تحتل الموضع المركزي الإستراتيجي الذي ملكته ألمانيا في أوروبا. إنها تستطيع شن الغارات من جميع الجوانب... إنّ قلب توازن القوى لمصلحة الدولة المركزية الذي ينتج من توسعها في المناطق الهامشية لأوراسيا، سوف يسمح لها باستخدام المصادر القارية الكبرة بهدف بناء أسطول، وسوف تكون إمبراطورية العالم على مرأى منا"6. وفي عام 1919، بلور مفهومه الأكثر شهرة وهو "قلب الأرض" أو ال "هارتلاند"

  1. Halford J. Mackinder, “The Geographical Pivot of History,” The Geographical Journal vol. XXIII, no. 4 (April 1904), p. 427.
  2. Ibid., pp. 431 and 436.

Heartland، فقال: "تضم الهارتلاند بحر البلطيق ونهر الدانوب السفلي والأوسط الصالح للملاحة، والبحر الأسود، وآسيا الصغرى، وأرمينيا، وإيران والتيبت ومنغوليا"7. لكنه بيّ هنا أهمية أوروبا الشرقية التي تحتل "المنطقة المركزية" من الهارتلاند؛ فوضع المعادلة المعروفة التالية: "من يسيطر على أوروبا الشرقية يحكم الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يحكم جزيرة العالم، ومن يسيطر على جزيرة العالم يحكم العالم"8. أما في عام 1943، فقد اعتبر المضيق العريض بين بحر البلطيق والبحر الأسود هو الحدود الغربية للمنطقة المركزية من أوراسيا الممتدة من ساحل القطب الشمالي إلى الأسفل نحو الصحاري المركزية. وقال: "هناك بوابة مفتوحة يبلغ عرضها ألف ميل تسمح لسكان شبه الجزيرة الأوروبية بالمرور إلى السهل الداخلي من خلال المضيق العريض بين بحر البلطيق والبحر الأسود"9.

وهكذا، مهما تغيّ المسمى وتبدّل النطاق الجغرافي كما أسلفنا، فالمهم أنّ مركز المنطقة المعنية ومحورها هو أوروبا الشرقية والدول الفاصلة بين روسيا وأوروبا الغربية، وأنّ هناك بوابة مفتوحة تتمثل بمنطقة السهوب الممتدة نحو ألف ميل من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، وأنّ الغرض من التذكر بأهمية أوروبا الشرقية بوصفها البوابة البرية الوحيدة المؤدية إلى أوروبا هو منع سيطرة روسيا عليها؛ بما يعني تهديد أوروبا الغربية برمتها. ونتيجة لهذا الإدراك الكلي، توالت الأفكار والمفاهيم والنظريات التي حاولت أن تؤسس سياسات وإستراتيجيات للتعامل مع هذه التهديدات بهدف تأمين اوروبا الغربية أو السيطرة على المنطقة المركزية. فبين الحربين الكبريين، سيطرت مثل هذه الأفكار على السياسة الدولية؛ إذ استغلها كارل هاوسفر مستشار أدولف هتلر، وقدّم أفكارًا متعلقة بالسيطرة على "المجال الحيوي" حيثما وجدت مصالح الشعب الألماني، وحاول هتلر السيطرة على أوراسيا حتى غزا موسكو نفسها. ولكن ما يعنينا من تلك الأفكار هو مدى تأثرها في الواقع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى يومنا الراهن، وما نتج منها من مفاهيم إستراتيجية بنيت عليها إستراتيجيات لا نزال نجد أثرها قائمًا، وهي: مفهوم "منطقة حوض شمال الأطلسي" Midland: بعد أن أقر ماكيندر بحقيقة الوضع الإستراتيجي الذي توفّره منطقة الهارتلاند لمن يسيطر عليها، صكّ في عام 1943 مصطلحًا آخر هو "منطقة حوض شمال الأطلسي" أو حرفيًا "ميدلاند"؛ ليجعله مفهومًا موازنًا ومواجهًا لتلك المنطقة. ففي مقابل معقل القوة البرية، لا بد من وجود قوة برمائية مقابلة مكونة من أمركا الشمالية وبريطانيا وفرنسا. وبهذا شدّد على ضرورة وجود تعاون "دائم" وفعال بين تلك الدول؛ أمركا الشمالية كعمق دفاعي وقوة بشرية وزراعية وصناعية، وبريطانيا بوصفها مطارًا وخندقًا مائيًا معزولً عن اليابسة، وفرنسا بوصفها "موقعًا متقدمًا" أو "رأس جسر" يمكن الدفاع عنه10. وبهذا، قدّم نظريًا لفكرة منظمة حلف شمال الأطلسي التي عملت بفاعلية لاحقًا لمواجهة الاتحاد السوفيتي وحلفائه لأكثر من أربعة عقود، ثمّ توسع بعد ذلك ليضم اليوم معظم دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق، وليس من المستبعد محاولة ضم أوكرانيا في المستقبل. مفهوم "الحزام المحيط" Rimland: جادل العالم الأمركي نيكولاس سبايكمان بأنّ ثمة ضرورة لقيام القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة باحتواء الاتحاد السوفيتي، من خلال سلسلة من الأحلاف العسكرية والأمنية التي تسيطر على مناطق الحزام المحيط؛ لمنعه من التمدد نحو المياه الدافئة، أو الولوج في أوروبا الغربية؛ ما من شأنه أن يوفِّر له إمكانية السيطرة على "مصائر العالم." فقام بتحديث مقولة ماكيندر، وافترض أنّ: "من يسيطر على الحزام المحيط يحكم أوراسيا، ومن يحكم أوراسيا يسيطر

  1. Halford J. Mackinder, Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction (New York, NY: Henry Holt and Company, 1919),
  2. Ibid., p. 186.
  3. Halford J. Mackinder, “The Round World and the Winning of the Peace,”
  4. Foreign Affairs , vol. 21, no. 4 (July 1943), p. 603. 10  Ibid., pp. 601 and 604.

على مصائر العالم"11. وبحسب وصفه تتكون مناطق الحزام المحيط من أوروبا، وصحراء الجزيرة العربية والشرق الأوسط، والمنطقة الآسيوية (شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا)12. ومن المحتمل أن تكون هذه المناطق محل تركيز الإستراتيجية الأمركية خلال السنوات المقبلة، كما سنبين لاحقًا. سياسة الاحتواء Containment: بعد أن أقام جورج كينان في الاتحاد السوفيتي وتعرّف إلى خططه المتمثلة باختراق الدول الحليفة للولايات المتحدة الواقعة ضمن "الحزام المحيط" مثل أوروبا الغربية واليابان، أرسل تلغرافًا مطوّلً وشهرًا إلى واشنطن، تحت اسم مجهول، يحثها على تطبيق مضامين مفاهيم سبايكمان عبر احتواء القوة التي تسيطر على أوراسيا13. وبالفعل، طُبِّقت هذه السياسة طوال فترة الحرب الباردة. ومرة أخرى، من المحتمل أن تعود مثل هذه السياسة في سياق تداعيات أزمة أوكرانيا، ولو بأشكال أخرى. توسيع حلف الأطلسي: يمر حلف شمال الأطلسي بمراحل من التوسّع المستمر، على الرغم من انتهاء المبرر المباشر لوجوده بانهيار الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو وانتهاء الحرب الباردة. سِّس الحلف عام لقد أ 1949 من 12 دولة، وشهد عمليات توسع حتى وصل عدد أعضائه إلى 28 دولة حتى عام 2014 14. وبعض تلك الدول الجديدة على تماسٍ مباشرٍ مع روسيا؛ مثل دول البلطيق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، فضلً عن ضمه دول أوروبا الشرقية المهمة مثل بولندا ورومانيا وهنغاريا. كما تجاوزت طموحاته ما وراء ذلك، ليبحث عضوية جورجيا الواقعة في منطقة القوقاز المطلّة على الجهة الشرقية للبحر الأسود. توسيع الاتحاد الأوروبي: بدأ الاتحاد الأوروبي بوصفه مجموعة اقتصادية تضم 6 دولٍ عام 1951، وأضحى يضم 28 دولة حتى عام 2014، كما تحوّل إلى منظمة لها سياسات اقتصادية وسياسية وأمنية مشتركة. ومثل الناتو، ضم الاتحاد الأوروبي دولً على تماسٍ مباشرٍ بالأرض الروسية كدول البلطيق، كما ضم معظم دول أوروبا الشرقية. ولجأ إلى عقد شراكات مع دول مهمة بالنسبة إلى مستقبل أوروبا مثل أوكرانيا تمهيدًا لتهيئتها ربما للعضوية الكاملة مستقبلً. فقد وقّع رئيس الوزراء الأوكراني الانتقالي أرسيني ياتسينيوك، الموالي للغرب، الشق السياسي من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. ويهدف الاتفاق إلى تقريب أوكرانيا من الاتحاد من خلال إنشاء شراكة سياسية واندماج اقتصادي بين الطرفين15. وتم إرجاء توقيع الفصول المتبقية إلى حين تشكيل حكومة تنبثق من انتخابات أيار/ مايو 2014، فاز فيها الرئيس بيترو بوريشنكو المؤيد للاتحاد الأوروبي، وهو الذي دعا إلى "تحويل أوكرانيا إلى دولة حديثة ترتبط بصلة وثيقة مع الاتحاد الأوروبي"16. ومن المقرر أن يوقع الاتحاد الأوروبي اتفاقي شراكة مماثلين أيضًا مع جورجيا ومولدوفا اللتين ترغبان في الخروج من دائرة نفوذ موسكو والتقرب من الاتحاد الأوروبي17.

تظهر المفاهيم الجيوبولتيكية السابقة، والإستراتيجيات التي بنيت على أساسها، وعمليات التوسع الأطلسية والأوروبية، أنّ إدراك الغرب لأهمية البوابة الشرقية مستقرٌ وثابتٌ، وأنّ عمله حثيثٌ وإستراتيجي، وخطواته مدروسة ومتراكمة، وأنّ المفاهيم التي تعود إلى القرن العشرين لا تزال حاضرةً في سياساته حتى يومنا هذا، وربما تتطور بصور متعددة.

  1. Nicholas J. Spykman, The Geography of the Peace (New York, NY: Harcourt, Brace and Company, 1943), p. 45.
  2. Christopher J. Fettweis, “Sir Halford Mackinder, Geopolitics, and
  3. By “X” (George F. Kennan), “The Sources of Soviet Conduct,” Foreign Affairs (July 1947), at: http://goo.gl/QXNM
  4. NATO, “NATO Enlargement,” at: http://www.nato.int/cps/en/natolive/
  5. Policymaking in the 21st Century,” Parameters (Summer 2000), at: http:// goo.gl/d1PlEJ
  6. “ Petro Poroshenko Vows to Restore Peace,” The Economist , May 26, http://www.economist.com/blogs/easternapproaches/2014/05/ at: ukraines-election-0 17  " الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وقعا الشق السياسي من اتفاق الشراكة."
  7. topics_49212.htm " الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وقعا الشق السياسي من اتفاق الشراكة"، 15 الحياة، 21 آذار/ مارس.2014

لذا، فهناك انعكاسات إستراتيجية مهمة على مستقبل العلاقة الروسية مع الغرب انطلاقًا من تلك المفاهيم والإستراتيجيات، سنناقشها لاحقًا بعد التعرّف على رؤية روسيا.

ثانيًا: روسيا

ثمة رؤية روسية أيضًا لأوراسيا والمنطقة المركزية فيها؛ فبعد أن دامت الأراضي الروسية نحو ثلاثمئة عام تحت حكم المغول، تمكنت دوقية مسكوفي Muscovy من توسيع نطاقها داخل أوراسيا، ورأت أنّ ضم المزيد من الأراضي المجاورة أمرًا ضروريًا ووقائيًا من أجل البقاء في ظل بيئة دولية متنافسة. وبعد حروب متتالية مع الممالك البولندية الليتوانية، والسويدية، والعثمانية والفارسية، وصلت الحدود الروسية إلى شواطئ بحر البلطيق وبحر قزوين والبحر الأسود، وأصبح الموقع الجغرافي المركزي المثالي مناسبًا كنقطة يمكن من خلاله تهديد منافسيها18. لقد سعت روسيا لتعزيز مجالات نفوذها في الأراضي المجاورة، ما يسمح لها بحماية المنطقة المركزية في أوراسيا من الاختراق وتسلل الأعداء. ويرى مفكرون روس أنّ روسيا مادامت ترغب في أن تبقى قوة كبرى، فهي تحتاج إلى أن تبقى المحور الإستراتيجي المتحكم في أوراسيا19. وتشدّد روسيا على أهمية المنطقة التي كان يشغلها الاتحاد السوفيتي سابقًا بوصفها "منطقة مصالح مميزة لروسيا." لذا، فقد اعتبر الرئيس الروسي فلاديمر بوتين أنّ انهيار الاتحاد السوفيتي كان "كارثة جيوبوليتكية كبرى"20. لقد خلصت روسيا في نهاية التسعينيات من القرن العشرين، مع انهيار إستراتيجية الرئيس السابق بوريس يلتسين اللبرالية الهادفة إلى التكامل مع الغرب، إلى أنه في حين تم استبعاد التنافس الأيديولوجي الذي ساد في الحرب الباردة، فإنّ الصراع لتحقيق أهداف جيوبولتيكية لا يزال قائمًا21. فقد راقبت روسيا الغرب عن كثب وهو يوسِّع نفوذه في اتجاه أوروبا الشرقية، عبر عضويتي حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. واعتبر وزير الخارجية الروسي سرجي لافروف السلوك الإستراتيجي الغربي المتمثل ب "نشر نفوذه الجيوبولتيكي إلى الشرق أنه نسخة جديدة من سياسة احتواء روسيا"22. وكما تمثل المنطقة الواقعة بين البحر الأسود وبحر البلطيق بوابة شرقية باتجاه الغرب، فإنها في الوقت نفسه يمكن أن تعد بوابة غربية باتجاه الشرق؛ إذ تستذكر روسيا دومًا غزو نابليون وهتلر لها من خلال عبور هذه البوابة نفسها. لذلك فهي تفضّ ل دائمًا "أن تبقى هناك دول مستقلة في أوروبا تشكل منطقة عازلة تفصل بينها وبين تحالف أنجلو-سكسوني محتمل ضدها"23، وبخاصة بعد أن بات يؤرقها وصول نفوذ الغرب حتى أوكرانيا وجورجيا. ولذلك، استخدمت روسيا أدوات القوة "الناعمة" و"الصلبة" من أجل الحفاظ على مكانتها في مناطق نفوذها؛ فعملت على تأسيس سلسلة من العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، مثل الاتحاد الجمركي مع بيلاروسيا وكازاخستان، وتعزيز "منظمة معاهدة الأمن الجماعي"، و"منظمة شنغهاي للتعاون"، و"المجموعة الاقتصادية الأوراسية"24.

تحتل أوكرانيا مكانة مهمة بالنسبة إلى روسيا، وقد أشار الرئيس بوتين إلى الأوكرانيين بوصفهم "إخوة" للروس؛ فالحضارة الأرثوذكسية الشرقية، وهي التي يرى فيها الروس أنفسهم القوة الطليعية الرائدة، قد بدأت في ولاية كييفان روس Kievan Rus التي تتوسط أوكرانيا الحالية، عندما تحوّل الأمر فلاديمر إلى المسيحية عام 988 للميلاد. ويشر الروس عادة إلى أنّ أجدادهم بذلوا دماءهم من أجل الحفاظ على ما يعرف اليوم بأوكرانيا ضمن الإمبراطورية الروسية ثم وريثها الاتحاد السوفيتي عبر حروب عديدة25. إنّ لجوء روسيا إلى القوة

  1. John Berryman, “Geopolitics and Russian Foreign Policy,” International Politics (July 2012), pp. 531-532.
  2. Ibid, p. 531 and 538.
  3. Woehrel, p. 7.
  4. Berryman, pp. 539-540.
  5. Bill French, “A Bad Move: Further NATO Expansion,” The National Interest , March 2, 2014, at: http://nationalinterest.org/feature/bad-move- further-nato-expansion-10350
  6. Frederick S. Dunn, “Introduction,” in Nicholas J. Spykman, p. xi.
  7. Berryman, p. 540.
  8. Woehrel, p. 7. المصدر: الخريطة من إعداد الباحث. ملاحظات: تمت إضافة الخطين الوهميين كي يشرا إلى المنطقة الواقعة بين البحر الأسود وبحر البلطيق، المُتصوَّرة بوصفها مدخلً أو بوابةً نحو الغرب
خ طة ال ا ة الشرق ة للغ
خريطة البوابة الشرقية للغرب

المسلحة في الحالة الأوكرانية، واحتلال القرم وضمها، يشران إلى محاولتها تأكيد حقها الجيوبولتيكي في "مناطق مصالحها المميزة"؛ فقد عملت قبل ذلك على فصل أراضٍ من جورجيا حين اعترفت باستقلال إقليميها أبخازيا وأوسيتا الجنوبية26.

الدلالات الإستراتيجية للتحركات الغربية والروسية

لكي ندرك أسباب حراك الغرب وروسيا ووصولهما حاليًا إلى نقطة حاسمة تنطوي على توتر شديد وربما حرب باردة جديدة، علينا إمعان النظر في الخريطة السياسية الراهنة للمنطقة المركزية الفاصلة بينهما وواقع تنافس النفوذ فيها؛ إذ يمكن استنتاج الآتي: أولً: أصبحت معظم الدول الكبرة في أوروبا الشرقية والوسطى مثل بولندا ورومانيا وهنغاريا وسلوفاكيا وبلغاريا تحظى اليوم بالعضوية الكاملة في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتم ترسيخ انتمائها الغربي بعد تداخل مصالح شعوبها اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا ضمن المنظومة الغربية الأطلسية. ولم يعد بإمكان روسيا أن تتحدى الغرب في هذه الدول التي تشكل عمقًا جغرافيًا وخطَ دفاعٍ أولَ عن أوروبا الغربية وحوض الأطلسي. ثانيًا: بقيت هناك دولتان فقط (أوكرانيا وبيلاروسيا) كي يستكمل الغرب بضمهما حرمان روسيا من نفوذها في "المنطقة المركزية" المتمثلة بأوروبا الشرقية كاملةً. لقد توسّع الغرب عبر الناتو والاتحاد الأوروبي، كما أسلفنا، حتى وصل إلى البوابة الشرقية لأوروبا الممتدة بين البحر الأسود وبحر البلطيق، وبدأ هذا الخط الطولي في التآكل شمالً بعد ضم دول البلطيق الثلاث. ومع عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقًا للشراكة مع أوكرانيا في آذار/ مارس 2014، فإنّه يسعى بذلك لمدّ نفوذه إلى أكبر دول أوروبا الشرقية مساحةً، وأكثرها سكانًا، وأعمقها امتدادًا جغرافيًا نحو روسيا، وهي تحتل أكثر من نصف طول البوابة؛ فهي بذلك تعد أهم دولها.

  1. Berryman, pp. 539-540.

ثالثًا: إنّ تكريس مصالح الغرب ونفوذه في أوكرانيا يعني بالنسبة إلى روسيا إطباق نفوذه على شمال البحر الأسود كله، وعلى شبه جزيرة القرم ذات الأهمية الإستراتيجية والتاريخية. ومع وجود الحليف التركي للغرب في الساحل الجنوبي لهذا البحر، ورومانيا وبلغاريا في الساحل الغربي، وجورجيا في جزء من الساحل الشرقي، فإنّ الوجود الروسي على هذا البحر الدافئ سوف ينحسر في جزء من الساحل الشرقي فقط. وإذا كانت فائدة البحار إستراتيجيًا بالنسبة إلى الدولة الكبرى تكمن في الحركة الآمنة لأساطيلها العسكرية وسهولة وصولها إلى مقاصدها، فإنّ البحر الأسود سيصبح شبه فاقدٍ لتلك الفائدة بالنسبة إلى روسيا إن استكمل الغرب إدماج أوكرانيا كاملةً بشراكاته الاقتصادية والأمنية بما فيها شبه جزيرة القرم. ولعل هذا ما جعل روسيا تتصرف بسلوك تقليدي مسلح على الرغم من الانعكاسات السلبية التي تتوقعها من ردود فعل الغرب. رابعًا: إذا نجحت مساعي الغرب في إدماج أوكرانيا في المنظومة الاقتصادية والأمنية الغربية، فحينذٍ لن يتبقى إلا جمهورية بيلاروسيا لتكون فاصلة بين الغرب وروسيا. لكنها ستكون محاطة شمالً وجنوبًا وغربًا بالغرب وحلفائه؛ ما يجعلها الوحيدة الموالية لروسيا في البوابة الشرقية لأوروبا، وهي تحتل نحو ربع طول هذه البوابة فقط. ومع ذلك، فليس من المستبعد أن يبدأ الغرب عملية طويلة المدى لإغراء هذه الدولة بالدخول في شراكات معه.

خامسًا: هكذا تكون نتيجة عمليات الإدماج الاقتصادية الأمنية الأوروبية - الأطلسية إذا تمت بأكملها، قد أوصلت النفوذ الغربي إلى حدود روسيا نفسها. إنّ ذلك يجعل الأمر معكوسًا هذه المرة؛ فبدلً من أن تمنح "المنطقة المركزية" ميزة إستراتيجية للقوة البرية الروسية، فإنّ الغرب يكون قد حرم روسيا منها عملً بالنصيحة الكلاسيكية لهالفورد ماكيندر. وبهذا يكون الغرب أيضًا قد حوّل البوابة الشرقية إلى معبرِ تهديدٍ باتجاه الشرق؛ أي روسيا، بما يمكّنه من احتوائها بفاعلية أكثر، وليس باتجاه الغرب كما جرت العادة تاريخيًا. وبذلك يضمن الغرب أيضًا خطَ دفاعٍ ثانٍ مكوّنًا من دول البوابة، بعد أن كان قد أقام خط الدفاع الأول كما بينا سابقًا. ولعلنا نلاحظ بالنتيجة أنّ خطَّي الدفاع مكونان من دول أوروبا الشرقية والوسطى، فيما تبقى أوروبا الغربية ومن ورائها الولايات المتحدة بمعزل عن وصول التهديدات الروسية المباشرة إليهما. هنا، لا بد من الإجابة عن تساؤل مهم تثره الملاحظات والدلالات السابقة. فالمنظور التاريخي لماكيندر بشأن البوابة الشرقية، اعتمد على وصف العوامل الطبيعية الجغرافية كالمناخ والسهوب المفتوحة التي تسهّل الحركة البرية التقليدية نحو الغرب. ولكنّ الملاحظات أعلاه اعتمدت على الخريطة السياسية وتقسيماتها في عالم اليوم الذي يشهد تقدمًا تكنولوجيًا هائلً وظهورًا لأسلحة الجو والصواريخ العابرة للقارات والأسلحة النووية وتكنولوجيا الفضاء وغرها؛ فهل ما زالت تلك البوابة تملك الأهمية نفسها وتستحق تنافس النفوذ عليها في ظل التطور التكنولوجي؟ لأول وهلة تبدو مقولة عبور البوابة الشرقية ودولها ذات الحدود السياسية الثابتة والمعترف بها دوليًا، قديمة وخارج السياق الزمني الحالي. ولكن، إذا راجعنا إستراتيجيات كل من الاتحاد السوفيتي والغرب منذ أن ظهرت التكنولوجيا المتطورة، نلاحظ تنافسًا شديدًا على المناطق الفاصلة بينهما نفسها؛ وذلك إما عبر فرض السيطرة المباشرة من السوفييت أو محاولة الاحتواء من الغرب. ومنذ بداية التسعينيات وحتى الآن، نلاحظ الزحف العكسي الغربي للسيطرة على المناطق نفسها أيضًا عبر عمليات التوسع الأوروبية الأطلسية. وفي عام 2014، وصل هذا التنافس حدًا يهدد بانهيار علاقات الطرفين الدوليين الكبرين الروسي والغربي. ومع ذلك، يبدو أنّ البوابة الأخرة الفاصلة بينهما تستحق العناء والتوتر الشديد، فأصّ الاتحاد الأوروبي على توقيع اتفاق الشراكة مع أوكرانيا على الرغم من خطورة تهديدات روسيا، فيما أصرّ الروس على تنفيذ تهديداتهم بفعلٍ ماديٍ تقليديٍ عبر الاحتلال العسكري المسلح للقرم وتهديد الأجزاء الجنوبية والشرقية لأوكرانيا. بهذه الشواهد الحية، نعتقد أنّ الرؤية التقليدية للبوابة الشرقية وأهميتها الجيوبولتيكية لا تزال قائمة، وستكون سببًا مستمرًا للتنافس، وربما الصدام المستقبلي.

احتمالات الإستراتيجية الغربية المقبلة إزاء أزمة أوكرانيا

في ظل تنامي القوة الروسية اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، لا يملك الغرب الرد على السلوك الروسي تجاه أوكرانيا بالوسائل نفسها التي استخدمتها روسيا؛ إذ ينذر ذلك - إن حدث - بمخاطر مواجهات عسكرية تهدّد الغرب وروسيا معًا، وتنطوي على تكاليف لا يحتملها الطرفان في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، فإنّ إظهار روسيا لقوتها العسكرية واستفزاز الغرب وتحديه بهذه الطريقة لا يتوقع أن يمر دون رد أيضًا. وفي ضوء الحسابات العقلانية والواقعية وحسابات التكلفة-المنفعة الذي يعتمد السلوك الغربي عليها غالبًا، يبدو أنّ خيارات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي و"الناتو" سوف ترتكز على خطوات منظّمة ومدروسة وتصاعدية لتقويض فاعلية روسيا في منطقة البوابة الشرقية لأوروبا والرد على سلوكها على مراحل. كما يبدو أنّ الردود الغربية ستأتي في إطارٍ كليّ عالمي، يشمل: تعزيز الثقة مع قادة أوكرانيا الجدد والشعب الأوكراني، وفرض عقوبات على موسكو، وتعزيز وجود الناتو بالقرب من البوابة الشرقية، وإعادة التأكيد على التحالفات الإستراتيجية في منطقة "الحزام المحيط" في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرقها، وربما تجديد سياسة الاحتواء.

ويمكن استنباط احتمالات الإستراتيجية الغربية المقبلة، اعتمادًا على المفاهيم السابقة التي قُدمت في البحث وعلى طبيعة الإدراك والسلوك الغربي تجاه المنطقة، وذلك في الآتي: أولً: دعم عملية تحوّل أوكرانيا نحو الغرب: لجأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى إلى دعم الحكومة الأوكرانية الجديدة لتشجيعها على التزام الإصلاحات. ففي أيار/ مايو 2014، تلقت الحكومة الأوكرانية الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 17 مليار دولار، وكشف الاتحاد الأوروبي عن حزمة مساعدات بقيمة 15.5 مليار دولار27. ويهدف الغرب من ذلك إلى تثبيت الوضع القائم الحالي وإقناع الشعب الأوكراني بتأييد القادة ذوي التوجهات الغربية، أملً في تحسين الوضع الاقتصادي المتردي الذي خلفته سنوات حكم القادة الموالين لموسكو. كما تظهر هذه المساعدات التزام الغرب تجاه حلفائه، بما يقوّض خطط موسكو ببث الفوضى والنزاعات الانفصالية في الدول التي تسلك السلوكين الجورجي والأوكراني. ثانيًا: العقوبات على روسيا: فرض الغرب عقوبات اقتصادية ومالية على روسيا، وبخاصة على النخبة السياسية والاقتصادية القريبة من الرئيس فلاديمر بوتين بهدف تهديد مصالحها بشكل مباشر، فضلً عن طرد روسيا من مجموعة الدول الثماني الصناعية. ويبدو أنّ هذه العقوبات ستكون ضمن حزمٍ متصاعدةٍ بهدف ردع روسيا. ثالثًا: زيادة وجود قوات حلف الناتو: اقترح خبراء غربيون إقامة جسر دائم مكون من ثلاثة إلى سبعة آلاف جندي، لضمان وجود قدرات متقدمة للحلف، وتأكيد أمن الدول التي تجاور روسيا مثل دول البلطيق، وإظهار التزام الحلف تجاه أمن الأقليات الروسية في هذه الدول لتقويض ذرائع موسكو التي قد تتدخل بحجة حمايتهم، كما حدث في أوكرانيا28. رابعًا: تقليص الاعتماد الأوروبي على مصادر الطاقة الروسية تدريجيًا، والبحث عن بدائل مثل الاستثمار الطويل الأجل في النفط الصخري، ومصادر الطاقة المتجددة، وتعزيز اعتمادها على مصادر بديلة من الغاز الروسي، وبخاصة من قطر التي تمتلك إمكانات ضخمة في هذا المجال. ومن هنا، من المتوقع أن تتزايد أهمية الغاز القطري، ما يعني سعي أوروبا لتعزيز علاقاتها وشراكاتها مع قطر. وفي هذا السياق، لا يستبعد أن يكون أحد أهداف دعم روسيا للنظام السوري هو تعطيل مساعي الغرب لنقل الغاز القطري عبر الأنابيب إلى سورية، وعبرها إلى أوروبا، فقد قضت الأزمة السورية على هذا الخيار. خامسًا: تجديد التحالف الأمركي – السعودي؛ إذ لم تأتِ زيارة الرئيس الأمركي باراك أوباما في نيسان/ أبريل 2014 إلى المملكة العربية السعودية لمعالجة قضايا ثنائية بالدرجة الأولى كما أشيع، ولكنها تأتي أيضًا في إطار المساعي الغربية لتجديد تحالفاتها مع المحاور الأساسية في "الحزام المحيط" الذي طالما حاصر الاتحاد السوفيتي سابقًا واحتواه. في هذا الإطار الكلي، قد تعد زيارة أوباما لاحقًا

  1. Woehrel, p. II.
  2. Michael O’Hanlon, “NATO After Crimea: How the Alliance Can Still Deter Russia,” Foreign Affairs , April 17, 2014, at: http://www.foreignaffairs. com/articles/141227/michael-ohanlon/nato-after-crimea

تاريخيةً وإستراتيجيةً مثل زيارة الرئيس فرانكلين روزفلت ولقائه الملك عبد العزيز آل سعود عام 1945. ولا يقتصر الدور السعودي على مركزيته السياسية والأمنية الخليجية فحسب، بل أيضًا على الدور النفطي الحاسم والمتحكم في الأسواق العالمية بوصف السعودية المصدِّر الأكبر، فيما تعتبر روسيا المنتج الأكبر للنفط الذي أدى دورًا رئيسًا في إحياء قوتها. سادسًا: إعادة التأكيد على الحاجة الغربية لتركيا؛ إذ تقع شبه جزيرة القرم في البحر الأسود الذي يعد حوضًا بحريًا تركيًا أيضًا، وتمثل القرم أهمية إستراتيجية وتاريخية بالنسبة إلى تركيا، إذ خاضت من أجلها حربًا طويلة مع روسيا في الفترة 1856-1853، ودعمتها في تلك الحرب بريطانيا وفرنسا. إنّ سيطرة روسيا مرة أخرى على القرم سبّب قلقًا تركيًا وغربيًا في آنٍ معًا؛ إذ تعطي تلك السيطرة أفضلية لروسيا في البحر الأسود عبر ضمان استمرار وجود أسطولها دونما حاجة إلى اتفاقية بهذا الشأن مع أوكرانيا، كما يضمن لها السيطرة على شمال هذا البحر فضلً عن شرقه. لقد اعتُبِ ت تركيا طوال الحرب الباردة حاجزًا بين الغرب وروسيا. ويبدو أنّ الحاجة إلى هذا الحاجز تجدّدت بالنسبة إلى الغرب. لذلك، من المحتمل أن يتزايد التعاون العسكري والأمني الغربي مع تركيا بوصفها خط دفاع جغرافي طبيعي عن أحد المداخل المهمة لأوروبا. وفي المقابل، جدّدت أزمة أوكرانيا أيضًا حاجة تركيا إلى تحالفاتها الغربية، بعدما حاولت إعادة توجيه سياستها الخارجية تجاه الشرق طوال العقد الماضي، مع حفاظها على التوجه الغربي. سابعًا: تجديد التحالفات الغربية في جنوب آسيا وشرقها؛ فبعد زيارة أوباما للسعودية، يبدو أنّ المحطة التالية لتجديد التحالفات ضمن مناطق "الحزام المحيط" ستكون باكستان والفلبين وكوريا الجنوبية واليابان؛ وهي دول مرتبطة أصلً باتفاقيات أمنية منذ الحرب الباردة. لكنّ الأوضاع الجديدة قد تفرض إعادة التأكيد عليها. ثامنًا: محاولة الولايات المتحدة استقطاب الهند؛ إذ إنّ فوز حزب الشعب الهندي (بهارتيا جاناتا بارتي) في الانتخابات في أيار/ مايو 2014 بأغلبية مقاعد مجلس النواب، يعني تمكنه من حكم الهند منفردًا. وفي ضوء سعي هذا الحزب لإعادة توجيه السياسة الخارجية الهندية، قد تتنافس الولايات المتحدة وروسيا لاستمالة القيادة الجديدة في الهند. ولئن كانت المبادئ الاشتراكية وتأييد حركات التحرر قد سيطرت على عقيدة الهند الإستراتيجية طوال الحرب الباردة، ما أبعدها عن انتهاز فرصة التنافس الدولي لتحقيق مصالحها الذاتية بالدرجة الأولى، فإنها تُعدّ اليوم أكثر براغماتية واستعدادًا لإعطاء مصالحها أولوية قصوى بغض النظر عن القضايا المبدئية التي اشتهرت بتأييدها. وفي هذا السياق، ليس من المستبعد أن يزور الرئيس الأمركي الهند في إطار مساعي الغرب لاحتواء روسيا عبر استقطاب الهند أو على الأقل تحييدها لئلا تتضامن مع روسيا.

خلاصة: لماذا قد تستمر الأزمة؟

يبدو أنّ روسيا لا تستطيع التراجع في أوكرانيا أو أن تتركها لتصبح جزءًا من الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو؛ إذ فضلً عن المشاعر القومية الروسية التاريخية تجاهها، واعتبارها جيوبولتيكيًا "منطقة مصالح متميزة"، فإنها تقع في جوارها المباشر، وتشكل مساحة ضخمة تبلغ نحو 603 آلاف كيلومتر مربع، وتتكون من كتلة بشرية كبرة يبلغ عددها نحو 48 مليون نسمة،29 ما يجعلها الحصن الإستراتيجي الواسع والأخر الذي يعزل روسيا عن الغرب وحلفائه. ومع اعتبار شبه جزيرة القرم جزءًا من روسيا بعد ضمها، فليس من المتصور أن تتخلى عنها، وبخاصة أنها ترغب في ضمان وجود دائم لأسطولها في البحر الأسود من دون اتفاقية مشتركة مع أوكرانيا المعرّضة للنفوذ الغربي. أما الغرب الذي تُشكّل أوكرانيا في مفاهيمه الجيوبولتيكية جزءًا مهمً من "المنطقة المركزية"، وتحتل المساحة الأوسع والأطول في بوابته الشرقية، فلن يفرّط في فرصة وجود استعدادٍ ورغبةٍ قيادية وشعبية أوكرانية في التقرب منه وربما الاندماج في مؤسساته. ويعني تحقّق ذلك، حصول الغرب على أفضلية أمنية واقتصادية وسياسية في هذه المنطقة الحيوية التي تسمى في استعاراته الجغرافية "قلب الأرض." ومن جهة أخرى، يدرك الغرب أنّ تراجعه في أوكرانيا قد يرسل رسالة سلبية إلى حلفائه الآخرين في أوروبا الشرقية بعدم موثوقيته وعدم إمكانية الاعتماد عليه في حال تعرّضهم أيضًا للتهديد من قبل روسيا، وبخاصة إذا استعادت قوتها الإقليمية والدولية السابقة. ومع ذلك، قد يلجأ الطرفان الروسي والغربي إلى التفاوض، لكنه سيكون تفاوضًا على نزع فتيل الأزمة الحادة بما يخفّف توترها، عبر الاتفاق على تهدئة أو على قضايا آنية. لكنّ المشكلة الجوهرية الجيوبولتيكية المستقرة في مفاهيم الطرفين ومداركهما لن تجد حلً تفاوضيًا، لأنها مشكلة تتعلق بالجغرافيا الثابتة التي تعد محورية في سلوكهما التاريخي.